22140
ندوات تلفزيونية - قناة اقرأ - موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرس (05-28 ) : الرفق واللين انعكاس داخلي
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2008-02-05
بسم الله الرحمن الرحيم

الأستاذ أحمد :

وترحيب :

 نرحب بكم في هذه حلقة جديدة من برنامجكم موسوعة الأخلاق الإسلامية ، نسير في هذه الحلقة ، ونمعن النظر في خُلق جديد من الأخلاق مع فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين ، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته أستاذنا الكريم .
الدكتور راتب :

 وعليكم السلام ورحمة الله وبركته أستاذ أحمد .
الأستاذ أحمد :

 سيدي الكريم نتمنى اليوم أن نقف أمامكم مع خُلق جديد ، ألا وهو الرفق ، فهل الرفق هو اللين ؟
الدكتور راتب :

خُلقُ الرفقِ :

 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

1 ـ الرفقُ أساسه رحمة مشتقة من الاتصال بالله :

 أستاذ أحمد ، الإنسان عقل يدرك ، ونفس تنطوي بين جنبيه ، وجسم يتحرك ، النفس لها خصائص ، فبقدر اتصالها بالله تشتق منه الكمال ، فأي إنسان له صلة بالله يشتق منه الرحمة ، واللطف ، والإنصاف ، فالرفق انعكاس رحمة في القلب ، الرحمة في القلب تنعكس ليناً ورفقاً ، فخلق الرفق خاص بالمؤمنين ، أما المنقطعين عن الله عز وجل فهم قساة في أقوالهم وفي ألفعالهم ، إلا من كان ذكياً منهم فيتلبس بلبوس الرفق ليحقق مصالحه ، وهذا موضوع دقيق جداً ، فالذكي قد يصل في بعض تصرفاته إلى ما يشابه الفقيه ، لكن الباعث هو الدنيا ، الباعث هو انتزاع إعجاب الآخرين ، بينما المؤمن حينما تنعقد صلته بالله عز وجل يشتق منه الكمال .
 لذلك الصلاة أهم شيء في الدين ، من ترك الصلاة فقد ترك أعظم أركان الدين ، وهو الصلاة .
 إذاً : الرفق خُلق أساسه رحمة في القلب ، والرحمة التي في القلب أساسها اتصال بالرحيم .

(( إِنَّ اللهَ عز وجلَ رَفيق يحِبُّ الرِّفق ))

[أخرجه أبو داود عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه ]

 رحمة الله عز وجل أيضاً يمكن أن يشتق منها الإنسان جزءًا كبيرا من أخلاقه .

2 ـ الرفقُ لين في الأقوال والأفعال والأحوال والمعاملات :

 الرفق هو اللين في المعاملة ، اللين في القول ، اللين في الفعل ، أن تكون مألوفاً أن تألف وتؤلف ، هذا كله من مظاهر الرفق في الإنسان .
 لذلك الرفيق لين في معاملته ، لين في أقواله ، بل إنه يأخذ بالأسهل ، ما لم يكن الأسهل حراماً ، وما خُيِّر النبي بين شيئين إلا اختار أسهلهما ، إلا أن يكون حراماً .
 من هو الرفيق ؟ هو الذي ينطوي على قلب رحيم ، هذه الرحمة انعكست رفقاً ، وليناً ، في الأقوال والأفعال ، وفي التصرفات ، بل وفي الأحكام ، الرفيق يرحم مَن حوله ، فلا يفتيهم إلا بالأيسر ، ما لم يكن هناك شبهة ، والرفيق الذي هو يرحم الناس ، فلا يأخذهم بالعزائم ، ويأخذ نفسه بالرخص .
 كلمة رفيق تعني إنسانا موصول بالله ، اشتق من رحمة الله عز وجل هذا اللين في أقواله ، وفي أفعاله ، فهو يألف ويؤلف ، يحبه كل من حوله ، مَن رآه بديهة هابه ، ومَن عامله أحبه ، هذا هو الرفيق بمنعكس إيماني ، الأصل هو الإيمان ، هذا الإيمان من مظاهره أن المؤمن رفيق بمَن حوله .
الأستاذ أحمد :

 أستاذنا الكريم ، هذا تعريف الرفق ، لكن هذا الخُلق ، ونحن نتحدث عنه لا بد أن الباعث إليه إرشاد شرعي ، فأي هي توجيهات الله عز وجل لنا في الرفق ؟
الدكتور راتب :

الدليل القرآني على خُلق الرفق :

 بارك الله بك ، الآية التي هي أصل في الرفق .

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾

( سورة آل عمران الآية : 159 )

 هذه الباء باء السبب ، يعني بسبب رحمة استقرت في قلبك يا محمد من خلال اتصالك بنا كنتَ ليَّنا .
 مستحيل أن تتصل بالرحيم وتكون قاسياً ، مستحيل أن تتصل بالحكيم وتكون غير حكيم ، مستحيل أن تتصل باللطيف وتكون غير لطيف .
 إن مِن ثمار الصلاة الأولى أن الإنسان باتصاله بالله يشتق منه الكمال ، فلا ترى إنساناً مصلياً يتمتع إلا بالأخلاق الكريمة ، لأن الأخلاق الكريمة نتيجة وثمرة يانعة من ثمرات اتصال العبد بربه ، لكن لا بد من التحكم قليلاً :

أداء الشعائر مع الانقطاع عن الله لا ينفع الإنسانَ :

 هناك من يقف في الصلاة ويكبّر تكبيرة الإحرام ، ويقرأ الدعاء ، والفاتحة ، وسورة ، ويركع ويسجد ، وفق القواعد الشرعية ، وأحكام الصلاة ، لكن لأن له مخالفات كثيرة في الحياة ، في دخله شبهةٌ ، في علاقاته الاجتماعية شبهة ، في أقوله شبهة ، في أفعاله شبهة ، هو مقطوع عن الله ، مقطوع عنه نفسياً ، لكنه يؤدي الصلوات الخمس .
 لذلك هذه نقطة دقيقة جداً ، النبي الكريم حينما سأل أصحابه :

(( أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ ؟ قَالُوا : الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ ، فَقَالَ : إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا ، وَقَذَفَ هَذَا ، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا ، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا ، وَضَرَبَ هَذَا ، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ ، فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ))

[ أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

 لا بد من أن أفرق بين المتصل بالله ومن يؤدي حركات الصلاة ، ويؤدي أقوالها وأفعالها ، حتى إن بعضهم قال : " سقط الوجوب ، وإن لم يحصل المطلوب " ، المطلوب لم يحصل ، إن الصلاة عندئذٍ لا تنهى عن الفحشاء والمنكر ، ما دام هناك اتصال بالله حقيقي فهي تنهى عن الفحشاء والمنكر نهيا ذاتيا ، لأنه اشتق من الله الكمال ، اشتق من الله العدل ، اشتق من الله الرحمة ، اشتق من الله اللطف ، اشتق من الله الحكمة ، فمن هو الرفيق ؟ هو الإنسان المتصل بالله عز وجل .
 لئلا يختلط الأمر في أذهان الإخوة المشاهدين ، هناك اتصال بالله أساسه الاستقامة ، وهناك أداء لحركات الصلاة ، فلذلك المصلي إن لم يكن مستقيماً قبل الصلاة فلن يستطيع أن يقطف من الصلاة ثمارها .
 إن الرفيق إنسان متصل بالله ، هذا الاتصال جعل قلبه يمتلئ رحمة ، هذه الرحمة انعكست ليناً ،

﴿ فَبِمَا ﴾

 لباء للسبب ،

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

الرحمة شيء داخلي لها منعكس خارجي :

 إن هذه الرحمة شيء داخلي لها منعكس خارجي ، كيف أن الإنسان قد يحب ، والحب شعوب داخلي في القلب ، ينعكس مودة ، وابتسامة ، وهدية ، واعتذارا ، ومداعبة أحياناً ، فالرحمة في القلب تنعكس لينا ، والحب في القلب ينعكس مودة .
 إذاً :

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

 لينك ، ورفقك يا محمد صلى الله عليه وسلم كان بسبب رحمة من الله ، فلما كنت ليناً في معاملتك معهم أحبوك ، فلما أحبوك التفوا حولك ، فصار هناك اتصال ، ورحمة ، ولين ، والتفاف ، وهذه معادَلة .
 الرحمة شُقت من خلال هذا الاتصال ، والرحمة مشاعر داخلية ، تترجم إلى لين في العلاقات ، اللين يسبب محبة الناس ، إذاً : التفُّوا حوله .
الأستاذ أحمد :

 كأنك تشير أستاذي إلى أن هذه الأمور النفسية التي تنطبع في القلب من الله عز وجل ، الصلة معه تنتج عملاً بالجوارح والأركان ، رسول الله صلوات الله وسلامه عليه كان من أكثر الناس صلة ووجداناً ، وشعوراً ، ونفساً بالله عز وجل ، وانطبع في ذلك على تصرفاته ، فلو أننا فتحنا كتب الشمائل والسير لوجدنا فصولاً وأبواباً كثيرة ، هذه تعد واحدة يقال لها فصل في تواضعه صلوات الله عليه ، في حلمه ، في كظمه الغيظ ، فما أمثلة ذلك من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ؟.
الدكتور راتب :

 نتابع الآية :

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ

 الآن :

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

 أي لو كنت منقطعاً عنا لامتلأ القلب قسوة ، ولانعكست القسوة غلظة وفظاظة ، وإذاً لانفض الناس مِن حولك ، هذه معادلة أخرى ، نحن أمام معادلتين الأولى : اتصال ، رحمة ، لين ، التفاف ، والثانية : انقطاع ، قسوة ، غلظة ، وفظاظة ، وانفضاض ، وهذا قانون ، والبطولة أن تكتشف السنن الثابتة في القرآن الكريم .
 وقد نجمع في القرآن الكريم عددا كبيرا جداً من القوانين ، وهذه القوانين علاقات ثابتة ، فمن هو الذكي ؟ من هو العاقل ؟ من هو الموفق ؟ هو الذي يكتشف هذه القوانين ، وقدم الأسباب ، فقطف الثمار .
 إذاً : الدين معادلات ، هناك من يفهم الدين فهماً ضبابياً ، فهماً عشوائياً ، فهماً غير واضح ، وحينما تتصل بالله الاتصال الحقيقي فلابد من أن تكون رحيماً ، لا بد من أن تكون منصفاً ، لا بد من أن تكون حكيماً ، لأن هذا شأن العبد حينما يتصل بالمطلق ، بخالق السماوات والأرض ، بالذات الكاملة ، بصاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى .
 إذاً : هذه الآية تعد أصلاً في خلق الرفق :

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

هذه لكم معشرَ الدعاة :

 لكن لا بد من تعليق : أنت يا محمد صلى الله عليه وسلم ، هكذا منطوق الآية ، مع أنك نبي ، ورسول ، بل سيد الأنبياء والرسل ، مع أنه يوحى إليك ، مع أنك كامل ، مع أنك أوتيت المعجزات ، مع أنك أوتيت الوحي ، مع أنك أوتيت القرآن ، مع كل هذه الخصائص المتميزة ، أنت أنت بالذات :

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

 لو سألنا داعية لا يوحى إليه ، وليس نبياً ، ولا رسولاً ، ولا كلّمه الله ، لا فصيحا ، ونطقاً ، وخلقاً ، وكان مع هذا غليظ القلب ، قاسيًا في دعوته ، نقول له : لمَ الغلظة ؟ الذي ملك كل الميزات لو أنه كان فظاً غليظ القلب لانفض الناس من حوله ، هذا درس للدعاة ، لذلك :

﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾

( سورة النحل الآية : 125 )

 هناك ملمح في الآية دقيق جداً : حينما تدعو إلى الله ينبغي أن تختار العبارة الحسنة اللطيفة ، لكن حينما تجادل مع المجادلة في نفس ، قد تُجرح ، والإنسان أحياناً يربط أفكاره بكرامته ، أما بالمجادلة لا ينبغي أن تختار العبارة الحسنة ، ينبغي أن تختار العبارة الأحسن ، لأن أحسن اسم تفضيل .

أخلاق الجهاد وأخلاق الدعوة :

 هناك أخلاق الدعاة ، وهناك أخلاق الجهاد ، فرق كبير بينهما ، لذلك الله عز وجل يقول :

﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾

( سورة فصلت )

 هذه أخلاق الدعوة ، لكن في الحرب شأن آخر .

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾

( سورة التوبة الآية : 73 )

 إن الخطأ الذي وقع فيه الدعاة أن الآيتين تختلطان عندهما ، فقد يسلك الداعية خُلقَ الجهاد في مجال الدعوة ، وقد يكون قاسياً في ملاحظاته ، وقاسياً في تصرفاته ، فيبعد الناس عنه ، عندئذٍ ينعزل .
 لقد علَّمنا النبي ليكون الإنسان لطيفاً ، لين الجانب ، رفيقاً مع الناس كي يملك قلوبهم ، وسهلٌ جداً أن تكون قاسياً ، لكن البطولة الرائعة أن تكون حكيماً ، دائماً وأبداً يمكن أن تقف موقفا ذكيا ، وحكيما ، ورحيما من أجل أن تشدَّ إنسانا إليك ، لأن تصرفًا واحدًا أحمق تبعده عنك .
 إن بطولة الداعية لا في معلوماته ، بل في حِكمته ، وفي قلبه الكبير الذي يتسع لكل الناس ، وفي إنصافه ، وفي تلطفه مع الآخرين ، وهذه آية أصل في الرفق ك

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾

الأستاذ أحمد :

 نرجع إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأين هي الأمثلة الواقعية العملية على خُلقه الرفق صلوات الله عليه .
الدكتور راتب :

أحاديث نبوية الواردة في خُلق الرفق :

 أولاً : إذا قلت سنة النبي عليه الصلاة والسلام فسنةُ النبي تعني أقواله .

الحديث الأول :

 عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ ))

[ أخرجه مسلم وأبو داوود عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ]

 أيّ عملٍ أو نصيحة مع العنف سقطت قيمتها ، وكلُّ تدريس مع العنف لا قيمة له ، إذا أخطأ الطالب صبّ عليه الأستاذ الشتائم ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( علموا ولا تعنفوا ، فإن المعلم خير من المعنف ))

[أخرجه الحارث عن أبي هريرة ]

 أحيانا توضيح مع العنف ، أو أمرٌ مع العنف ، أو إدارة عمل مع العنف ، أو إدارة مدرسة مع العنف .

(( إِنَّ الرِّفقَ لا يكونُ في شيء إِلا زَانَهُ ، ولا يُنْزَعُ مِن شيء إِلا شانَهُ ))

 في كل التصرفات ينبغي أن تكون رفيقاً ، ويمكن أن تصل إلى كل أهدافك بوسائل لطيفة ، والناس راضون عنك ، أما عنَّفتَ ، ولو كنت منصفاً لم يُقبَل منك ، ولو كان الكلام حقاً فيه لطف ، وفيه رفق ، وفيه تؤدة ، وفيه حلم ، وفيه رحمة يُقبل منك بصدر رحبٍ .
 إذاً : الحديث :

(( إِنَّ الرِّفقَ لا يكونُ في شيء إِلا زَانَهُ ، ولا يُنْزَعُ مِن شيء إِلا شانَهُ ))

الحديث الثاني :

 عَنْ عبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ قَالَ : أَتَيْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْأَلُهَا عَنْ شَيْءٍ ، فَقَالَتْ : أُخْبِرُكَ بِمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي بَيْتِي هَذَا :

(( اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ ))

[ أخرجه مسلم ]

 أن يكون رفيقاً برعيته ، لأن الله ائتمنه عليهم ، لذلك سيدنا عمر يقول : << مَن كان منكم تقياً أضع رأسي على الأرض ليطأه بقدمه >> ، رحمة برعاياه ، سيدنا عمر كان وقافاً عند كتاب الله ، وكان فيما يبدو شديداً ، ولما عاتبه بعض الأصحاب ، قال : << والله يا أبا ذر ، لو يعلم الناس ما في قلبي من الرحمة لأخذوا عباءتي هذه ، لكن هذا الأمر لا يناسبه إلا كما ترى >> .
 إذاً : الأصل في الرفق أن تكون ليِّنَ المعاملة ، ليِّناً في أقوالك ، وفي أفعالك ، وأن تختار لمن حولك ما هو أسهل ما لم يكن حراماً .
الأستاذ أحمد :

 أي أن أشعِر من حولي بأني رفيق ، لكني في نفس الوقت أن أكون حازماً كي لا تميَّع الأمور ، وتصير على الغالب ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عندما خرج إلى الطائف يدعو أهلها ، وقُوبِل بالحجارة والسفهاء ، والصبيان ، وأرسل له الله ملَكَ الجبال مع سيدنا جبريل أن يستأذنه بأن يطبق عليهم الأخشبين عندما أعرضوا عن دعوته ، فوجئ التاريخ ، وفوجئت كتب السير عندما تحدثت عن الرجال العظام كيف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زرع الله الرحمة في قلبه ، فعن عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ ؟ فَقَالَ : لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ ، فَانْطَلَقْتُ ، وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي ، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي ، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ ، فَنَادَانِي فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ ، وَمَا رُدُّوا عَلَيْكَ ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ ، قَالَ : فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ ، وَسَلَّمَ عَلَيَّ ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ ، وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ ، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ ، فَمَا شِئْتَ ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ))

[ مسلم ]

 مع أنه كان في ذلك الوقت في أشدِّ أوقات المحنة ، والألم ، ونزف الدم ، وما كان منه إلا أن قال هذا القول ، هل في السيرة مثالاً آخر يشبه هذا ؟
الدكتور راتب :

صورٌ حيةٌ للرفق في حياة النبي عليه الصلاة والسلام :

1 – الرفق بأهل الطائف وقد آذوه :

 أنا أقول : المصائب أنواع ثلاثة :مصائب ردع وقصم للفجار والكفار والمجرمين ، ومصائب دفع ورفع للمؤمنين ، ومصائب كشف للأنبياء ، فالنبي ينطوي على كمال لا يظهر إلا في هذه الصعوبة ، سار على قدميه إلى الطائف ، استقبله أهلها بالتكذيب والسخرية والإهانة ، بل أغروا صبيانهم أن يؤذوه ، وكان بإمكانه أن يلغي وجودهم ، لكنه اعتذر عنهم ، ولم يتبرأ منهم ، ودعا الله لهم ، قال : اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون ، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحدك .

2 – الرفق بقومه وقد آذوه في مكة :

 المثل الذي طلبته مني ، في مكة المكرمة ، أهل مكة قبل أن يؤمنوا ناصبوا النبي الكريم العداء ، تفننوا في إزعاجه ، وفي التنكيل في أصحابه ، وقادوا حروباً ثلاثة ليستأصلوا الإسلام ثم فتحت مكة ، وعشرة آلاف سيف متوهجة تنتظر حركة من شفتي النبي عليه الصلاة والسلام ، وكان بإمكانه أن ينتقم أشد الانتقام ، كان بإمكانه أن يأمر بإبادتهم ، ما زاد عن أن قال :

(( ما تظنون أني فاعل بكم ؟ قالوا : أخ كريم وابن أخ كريم ، قال : اذهبوا فأنتم الطلقاء ))

[ السيرة النبوية ]

 إذاً : النبي عليه الصلاة والسلام قوة تأثيره فينا أنه ما أمرَ بأمرٍ إلا وسبق إليه ، وما نهانا عن شيء إلا أبعدنا عنه ، لذلك قيمة المرشد والداعية والقائد في أيِّ موقف قيادي قيمته لا في الأقوال ، بل في الأفعال .
 حينما كان عليه الصلاة والسلام رفيقاً بأمته ، حينما رحم أمته ، مثلاً : كيف هاجر ؟ سيدنا عمر هاجر جهاراً نهاراً ، وتحدى المشركين ، النبي أولى بالنصر من عمر ، لكن النبي رحمة بأمته هاجر سراً ، وليلاً ، ومتخفياً ، واتجه نحو الساحل ، وقبع بغار ثور ، وهيأ كل الأسباب ، لأنه لو هاجر كعمر لعدَّ اقتحام الأخطار واجباً ، ولعدَّ أخذُ الحيطة حراماً ، ولهلكت أمته من بعد ، لذلك قالوا : أرحم الخَلق بالخلق رسول الله ، فهو أرحمُ بنا من أنفسنا .

﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَليْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحيمٌ ﴾

( سورة التوبة )

 إذاً : أفعال النبي تؤكد هذا الموقف الأخلاقي .
الأستاذ أحمد :

 بعض الدعاة أستاذي الكريم عندما يدعون الناس ، ولا يرون ثمرة لدعوتهم يملُّون ، وربما ينفرون ، وربما ييئسون من هؤلاء المدعوين ، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حينما يدعو على دوسٍ مثلا لم يدع عليهم ، بل قَالَ :

(( اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا ))

[ متفق عليه ]

 بدل أن يدعي على دوس دعا لها ، فهل فعْلُه هذا أشد ما يتمثله العلماء في أيامنا ؟
الدكتور راتب :

كلما علا إيمان المسلم زادت رحمتُه بالناس :

 قبل ذلك لو تصورنا مقعدا في بناء من مئة طابق ، كلما صعدت طابقاً اتسعت رؤيتك ، لو تركب طائرة لرأيت مسافة ألف كيلومتر من فوق ، إذاً : كلما علا مكان الإنسان اتسعت دائرة رؤيته ، الآن كلما علا الإنسان في إيمانه اتسعت دائرة رحمته ، هناك إنسان يهتم ببيته فقط ، وإنسان بأسرته ، وإنسان بعائلته ، وإنسان بقوله ، وإنسان بأمته ، وإنسان يهتم بالبشرية جميعاً .

(( لو تعلمون ما أعلمُ لضَحِكتم قليلاً ، ولبَكَيْتمْ كثيراً ))

[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أنس بن مالك ]

 كان عليه الصلاة والسلام يبكي على البشرية كلها ، هذه كلمة دقيقة ، كلما علا مكان الإنسان عند الله تتسع دائرة نفقته ، واهتمامه ، ورحمته ، فهذا الذي يرحم ابنه فقط له الأجر ، لكن شيء فطري ، وشيء طبيعي ، وهذه الرحمة أودعت بقلب الأب والأم من دون كسب منهم ، لكن الذي يرحم موظفاً عنده فهي رجمة كسبية ، ولن تكون الرحمة ميزةً في المؤمن إلا أن تكون عامة ، أن تحب الأمُّ ابنها شيء طبيعي ، أما أن تحب الأم بنت زوجها التي عندها فهذه رحمة كبيرة .
 بطولتي ليست برحمة خاصة هذه فطرية ، ولا أجر لي فيها ، لكن بطولتي بالرحمة العامة ، فكلما اتسعت دائرة الرحمة علا الإنسان عند الله ، والأنبياء اهتماماتهم بالبشرية جميعاً .
 قد تجد بلدا معاملته لشعبه تفوق حد الخيال ، لكنه مع شعوب أخرى وحش كاسر ، يتفنن في إذلال الشعوب ، وفي إفقارها ، وفي إبادتها ، وفي سحقها ، وفي إيقاع الأذى بها ، نقول : هؤلاء عنصريون ، ما لم تكن إنسانياً فلا قيمة لك عند الله ، فالغرب مع شعبه بأعلى درجة من الحرية ، والديمقراطية ، وحقوق الإنسان ، أما إذا دخل إلى بلد آخر يتفنن في إفقار الشعب ، وفي إذلاله ، وفي إبادته أحياناً .
 البطولة أن يكون في القلب رحمة عامة ، وليست خاصة ، الرحمة الخاصة من صفات كل البشر ، كل أب وكل أم يحرص على أولاده ، أما أن تحرص على إنسان يعمل عندك في المحل التجاري في سن ابنك هل تعامله كما تعامل ابنك ؟ هل لو طلب منك ساعة ليتابع دراسته ترفض ذلك ؟ وابنك تتمنى أن يكون طبيباً ، تقدم له ألوفا مؤلفة ، ودروسًا خاصة ليكون طبيبا ، أما هذا اليتيم الذي عندك هل تتمنى له أن يكون متعلماً كابنك ؟ فما لم تكن الرحمة عامة فلا قيمة للرحمة الخاصة ، لأنها فطرية ، ولا أجر فيها ، إن كانت في حدود الفطرة .
الأستاذ أحمد :

خاتمة وتوديع :

 إذاً : الرحمة مطلوبة من الجميع ، من الأنبياء للبشر جميعاً ، وللأمم والحضارات ، من الحكام لشعوبهم وشعوب الإنسانية جمعاء ، من الأب لرعيته ، والأستاذ لطلابه ، حتى نقول بذلك : إن المجتمع مجتمع لين فيه رفق وفيه رحمة .
 جزاك الله خيراً أستاذنا الكريم على ما تفضلت به من إشارات حول موضوع الرفق ، وإلى أن نلقى الإخوة المشاهدين في حلقة أخرى من حلقات موسوعة الأخلاق الإسلامية ، مع فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي نستودعكم الله .

 والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS