42556
ندوات تلفزيونية - قناة اقرأ - موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرس (11-28 ) : الفطرة السليمة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2008-02-11
بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة :

أعزائي المشاهدين يسرنا أن نلتقي بكم في حلقة جديدة من حلقات :"موسوعة الأخلاق الإسلامية" ، في ضيافة أستاذنا الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين ، فأهلاً وسهلاً دكتور.
الدكتور راتب :
بكم أستاذ أحمد جزاكم الله خيراً .
الأستاذ أحمد :
أستاذ الكريم في حلقات سابقة كنا قد تحدثنا عن علاقة الأخلاق بالتكليف ، وأن من مقومات التكليف أموراً عدة ، وذكرنا منها مقوم الكون ، ومقوم العقل ، ووعدتمونا أن نتحدث في هذه الحلقة عن مقوم آخر جديد ألا وهو مقوم الفطرة ، والفطرة قال الله عز وجل عنها في محكم تنزيله :

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

( سورة الروم )

انطلاقاً من هذه الآية ، وانطلاقاً من موضوع حلقتنا اليوم ، حبذا أن نسمع منكم تفسيراً لحقيقة الفطرة ومعناها .

الإنسان بالعقل يتعرف إلى الله و بالفطرة يعرف أخطاءه :

الدكتور راتب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
الحقيقة أن الله سبحانه وتعالى حينما رفع السماوات وضع الموازين ، قال تعالى :

﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴾

( سورة الرحمن )

عقلك دليلك إلى الله
فكما أن العقل ميزان ، الفطرة ميزان آخر ، نحن بالعقل نتعرف إلى الله ، بينما بالفطرة نعرف أخطاءنا ، الفطرة مقياس نفسي ، جبلة ، هذه الجبلة تكشف لك الخطأ ذاتياً من دون أن تتلقى توجيهاً آخر ، يعرف الإنسان من ذاته ما إذا كان قد أخطأ أو أصاب .
كما تفضلت قبل قليل في قوله تعالى :

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾

الحقيقة أن الحق دائرة تتقاطع فيها أربعة خطوط ، خط النقل الصحيح وسوف أركز على صفة لكل كلمة ، خط النقل الصحيح ، وخط العقل الصريح ، وخط الفطرة السليمة ، وخط الواقع الموضوعي .

الفطرة من أدق وسائل كشف الخطأ والتصحيح :

الحق دائرة تتقاطع فيها أربعة خطوط ، الفطرة السليمة ؛ أي أن جبلة الإنسان كما خلقه الله متوافقة من منهج الله ، فالإنسان يكتشف أنه قد أخطأ ، أو أنه أخذ ما لا ينبغي ، أو أنه أساء إلى إنسان آخر ، كل أخطاء الإنسان تكشف ذاتياً من خلال فطرته ، ففطرته مشعر ذاتي ، ميزان نفسي ، جبلة خصصها الله لكشف الخطأ الذاتي ، هناك آلات كثيرة حديثة تكشف لك الخطأ ذاتياً ، إن كان هناك خطأ يظهر على الشاشة ، هناك آلات قديمة تكشف أنت الخطأ .
الفطرة طريق معرفة الخطأ من الصواب
فالإنسان كصنعة متقنة من صنع الله عز وجل ، فخصص الله الإنسان بآلية بالغة التعقيد بحيث أنه إذا أخطأ يعرف أنه أخطأ ، معرفة ذاتية فطرية من دون توجيه آخر .
إذاً خط العقل الصريح ، مع خط الفطرة السليمة ، مع خط الواقع الموضوعي ، مع خط النقل الصحيح ، قلت : النقل الصحيح لأن هناك نقلاً غير صحيح ، هناك نقل ضعيف الإسناد ، موضوع ، وقلت : العقل الصريح لأن هناك عقلاً تبريرياً ساقطاً في ميزان المعرفة، وقلت : الواقع الموضوعي لأن هناك واقعاً مزوراً ، وقلت : الفطرة السليمة لأن الإنسان إذا مارس الخطأ ، وبالغ به تنطمس فطرته .

﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

( سورة المطففين )

إذاً الفطرة قياس ، الله عز وجل رحمة بنا زودنا بمقياس ، بمعنى أن الإنسان إذا عاش بالغابة ، ولم يتلقَ أي توجيه ، ولا رسالة ، ولا علم ، لو أنه يعيش مع أمه ، وكانا جائعين فأكل وحده ، ولم يطعم أمه يشعر أنه أخطأ بدافع من فطرته ، فهذه الفطرة من أدق وسائل كشف الخطأ والتصحيح .
الأستاذ أحمد :
دكتور عفواً ، لو أن هذا الإنسان يعيش في الغابة ، قلنا له يجب عليك أن تعرف أن لهذا الكون إلهاً وخالقاً ، فهل قولنا هذا صحيح ؟

من لم تصله رسالات الأنبياء يحاسب على عقله و فطرته :

الدكتور راتب :
العقل الذي أودعه الله فيه كافٍ لمعرفة ربه ، والفطرة التي جبل عليها كافية لمعرفة خطئه ، لذلك الإنسان يحاسب يوم القيامة إذا لم تصله رسالات الأنبياء ، لا يحاسب على تفاصيل الشريعة بل يحاسب على عقل كان كافياً لمعرفة ربه ، وعلى فطرة كانت كافية لمعرفة خطئه .
الأستاذ أحمد :
ماذا نقول عن قوله تعالى :

﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾

( سورة الإسراء )

الدكتور راتب :
بعض العلماء قالوا : الرسول هو العقل .
الأستاذ أحمد :
دكتور نعود إلى الآية الكريمة التي قال الله عز وجل فيها :

﴿ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾

هذا المقطع من الآية يستدعينا لسؤال ؛ هل هناك علاقة ما بين الفطرة وما بين المنهج الإلهي بما أنه قال

﴿ فِطْرَةَ اللَّهِ ﴾

الفطرة لا تعني الكمال ولكنها تعني حبّ الكمال :

الدكتور راتب :
قبل أن أجيب عن هذا السؤال ، لا بدّ من التنويه أن الفطرة لا تعني الكمال ، فلان يحب الرحمة ، لا تعني أنه رحيم ، فلان يحب العدل ، لا تعني أنه عادل ، فلان يحب اللطف ، لا تعني أنه لطيف ، فرق كبير بين أن تحب الكمال ، وبين أن تكون كاملاً ، ففطرة الله أن كل مخلوق خلقه الله عز وجل تطوق نفسه إلى الكمال ، فإما أن يكون كاملاً فيصطلح مع نفسه ، أو ألا يكون كذلك فهو في حرب مع نفسه ، فالفطرة لا تعني الكمال ، ولكن تعني حبّ الكمال .
لذلك الأناس المنحرفون لو أخذوا ما ليس لهم ، يقتسمون هذا المال الحرام وفق فطرهم بالعدل ، فالفطرة لا تعني أن الإنسان كامل لكن تعني أنه يحب الكمال ، ولأنه يحب الكمال يكشف خطأه ، فكشف الخطأ خطوة لا بدّ منها لإصلاحه ، فكأن الله سبحانه وتعالى زودنا بطريقة رائعة ذاتية تكشف لنا أخطاءنا .
لذلك الألم الذي يعتور الإنسان بعد كشف خطئه لعله يحثه على ملازمة الصواب.
الأستاذ أحمد :
هل هذا ما يمكن أن نطلق عليه النفس اللوامة ؟
الدكتور راتب :
والله يمكن أن نسميه النفس اللوامة ، أو أن نسميه الشعور بالذنب ، أو أن نسميه الإحساس بالكآبة ، هي كلها أسماء لمسمى واحد ، الإنسان إذا خالف فطرته يشعر أنه أخطأ .
الأستاذ أحمد :
دكتور ، مسألة أن الشعور بالذنب ، أو النفس اللوامة ، أو الشعور بالكآبة ، يستدعينا لسؤال جديد ، ألا وهو أن كثيراً من الناس يهيمون على وجوههم في المعاصي حتى نرى أن البصيرة عندهم قد انطمست والعياذ بالله ، ثم بعد ذلك إنهم يعانون من كآبة داخلية فهل الكآبة اليوم باتت مرضاً في هذا العصر نتيجة البعد عن فطرة الله عز وجل التي فطر الناس عليها ؟

الإنسان حينما يخطئ يعلم أنه أخطأ بدافع من فطرته :

الدكتور راتب :
لكنك سألتني سؤالاً قبل قليل عن علاقة الفطرة بالمنهج الإلهي ، لا بد من أن أجيب عن هذا أولاً ، ذلك أن الله سبحانه وتعالى أعطى الإنسان منهجاً ، أي أعطاه منهجاً لحركته ، افعل ولا تفعل ، فهذا النظام بحركته يتوافق توافقاً تاماً مع فطرته ، بمعنى أنه لأن الله أمره أن يكون منصفاً فطرته برمجت ، وولفت ، وجبلت على حبّ الإنسان ، فمعك أمر أن تكون منصفاً ، ومعك جبلة تدعوك إلى الإنصاف ، فهذا التوافق العجيب توافق تام .
العلاقة بين الفطرة والمنهج الإلهي علاقة تامة
أحياناً نأتي بخارطة نافرة ، أي مجسمة ، نضع لها إطاراً ، ونصب فوقها الجبصين السائل ، بعد أن يجف الجبصين يكون معنا قالب مطابق تماماً على مستوى أعشار الميلي للخريطة ، أنا أرى أن المجسم هو الشرع والمنهج الإلهي ، وأن القالب هو الفطرة أي أن أي أمر إلهي نفسك تواقة إليه ، وأي نهي إلهي نفسك تبتعد عنه ، وهذا معنى قوله تعالى :

﴿ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ﴾

( سورة الحجرات الآية : 7 )

هذه قضايا دقيقة جداً ، أنا كنت أطمح أن يكون هناك ما يسمى بعلم النفس الإسلامي ، الإنسان حينما يخطئ يعلم أنه أخطأ بدافع من فطرته .

العلاقة بين الفطرة وبين المنهج الإلهي علاقة تامة :

إذاً العلاقة بين الفطرة وبين المنهج الإلهي علاقة تامة جداً ، بمعنى أن كل أمر أمرك الله به أنت فطرت على تطبيق هذا الأمر ، وأي نهي نهاك الله عنه أنت فطرت على اجتناب هذا النهي ، والآية كما قلت قبل قليل :

﴿ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ﴾

إذاً توافق الفطرة مع المنهج توافق تام ، لهذا قال : الإسلام دين الفطرة .
الأهداف الكبرى تحتاج إلى عمل
الإنسان إما أن يرجع إلى النصوص ليرى ما إذا كان على صواب ، أو على خطأ، أو أن يكون صافياً يرجع إلى فطرته ، وهذا من توجيهات النبي :

(( استفتِ قلبك وإن أفتاك المفتون وأفتوك ))

[أحمد والطبراني وأبو يعلى وأبو نعيم عن وابصة]

بمعنى : لو أن إنساناً في جيبه الأيمن جهاز الكتروني لكشف العملة المزورة ، وفي جيبه اليسرى نشرة بأرقام الورقة النقدية المزورة ، نتائج الجهاز ، وكشوفات الأوراق متشابهة تماماً ، أنا حينما أتسلم عملة أجنبية ، إما أن أستخدم الجهاز فأضع العملة عليه ، هناك لون معين يكشف لي ما إذا كان مزوراً ، وإما أن أرى الورقة هل هذا الرقم مزور ؟ فأنا معي نشرة هي المنهج ، ومعي جهاز هو الفطرة ، فلو استخدمت أحد الطريقتين فالنتيجة واحدة ، فإما أن أسأل الشرع ما حكم هذا العمل ؟ يقال : حرام ، وإما أن أكون صافياً ولم تنطمس فطرتي بعد فأصغي إلى نداء قلبي ، فأشعر أنني سأخطئ ، لذلك :

(( استفتِ قلبك وإن أفتاك المفتون وأفتوك ))

[أحمد والطبراني وأبو يعلى وأبو نعيم عن وابصة]

الأستاذ أحمد :
هذا يذكرنا بقول الله عز وجل :

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾

( سورة الشمس )

والسؤال هنا فضيلة أستاذنا ، الله عز وجل حينما استعمل قوله تعالى :

﴿ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾

كيف يلهم الله عز وجل النفس الفجور والتقوى وهما ضدان متناقضان والأصل أننا نعرف أن الله عز وجل لا يأتي منه إلا الخير ؟

الإنسان مخير فإذا فجر يكشف ذاتياً من دون توجيه خارجي أنه فجر :

الدكتور راتب :
بارك الله بك على هذا السؤال ! سؤال دقيق وخطير ، أنا أتمنى من كل أعماقي ألا نفهم الآية على ما قد تُفهم عليه من قبل ضعيفي الفهم ، أي لا يمكن ، ومستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن يدفع الله جلّ جلاله عبده إلى الفجور ، هنا

﴿ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا ﴾

أي أنه ألهمها إذا فجرت أنها فجرت ، أي هي تكشف فجورها ذاتياً ، ليس معنى هذه الآية أنه خلق فيها الفجور ، معاذ الله ! .

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾

( سورة الأعراف الآية : 28 )

الإنسان مخير ، ولأنه مخير كل شيء حيادي ، فإذا فجر يكشف ذاتياً من دون توجيه خارجي أنه فجر ، إذا فجر يشعر بالضيق ، بالكآبة ، تعذبه نفسه ، يشعر بالذنب ، هذا كله بسبب أن فطرة الإنسان متوافقة توافقاً تاماً مع منهج الرحمن .
الأستاذ أحمد :
هذه دكتور ، الفطرة التي تحدثتم عنها ، هل هناك من علاقة بين الفطرة وبين الصبغة التي استعمل الله عز وجل لفظة :

﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ ﴾

( سورة البقرة الآية : 138 )

الفطرة و الصِبغة :

الدكتور راتب :
أستاذ أحمد ، الإنسان قبل أن يتصل بالله مزود بفطرة تكشف له الخطأ ، لكن لو أنه تعرف إلى الله ، وأقبل عليه ، وأطاعه ، واصطلح معه ، واتصلت نفسه بالله ، تأتي الصبغة أي أنت حينما تتصل بالرحيم تكون رحيماً ، حينما تتصل بالحليم تكون حليماً ، حينما تتصل بالعدل تكون منصفاً ، فكل إنسان أقبل على الله ، واشتق منه الكمال ، نقول عندئذٍ أضاف إلى فطرته الصبغة ، قال تعالى :

﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ﴾

( سورة البقرة الآية : 138 )

الصبغة شيء والفطرة شيء آخر ، الصبغة تعني أنك كامل ، تعني أنك رحيم ، تعني أنك منصف ، تعني أنك وقاف عند الحدود ، أما الفطرة تعني أنك تتبنى .

الأهداف الكبرى تحتاج إلى عمل لأن التمنيات بضائع الحمقى :

لكن بالمناسبة الله عز وجل لا يتعامل أبداً مع التمنيات ، قال تعالى :

﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾

( سورة النساء الآية : 123 )

الأهداف الكبرى تحتاج إلى عمل .

﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾

( سورة الإسراء الآية : 19 )

الكآبة نتيجة تفلت الإنسان من منهج الله
أما التمنيات كما يقال : بضائع الحمقى ، كل إنسان يتمنى ، لذلك أنا أقول : ما أنت فيه صدقك ، وما لست فيه تمنياتك ، الذي وصلت إليه هذا بسبب صدقك في الطلب ، أما الذي لم تصل إليه هو تمنيات لم تبذل من أجلها جهداً ، إن القرار الذي يتخذه الإنسان في شأن مصيره قلّما تنقضه الأيام إذا كان صادراً حقاً عن إرادة وإيمان .
أنا أذكر مرة أن رجلاً من صعيد مصر ، أرسل ابنه إلى الأزهر ، وعاد بشهادة وألقى خطبة في مسجد القرية ، الأب حضر الخطبة وبكى بكاءً شديداً ، فهم الناس بكاءه فرحاً بابنه ، الحقيقة ليست كذلك ، بكى بكاءً شديداً أسفاً على ضياع عمره بالجهل ، هذا الألم الشديد دفعه إلى أن يركب دابته وينطلق إلى القاهرة من صعيد مصر ، بقي أسابيع بل بضع شهور حتى وصل إلى القاهرة سأل عن الأزعر ، أي أزعر هذا ؟! هو يقصد الأزهر ، أوصلوه إليه، وبدأ بتعلم القراءة والكتابة في الخامسة و الخمسين من عمره ، ثم تعلم القرآن ، ثم تابع العلوم، وما مات إلا شيخ الأزهر ، مات في السادسة و التسعين .
بالمناسبة : الإنسان إما أن يكون صادقاً ، وإما أن يكون متمنياً ، الفطرة تقف عند التمني ، أما الصبغة نتيجة الصدق تصدق في طلب الحقيقة ، تصدق في مكارم الأخلاق ، تتصل بالله ، تشتقها من الله عز وجل ، تكون مصطبغاً بالكمال الإلهي ، فالعلاقة بين الفطرة والصبغة علاقة دقيقة ، الفطرة أن تحب الكمال ، لكن الصبغة أن تكون كاملاً ، الفطرة أن تحب الإنصاف ، لكن الصبغة أن تكون منصفاً .
الأستاذ أحمد :
دكتور قول الله عز وجل :

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ﴾

( سورة البقرة الآية : 286 )

وفي آية أخرى يقول المولى جلّ في علاه :

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آَتَاهَا ﴾

( سورة الطلاق الآية : 7 )

الوسع هو الطاقة ، أما ما آتاها فما معناها ؟ .

الوسع الذي وهبه الله للإنسان يقدره الله عز وجل :

الدكتور راتب :
الحقيقة الوهم الكبير أن كل إنسان يتوهم وسعاً له ، هذا الخطأ الكبير الناتج عن أن كل إنسان يخترع وسعاً له ، يقول : هذا فوق طاقتي ، لكن النقطة الدقيقة جداً أن الوسع الذي وهبك الله إياه يقدره الله عز وجل ، أما أن أخترع أنا مقياساً لوسعي فأتجاوز بعض ما ينبغي أن أفعله بدعوى أن هذا فوق طاقتي ، هذا غير صحيح إطلاقاً ، الله عز وجل سمح للمسافر أن يفطر ، سمح للمسافر أن يقصر من الصلاة ، فهذا الوسع بتقدير الله عز وجل لما أتاها في مجال الأعمال الصالحة ، والإنسان أتاه الله طلاقة اللسان ، هذه الطلاقة بمَ وظفها ؟ بإقناع الناس بالحق ، لا إقناعهم بالباطل ، أتاه مالاً ، ماذا فعل بهذا المال ؟ أنفقه في إطعام الجياع والفقراء والمساكين ، وفي حلّ مشكلات الأمة ، أم في متع رخيصة ؟ أعطاه الله جاهاً ، هل استخدم الجاه في إحقاق الحق ، وإبطال الباطل ، أم استخدم الجاه من أجل أن يأخذ ما ليس له ، وأن يذل من حوله ؟
الذي أتاك الله إياه هو امتحانك مع الله ، الإنسان في الدنيا ممتحن ، ممتحن في شيئين ، فيما أعطاه الله ، وفيما زواه عنه ، لذلك من أدق الأدعية :

(( اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب ، وما زويت عني ما أحب فاجعله فراغاً لي فيما تحب ))

[ الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ الْأَنْصَارِيِّ ]

كل إنسان مبتلى فيما آتاه الله و فيما زوي عنه :

ألم يقل الله عز وجل :

﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾

( سورة المؤمنين )

الإنسان مبتلى فيما أتاه ، مبتلى فيما زوي عنه ، هذا يقودنا إلى أن لكل إنسان فضلاً عن العبادات التي جاءت في ثنيات التشريع ، هناك عبادة خاصة لكل إنسان ، فالقوي عبادته الأولى إحقاق الحق ، والغني عبادته الأولى إنفاق المال ، والعالم عبادته الأول تعليم العلم ، والمرأة عبادتها الأولى رعاية الزوج والأولاد ، فالذي أتاك الله إياه ينبغي أن يكون متميزاً في الإنفاق منه ، ألم يقل الله عز وجل :

﴿ الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

( سورة البقرة )

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آَتَاهَا ﴾

أتاها المال ، لذلك لا يقبل من الغني أن يمضي طوال الليل في الاستغفار ولا يدفع شيئاً ، نقول له : أنت عبادتك الأولى إنفاق المال ، فكل إنسان بحسب هويته مكلف أن ينفق مما آتاه الله ، وكلمة ينفق واسعة جداً ، يمكن أن تنفق من جاهك ، أو من وقتك ، أو من جهدك ، أو من مالك .

العمل الصالح علة وجود الإنسان في الحياة الدنيا بعد الإيمان بالله :

على كلٍّ الحياة علة وجودنا فيها العمل الصالح ، والدليل أن الإنسان حينما يأتيه أجله يقول :

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾

( سورة المؤمنين )

بعد الإيمان بالله العمل الصالح .
الأستاذ أحمد :
هذه الآيات استعرضناها التي تتحدث عن الفطرة ، هل هناك من أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تدلنا أيضاً على مفهوم الفطرة ؟ .

أحاديث تدلنا على مفهوم الفطرة :

الدكتور راتب :

(( والإثمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهتَ أَن يَطَّلِعَ عليه النَّاسُ ))

[ أخرجه مسلم عن النواس بن سمعان رضي الله عنه]

أي الحق لا يستحى به ، لا تخجل منه ، لا يحتاج إلى أن تضخمه ، لا يحتاج إلى أن تقلل من شأن خصومه ، الحق يعلن على الملأ ، يقال في رابعة النهار ، الحق هو الله عز وجل ، أما الباطل تستحي به ، هل ترى أحداً يغش الحليب بمزجه بالماء أمام الناس ؟ لا يستطيع ، لذلك :

(( البر ما اطمأنت إليه النفس ))

[ أحمد عن وابصة بن معبد]

من أحد مقاييس البر :

(( ما اطمأنت إليه النفس ))

(( والإثمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهتَ أَن يَطَّلِعَ عليه النَّاسُ ))

الأستاذ أحمد :
وهل هذا معنى حديث النبي عليه الصلاة والسلام :

(( ما مِن مولودٍ إلا يُولَدُ على الفِطْرةِ ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي ومالك عن أبي هريرة ]

الدكتور راتب :
أي مولود من أي جنس ، في أي مكان ، في أي زمان ، يولد على حبّ الخير هذه الفطرة ، لكن بيئته أحياناً تسوقه إلى هذه الجهة ، أو إلى هذه الجهة ، لكن لو عاد إلى فطرته .
كم إنسان تاب وهو غارق بالمعاصي والآثام ، لماذا تاب ؟ عاد إلى فطرته ، أحياناً الإنسان يكون قوياً ، ولا أحد يعترض عليه ، يعود إلى فطرته فتنهاه فطرته عن أن يتابع عمله السيئ .
فالفطرة مقياس دقيق جداً ، لكن المشكلة أن الفطر أحياناً تنطمس فتتابع الخطأ ، كما لو أن صفحة بيضاء أي أثر يكتب عليها يظهر ، فإذا امتلأت باللون الأسود نقول : انطمست ، فنحن نخشى أن يتابع الإنسان الخطأ إلى أن تنطمس فطرته عندئذٍ لا يعي على خير .
الأستاذ أحمد :
وهل هذا ما حدثتمونا عنه من الكآبة ، مرض الكآبة ؟ .

الكآبة نتيجة تفلت الإنسان من منهج الله عز وجل :

الدكتور راتب :
الحقيقة أن مرض العصر هو الكآبة ، بدليل أن الإنسان تفلت من منهج الله .
أستاذ أحمد ، السيارة لماذا صنعت ؟ من أجل أن تسير ، لماذا وضع فيها مكابح ، المكبح في فلسفته يتناقض مع علة صنع السيارة ، لكنه ضمان لسلامتها ، كذلك الكآبة التي تحصل من انحراف يصيب الإنسان ، هذه الكآبة لعلها ترجعه إلى الصواب .
الذنب والشعور بالكآبة
تصور لو أن الإنسان فطرته ليست وفق منهج الله ، يرتكب كل المعاصي والآثام دون أن يشعر بشيء إطلاقاً ، يرتكب كل المعاصي والآثام ، ويعتدي ، ويأخذ ما ليس له ، ويتفنن في إيذاء الناس ، وينام ناعم البال .
لذلك في بعض الفنادق بألمانيا ، كتب على أسرتها : إن لم تنم فالعلة ليست في فرشنا إنها وثيرة ، ولكن العلة في ذنوبك .
الإنسان إذا أصغى إلى صوت فطرته قد يراجع نفسه ، سيدنا نعيم بن مسعود جاء ليحارب النبي ، هو في الخيمة خاطب نفسه ، هذا يسمى في علم النفس الحوار الذاتي ، قال : يا نعيم ! ما الذي جاء بك إلى هنا ؟ أجئت لتحارب هذا الرجل ؟! ماذا فعل ؟ أسفك دماً ؟ أنهب مالاً ؟ انتهك عرضاً ؟ أين عقلك يا نعيم ؟ ـ هذه الفطرة ـ فقام من توه ، وتوجه إلى معسكر النبي ، ودخل على النبي الكريم ، قال له : نعيم ؟! قال له : نعيم ، قال له : ما الذي جاء بك إلينا ؟ قال : جئت مسلماً .

خاتمة و توديع :

الأستاذ أحمد :
ولا يسعنا في نهاية هذا الحلقة إلا أن نشكر أستاذنا الدكتور محمد راتب النابلسي .
والسلام عليم ورحمة الله تعالى وبركاته

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS