6503
التفسير المطول - سورة الفتح 048 - الدرس (1-8): تفسيرالآيات 1-7، إشاراتٌ دقيقة إلى ما جرى للنبي عليه الصلاة والسلام في صلح الحديبية.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1995-02-03
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

ما من حدثٍ وقع في عهد النبي إلا وله أبعاده الجليلة وحكمته الفَريدة :

 أيها الأخوة المؤمنون... مع الدرس الأول من سورة الفتح:

﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3) ﴾

[ سورة الفتح]

 الأحداث التي جرت في عهد النبي عليه الصلاة والسلام قَدَّرها الله جلَّ جلاله لحكمةٍ بالغة، ولحكمةٍ تعليميةٍ وتشريعية، فما من حدثٍ وقع في عهد النبي إلا وله أبعاده الجليلة، وله حكمته الفَريدة، فالنبي عليه الصلاة والسلام بشكلٍ موجزٍ مختصر فيما ترويه كتب السيرة أراد أن يعتمر، فتوجَّه إلى مكة معتمراً وساق الهدي وقَلَّدها، أي أشعر أنها هديٌ تقدَّم لبيت الله الحرام، وسار معه بعض القبائل ممن حول المدينة، وعلمت قريشٌ بتوجُّه محمد صلى الله عليه وسلَّم مع أصحابه ليعتمروا، فأبت واستنفرت ووقفت موقفاً في غاية العداوة والخصومة.
 وفي الحديبية جرت مفاوضات ورسل، وتبادل النبي مع قريش رسلاً عدة، واستقر الأمر على صلحٍ، هذا الصلح مؤَدَّاه أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يعتمر في هذا العام بل يرجع، وقد سمح للناس أن يؤمنوا بعد أن كانت قريش تعذب من يسلم أشد التعذيب.

الحكمة من عدم فتح الصحابة الكرام مكة عنوةً في يوم الحديبية :

 هذا الصلح في ظاهره ليس مما يروي طموح المسلمين، إذا لم يستطع المسلمون أن يصلوا إلى مكة المكرَّمة ليطوفوا حول البيت معتمرين، بل ردوا إلى المدينة، وسمح لهم أن يعتمروا في العام القادم، وجرت نصوصٌ دقيقةٌ بين النبي وبين قريش أراد الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا الصلح فتحاً مبيناً، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يحقق ما كان يصبو إليه وأصحابه من وصولٍ لمكة المكرَّمة، وطوافٍ حول الكعبة، وقد اتجه أكثر المفسِّرين إلى تفسير هذا الفتح الجليل بصلح الحديبية، بينما قلة منهم فسَّرت هذا الفتح بفتح مكة، والحقيقة فتح مكة كان حدثاً من أبرز أحداث الدعوة الإسلامية، لأن مكة التي ائتمرت على النبي، وأخرجته، وكادت له، وحاربته قرابة عشرين عاماً، فتحت عنوةً، والله سبحانه وتعالى نصر النبي عليه الصلاة والسلام نصراً عزيزاً، فلك أن تَعُدَّ هذا الفتح المبين هو فتح مكة، ولك أن تعد هذا الفتح المبين هو صلح الحديبية.
 لكن الذين عَدُّوا هذا الفتح المبين صلح الحديبية انطلقوا من أن هذا الصلح في ظاهر نصوصه إجحاف بحق المسلمين الذين لم يحققوا أهدافهم، وتنازلوا عن مطالبهم، وفي باطنه خير عميم، من هذه الحكم الإلهية أن نفراً من المؤمنين كانوا قد آمنوا سراً في قريش، وخافوا أن يعلنوا إسلامهم وإيمانهم، ولو أن الصحابة الكرام فتحوا مكة عنوةً في يوم الحديبية لقتلوا أناساً عَلِمَ الله أنهم مؤمنون..

﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾

[ سورة الفتح: آية 25]

 لو قاتلتموهم لأصابتكم من قتالهم معرَّةٌ، أي تحمَّلتم إثم قتل إنسانٍ أسلم.

الإنسان يجب أن يستسلم لأمر الله لأن الله يعلم وهو لا يعلم :

 ملخص هذا الموضوع أنه:

﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216) ﴾

[ سورة البقرة]

 أمر هذا الدين بيد الله عزَّ وجل، الدين دين الله، والله سبحانه وتعالى لا يتخلَّى عنه، فإذا رأيت أشياء قد لا ترتاح لها، هذا بتقدير الله، ولحكمةٍ بالغةٍ أرادها الله عزَّ وجل، فلعل ما يبدو لك أنه غير مُريحٍ للمسلمين هو سبب نصر المسلمين، هو سبب انتشار الدين في العالم، هو بدايات تحقُّق قوله تعالى:

﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾

[ سورة الفتح: آية 28]

 أراد المفسِّرون حينما رجَّحوا أن الفتح المبين صلح الحديبية، أن الإنسان يجب أن يستسلم لأمر الله، سيدنا عمر ضاق ذرعاً ببنود هذا الصلح، فَعَبَّر عن ألمه لسيِّدنا الصديق، فقال الصديق رضي الله عنه: الزم غرزه، أي أنا مستسلم، لأن النبي عليه الصلاة والسلام إنما فعل ما أمره الله به، فحينما توقَّفت ناقته قالوا: خلأت ناقة رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام:

((ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل ))

[ البخاري عن المسور بن مخرمة]

 النبي عليه الصلاة والسلام تلقَّى توجيهاً من الله عزَّ وجل أن يقبل بهذه الشروط لصالح المسلمين، لأن الله يعلم ونحن لا نعلم، يعلم أن أُناساً مؤمنون في مكَّة لو أن الصحابة قاتلوا أهل قريش لقتلوهم وهم لا يشعرون.

الإنسان عليه أن يسعى ويجتهد وحينما تغلبه الأقدار يكون قد وقع ما أراده الله :

 وقد نزلت هذه السورة بعد صلح الحديبية، وقد عَبَّرَ النبي صلى الله عليه وسلم عن أنه ما من آيةٍ في كتاب الله أحبُّ إليه من هذه الآية:

﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) ﴾

 والفتح هو النصر، فافتح بيننا وبينهم أي انصرنا عليهم، وفتحنا لك فتحاً، فتحاً مفعول مطلق تأكيدٌ للفعل، ولا تستخدم هذه الصيغة إلا إذا فُتِحَت المدينة عنوةً، لذلك بعضهم يرجِّح أن هذه الآية تعني فتح مكة..

﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾

[ سورة الفتح]

 أن على الإنسان أن يسعى لرفع شأن المسلمين، وأحياناً هو يريد والله يريد شيئاً آخر، لذلك التوجيه:

(( إِن الله يَلُومُ على العَجْز، ولكن عليكَ بالكَيْس، فإِذا غَلَبَك أَمر، فقل حَسبيَ الله ونعم الوكيل ))

[ أخرجه أبو داود عن عوف بن مالك ]

 الإنسان عليه أن يسعى، عليه أن يجتهد، عليه أن يتحرَّك، وحينما تغلبه الأقدار يكون قد وقع ما أراده الله، وإرادة الله متعلقةٌ بالحكمة المطلقة، وحكمته متعلقةٌ بالخير المطلق، فهذا من دواعي أن نستيقن أن الذي وقع إنما وقع لحكمةٍ بالغة، وليس في الإمكان أبدع مما كان، ومن يقرأ سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم قراءةً مفصَّلة ولاسيما في ملابسات صلح الحديبية يرى ويعلم علم اليقين أن كل الخير كان من هذا الصلح، أحد بنوده: الذي يسلم لا ينضم إلى النبي، على النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجعه إلى قريش، والذي يرتد من المسلمين يرد إلى قريش.

أي إجراءٍ يتولاَّه الله في شأن المسلمين هو خيرٌ إن في عاجل أمرهم أو في آجله :

 شرطان ليسا متوازيين، وليسا متماثلين، هذا البند في صلح الحديبية كان له أثر كبير جداً في أن بعض القُرَشيين الذين أسلموا توجهوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام لينضموا إلى المسلمين فردَّهم في ضوء بنود الصلح، فلما ردهم تألموا أشد الألم وكَمَنوا لقريشٍ على طريقها إلى الشام، وهددوا مصالحها، فبعثت قريشٌ إلى النبي عليه الصلاة والسلام رسولاً ترجوه أن يقبلهم، ولكنَّه لم يقبلهم.
 فالإنسان قد يبدو له أن هذه الشروط فيها تنازلات وليست متماثلة، ولكن لو درستم دقائق الشروط والنتائج التي ترتَّبت عليها هذه الشروط لاستسلمتم، فقد أراد الله عزَّ وجل أن يطمئن المسلمين، أي إجراءٍ يتولاَّه الله عزَّ وجل في شأن المسلمين هو خيرٌ إن في عاجل أمرهم، أو في آجله.
 على كلٍّ الموضوع يحتاج إلى دراسات طويلة في شرح الحديبية، وفي دراسة الملابسات والبنود، والنبي صلى الله عليه وسلم قَبِل بهذه الشروط لأن الله أمره أن يقبل بها.. إنما أنا رسولٌ يوحى إلي.. تنفيذ لأمر الله عزَّ وجل، والله هو المدبِّر، اجتهد، وتوخ الخير، وتحرَّك، واسع، وطالب، لكن أنت تريد وأنا أريد والله يفعل ما يريد، وفعل الله عزَّ وجل كله حكمة.

﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) ﴾

الصُلح الذي جرى بين النبي وبين قريش كان سبباً لفتح مكة ولنصر المسلمين :

 الهدف المباشر من تحرُّك النبي صلى الله عليه وسلم لم يتحقق، وسمَّاه الله فتحاً لأن الذي تحقق أن الناس بعد هذا الصُلح شعروا بالأمن نوعاً ما، وصار المسلمون الذين لم يُعترف بهم من قبل إطلاقاً صاروا أنداداً لقريش، هذا إنجاز لم يكن بادياً لكل ذي عَيْن، إنجاز كبير، حالة الحرب انتهت، ودخل المسلمون في حالة السلم، وحينما تنتهي حالة الحرب يطمئنُّ الناس، وينطلقوا إلى نشر هذا الدين، فنشاط المسلمين بعد صلح الحديبية تضاعف في بث هذا الدين، كانوا منشغلين بحرب قريش الآن انشغلوا بنشر هذه الرسالة في شتَّى الأنحاء، هذا الصلح فتح لأنه أعطى المسلمين والمؤمنين راحةً نفسية أتاحت لهم أن ينتقلوا إلى موقعٍ آخر من مواقع الدعوة، وهو موقع نشر الدعوة بالطريقة السلمية، هذا أيضاً فتح.
 أعطت فرصة لمن أسلم في مكة المكرمة أن يتحرَّك وفق منهج إسلامه دون ضغطٍ أو تعذيبٍ، عاشوا في راحةٍ نفسية، وتحرَّك المسلمون تحركاً كثيفاً في نشر هذا الدين، وأُنقذ من أنقذ من مسلمي قريش الذين كانوا يخفون إيمانهم، كل هذا الخير نتج من خلال هذا الصُلح الذي جرى بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش، والذي كان هذا الصلح سبباً لفتح مكة، ولنصر المسلمين النصر الحاسم.

﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾

 فتح مبين بهذا الجُهد الجهيد الذي بذله النبي وأصحابه الكرام في عمرة بيت الله الحرام، ثم في الصلح، ثم حينما بايعوا النبي عليه الصلاة والسلام على الموت في سبيل الله..

﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾

[ سورة الفتح: آية 18]

صلح الحديبية درسٌ على مرّ الأجيال للمسلمين :

 لمَ كانت المبايعة؟ النبي عليه الصلاة والسلام أرسل سيدنا عثمان إلى قريش مفاوضاً، تأخَّرت عودته أياماً ثلاثة، فغلب على ظن المسلمين أنه قُتل، لذلك بايعوا النبي عليه الصلاة والسلام بيعة الرضوان، وقد نزل فيها القرآن قال:

﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18) ﴾

[ سورة الفتح]

 كانت مناسبة أن عبر المؤمنون عن بذل كل ما يملكون في سبيل الله، وقد رَضي الله عن المؤمنين حينما بايعوا النبي عليه الصلاة والسلام، لقد رضي النبي عليه الصلاة والسلام حينما رأى أصحابه بهذه التضحية وهذا الإيثار، إذاً هناك فوائد عديدة جداً؛ ظهرت تضحية الصحابة الكرام، أُنقذ من أسلم خفيةً في قريش، هؤلاء الذين ردّوا بعد أن أسلموا هددوا مصالح قريش، فتمنت قريش أن يقبلهم النبي خلافا‌ً لبنود الصلح، لكن النبي لم يخالف بنود الصلح، قريش أصبحت نداً لندٍ مع رسول الله بعد أن كانت لا تعترف بوجود المسلمين.
 شيءٌ آخر: هو أن النبي عليه الصلاة والسلام بعد الصلح صارت هناك بحبوحة والناس عاشوا في راحةٍ نفسيةٍ، وسلامٍ، وأمنٍ، وتوجَّهت كل طاقتهم إلى نشر الدعوة بدل توجيه طاقاتهم إلى صَدِّ العدوان، وفرقٌ كبير بين أن تشتغل في صدّ العدوان، وبين أن تشتغل في نشر الدعوة، هذه المعاني نستنبط منها المواعظ والعبر، فالله سبحانه وتعالى لا يتخلَّى عن دينه أبداً، هذا دين الله، وكأن صلح الحديبية بشكلٍ أو بآخر درسٌ على مرّ الأجيال للمسلمين، إذا جاءت الأمور على غير ما تشتهون فلا تحزنوا ولا تقلقوا فالعاقبة خير، إذا جاءت الأمور في العالم الإسلامي على غير ما يشتهي المسلمون، وتوهَّم المسلمون أن المسلمين لن تقوم لهم قائمة فهم واهمون، إذا توهم المسلمون أن هناك كيداً تزول له الجبال، ويحيق بهم مكر سيئ ينبغي ألا يقلقوا، لأن هذا الدين دين الله، وأن الله سبحانه وتعالى لا يتخلَّى عن دينه، وسوف يرى الناس جميعاً كيف أن الذي آلمنا من واقع المسلمين ربما كان سبب نصرهم وتقدُّمهم.

الحكم من الأحداث التي جرت في عهد النبي عليه الصلاة والسلام :

 عوداً على بدء: إن الأحداث التي جرت في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، هذه الأحداث إنما وقعت لحكمتين، الأولى تعليمية؛ والثانية تشريعية، فالإنسان حينما يقرأ التاريخ يستنبط منه قوانين تعينه على التعامل مع واقعه، لذلك قراءة التاريخ فيها موعظة كبيرة جداً، اقرأ التاريخ ترى أن التاريخ يعيد نفسه، وترى الإنسان هو الإنسان، وأن الخير هو الخير، وأن الشر هو الشر، وأن الإيمان هو الإيمان، وأن الكُفر هو الكفر، وأن التاريخ يعيد نفسه، وبإمكانك إذا قرأت التاريخ أن تستنبط من قراءته المواعظ والعِبَر التي تعينك على فهم الواقع، فصلح الحديبية في ظاهر بنوده تنازلٌ من المسلمين، لكن في حقيقته سببٌ لنصر المسلمين النصر المؤزر، ولفتح مكة الفتح المبين:

﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) ﴾

 فأنا من أنصار الذين يرون أن الفتح المبين هو صلح الحديبية لأنه كان سبب فتح مكة، والإنسان عليه أن يستسلم، ولاسيما وأن النبي عليه الصلاة والسلام أشار إشاراتٍ صريحةً إلى أنه رسولٌ يفعل ما يأمره الله تعالى به، فسيدنا الصديق أدرك هذه الحقيقة، ذكر هذا لسيدنا عمر، قال له: " الزم غِرزه إنه يوحى إليه ".. وانتهى الأمر.

﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾

مغفرة ذنب النبي مغفرةٌ وقائية :

 قالوا: ذنب الأنبياء له تعريفٌ خاص، أولاً: ترك الأولى، وقد قال بعضهم: إن مغفرة الذنب للنبي مغفرةٌ وقائيَّة، بمعنى أن اتصال النبي بالله عزَّ وجل الاتصال الشديد ينفي عنه الذنب، فإما أن يغفر الذنب بعد وقوع الذنب، وإما أن يحصل الاتصال بالله عزَّ وجل بحيث لا يقع معه ذنب، إما أنه مغفرةٌ وقائية وإما أنه ترك الأولى، لكن الثابت أن النبي عليه الصلاة والسلام معصومٌ قبل النبوة وبعدها، معصومٌ في كل أقواله وأفعاله وإقراراته، معنى أنه معصوم أن كل ما قاله حق، في غضبه وفي سروره، لو أنه غير معصوم لكان ينبغي أن نتحرَّى حالات الغضب التي غضب بها حتى نحذف الأحاديث التي قالها وهو غاضب، لكن علماء العقيدة يؤكِّدون بتصريحٍ من النبي عليه الصلاة والسلام أنه معصومٌ في كل أقواله وأفعاله وإقراره، إذاً المغفرة هنا من نوع آخر، مغفرة ذنب النبي مغفرةٌ وقائية.

﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) ﴾

[ سورة الفتح]

 أربعةُ أشياء: مغفرة الذنب المتقدم والمتأخر، وإتمام النعمة عليك، والهداية إلى الصراط المستقيم، والقاعدة تقول: إنك إذا وصفت إنساناً مستقيماً بالاستقامة، أو إذا أمرت إنساناً بالاستقامة وهو مستقيم، معنى ذلك أن اثبت على استقامتك، فتمام النعمة الهدى، تمام النعمة النبوَّة، تمام النعمة انتشار هذا الدين، تمام النعمة فتح مكَّة المكرَّمة التي ناصبت العداء النبي عليه الصلاة والسلام ردحاً من الزمن..

﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3) ﴾

[ سورة الفتح]

 والنصر هنا موصوفٌ بأنه عزيز.

القلوب بيد الله عز وجل يقلبها كيف يشاء :

﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾

[ سورة الفتح: آية 4]

 السكينة شيء يصعب تعريفه، شعورٌ لا يعرِفه إلا من ذاقه، شعور بالأمن، منقطع النظير، شعور بالرضا، شعور بالسعادة، فقد قال النبي الكريم:

((قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ))

[ الترمذي و ابن ماجه عن أنس]

 في آية أخرى تقول:

﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾

[ سورة الحشر: آية 2]

 معنى ذلك أن الرعب شيء يخلقه الله خلقاً فيقذفه في القلب، فالقلب أحياناً يمتلئ رعباً، خوفاً، يمتلئ قلقاً، ضيقاً، يمتلئ ضَجَراً، سَأَماً، من الذي خلق فيه السأمَ والضجر والضيق والقلق والخوف والرعب ؟ الله جلَّ جلاله، والقلب يمتلئ طمأنينةً، رضاً، يمتلئ استقراراً، تفاؤلاً، يمتلئ استبشاراً، هذا القلب بيد الله عزَّ وجل، فالإنسان المؤمن المستقيم، الخاضع لله، المنيب إليه، المطبِّق لمنهجه، يملأ الله له قلبَه طمأنينةً، هذا معنى قول الله عزَّ وجل:

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) ﴾

[ سورة الشعراء]

 هذا معنى قول الله عزَّ وجل:

﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾

السكينة أحد أكبر الحوافز للإيمان بالله :

 لذلك أحد أكبر الحوافز إلى الإيمان تلك السكينة التي يتفضَّل الله بها على المؤمن، هذه السكينة تُعْطيه طاقةً على الصبر عجيبة، تعطيه طاقةً في التحرُّك عجيبة، تعطيه حافزاً إلى البذل عجيباً، صبر وحركة وحافز، فلذلك إذا رأيت المؤمن متمَكِّناً في طريق الإيمان، ساعياً إلى مرضاة ربه الكريم، منطلقاً إلى طاعته، متحمِّلاً كل الشدائد في سبيله، لا تستغرب، لأن الله سبحانه وتعالى ألقى في قلبه السكينة، يعبِّر عنه بعضهم بالأحوال؛ لك حال مع الله، استقامتك تنقلك إلى حالٍ مع الله طيِّب، استقامتك تجعلك شُجاعاً، متماسكاً.

﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾

 هذه الآية ليست خاصَّةً بأصحاب رسول الله، هذه الآية لكل زمانٍ ومكان، لكل مؤمنٍ على كَرِّ الأيام، لكل مؤمنٍ في أي ظَرْفٍ صعب، لو أن الظرف صعبٌ في ظاهره لكن قد يكون في باطنه أمنٌ وطُمَأْنينة، وسكينةٌ واستقرار.

المؤمن مع قناعاته الفكرية هناك مشاعر يشعر بها تزيده صلةً بالله وحباً له :

 ثم يقول تعالى :

﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾

[سورة الفتح: آية 4]

 الإيمان الأول إيمان القناعة، أما الإيمان الثاني فإيمان السعادة، أنت أحياناً تقنع بالشيء ثم تنتفع به، انتفاعك به يزيدُك على إيمانك الفكري به إيماناً، هذه السكينة ضاعفت ثقتهم بالله عزَّ وجل، ضاعفت محبَّتَهُم لله عزَّ وجل، ضاعفت بَذْلَهُم وتضحيتهم، لذلك أقول لكم: إذا رأيت مؤمناً متمسِّكاً بأسباب الفَوْزِ في الدنيا، متمسكاً بهذا الدين، لا تظن أن قناعاته وحدها حملته على هذا التمَسُّك، يجب أن تعتقد أن مع قناعاته سعادةً لمسها في قلبه، النبي الكريم يقول:

(( ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولا ))

[ من صحيح مسلم عن عبد المطلب ]

((من غض بصره عن محارم الله أورثه الله حلاوة في قلبه إلى يوم يلقاه))

[ورد في الأثر]

 فالمؤمن مع قناعاته الفكرية هناك مشاعر يشعر بها، هذه المشاعر تزيده صلةً بالله وحباً له.. ذاق حلاوة الإيمان:

((من غض بصره عن محارم الله أورثه الله حلاوة في قلبه إلى يوم يلقاه))

[ورد في الأثر]

 وهذا معنى الآية:

﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ ﴾

القلب يملؤه الله بحسب عمل الإنسان وإخلاصه واستقامته :

 بالمقابل.. الكفار:

﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾

[ سورة الحشر: آية 2]

 الكافر يملأ الله قلبه قلقاً، وخوفاً، وهلعاً، يملأ قلبه ضجراً، وسأماً، يملأ قلبه ذُعراً، فالقلوب بيد الله عزَّ وجل، هذا القلب يملؤه الله بحسب عملك وحسب إخلاصك واستقامتك.

﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾

 أحياناً نحن في علاقاتنا اليومية نختار الشيء لأسباب فكرية، هذا الشيء شراؤه جيد، وسعره رخيص، يبدو أن الشركة المصنِّعة ممتازة، وإنتاجه كثير، وأعطاله قليلة، معلومات عديدة تدعوك لشرائه، فإذا اشتريته، واستعملته، وانتفعت به، واستمتعت به، وأعطاك الخير الكثير، تتضاعف ثقتك به، مع أنها ليست في الأساس كافية.

الله عزَّ وجل له جنود لا يعلمها إلا هو :

﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (4) ﴾

[ سورة الفتح]

 الله عزَّ وجل له جنود لا يعلمها إلا هو، وربنا عزَّ وجل لحكمةٍ بالغة قد يكون من جنوده الجراثيم، نابليون أخرجه من عَكَّا الطاعون، اليوم أضعف فيروس على الإطلاق فيروس الإيدز، إذا خرج من الجسم يموت بعد دقائق، ومع ذلك ألوف الملايين مسخرةٌ للبحث عن مصلٍ مضادٍ لهذا الفيروس، والطريق لا يزال مسدوداً أمامه.

﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

[ سورة الفتح: آية 4]

 الملائكة جنود، الجن جنود، الجراثيم جنود، الفيروسات جنود، العواصف جنود، الأعاصير جنود، الفيضانات جنود، الصواعق جنود، الزلازل جنود، الحر الشديد جنود، البرد الشديد جنود.

﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (4) ﴾

[ سورة الفتح]

 الله عزَّ وجل قادر على أن ينصر المؤمنين في كل حال، لكن أحياناً لحكمةٍ بالغةٍ يُعْطيهم ويمنعهم، يرفعهم ويخفضهم، يؤَيِّدهم ويبدو أنه تخلى عنهم تأديباً لهم وتربيةً لهم.

﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (4) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (5) ﴾

[ سورة الفتح]

الفوز الحقيقي يكون في دخول الجنة :

 أخواننا الكرام... كلمة دقيقة جداً..

﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾

 الفوز الحقيقي في دخول الجنة..

﴿وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾

 التي وقعت منهم في الدنيا..

﴿وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (5) ﴾

 هذا هو الفوز عند الله، فما الفوز عندك؟ عند الناس الفوز هو المال، ومتاع الحياة الدنيا، لذلك حينما تختلف الرؤية بين الإنسان وبين مقاييس القرآن تقع الضلالة، أن تصل إلى الجنة ونعيمها، وأن تُكَفَّر عنك سيِّئاتُك، وتنال رضا الله عزَّ وجل، هذا عند الله هو الفوز العظيم..

﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61) ﴾

[ سورة الصافات]

﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26) ﴾

[ سورة المطففين]

سبب عدم خروج المنافقين مع الرسول الكريم ليعتمروا :

﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾

[ سورة الفتح: آية6]

 المنافقون حينما خرج النبي عليه الصلاة والسلام ليعتمر مع أصحابه الكرام، ودعي بعض هؤلاء للخروج معه امتنعوا، لماذا؟ لأنهم ظنوا أنهم حينما يتجِّهون إلى مكة المكرمة فقريش تقتلهم عن آخرهم، ظنوا أن النبي لن يعود، نسوا أن هذا رسول الله، وأن زوال الكون أهون على الله من أن يتخلَّى عن رسوله.

﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾

 ظنوا أن الله سيتخلَّى عن النبي الكريم، وظنوا أن قريشاً سوف تتمكن من إبادتهم وقتلهم عن آخرهم، كيف لا؟ كيف يخرج النبي إلى مكة معتمراً وقد حارب قريشاً في أُحد وفي بدر وهناك قتلى من قريش؟ كيف يسكت أهل قريش عن محاربة النبي وعن إبادة النبي وأصحابه؟ فالمنافقون ظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم لن ينتصر، وأنه سيهزم، وأنه لن يعود إلى المدينة..

﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (6) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (7) ﴾

[ سورة الفتح]

 أيها الأخوة الكرام... هذه الآيات فيها إشاراتٌ دقيقة إلى ما جرى للنبي عليه الصلاة والسلام في صلح الحديبية، وأرجو الله سبحانه وتعالى في الأسبوع القادم أن نعود إلى هذا الصلح، وإلى ملابساته، وإلى أسبابه، وإلى نتائجه، فإن دراسة سيرة رسول الله في هذه الآيات بالذات تلقي ضوءاً كاشفاً وضَّاحاً على مدلول هذه الآيات.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS