2888
التربية الإسلامية - موضوعات مختلفة - الدرس ( 067) :كيف يزكي الإنسان نفسه ؟.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1994-01-09
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الكرام: طلب مني أخ كريم أن أتحدث عن النفس الإنسانية، وعن حقيقتها، وعن قوانينها، وقد تمنيت أن يكون هذا الدرس من نوع خاص، من نوع التربية، كيف يزكي الإنسان نفسه ؟ وكيف يسلكها في طريق الإيمان ؟ وكيف يقطف الثمار اليانعة التي وعد الله بها المؤمنين
يا أيها الأخوة الكرام: قبل أن نخوض في هذا الموضوع أضع بين أيديكم وقائع من حال المسلمين، فهناك بعض المسلمين يعنون أشد العناية بالفكر الإسلامي، بالكتب بقراءتها بتلخيصها، بقراءة ما استحدث منها، وهذا نشاط طيب ومقبول، لكنه لا يكفي، هذا الجانب الفكري، وهناك أناسٌ يعنون بالأعمال، يؤسسون يعطون، يتعاونون، يبنون، يقدمون خدمات، هذا الجانب العملي، طيب جداً، ولكنه لا يكفي، جزء من الدين، هناك أناس آخرون يعنون بأذكارهم، وقلوبهم، وأحوالهم، وهذا أيضاً نشاط طيب جداً، ولكنه لا يكفي، حينما يتضخم جانب أساسي من جوانب الدين على حساب جانب آخر صاحبه لا يفلح،
يا أيها الأخوة الكرام: نريد أن نقف على حقيقة الدعوة النبوية، كيف أنها كانت تجمع بين الفكر النير، والنفس الطاهرة، والسلوك الطيب، فكر ونفس وسلوك، إذا اجتمعت هذه الثلاثة يمكن أن تقطف ثمار هذا الدين، ويمكن أن تحقق الهدف الذي من أجله انتسبت إلى هذا الدين.
 يا أيها الأخوة: الإنسان ماذا ينشد ؟ الإنسان لا شيء أعظم في نفسه من أن يسعد، ولكن ما مقومات السعادة ؟ أول حقيقة في هذا الدرس هي أنه لا يمكن لإنسان أن يسعد وهو بعيد عن الله، إذا كان الهدف الأول لكل إنسان أن يسعد، لا يمكن لإنسان أن يذوق من السعادة ولو قيراطاً إذا كان بعيداً عن الله عز وجل، لذلك النشاط العلمي تزداد معلوماتك، تنمو ثقافتك، ينطلق لسانك، تقرأ تراجع تبحث، تدرس تحاور، نشاط رائع، لكن وأنت في قمة هذا النشاط تشعر أنك بعيد عن الله، أو تشعر بشكل أخف أن هناك حجاب بينك وبين الله.
وقد تسلك الطريق الآخر، أعمال صالحة، خدمات، جمعيات، مساعدة للفقراء، لليتامى للأرامل، ومع كل هذا النشاط الذي يستهلك كل الوقت تشعر أحياناً أن بينك وبين الله حجاباً، بمعنى أنك إذا أردت أن تصلي لا تشعر بطعم الصلاة، إذا أردت أن تقرأ القرآن لا تشعر بطعم القرآن، إذا أردت أن تدعو، أردت أن تناجي، أردت أن تصلي السحر، لا تشعر، وأحياناً تلتفت إلى قلبك، وإلى أحوال قلبك، وإلى طهارة نفسك، وتقعد عن طلب العلم والعمل، فإذا أنت عابد لا تستطيع أن تفعل شيئاً في هذه الحياة، عابد أي التمس الراحة لقلبه، يا ترى هل يفلح العابد ؟ وهل يفلح من أمضى كل حياته في القيل والقال ؟ وهل يفلح من جعل دينه الأعمال فقط ؟ من دون تزكية النفس ؟
يا أيها الأخوة: مشكلة المسلمين أن كل فئة أو كل جماعة نما عندها جانب على حساب الجوانب الأخرى، ليس هناك توازن، جانب نامي وجوانب أخرى ضامرة، لذلك يوجد بمجالات محددة تقدم شديد، أما هذه النفس أن تشعر بثمرات الدين، أن تشعر بما وعد الله به، أن تمر بالأحوال، وبالأعمال، وبالسمو الذي وصفه النبي عليه الصلاة والسلام بعيدة عن هذا ! لذلك أيها الأخوة: الذي أريد أن اجعله محور هذا الدرس، هو أن الإنسان إن لم يزدد علمه فهو في مشكلة كبيرة، إن لم يزدد علمه، العلم إذا بقي محدوداً النفس تضيق بهذا العلم المحدود، عندئذٍ يتسرب إليها بعض الملل، بعض السأم، بعض الضجر، الأشياء المعادة والمكررة من شأنها أن تجعل النفس في سأم وضجر، فالعلم لا بد من أن يطلب بشكل مستمر، وكلما ارتقى علمك، ارتقت معرفتك بالله عز وجل، كلم ارتقت معرفتك، انعكس هذا على السلوك، إذاً هناك ترابط بين العلم وبين السلوك، هناك علاقة مستمرة، علاقة متوازنة بين العلم والسلوك، الآن لو نما علمك، لو ازددت هدى، ولم تزدد تقاً، لم يزدك العلم إلا بعداً، أنا ألح في هذا الدرس على التوازن، على أن نعيش كما عاش النبي وأصحابه، قلب مفعم بحب الله، نفس زكية طاهرة، عقل ممتلئ علماً، سلوك طيب يرقى بصاحبه، هذه الجوانب الثلاث في شخصية الإنسان.
 ولنأخذ بادئ ذي بدء جانب العبادات، العبادات كما تعرفون أيها الأخوة نوعان: عبادات شعائرية، وعبادات تعاملية، ولا يغني أحدهما عن الآخر، لا تغني العبادات الشعائرية عن العبادات التعاملية، كذلك لا تغني العبادات التعاملية عن العبادات الشعائرية، فأنا ألح على صلاة الفجر، وأقول لكم أيها الأخوة: كما قال النبي عليه الصلاة والسلام:

((من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله ))

 أخوة كثيرون يشكون إلي أن أصعب صلاة عليهم هي صلاة الفجر، والحقيقة هي أن النبي عليه الصلاة والسلام أشار إلى أن هذه الصلاة ينبغي أن تؤدى في جماعة، لأن هذه الجماعة تشدك إليها، واحدنا إن كان يوجد قرب بيته مسجد، ووطن نفسه أن يؤدي هذه الصلاة في هذا المسجد، مع مرور الأيام تنشأ علاقات بينك وبين المصلين، علاقات متينة جداً، علاقات حميمة جداً، هذا رفيق الفجر، رفيق صلاة الفجر، فلو إنسان ألزم نفسه ولو بالإكراه، ولو بالمتابعة الشديدة، أن يصلي الفجر في جماعة، هذه الجماعة تشده إلى المسجد، ولو سهر اليوم حتى الساعة الثانية صباحاً، يستيقظ ويصلي صلاة الفجر، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:... وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَب))

(صحيح البخاري )

 

أنت تصور نفسك بدأت نهارك بصلاة متقنة، وادعة، وراء إمام قارئ، أسمعك آيات من كتاب الله، بقراءة جيدة، وأنت طاهر النفس، نمت على طهارة، واستيقظت على طهارة، وصليت الفجر في جماعة، فإذا أكرمك الله أن تتابع الصلاة بشيء من ذكر الله عز وجل، وشيء من تلاوة القرآن، وشيء من التفكر في خلق السماوات والأرض، أي النهار أربعٌ وعشرون ساعة، خالق الكون الإله العظيم، الجنة الأبدية ألا تستدعي أن نمضي ساعة مع خالقنا ؟ لو بدأنا بمشروع، أنا أعرف أن هناك الكثير من أخواننا الكرام، هذا الشيء يعرفونه ويطبقونه، ولكن قال الله تعالى:

﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55)﴾

(سورة الذاريات )

 إذا حاولنا صباحاً أن نصلي الفجر في جماعة، وحاولنا أن نذكر الله ألف مرة، عشر مسابح، ولكن الذكر الشكلي ليس له قيمة، أقصد مع حضور قلبك، مع الخشوع، مع استحضار عظمة الله عز وجل، ونقرأ خمس صفحات من القرآن، ونتفكر بآية من آيات جسمنا، ربع ساعة، بربع ساعة، بربع ساعة، وصلاة الفجر بربع ساعة، المجموع ساعة، هذه الساعة كل يوم يا أيها الأخوة الكرام: يجب ولا بد من أن تشعر أنك في هذا اليوم إنسان آخر، انطلقنا إلى العمل، هناك عبادة هي عبادة غض البصر، وأخواننا الشباب في أمس الحاجة إليها، المأخذ الكبير والخطير للشاب هي الفتاة، فإذا غضضت بصرك عن محارم الله، وأكرم الله بهذه العبادة، التي تجد حلاوتها في قلبك، هذه عبادة في أثناء النهار، عبادة العين الغض عن محارم الله، عبادة الأذن أن لا تستمع إلى ما يرضي الله، من غناء وفحش ومزاح رخيص، وغيبة ونميمة، إذا ضبطت عينك، وضبطت أذنك، وضبطت لسانك، وكنت ملتزماً التزاما تاماً، كل كلمة قبل أن تقولها تدرسها، هذه فيها سخرية، هذه فيها استهزاء، هذه فيها جرح لأخ مؤمن، هذه فيها طعن، هذه فيها استعلاء، هذه فيها كبر، هذه فيها شرك، ضبط العين، بأن تغض عن محارم الله، وضبط الأذن بأن لا تستمع إلا لما يرضي الله، من قرآن من حديث طيب، من ذكر، من مديح، وهذا اللسان لا ينطق إلا بالحق، أي أن الإنسان لو أعطى نفسه راحتها، لو لم يراقبها مراقبة شديدة فعالة، النفس تستمرئ الغيبة، تستمرئ النميمة، تستمرئ الكلام الفارغ، أشد متعة من الكلام الجاد، ففي قراءتك، في مطالعتك، في كلامك فنحن لما بدأنا النهار بصلاة الفجر في جماعة، وأتبعناها بذكر وتلاوة وتفكر، في حدود ساعة، وكان بعض الصالحين لو فاتته هذه الساعة، كان يقضيها، يقضيها ضحاً، لسبب أو لآخر، لأمر قاهر ما تمكن أن يصلي الفجر في جماعة، صلاه قبيل طلوع الشمس بقليل، وهو متعب جداً، فخلد إلى الراحة قليلاً، ثم استيقظ وقضى هذه الساعة التي فاتته في وقتها المناسب، ما من مانع، أخبار كثيرة عن الصالحين، كانوا يقضون ما فاتهم من أورادهم، وذكرهم، وتلاوتهم، دوامك الساعة الثامنة، لا يوجد وقت، هناك من يقضيها عصراً، أو ظهراً، أو عشاءً أو قبل أن ينام، أي يجب أن تجعل من وقتك الثمين وقتاً لأثمن ما في حياتك، إنها معرفة الله والتقرب إليه.
 أيها الأخوة إنسان بدأ نهاره بصلاة الفجر في جماعة، وتفكر بآية من آيات الله إما في طعامه أو في شرابه، أو في المخلوقات، أو في جسمه، أو في ملكوت الأرض والسماوات، هذا التفكر زاده تعظيماً لله، وتعظيمه لله زاده خشوعاً، وخشوعه حمله على طاعة الله، الآن ضمن البيت يوجد عبادة، الإنسان له في البيت والدة، أو والد، أو زوجة، أو إن كانت هي زوجة لها زوج، وله أولاد ذكور وإناث، الابتسامة صدقة، الكلمة الطيبة صدقة، الحلم صدقة، خدمة الأهل صدقة، إدخال الفرح على الأولاد صدقة، أنت إن دخلت إلى بيتك لديك مجموعة عبادات، الحلم صدقة، تذكير الأهل بالله عز وجل عمل طيب، تذكيرهم بآية كونية، بآية قرآنية، بحديث شريف، بحكم فقهي هذا عمل طيب.
 تصور المؤمن كيفما تحرك لديه أعمال صالحة، دخل إلى بيته بدأ بعالم جديد، من الأعمال الصالحة، وأن تضع اللقمة في فم زوجتك هي لك صدقة، أن تدخل على أولادك الفرح، هي لك صدقة، أن تعتني بهم لك صدقة، أن تعلمهم كتاب الله، لك صدقة، أن تنشأهم على حب النبي عليه الصلاة والسلام، هي لك صدقة، يا أخوان إن دخلت إلى بيتك، في بيتك مجموعة من الأعمال الصالحة، وعندما يعتني الإنسان بزوجته فيدلها على الله، إلى أن تغدو مؤمنة كاملة، إلى أن تغدو محبة لله عز وجل، عند ئذ تنقلب من زوجة إلى رفيقة في طريق الإيمان، وهذا شيء مسعد جداً، أن ترى هذه المرأة التي هي شريكة حياتك، تتجاوب معك في أمور الدين، تلقي عليها معاني دقيقة فتتأثر بها، إذاً في بيتك مجال للعمل الصالح، إذا جلست إلى ابنك تعلمه، ولو علمته المواد المدرسية، إذا جلست إلى ابنك تعلمه أمور دينه، حتى لو آنسته،

(( كان إذا خلا بنسائه ألين الناس وأكرم الناس، ضحاكا بساماً))

(الجامع الصغير للإمام السيوطي )

 إذا دخلت إلى البيت فهناك مجالات ومجالات من الأعمال الصالحة، أي مؤمن يعيش كما يعيش الناس، يغضب كما يغضب الناس، يثور كما يثور الناس، يحب ذاته فقط كما يحب الناس ذواتهم، يهمل أولاده كما يهمل الناس أولادهم، هذا ليس مؤمناً، إذا لم يوجد تميز شديد جداً، إذا لم يوجد فرق نوعي صارخ، بينك وبين عامة الناس فأنت لست مؤمناً، ففي بيتك يوجد عبادة، الطريق له عبادة، فالرجل يصلي في اليوم خمس مرات، خمس مرات يتجه إلى الله، لكن إذا كلما مرت في الطريق فتاة سافرة، كاسية عارية، قلت إني أخاف الله رب العالمين، وشددت غض الطرف عنها، ألا تشعر أن كل نظرة غضضتها في سبيل الله ترقى بك إلى الله ؟ الطريق فيه عبادة طبعاً، دخلت إلى عملك، أي عمل من دون استثناء، أنت بائع كن صادقاً، الصدق عبادة، الأمانة كن نصوحاً، هذا إن كنت تاجر، أما إن كنت صانع فأتقن عملك، كما لو أن هذه الحاجة لك في البيت، كيف لو أن هذا الشيء تخيطه لنفسك ؟ أو تصنعه لنفسك ؟ تعتني به عناية فائقة، هذه عبادة أيضاً، إتقان العمل عبادة، والصدق والأمانة في التجار عبادة أيضاً، الآن أنت موظف، خدمة المواطنين عبادة، هذا مواطن له عندك حاجة، وإذا أحب الله عبداً جعل حوائج الناس إليه، أنت طبيب، حينما تنصح المرضى، وتعطيهم الحجم الحقيقي لمرضهم، دون أن تزيده، ودون أن تقلل من شأنه، هذه عبادة، خطر في بالي مثل، أن رجل اشترى رفاريف سيارة، عنده سيارة ودواليب، وضع أربعة دواليب فوق بعضهم، ورفاريف، هل هذه سيارة ؟ اشترى محرك ووضعه على يسار السيارة، هذه ليست سيارة، وكذلك الدين متكامل، أي إن لم تسير هذه الآلة فهي ليست سيارة، هذا كله عبارة عن تخزين، ممكن أن تعمل أعمال صالحة، لكن كل هذه الأعمال الصالحة لا ترقى بك، ليس فيها تناسب، ليس فيها إحكام، فإذا الإنسان لم يحكم استقامته تماماً، لم يُحكم هذه الصلة مع الله عز وجل، يبقى هناك حجاب، ما معنى هناك حجاب ؟ أي الصلاة لا تعمل عملها، لو قرأ قرآن لا يشعر بشيء، لو دعا لا يحس بشيء، عينه لا تدمع، نفسه لا تخشع، جلده لا يقشعر، يشعر أنه كالناس تماماً، يصيبه ما يصيبهم، من هم وحزن، وقلق وخوف، وألم، وقد يخنع لهم، وقد ييأس، إذاً يوجد حجاب، أتمنى أن أضع هذه الحقيقة بين أيديكم، أنت لك ميزان، يجب أن يكون ميزانك صحيحاً، أي هل أنت مقبل أم محجوب ؟ الدروب تحجبك عن الله عز وجل، هل يعقل أنني آتي إلى الجوامع، وأحضر دروس العلم، ومحسوب على الناس مؤمناً، ومحسوب أمام الناس من رواد هذا المسجد، وأنني صاحب دين، أو أنني ملتزم، أو لي خلفية دينية، أو لي انتماء ديني، يكون إنسان محسوب بهذا الشكل على المسلمين، وهو لا يقطف أي ثمرة من ثمار الدين ؟ لا يوجد طمأنينة، لا يوجد سعادة، لا يوجد اتصال بالله عز وجل، لا يوجد شعور بالعبودية لله عز وجل، لا يوجد توكل صحيح، فيا أيها الأخوة: إنسان يأتي ويأتي لبيت الله، ويجلس ويستمع، والوقت إذا أمضى ساعة في المسجد، هذه الساعة تحتاج إلى ساعتين إعداد، وتهيئة وحضور، وطريق، أي ما يقارب ثلاث ساعات، فعندما يعمل الإنسان مراجعة لنفسه، مراجعة لحساباته، السؤال الدقيق الآن: هل أنت متصل أم محجوب ؟ إذا كنت متصل فزد هذا الاتصال شدة، وإذا كنت تشعر بوجود حجاب، يتمثل بأن الصلاة لا طعم لها، والذكر لا معنى له، وتلاوة القرآن لا تقبل عليها إقبال الشره، ولا تقوم إلى الصلاة نشيطاً، تقوم كسولاً، إذا كنت كذلك فهناك حجاب، والحجاب له أسباب، فالعوام يقولون: الإنسان حكيم نفسه. أنا أشعر أن الأخ المؤمن ينبغي أن يكون لديه ميزان دقيق يزين به نفسه، هل هي طاهرة ؟ هل هي متلبسة بأدران ؟ هل هي كما يرضى الله عنها ؟ هل هي مقبلة ؟ هل هي متفتحة، الشيء الثابت أن المؤمن كالكوكب الدري، المؤمن متألق، المؤمن عنده قوة روحية مؤثرة، أو بالتعبير الآخر زخم روحي، المؤمن إذا تكلم ينطق من قلبه، وإذا حضر في مكان شاع في هذا المكان هيبة ووقار، هذا هو المؤمن، فنحن لئلا نقع ضحية، أي كما قلت قبل قليل، أربعة رفاريف لا يساوون سيارة، وأربعة دواليب، ومحرك، لا تمشي هذه كلها لها ثمن، إذا عمل الإنسان أعمال صالحة فهذا كله محفوظ عند الله عز وجل، لكن مجموع هذه الأعمال لا ترقى به إلى الله عز وجل، يأخذ ثمنها، لا ترقى به، نحن ماذا نريد ؟ نريد أن نُحْكِم استقامتنا، ونحكم عبادتنا، ونضاعف جهودنا في الأعمال الصالحة، حتى نصل إلى الله، الوصول إليه هو المعول عليه، والوصول إليه يحتاج إلى استقامة تامة، أي تجلس في المجلس تتكلم على هواك، وماذا في ذلك ؟ الله سيغفر لنا، مقطوع، في الطريق يوجد بعض الخطف للبصر، والله يا أخي هذا شيء صعب أين أذهب بعيني ؟ هذا الموقف محجوب عن الله عز وجل

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾

( سورة البقرة )

 فالذي أرجوه من الله عز وجل، وأتمناه عليكم، أن أحدنا في وقت قصير يصل إلى خير كثير، في وقت قصير يضع يده على جوهر الدين، أنا كنت أقول سابقاً: هذا الأعرابي، هذا البدوي، هذا الراعي، الذي قال له سيدنا عمر: بعني هذه الشاة، قال له: ولكن أين الله ؟
هذا البدوي أو الراعي وضع يده على جوهر الدين، ركعتان من وَرِع خير من ألف ركعة من مخلط، من لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيء من عمله.
 فيا أيها الأخوة: الإنسان أحياناً الحياة تستهلكه، من موعد إلى موعد، عنده محل، وعنده وظيفة، وعنده أولاد، وحاجة البيت، وزوجته مريضة، وابنه يحتاج إلى تحاليل، الحياة امتصت كل وقته، لا بد من ساعة تخلو بها إلى نفسك، حاسب نفسك، كيف صلاتك ؟ كيف تلاوتك ؟ كيف فهمك لله ؟ يوجد أيضاً سؤال آخر، أين عملك الصالح ؟ بماذا تلقى الله عز وجل؟ يا بشر لا صدقة ولا جهاد فبم تلقى الله إذاً ؟
 أنت حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، فكما قلت في بادئ الدرس: يوجد نشاط فكري، طيب وجيد ولكنه وحده لا يكفي، ويوجد نشاط سلوكي أعمال صالحة كثيرة جداً، إذا لم يوجد مع الأعمال الصالحة الاستقامة التامة، ولم توجد الوجهة لله عز وجل، لا يوجد ذكر، هذه الأعمال الصالحة تأخذ أجرها ولكنها لا ترقى بك، دقة التعبير تأخذ أجرها أضعاف مضاعفة، لكنها لا ترقى بك إلى الله، لو اعتنيت بقلبك عناية تامة واعتزلت الناس، وأكثرت من الأوراد والأذكار، ولكنك لم تطلب العلم، والعمل لم تحققه، تصبح عابداً، لا تستطيع أن تفعل شيئاً، وحدك، ربما تنجو، وهذه العبادة من دون علم، ومن دون عمل، هذه العبادة هشة، تحت أي ضغط تتمزق، تتهاوى، نحن نقول الآن: لا نريد علماً فقط، فكر نير وقلب متصحر، لا نريد قلب يغلي حباً بالله عز وجل مع عدم وجود الأفكار، ومع وجود أغلاط عظيمة جداً في العقيدة والسلوك، يوجد جهل بالله وبالفقه، ولا نريد إنسان كل وقته عمل صالح لكن محجوب عن الله، هذا العمل لما كثر أصبح فيه نوع من أنواع الرياء، أي أنا أعمل عملاً عظيماً والناس يمدحونني، كأنه أصبح يعمل للناس، لا تنسوا سينا داوود لما عاتبه ربنا عز وجل، أنه كان قد آثر محرابه على الحكم بين الناس بالحق، وسيدنا سليمان أيضاً عاتبه الله، لأنه غلب على وجهته إلى الله العمل الصالح، فضيع صلاة وهو يضمر الخيل.
 فلا بد من التوازن، لن نفلح أيها الأخوة إلا إذا أخذنا هذا الدين من كل جوانبه، لن نفلح إلا إذا توازنَّا، لن نفلح إلا إذا اعتدلنا، القلب له غذاء، وهو الذكر، والعقل له غذاء وهو العلم، والقلب له غذاء وهو العمل، لابد من قلب مفعم بحب الله عز وجل، وعقلِ ممتلئٍ علماً، وحكمة، وعمل طيب يرقى بك إلى الله عز وجل.
 أيها الأخوة: الإنسان نفس، وجسم، وروح، على أن هذا الموضوع خلافي، وكل إنسان له وجهة نظر، لكن الشيء الثابت أنك أنت لك ذات، ذاتك هي نفسك التي بين جنبيك، هي التي تؤمن، هي التي تكفر، هي التي تُقْبِل، هي التي تُعْرِض، هي التي تسعد، هي التي تشقى، هي السعيدة والشقية، والمؤمنة والكافرة، والمقبلة والمعرضة، هذه النفس لا تموت ! لكنها تذوق الموت

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾

(سورة آل عمران )

 أي أنت هو أنت، اتصالك هو اتصالك، وإقبالك هو إقبالك، طهارتك هي طهارتك، سموك هو سموك، ولو جاء الموت، أنت لا تموت، ولكن الموت في حقيقته هو انفصال للجسد الذي هو ثوب للنفس عن النفس، والتي هي ذات الإنسان، وانقطاع الإمداد الإلهي، الذي هو الروح، الروح هي القوى المحركة، تنقطع، إذا انقطعت مات الجسد، وعرجت النفس إلى بارئها، فكل شيء تعتني به في الدنيا ينصب على نفسك هو في مصلحتك، وكل عناية لجسدك هي خسارة، أي أن الإنسان ممكن أن يجعل كل حياته منصبة على جسده، راحته، منامه، بيته، متعه، طعامه وشرابه، ممكن أن يكون كل الاهتمام بجسمه، الجسم سوف يموت، أما إن كان هناك اهتمام بالنفس، بتزكيتها وتطهيرها، هذه التزكية والطهارة تبقى معك لما بعد الموت، وتسعد بها إلى أبد الآبدين، الله عز وجل قال:

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾

(سورة الشعراء )

 أنا لن أقول: جربوا، معاذ الله، الله لا يجرب، ولكن أطلب منكم طلب ملح، أي أنت عليك أن تقوم بمراجعة دقيقة، ليس عليك أن تكتفي بحضور هذه المجالس، يجب أن يكون لك مسعى خاص في البيت، من هذا المسعى أن تعتني بصلواتك، أن تعتني بعبادتك، أن تعتني بعبادة الجوارح، مثلما تحدثنا، الفجر في جماعة، مع الفجر يوجد ذكر، مع الذكر يوجد تفكر، مع التفكر يوجد تلاوة، تلاوة، وذكر، وتفكر وصلاة الفجر في جماعة، هذه الساعة التي تغتنم بها الاتصال بالله عز وجل، هي أثمن ساعات عمرك
 عالم كبير له مؤلفات لا تعد ولا تحصى، سؤل ما فعل الله بك ؟ قال له: طاحت تلك العبارات، وذهبت تلك الإشارات، ولم يبقَ إلا ركيعات ركعناها في جوف الليل، الإنسان قد يسافر أحياناً ولا ينام الليل، سيركب اليوم طيارة، لو عرف الإنسان قيمة الاتصال بالله عز وجل، اضبط المنبه قبل الفجر بربع ساعة، وقم وصلِّ ركعتين قيام الليل، وبعد أذان الفجر لديك من الوقت ثلث ساعة، اقرأ القرآن فيها، ثم صليت، وقمت بالذكر لمدة عشر دقائق، وتفكر لمدة عشر دقائق أخرى، فمجموعهم ساعة كاملة، قيام ليل، وصلاة فجر، وتلاوة قرآن، وبالمسجد، وذكر، وتفكر، تشعر نفسك محصناً، في هذا اليوم أنت أكثر حكمة، وأكثر قوة، وأقوى شخصية، وأمنع على الشيطان، وأقرب إلى الرحمن، هذه الصلاة التي بدأت بها يومك تعينك على أن تصلي الظهر في وقته، والعصر في وقته، وهكذا، إذا اعتنيت بالصلوات، أول ما يحاسب عنه العبد صلاته، فإذا صحت فقد نجح، وإن لم تصح ولم تقبل فقد خاب وخسر.
 بالطريق: الطريق له عبادة، غض البصر، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، في البيت يوجد عبادة، في العمل يوجد عبادة، إذا كنت مع الله في كل أطوارك، تشعر عند ئذٍ أن كل النعم التي أنعم الله بها على المؤمنين لك منها نصيب، وأن كل الوعود التي وعد الله بها المؤمنين تتحقق، توفق، والأمور تجري كلها لصالحك، أعداءك يجهدون في خدمتك، فكيف أحبابك ؟ ينادى له في الكون أننا نحبه، فيسمع من في الكون أمر محبنا،

وجدناك مضطراً فقلنا لك ادعن ا نجبك، فهل أنت حقاً دعوتنا ؟
دعوناك للخيرات أعرضت نائياً  فهل تلق من يحسن لمثلك مثلنا ؟

 وهذا الذي أتمناه عليكم، أن يتحرك الإنسان حركة حقيقية، أن يتعامل مع الله بصدق كامل، وبإخلاص شديد، ولا يعبأ بأحد، من عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به، وبأي سن، بالأربعين، أو بالخمسين، أو بالخمسة عشر.. مادام الإنسان في بحبوحة في حياته والقلب ينبض، فأمامه خيرات لا يعلمها إلا الله، فنحن أيها الأخوة ليست قضيتنا قضية تجميع للمعلومات، ولا قضية انهماك بأعمال، ولا قضية عبادة ينسحب بها العابد من المجتمع، وينزوي مع نفسه وخاصة نفسه، دون أن يستطيع أن يعمل عملاً صالحاً واحداً، لجهله ولضيق أفقه، لا نريد عابد خيره محصور فيه، ولا نريد إنسان كل حياته كتب، وملخصات، وأفكار، ومحاضرات، لكن يوجد حجاب بينه وبين الله، ولا نريد أعمال لكثرتها ابتغيت بها الناس، وسمعتك بين الناس، نريد العمل الخالص، والعلم المتقبل، والقلب المفعم بحب الله عز وجل، إذا تحققت هذه الأشياء الثلاثة، يمكن أن تقطف ثمار الدين، وأن تنال الوعود التي وعد الله بها المؤمنين

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

(سورة الحج )

 هذا وعد، من منكم يذكر وعداً من الوعود التي وعد الله بها المؤمنين ؟ هذا أول وعد

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

 تجد الله عز وجل قد سخَّر لك الناس جميعاً ليدافعوا عنك، تشعر بوجود عناية مكثفة، وجود عناية إلهية كبيرة جداً، يوجد عناية مشددة، إلهية طبعاً، وعد آخر ؟

﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾

(سورة الطور )

 وهذه للنبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن كل مؤمن له من الآيات الخاصة بالنبي نصيب، بقدر إيمانه وإخلاصه، شعورك أنت أنك في حفظ الله وفي رعاية الله، العلماء قالوا:

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾

(سورة الحديد )

 هذه معية عامة، معكم بعلمه، لكن إن الله مع المؤمنين، إن الله مع المتقين، إن الله مع الصابرين، هذه معية خاصة، المعية الخاصة أساسها الحفظ والتأييد والنصر والتوفيق، هذا وعد، تجد نفسك موفق في عملك، أمورك ميسرة، لا يوجد عقبات، الأمور كلها تتحرك لمصلحتك، معنى هذا أنك قد قطفت ثمرات أخرى، الأولى: أن الله يدافع عنك، الثانية: أنت بعين الله.
من الجمهور:

﴿ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196)﴾

(سورة الأعراف )

 الأستاذ: الله متولٍ أمرك، هذه تقريباً من ثمار الإيمان،

﴿ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾

(سورة فصلت )

 الأستاذ: لا يوجد قلق، أو ضياع أو خوف، أو خنوع، أو تشاؤم، هذا كله غير موجود، وعد آخر
من الجمهور:

﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾

(سورة البقرة )

 الأستاذ: هذه بداية، ينير له قلبه، يرى الحق حقاً فيتبعه، ويرى الباطل باطلاً فيجتنبه،
من الجمهور:

﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128)﴾

(سورة النحل )

 الأستاذ: هذه المعية الخاصة، والولاية، والدفاع، والحفظ
من الجمهور:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ﴾

(سورة النور )

 الأستاذ: ولكن هذه للذين آمنوا، وليس وعد الله المؤمن استخلافاً، لا يكفي أن يكون الرجل وحده، المؤمنون إذا آمنوا جميعاً، فإن الله يستخلفهم، وإن لم يؤمن الجميع ولم يستقيموا، والإنسان كان وحيداً، أي قلة قليلة التزمت الله يحفظها، إن لم يستخلفها يحفظها
من الجمهور:

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)﴾

(سورة العنكبوت )

 والوعد لنهدينهم سبلنا، أي هداية السبيل
من الجمهور:

﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾

(سورة المجادلة )

 الأستاذ: طبعاً نحن لا نريد أن نوسع الموضوع، حتى تصبح كل آية وعد، الآيات التي فيها وعد واضح جداً
من الجمهور:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾

(سورة النحل )

 الأستاذ: الحياة الطيبة وعد إلهي، من علامة الحياة الطيبة أن يقول المؤمن بكل جارحة من جوارحه: الحمد لله. مسرور
من الجمهور:

﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128)﴾

(سورة لأعراف )

 الأستاذ: الأمور تدور، وتدور وتدور، ولا تستقر إلا في صالح المؤمن، هذا معناها، تستقر الأمور لمصلحة المؤمن، قد يمتحن، قد يضيق عليه، وقد يعلو عليه الكافر، ولكن النهاية الأمور لا تستقر إلا لمصلحته
من الجمهور:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً (107)﴾

(سورة الكهف )

 الأستاذ: هذه بعد الموت، ونحن نريد في الدنيا، نريد وعد للمؤمن في الدنيا
من الجمهور:

﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2)﴾

(سورة الطلاق )

 الأستاذ: مخرجاً، الأمور إذا ضاقت الله عز وجل يخلق له فرج، ومن يتق الله، في رزقه، في زواجه، عندما يعاني من مشكلة، الله عز وجل يفرج عنه، هذه من وعود الله عز وجل
من الجمهور:

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)﴾

(سورة يونس )

 الأستاذ: لا يخافوا مما هو آت، ولا يندموا على ما فات
من الجمهور:

﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46)﴾

(سورة الرحمن )

 الأستاذ: جنة في الدنيا، وجنة في الآخرة، أي أن الدنيا فيها جنة، كما قال أحد العلماء: بستاني في صدري، فماذا يفعل أعدائي بي ؟ إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي ؟ هذه هي الجنة، وفي الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة
من الجمهور:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (9)﴾

(سورة المائدة )

 الأستاذ: أين الوعد ؟ وبماذا وعدهم ؟ وعدهم بالمغفرة، المغفرة يشعر بها المؤمن، يكون له ذنوب يشعر أن الله عز وجل عفا عنهم، ليس أن يعفي الله عنه ولا يشعره بذلك، بل يشعره في أعمق أعماقه أن الله سبحانه وتعالى قد غفر له.
من الجمهور:

﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123)﴾

(سورة طه )

 لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه
 الأستاذ: أي أن لأحدنا، كلكم مؤمنين والحمد لله، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحشرنا مع النبي عليه الصلاة والسلام، إذا لم يقطف الإنسان ثمار يانعة، ولم يتغلغل الدين إلى كل كيانه، ودخل في كل جوارحه، بكل مشاعره، بكل نشاطاته، بكل أطواره، بكل مكان وبكل زمان، أليس هذا هو الدين، الذي ضيع المسلمين أنهم اختصروه إلى بعض العبادات الشعائرية، بقي الدين عند بعض الناس، حركات تؤدى، وأقوال تردد، وانتهى الأمر
من الجمهور:

﴿مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7)﴾

(سورة الليل )

 الأستاذ: تيسير الأمور، هذا من وعد الله لهم، إذاً نرجو الله سبحانه وتعالى أن يهبنا عماً نافعاً، وقلباً طاهراً، وعملاً متقبلاً، وأن يجعلنا على الصراط المستقيم، الذي إن سار عليه الإنسان لا خوفٌ عليه، ولا هو يحزن.
النقطة الدقيقة الأخيرة، أن الإنسان عندما يعمل عملاً صالحاً، وهذه نصيح أزجيها لكم، العمل الصاح إذا لم يستمر عليه لا يتراكم، وإذا لم يتراكم لم يعطي الثمار المرجوة، مثلاً لك ورد، لك ذكر، لك تلاوة، لك تفكر، لك حضور إلى مجلس علم، حافظ عليه، لك صدقة شهرية حافظ عليها، لك أعمال صالحة حافظ عليها، هنالك أشخاص يفورون ويهمدون، إذا أقبلوا إقبالهم عجيب، وإذا أدبروا إدبارهم عجيب، إذا جاءوا لم يأتوا، وإذا ذهبوا لم يأتوا، هذه حالات حادة، هذه الحالات المضطربة الحادة لا تجعله يستقر، لكن أحب الأعمال إلى الله أدومها، وإن قل، فلما الإنسان يكون له مجلس علم يحافظ عليه، له صدقة شهرية يحافظ عليها، له زيارات شهرية إلى رحمه، يحافظ عليها، له تلاوة يومية للقرآن، يحافظ عليها، له صلاة في المسجد، يحافظ عليها، لأنه عندما يحافظ الإنسان على العبادات الشعائرية، والتعاملية، والأعمال الصالحة، ويمضيي عليه فترة طويلة، يثق أن الله يحبه، والله فعلاً يحبه كثيراً

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ:... وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ... ))

(صحيح البخاري )

 معنى هذا أن هناك مرحلة الثبات،
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ومدمن القرع للأبواب أن يلج
 الإنسان عليه أن يري الله من نفسه صدقاً، أن يري الله من نفسه اهتماماً، أن يري الله من نفسه ورعاً، أن يري الله من نفسه حباً، والإنسان إن لم يكن محباً يدعي الحب، إنما الحلم بالتحلم، والعلم بالتعلم، والكرم بالتكرم، أول الأمر يكون تقليد ثم يصبح أصيل، أول الأمر يكون فيه مجاهدة، لكن بعد ذلك ترقى النفس إلى مستوى الشرع، فإذا هو يفعل الأمر، ويدع النهي، وهو في راحة نفسية لا تقدر بثمن.
أي كيف لو شعر أحدنا بشيء غير طبيعي في عينه ؟ رأى ذبابة طائرة أمام عينه، يسارع إلى الطبيب، أيضاً قلبك يجب أن تعتني به كما تعتني بعينك، هذه العين تنتهي عند الموت، لكن القلب يبدأ بعد الموت

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾

(سورة الشعراء )

 القلب السليم حينما يتصل بالله يغدو سليماً، البارحة كنت في مقبرة، وجدت قبور كثيفة جداً، قلت كل هؤلاء كانت لهم أعمال، ومشاغل، وقوائم، وتشطيبات، وهذا عمر بيت، وهذا أخذ شهادات، وهذا تاجر، وهذا سافر، أين هم الآن ؟ تحت أطباق الثرى، ونحن جميعاً بعد حين نكون مثلهم، إذاً أنت الآن تحاسب على أنفاسك، تحاسب على نظراتك، على لفتتاتك، على حركاتك، على سكناتك، هذا كله مسجل، وعندما يأتي الموت ينتهي كل شيء، ختم العمل، وانتهى الأجل، وانتهى الاختيار، وانتهى كل شيء، فأنت الآن رهن عملك السابق، رهن صلواتك، مر معي بعض النصوص، أن الإنسان إذا جاءه ملك الموت، وبيده الدنيا بأكملها يعطيها، على أن يسمح له أن يصلي ركعتين قبل أن يغادر الدنيا، لكن لا يسمح له، إذا كان قد جاء الأجل، فأنت الآن في بحبوحة، والله عز وجل يوفق ويرزق ويعطي، ثم أن هناك حديث أبقوه في ذهنكم:

((عَنْ أَبِي قَتَادَةَ وَأَبِي الدَّهْمَاءِ قَالا: أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، فَقُلْنَا: هَلْ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا ؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلا بَدَّلَكَ اللَّهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ ))

(مسند لإمام أحمد )

 أنت عندما تترك عملك، وتأتي إلى مجلس العلم ، لك معاملة خاصة، لك أرباح خاصة، لك توفيقات خاصة، لك حماية من الله خاصة، هم في مساجدهم والله في حوائجهم، إن كنت تبذل وقتك في طلب العلم الله عز وجل ييسر لك رزق مريح وكافي، وإن أحد ما آثر الدنيا على الآخرة، الله يضيع له مئات الساعات بلا معنى، تجد وقته مهدوراً، إذا هان عليك أمر الله هنت على الله، يقول لك: يا أخي حرارة ابني واحد وأربعين، من طبيب إلى محلل، الساعة الثانية أيقظنا الطبيب، المحلل لم يفتح لنا الباب، سبعة أيام في عملك ليل ونهار، والحرارة على الأربعين لا تنزل، وابنك غالٍ عليك، فإذا بذل الإنسان وقته في طاعة الله، حينها ممكن لله عز وجل أن يحفظ له أهله، وأن يحفظ له أولاده، وأن ييسر له أموره، وأن يريحه من متاعب هو في غناً عنها، يريحه من مشاكل، من مطبات، من ورطات، طبعاً، فحفظ الله شيء عظيم يا أخوان
عبدي كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، كن لي كما أريد ولا تعلمني بما يصلحك، أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلَّمت لي فيما أريد، كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد، أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد.
الإنسان كما قال أحد العارفين بالله: أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنا، فإنا منحنا بالرضى من أحبنا، ولذ بحمانا، واحتمي بجنابنا، لنحميك مما فيه أشرار خلقنا.
 كرجل عنده سيارة، استيقظ صباحاً فلم يجدها، قال: مساءاً سأذهب للمخفر وأسوي مذكرة ادعاء، ترك الأمر للمساء، لأنه مشغول، الذي سرقها هرَّب بها بضائع ممنوعة، وألقوا القبض عليه، وسألوا عن صاحب السيارة، ثم أخذوه إلى السجن، ووضعوه فيه لمدة ستة أشهر، ليس له علاقة، تأخر بإعلام المخفر بأن سيارته قد سرقت، فأصبح هو مسؤولاً، هنالك في الحياة ورطات كبيرة جداً، أنت لم تفعل شيء، تأتيك ورطة، لم تحسبها، فالله عز وجل قادر على أن يتلف لك كل مالك، قادر على أن يضيع لك كل وقتك، قادر على أن يشغلك ليلاً ونهاراً بتوافه الأمور، يشغلك أحياناً سنة ولا تربح شيئاً، سنة من الهموم، والحسابات والمطالبة، وتوزيع البضائع، ولا تربح شيئاً، قادر، فإذا كنت أنت في مرضاته عاملك معاملة طيبة، ووفر لك وقتك، وفر لك أعصابك، وفر لك قلبك، فالإنسان إن تعامل مع الله بصدق فهذه القضية ليست سهلة، يكون من الفائزين، من العباقرة، من الأذكياء، من الموفقين، من الفالحين، من الناجحين، تعامل مع الله بصدق، يحفظك، يرفع لك شأنك

﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)﴾

(سورة الإنشراح )

 والله الإيمان شيء محير، يا هل ترى توفيق مادي ؟ نعم هو كذلك، توفيق نفسي ؟ نعم هو كذلك، رفع شأن اجتماعي ؟ نعم هو كذلك، شيء محير، التوفيقات تأتي من كل الجهات، مادية ومعنوية، واجتماعية، ونفسية، وعقلية، تجد نفسك بعناية بالغة من الله، لكن الثمن التعامل مع الله بصدق، أنت عاهدت خالق الكون

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)﴾

(سورة الأحزاب )

 فيا أيها الأخوة: أرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا ببعضنا، اصدقوا مع الله، وطبِّقوا السنة النبوية، واعتنوا بصلواتكم، واقرءوا كتاب الله، واعملوا الصاحات، واستقيموا، بالغوا في الاستقامة، لأنه:

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾

(سورة الحجرات )

﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2)﴾

(سورة الطلاق )

 ولما الإنسان يطبق يقطف الثمار، يدعي دعوة صالحة، لكل أخ دله على هذا الطريق، إذا الإنسان قطف الثمار في بيته، في عمله، في نفسه، في جسمه، في مكانته، شيء ملموس تماماً، يشعر أنه إنسان منتقى، إنسان مميز عند الله عز وجل، والأمر مبذول لكل مخلوق، اسمعوا هذه الآية:

﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56)﴾

(سورة الأعراف )

 رحمة الله مبذولة لكل مسلم، إذا دفع ثمنها، رحمة الله هذه الكلمة واسعة جداً، رحمة الله التجلي على قلبه، السعادة، التوفيق، الحفظ، النصر، التأييد، رفع الشأن، رفع الذكر، هذه هي رحمة الله عز وجل، هذه الرحمة مبذولة لكل مسلم، بشرط أن يدفع ثمنها، طاعةً وإخلاصاً، وبذلاً وتضحيةً، وقلت لكم أول الدرس: في بيتك يوجد عبادات كثيرة، في الطريق يوجد عبادة، أتحدى أي عمل من الأعمال إلا وفيه مجالاً لترقى فيه إلى الله عز وجل، كاتب في الوظيفة، يأتيك إنسان غشيم، تقوم تعينه، تفهمه، تساعده، توقع له، تدله على الموظف الثاني، تكلم له موظفاً ليعينه، هذا عمل صالح، كيفما كان عملك، ترقى به، محامي، طبيب، مهندس، مدرس، تاجر، عامل، صانع، بل على العكس، الحرف المتعبة إذا أتقنتها وأخلصت لله فيها، ونفعت المسلمين، ترقى بها أكثر، أسأل الله عز وجل أن يتولانا برحمته، وأوصيكم كما أوصي نفسي والله، بتطبيق هذه النصائح، وهذه النصائح النبوية التي وعظنا بها النبي، ونصحنا بها.

 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارضا عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS

     
جديد الموقع