24988
ندوات تلفزيونية - قناة اقرأ - موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرس (06-28 ) : الأسوة الحسنة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2008-02-06
بسم الله الرحمن الرحيم

ترحيب وتقديم :

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام وعلى آله أجمعين إلى يوم الدين .
أما بعد ؛ أيها الإخوة المشاهدون ، يسرُّنا أن نلتقي بكم في حلقة جديدة من برنامجكم موسوعة الأخلاق الإسلامية ، لنلتقي بفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة في كليات الشريعة ، وأصول الدين ، أهلاً وسهلاً بكم أستاذنا الكريم .
الدكتور :
أهلاً بكم أستاذ أحمد .
الأستاذ أحمد :

سيدي الكريم ، نرى أن الإسلام اتخذ من الأسوة الحسنة باباً من أبواب الرُّقِيّ بالمجتمعات إلى الكمال الإنساني ، الذي يوصِل إلى الكمال الخُلقي ، فوجَّهنا القرآن أول ما وجَّهنا إلى أن نجعل من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو بشر مثلنا ، لكنه يوحى إليه ؛ أن نجعل قدوة حسنة لنا ، فقال عز وجل من قائل :

﴿ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾

( سورة الأحزاب الآية : 21 )

فما هي الأسوة بشكل مجرد ؟ وكيف تكون حسنة ؟ حبذا لو نسمع منكم .
الدكتور راتب :

الأسوة الحسنة :

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

1 – التقليدُ والمحاكاة من خصائص النفس البشرية :

التقليد من خصائص البشر وهي لصالحه
أستاذ أحمد ، لا بد من التنويه إلى أن من خصائص النفس البشرية التقليد والمحاكاة ، وهذا لصالحها ، لأن الإنسان ربما لا يفكر ، أو ربما لا يستوعب ، أو رأى إنسان على وضع يعجبه ، يحب أن يقلِّده ، ففي أصل تركيب الإنسان رغبة في التقليد والمحاكاة .
فلذلك جعل الله هذه الخصيصة لصالح الإنسان ، من أجل أن يستفيد من تفوق الآخرين ، فإذا قلَّدهم كان له في هذا التقليد تقدم عند الله عز وجل .




2 – ثلاث شخصيات عامة في حياة كل إنسانٍ :

ما هي الشخصية التي تحبها
لكن قال علماء النفس : في حياة كل منا شخصية نكونُها ، وهي نحن ، وشخصية نتمنى أن نكونها ، وشخصية نكره أن نكونها .
النقطة الدقيقة : أن النبي صلى الله عليه وسلم كلفه الله أن يبلِّغ ، ولكن الحقيقة أن قدوته أبلغ من تبليغه ، لأن الناس يتعلمون بعيونهم أكثر مما يتعلمون بآذانهم ، فكان عليه الصلاة والسلام قدوة حسنة .





3 – القدوة قبل الدعوة :

من هنا كانت لنا قاعدة في التربية وفي الدعوة إلى الله : " القدوة قبل الدعوة " .
لابد أن تكون مثال لمن تدعوهم
إن الإنسان يمكن أن ينتفع من كل العلماء في أمور الدنيا ، طبيب ، مهندس ، محامٍ ، ولا يعني الإنسانَ سلوكُ هذا العالِم ، يعنيه علمُه فقط ، إلا أن رجل الدين وحده لا يمكن أن تنتفع به إلا إذا كان قدوة حسنة ، وهذا لحكمة بالغة ، لأنه كما تفضلت لو أنه كان صادقًا فيما يقول ينبغي أن يطبِّقه ، فإن كان عاجزاً قلنا له : أنت لست مؤهلاً أن تنصح الناس ، فإما أن كلامك غير واقعي ، إذاً سقطت الدعوة ، وإما أنك عاجز ، فأنت لست مؤهَّلاً أن توجِّه الناس .

القدوة الحسنة أساس التعليم
إذاً : القدوة قبل الدعوة ، سيدنا عمر بن الخطاب قالوا عنه : كان إذا أراد إنفاذ أمر جمع أهله وخاصته ، وقال : << إني أمرت الناس بكذا ، ونهيتهم عن كذا ، والناس كالطير ؛ إن رأوكم وقعتم وقعوا ، وايمُ الله ، لا أوَتين بواحد وقع فيما نهيت الناس إلا ضاعفت له العقوبة لمكانه مني >> ، فصارت القرابة من عمر مصيبة ، لأنه كان قدوة حسنة ، بدل أن تكون ميزة ، << وايم الله لا أوتين بواحد وقع فيما نهيت الناس إلا ضاعفت له العقوبة لمكانه مني >> .
سيدنا عمر رأى إبلاً سمينة ، قال : << لمن هذه الإبل ؟ قالوا : هي لابنك عبد الله ، فغضب ، وقال : ائتوني به ، فلما جاء ابنه عبد الله ، ورأى أباه غاضباً قال له : لمن هذه الإبل ؟ قال : هي لي ، اشتريتها بمالي ، وبعثت بها إلى المرعى لتسمن ، فماذا فعلت ؟! أين المخالفة ؟! أين المعصية ؟! فقال سيدنا عمر : ويقول الناس : ارعوا هذه الإبل فهي لابني أمير المؤمنين ، اسقوا هذه الإبل فهي لابني أمير المؤمنين ، وهكذا تسمن إبلك يا ابن أمير المؤمنين ، قال له : بع هذه الإبل ، وخذ رأس مالك ، ورد الباقي لبيت مال المسلمين >> ، لذلك القدوة أساس .

4 – لابد من معرفة سيرة النبي حتى نقتدي به :

الآن هناك ملمح دقيق جداً ، وهو حينما قال الله عز وجل :

﴿ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾

كيف يكون النبي أسوة حسنة إن لم نعرف سيرته ؟
عندنا قاعدة أصولية أستاذ أحمد : " ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، وما لا تتم السنة إلا به فهو سنة " .
مثل : الصلاة فرض ، لكن الصلاة لا تتم إلا بالضوء ، إذاً الوضوء فرض ، ماذا نستنبط ؟ إذا كان الله عز وجل يبين لنا أن النبي هو قدوتنا في أفعاله ، وفي إقراره ، وفي أقواله ، كيف يكون النبي أسوة حسنة لنا إن لم نعرف سيرته ؟
إذاً : لا تتم أسوة النبي إلا بمعرفة سيرته ، وكما أن كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ، فهذا الأمر يقتضي وجوبُه أن نعرف سنة رسول الله .
الأستاذ أحمد :
الرسول صلى الله عليه وسلم كان بين أصحابه أسوة لِمَا رأوه من حاله ، أما نحن فنقل إلينا الخبر الصحيح .
الدكتور راتب :

لذلك لا بد من قراءة سيرة النبي حتى نتمكن أن نعرف مواقفه ، وحياته في بيته ، مع أصحابه ، في حله وترحاله ، في سلمه وحربه ، حتى يطبق قوله تعالى :

﴿ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾

5 – فعلُ النبيّ أبلَغُ في التعبير عن فهمه للقرآن :

هناك ملمح آخر : قال بعض العلماء : إن فعل النبي أبلغ في التعبير عن فهمه في لكتاب الله من قوله ، لأن القول يحتمل التأويل ، والفعل حديٌّ .
لو قال لك شخصٌ : أنا أصلي بغير وضوء ، فهذه ليس لها تأويل ، ولو قال لك رجلٌ آخر : أنا أفرّ من رحمة الله ، الله عز وجل جعل المطر رحمة الله ، أو قال لك : أنا أحب الفتنة ، يعني أنه يحب أولاده .

﴿ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾

( سورة التغابن الآية : 15 )

إذاً : القول يؤوَّل ، أما الفعل فحديٌّ ، لذلك قال العلماء : " إن فعل النبي أبلغ في التعبير عن فهمه لكتاب الله من أقواله " .
إن سيرة النبي منهج كامل ، كيف أن الله عز وجل جعل كما قال النبي كتاباً وسنة ، كيف أن الكون قرآن صامت ، وكيف أن القرآن كون ناطق ، وكيف أن النبي قرآن يمشي سيرة النبي كتاب وسنة ، وأنا أؤكد أنه لو لم يكن في أيدينا إلا سيرة النبي لكفت ، لأن أقواله ، أفعاله ، إقراره منهج ، وشرح لكتاب الله .
إذاً :

﴿ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾

﴿ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ﴾

( سورة الأحزاب )

6 – القدوة له أجران إن أحسن ، وإن أساء ضوعف إثمُه :

ولكن هذا الإنسان الذي يحتل مركز قيادي ، أقلّ مركز قيادي الأب في البيت ، المعلم في الصف ، المدير في المدرسة ، أيّ مركز قيادي ، الله عز وجل أغراه ، أو أغرى صاحب المركز ؛ أنك إذا كنت قدوة فلك أجران ، أجرك وأجر مَن قلدك ، وبالمقابل الغرم بالغنم ، وأيّ إنسان يحتل مركزًا قياديا لو أنه دخّن ، وتبعه طالب فدخن يقع عليه إثمه ، وإثم الطالب الذي قلده .
إذاً :

﴿ لقد كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ ﴾

بالمناسبة أستاذ أحمد : الإبلاغ ، والتقرير ، والكلام ، وإلقاء التوجيهات ، تسقط أمام الفعل المخالف للقول ، لو فرضنا بأبسط التعريفات :
لو طُرق الباب ففتح الابن الباب ، قال : يا أبتِ فلان بالباب ، قال له : قل له : ليس موجوداً ، لو ألقى الأب على ابنه آلاف المحاضرات في الصدق فهذه المحاضرات سقطت ، لأنه كذب أمام ابنه .
لذلك الشيء الخطير أن الصغار في السنوات الأولى ، وحتى السبع سنوات يأخذون كل شيء عن الكبار ، فإذا كذبت الأم ، وكذب الأب ، أو وعد فأخلف ، أو وجه ابنه توجيهاً خالفه في مكان آخر ، لذلك لو أن الأب والأم ، لو أن المعلم ، لو أن الموجه ، لو أن الشيخ لم يقل كلمة واحدة ، وكان كاملاً كان كماله أبلغ من أقواله .
لذلك أنا أدعو الآن إلى شيء اسمه الدعوة الصامتة ، كن أميناً ، الأمانة دعوة ، كن صادقاً ، الصدق دعوة ، كن وفياً ، الوفاء دعوة ، المؤمن لأنه مستقيم ، ولأنه يطبق منهج الله هو داعية دون أن يشعر .
الأستاذ أحمد :

سيدي الكريم ، بالنسبة لحديث النبي عليه الصلاة والسلام هل في حديثه ما يثبت أسوة رسول الله ، ويحضنا على نأتسي .
الدكتور راتب :

حديثٌ عظيم في القدوة الحسنة والقدوة السيئة :

يقول عليه الصلاة والسلام :

(( مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فله أجرها وأجر من َعُمِلَ بِهَا إلى يوم القيامة لا يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً ))

[ أخرجه ابن ماجه عن جرير ]

الموضوع حساس ودقيق ، الدين توقيفي ، لا يضاف عليه ، ولا يحذف منه ، لأنه من عند الله ، وأيّ إضافة عليه فهي اتهام له بالنقص ، وأي حذف منه فهو اتهام له بالزيادة ، ولكن هذا الحديث :

(( مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً ))

في غير العقائد والعبادات ، في أمور الدنيا ، دفّأنا المسجد ، كبّرنا الصوت ، وضعنا خدمات للمصلين ، هناك مليارات الأعمال الصالحة إذا فعلناها تكون سنة حسنة في غير العقيدة والعبادات ، لأن العقائد والعبادات الأصل فيها الحظر ، ولا تشرع عبادة إلا بالدليل القطعي في دلالته ، وفي ثبوته ، أما الأشياء فالأصل فيها الإباحة ، ولا يحرم شيء إلا بالدليل القطعي الثابت .
إذاً : هذا الحديث الذي يفهم منه أنه :

(( مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فله أجرها وأجر من َعُمِلَ بِهَا إلى يوم القيامة ))

صندوق تعاوني ، هذا الصندوق في وزارة عمم على كل الوزارات ، حل مشكلة الموظفين ، إذاً : هذا الذي فكر بإنشاء هذا الصندوق له أجره ، وأجر من قلده في كل الوزارات ، هذا شيء لطيف جداً .
إلا أنه في أمور العقائد والعبادات لا يزاد عليها ، ولا يحذف منها ، بل إن تعريف التجديد الحقيقي أن ننزع عن الدين كل ما علق به مما ليس منه .
الأستاذ أحمد :

نريد أن نسمع منك إلى مثال تطبيقي عملي يبين لنا كيف تكون الأسوة في حياتنا ؟
الدكتور راتب :

مثال عمليٌّ للأسوة الحسنة :

إن جبلة بن الأيهم كان ملكًا ، أسلم في عهد عمر ، ورحب به أيّما ترحيب ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام طلب النخبة ، قال :

(( اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين ))

سيدنا عمر مثال للعدل
لما أسلم سيدنا حمزة توقفت قريش عن إيذاء المسلمين ، لما أسلم سيدنا عمر صلى المسلمون في بيت الله الحرام ، إلا أن هذا الملِك ، ملك الغساسنة ، سيدنا عمر رحب به ، وطرب لإسلامه ، وأكرمه ، في أثناء طوافه حول البيت بدويٌّ من قبيلة فزاره دون أن يشعر ، وعن غير قصد داس طرف رداء هذا الملك ، فانخلع رداءه عن كتفه ، فالتفت نحوه وضربه ضربة هشمت أنفه ، أمام هذا البدوي سيدنا عمر ، توجه إليه شاكياً ، سيدنا عمر قدوة في العدل ، استدعى جبلة ، وقف أمام البدوي ، شاعر معاصر صاغ الحوار شعراً :
قال عمر لجبلة :

أصحيح ما ادعى هذا الفزاري الجريح ؟

فقال جبلة :

لست ممن ينكر شيا
أنا أدبت الفتى أدركت حقي بيديَّ

قال عمر :

أرضِ الفتى لا بد من إرضائه
ما زال ظفرك عالق بدمائه
أو يهشمن الآن أنفك
وتنال ما فعلته كفك

فقال جبلة :

كيف ذاك يا أمير ؟!
هو سوقة وأنا عرش وتاج !
كيف ترضى أن يخر النجم أرضا ؟

فقال له عمر :

نزوات الجاهلية ورياح العنجهية قد دفناها
أقمنا فوقها صرحاً جديدا
وتساوى الناس أحراراً وعبيدا

قال جبلة :

كان وهماً ما جرى في خلدي
أنني عندك أقوى وأعز
أنا مرتد إذا أكرهتني

فقال عمر :

عالم نبنيه ، كل صدع فيه يداوى
وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى


هذا هو العدل ، لذلك أستاذ أحمد ، البشرية مرت بمراحل ثلاث ، عصر المبادئ ، المبادئ أولاً ، عصر الأشخاص ، عصر الأشياء ، نحن في عصر الأشياء ، يستمد المرء قيمته من مركبته ، بل من رقم من مؤخَّرتها ، قيمة الإنسان متاعه ، لذلك البيت الذي دخل صاحبه السجن يعدُّ أهجى بيت قالته العرب ، هو الآن شعار كل إنسان :

دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
***

الأستاذ أحمد :
وهل هناك من أقول مأثورة نقلت عن بعض العارفين أو العلماء الربانيين تحضنا على الأسوة الحسنة ؟
الدكتور راتب :

احذروا من مخالفة الأقوال للأفعال :

التناقض سبب التباعد
الشيخ مثلاً استقامته أبلغ من محاضراته ، المعلِّم سلوكه أبلغ من أقواله ، الأب انضباطه أبلغ من توجيهاته ، فالقدوة قبل الدعوة ، والإحسان قبل البيان ، مبدءان كبيران في الدعوة إلى الله ، كن قدوة ، احذر أيها المعلم ، احذر أيها الأب ، احذر أيها الموجه ، احذر أيها الداعية أن يراك الذي تدعوه على حالة بخلاف ما تدعوه ، عندئذٍ تسقط الدعوة .
الأستاذ أحمد :
مع أنها صحيحة ، وحقيقية .
الدكتور راتب :

ينصرف الناس عن الدعوة حينما يرون الداعية ليس في مستوى دعوته ، هذا الأمر دعانا إلى أن نستمع إلى مقولة رائعة قالها بعض العلماء ، قال : " من دُعي إلى الله بمضمون هزيل غير متماسك سطحي ، أو دُعي بمضمون مقبول ، لكن المدعو لم يجد المصداقية في الداعية ، فهذا المدعو بهذه الطريقة الهزيلة ، والأسلوب غير العلمي والتربوي ، واكتشاف أن الداعية ليس في مستوى هذه الدعوة ، هذا المدعو بهذا المضمون ، وبهذه الطريقة لا يعد عند الله مبلَّغاً ، ويقع إثم تفلته من المنهج على من دعاه بهذه الطريقة " .
الأستاذ أحمد :

سبحان الله ! لأن الكلام لا يغني عن الحال ، الأسوة الحسنة أمر طيب جميل ، لكن لا بد أن له فوائد مرجوة ، فما فوائده ؟
الدكتور راتب :

فوائد الأسوة الحسنة : الأهداف لا تتحقق إلا بالقدوة الحسنة :

فوائد الأسوة الحسنة أن الدعوة إلى أيِّ شيء لا تتحقق إلا بالأسوة الحسنة ، فالتوجيهات إذا فرغت من مضمونها انتهت الدعوة كلياً ، الفائدة العظمى أنك إذا أردت أن تحمل هذا الإنسان على تطبيق مبدئك ودعوتك وتوجيهاتك فلا بد من أن يرى نموذجاً .
الأهداف لا تتحقق إلا بالأسوة الحسنة
لذلك أنا أرى أن قصة معاصرة فيها بطولة أبلغ من آلاف القصص القديمة ، لماذا ؟ لأن القصة كان أبطالها معاصرين لك ، هؤلاء عاشوا الظرف نفسه ، وتحملوا الضغوط نفسها ، وواجهتهم الصوارف نفسها ، وواجهتهم العقبات نفسها .
إذاً : المشكلة أن القصة في أدق تعريفاتها حقيقة مع البرهان عليها ، فإذا انتزعت قصة من مجتمعك ، لإنسان أخلاقي ، إنسان نزيه ، إنسان عفيف ، إنسان أمين ، فهذا الأمين في جو معين ، في جو ليس مَن حوله مثلَه مثلاً ، هو شاهد عليهم ، لذلك جعل الله في كل مجتمع أناساً يُعدُّون حجة على الآخرين ، فتجد القاضي نزيها ، والطبيب مخلصا لا يبتز أموال الناس ، والمحامي صادقا ، والحاكم عدلاً ، هؤلاء المطبقون لمبادئهم ، هؤلاء حجة على مَن سواهم .
فلذلك أكبر ثمار القدوة الحسنة أن الأهداف لا تتحقق إلا بالقدوة الحسنة .
الأستاذ أحمد :
بعض الأخلاق التي مررنا عليها ، والتي سنأتي عليها بإذن الله عز وجل يقتصر تطبيقها على الأفراد ، خُلق فردي يتعامل به الإنسان مع شخص آخر ، هل الأسوة الحسنة من الممكن أن تطبقها المجتمعات بشكل جماعي ، كما يطبقها الأفراد بشكل فردي ؟
الدكتور راتب :

تطبيق الأسوة الحسنة بشكل جماعي :

طبعاً ، نحن حينما نقيم الإنسان بأعماله ، أيام يقيم الشخص بأقواله ، أو بشهادته أما حينما يكون التقييم بالعمل تأخذ القدوة الموقع الأول في حياتنا ، الحقيقة أن كل منصب قيادي في كل مجالات الحياة يحتاج إلى هذه الحقائق الدقيقة حول القدوة الحسنة ، والحقيقة أن الناس حينما يعيشون المثل المتحركة .
ذو الوجهين لا يكون وجيها
بالمناسبة : الناس لا يعنيهم المثَل ، وهي في الكتب ، الكتب ميتة ، يريدون بطلاً أمامهم ، صادقًا ، أمينا ، الذي جعل أكبر قطر إسلامي في العالم إندونيسيا يدخل فيها الإسلام عن طريق القدوة ، عن طريق التجار ، لم تفتح لا بسيف ، ولا بقهر ، إنما بالقدوة الحسنة .
لذلك ورد في بعض الأحاديث :

(( واستقيموا يستقم بكم ))

[ رواه الطبراني عن سمرة بن جندب ]

يكفي أن تكون في مكان ما ، في دائرة ، في مستشفى ، في مدرسة ، في جامعة ، وأن تكون مستقيماً ، وانظر كيف أنك تغدو مضرب المثل ، تغدو مطمح الآمال ، تغدو في مركز يتمنى مَن حولك أن يقلدوك .
لذلك تصلح الدنيا بالقدوة ، ولا تصلح بالعنف ، العنف لا يجدي شيئاً في هذا الموضوع .
الأستاذ أحمد :
رأينا أمثلة عن بعض الدول التي حكمت بالحديد والنار ، من نشر الشيوعية ، كيف أن هذا الكائن أو هذا النظام ظنناه في يوم من الأيام أنه ماردٌ فإذا به ماردٌ ، لكن من وَرق ، ينهار لأنه لم يُبنَ على قناعات ، ولا على احترام ، وإنما بني على رعب ، وعلى خوف .
الدكتور راتب :

هنا نقطة دقيقة : أن الكلمة إن لم تكن صادقة تفقد قيمتها ، أقول لك مع الأسف الشديد : أحياناً يكفر الناس بالكلمة ، بمطلق الكلمة ، مع أن الأنبياء جاؤوا بالكلمة فقط ، لكنهم جاؤوا بالكلمة الصادقة ، أما إذا رأى الناس متكلماً فصيحاً ، طليق البيان ، فلما عاملوه وجودوه على غير ما يقول ، سقطت الكلمة ، ونحتاج إلى أمد طويل كي نعيد للناس ثقتهم بالكلمة .
الأستاذ أحمد :

لذلك في هذه الأيام ما أكثر الخطباء ، ما أكثر الخطب التي تقال ، والمواعظ التي تتلى ، لكن لا تؤثر في الناس التأثير الذي كان من قبل ، لأن الكلمة كما تفضلتم فقدت قيمتها وخاصيتها .
سؤالي الآن : رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قدوة حسنة ، الله عز وجل جعل الصحابة يقتدون به لِما رأوه منه ، لكننا نحن معاشر مَن أتى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أُمرنا أن نجعل من رسول الله قدوة حسنة ، فهل نقل التاريخ والسيرة والسنة ما إلينا ينطبق عليه قول الله عز وجل :

﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾

( سورة الحجر )

مِن حفظ الله لهذه السيرة لنا فيه إعجاز ؟
الدكتور راتب :

القدوة الحسنة التي تعاصرك لها أثر كبير :


القدوة المعاصرة لها أثر كبير
الحقيقة أنك إذا قرأت عن رجل في التاريخ عظيم ، أخلاقي ، شجاع ، كريم مصلح ، عالم تتأثر ، لكن كما قلت قبل قليل : إنك إن عاصرت إنساناً مثلاً أعلى في الأخلاق ، هذا يعيش ظروفك ، يعيش الضغوط ، يعيش الإغراءات ، يعيش الصوارف ، يعيش العقبات ، يعيش المعطيات .
فلذلك القدوة الحسنة إن كانت معاصرة فلها تأثير كبير جداً ، بل إن المسلمين اليوم بحاجة إلى مسلم متحرك ، لا إلى إسلام في الكتب ، مسلم متحرك ، له تأثير يفوق حد الخيال ، وألاّ يكتشف الناس أية مسافة بين أقوالك وأفعالك ، هذه قمة في الدعوة إلى الله ، وقمة في التوجيه ، ودعوة إلى الآباء والأمهات والمعلمين أن يكونوا كذلك ، لأن الناس يأخذون عن كبرائهم كل خير ، والكبراء لهم أجران ، والكبراء إذا زلّت قدمهم فعليهم وزر .
الأستاذ أحمد :

خاتمة وتوديع :

نشكرك أستاذنا الكريم على هذه الإضاءات اللطيفة ، وإلى أن نلتقي بكم في حلقة أخرى ، ونلتقي بإخواننا المشاهدين ، وأخواتنا المشاهدات ، نستودعكم الله ونقول لكم :
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS