1148
التربية الإسلامية - موضوعات مختلفة - الدرس ( 081) :الدعوة إلى الله .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1996-05-05
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، و زدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الأكارم، هناك خلافات بين الناس، مشاحنات، عداوات، بغضاء، تحاسد، تنافس، تقاطع، تدابر، هناك علاقات فاسدة بين الناس، هذا شأن أي مجتمع، و لكن أي مجتمع بعيد عن الله عز وجل، أي مجتمع غير منضبط بكتاب الله و سنة رسوله، أيْ إنسان أودعت فيه شهوات، ليس منضبطا بالكتاب والسنة، هذه الشهوات لا بد من أن تتحرك، لا بد من أن تنطلق لتُروّى، بطري مشروع، أو بطريق غير مشروع، حينما تأخذ ما لك و ما ليس لك، و حينما تستمتع بما لك و بما ليس لك، تنشأ العداوات و الخصومات و التجاوزات، و الانحرافات و الطغيان، النبي عليه الصلاة و السلام في أحاديث كثيرة و صحيحة تزيد عن تسعة أحاديث رغّبنا في الإصلاح بين الناس.
 أيها الإخوة الأكارم، الإنسان غالبا ما يكون له أحد دورين ؛ دور الموفِّق، دور المبعِّد، دور المقرِّب و دور المبعِّد، دور المصلح، دور المفسد، دور الذي يقيم علاقات طيبة بين الناس، دور الذي يقيم علاقات خبيثة و فاسدة بين الناس، فالمؤمن ليس منا من فرّق، المؤمن دوره دائما التقريب والإصلاح و التعاون و التوحيد و التواصل، والتزاور، غير المؤمن الإفساد، أن يوقع بين الناس العداوة و البغضاء، شأنه شأن الشيطان، إذًا مقدمة هذه الأحاديث أن المجتمع الإنساني بسبب أن فيه المؤمن والكافر، فيه المنضبط وغير المنضبط ، وفيه المسيء، الإنسان مادام يتحرك بلا منهج لا بد من أن يعتدي، و المعتدي يُعتدى عليه، و حينما تنشأ العداوة ينشأ معها البغضاء، إذًا من طبيعة المجتمعات الإنسانية غير المنضبطة أو المقصرة، مجتمع مسلم و لكنه مقصِّر، النميمة و الغيبة و التجاوز و السخرية تسبب العداوات، أنا أقول لكم و اخترت هذا الموضوع بالذات لأن ما من مجتمع في قرية في المدينة، في حي، على مستوى أسرة، على مستوى حي، على مستوى قرية، على مستوى مجتمع إلا وفيه تحزُّبات و عداوات ومشاحنات و تدابر و تقاطع، ما دور المؤمن في مثل هذه الحالات، دوره دور الإصلاح، هذا شأن المؤمن، و إليكم هذه الأحاديث الشريفة الصحيحة التي وردت في كتاب الترغيب و الترهيب للإمام المنذري وهو من أجل كتب الحديث و من أمتعها.

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّ سُلَامَى مِنْ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ يَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ وَيُمِيطُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ ))

(رواه البخاري)

 أي الإنسان إذا طلعت عليه شمس يوم و عدل بين اثنين، أي وفَّق بينهما، أصلح بينهما، قد يكونان زوجين، الآن المشكلة تنشأ بين زوجين، كل طرف تأبى عليه نفسه أن يبادر إلى الطرف الثاني، طيب التدابر يزداد، الهوة تزداد، الأقرباء ينفخون في هذه المشكلة فيزيدونها تفاخما، هؤلاء المؤمنون الطيبون هم الذين يتدخلون عند كلا الطرفين ليوفِّقوا بينهما، لذلك يقول عليه الصلاة
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّ سُلَامَى مِنْ النَّاسِ

((عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ يَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ وَيُمِيطُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ ))

(رواه البخاري)

 رواه البخاري و مسلم، طبعا يعنينا من هذا الحديث الصحيح الفقرة الأولى منه، أن الإنسان إذا وفّق بين صديقين، بين جارين، بين شريكين، بين أخوين، بين أم وابنها، بين أب وابنه، بين أخ و أخيه، بين صاحب وصاحبه، بين زميل وزميله، إذا وفّقت بين اثنين فهذه صدقة، و قد يعجب الإنسان " أنا دخلي محدود، فكيف أتصدق ! أبواب الصدقات لا تعد و لا تحصى، أبوب الصدقات التي فُتحت أبوبها أمام المسلمين لا تعد و لا تحصى، أليس في عائلتك، في جوارك، فيمن حولك، فيمن يلوذ بك شخصان متخاصمان، بإمكانك أن تأتي هذا وأن تأتي هذا، تعطِّف قلب هذا على هذا، وتعطِّف قلب هذا على هذا، تجمع بينهما عندك في البيت، تزور كلا منهما على حدة، تصالحهما، هذه صدقة من أجلِّ الصدقات، لأن المجتمع المسلم كلما كان متفكِّكا كلما كان ضعيفا، و كلما كان متفككا كان صغيرا في نظر الآخرين، الآن أكبر مأخذ على المسلمين، " أنتم فيما بينكم متعادون " على مستوى الجماعات الدينية، كل جماعة تطعن في الأخرى، كل إنسان يعدّ نفسه محور العالَم، وما سواه على باطل، هذا شيء يفرّق بين المؤمنين، فعلى مستوى بلدة واحدة كل جماعة تدّعي أنها الوحيدة الناجية، و ما سواها هالك، و الثانية الوحيدة الناجية و ما سواها هالك، نحن في نظر عامة الناس نصغر في أعينهم، أولا نضعف، و ثانيا نصغر، الله عز وجل قال:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾

[سورة الحجرات]

 فأنت قوي بأخيك ضعيف وحدك، أنت قوي إذا تعاونت مع أخيك، فنحن الأحاديث التي ذكرها النبي عليه الصلاة و السلام و التي أشرح بعضها في جامع العثمان كثيرة جدا، بل إن جزءا من الدين ذو طابع جماعي، عدد كبير من أخلاق المؤمن لا تكون لا في جماعة.

﴿ وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ الْحَالِقَةُ ﴾

(رواه أبوداود)

 و في دروس كثيرة بيّنت لكم معنى إصلاح ذات البين، ذات البين هي نفسك التي بين جنبيك، فإصلاح ذات البين أن تصلحها، و أن تطهرها من كل درن، أن تسموَ بها، و أن تحملها على طاعة الله، أن تصلح سريرتها، أن تصلح علانيتها، أن تصلح أقوالها، أن تصلح أفعالها، أن تصلح أحوالها، أن تعرّفها بربها، أن تحملها على مكارم الأخلاق، أن تحملها على القربات، هذا إصلاح ذات البين، و هناك إصلاح ذات البين ؛ أن تصلح كل علاقة بينك و بين الآخرين، أحيانا تلاحظون شركات الطيران تضع دعاية في بعض المجلات، تجعل العاصمة التي هي مقرها نقطة مركزية و خطوط إلى كل عواصم العالم، كل شركة طيران لها عاصمة تتخذها مركزا لها، هي عاصمة البلد التي هي فيه، و خطوطها كلها متجهة إلى جميع أنحاء العالم، المعنى الثاني أنك أنت المركز، علاقتك مع أخيك، علاقتك مع أبيك، علاقتك مع أمك، علاقتك مع أولادك، علاقتك مع جيرانك، علاقتك مع أستاذك، علاقتك مع إخوانك، علاقتك مع زبائنك، علاقتك مع رؤسائك، علاقتك مع مرءوسيك، المعنى الثاني إصلاح ذات البين إصلاح أيَّة علاقة بينك و بين الآخرين، المعنى الأول إصلاح نفسك وحدها، والمعنى الثاني إصلاح أيّة علاقة بينك و بين الناس، و المعنى الثالث إصلاح أيّة علاقة بين شخصين، لست أنت أحدهما.
 فيا أيها الإخوة الأكارم، واللهِ إصلاح ذات البين باب كبير من أبواب الخير، و أنا متأكِّد و ما اخترت هذا البحث اليوم إلا لأنني أعرف أن طبيعة حياتنا المادية، طبيعة الغفلة عن الله عز وجل، بسبب عدم الانضباط بالشرع، بسبب عدم ضبط اللسان، بسبب الطغيان أحيانا، بسبب الأثرة، بسبب حب الذات، بسبب تجاوز الحدود تنشأ خلافات بين الأسر، و مشكلات، تدابر، تباغض، تحاسد، تخاصم، تجريح، نهش أعراض، إلقاء تهم، فأنت أمامك باب كبير كبير من أبواب الخير، بإمكانك كمؤمن أن تجمع بين هؤلاء المتخاصمين، أن توفِّق بينهما، أن تصلح بينهما، أن تقرّب أحدهما إلى الآخر، و لك أن تقول شيئا ما قاله أحدهما في الآخر، و لست كاذبا، لست كاذبا، و النبي عليه الصلاة و السلام يؤكِّد في أحاديث كثيرة

((عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا ))

(رواه البخاري)

 لو أنك قلت له قولا ما قاله فيه صاحبُه، إنه أثنى عليك و يكِنُّ لك مودة كبيرة، و لا ينسى لك فضلك عليه، تجد القلب يلين، و إذا قلت للآخر مثل هذا القول، أنت هويتك تعريفها، المبعِّد فاسق و كافر، فاسق، و المقرِّب مؤمن، حديثك، تصرفاتك، نظراتك، حركاتك، سكناتك إذا أدّت إلى التباعد فهذه صفة أهل الفسق و الفجور، حركاتك و سكناتك ومواقفك إذا أدن إلى التقارب فهذه صفة أهل الإيمان، تعرف نفسك أنت من آثار أعمالك، مثلا ؛ يمكن أن زور أختك في العيد وز تقدم لك فاكهة اشتراها زوجها، من انتقى هذه ؟ هي تستحي بزوجها، و بهذه الفاكهة التي اشتراها زوجها، مساء تعاتبه، قد يكون الزوج مضغوطا ماديا ينفجر، يتلاسنان و يتصايحان، أنت حينما مططت شفتيك و ازوررت عن هذه الفاكهة التي قدّمتها لك أختك كنت سبب هذه الخصومة التي استمرت أسبوعين بين الزوجين، أنت إذًا مبعِّد، تفاحات صغيرة، يا أختي التفاح الصغير طيب جدا، لهم نكهة خاصة، أنا آتي لأولادي التفاح الصغير، هذا جبر خاطر، دائما أثنِ على ما قُدِّم إليك، أما أنت إذا اتّهمت أو أزوررت أو غنمت هذا الطعام، وهي قدّمته لك كضيافة، و هي انزعجت و خجلت أمامك، و صبّت غضبها على زوجها مساء، و زوجها مضغوط ماديا، وانفجر عليها، انظر دورك أنت، إما أن تقرِّب فأنت مؤمن، وإما أن تبعِّد، أحيانا إنسان يزور أشخاصا، و البيت صغير، كيف وسعكم هذا البيت، شيطان يتكلم، قد وسعهم، و النبي عليه الصلاة و السلام كان إذا صلى قيام الليل رفعت السيدة عائشة رجليها، لأن بيته الصغير لا يتّسع لصلاته و نوم زوجته، فإذا رأيت بيتا صغيرا فتكلم هكذا، بيت رسول الله كان صغيرا، المؤمن كل كلامه فيه جبر خاطر، لو دُعي إلى طعام متواضع جدا، و النبي دُعي إلى الخل، قال،

((عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ نِعْمَ الْأُدُمُ أَوْ الْإِدَامُ الْخَلُّ ))

[رواه مسلم]

 ما هذا الأدب ؟ فكلما تواضعت، و كلما قرّبت بين الناس، الفاسق يبعِّد بينهم بتعليقات، بنظرات، بحركات وجه، بمط شفة أحيانا، بحركة حواجب، بحركة عينين شيطانيتين، تجده قد نفّر و بعّد، فالمؤمن يقرِّب، و الفاسق يبعِّد، المؤمن يوفِّق، و الفاسق يفسد، والمؤمن يقيم علاقات طيبة بين الناس، و الفاسق يقيم علاقات خبيثة بين الناس، الفاسق يشكِّك، أنت تصدِّقه في هذا الكلام، نزع لك كل ثقتك من هذا الشخص، شخص جاءك معتذرا و مستسمحا، صدَّقته أنه كان البارحة مشغولا، لا تصدقه، أنت كنت مصدقه، فجاء فشكّك، و قال لك: لا تصدقه، هذا كذّاب، فأنت حملن بنفسه عليه،
إذًا

(( عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة و السلام: وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ الْحَالِقَةُ ))

[رواه أبوداود]

 و في رواية أخرى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ

(( هِيَ الْحَالِقَةُ لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ ))

[رواه الترمذي]

 إذا كنا نحن على مستوى مسجد واحد هناك بعض خصومات، على مستوى عدة جوامع هناك مهاترات، ومطاعن، و على مستوى بلدة فيها الآلاف الخصومات، فما هذه الأمة التي يُرحى منها الخير، و كيف تنتصر على أعدائها، كيف تكون ذا هيبة عند عدوها، قال تعالى:

﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾

[سورة الأنفال]

 إذًا التركيز على أن إصلاح ذات البين أن تصلح نفسك، أو أن تصلح كل علاقة بينك وبين الآخرين، أو أن تصلح علاقة بين اثنين لست أنت أحدهما، هذا المعنى.

(( وعَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا ))

(رواه البخاري)

 أحيانا الابن يرتكب أخطر عمل وهولا يدري، هناك مشكلة بين الأب و الأم، ماذا قالت أمك في غيابي ؟ فيقول: لا تريدك، أو ماذا قال أبوك ؟ قال: هو يبحث عن ثانية غير هذه الزوجة، يأتي الابن وهو لا يدري بسذاجة أو بخبث يفسد العلاقة بينهما، لو كذب الابن فلا مانع، انظر إلى الحديث، لو قال: واللهِ قال بعدما ذهبت: واللهِ أنتِ غالية عليه، لا يهون عليه أن يغضبك، لو أقسم بالله فليس عند رسول الله كاذبا، لأنه يصير هناك توفيق، وأفضل شفاعة أن تشفع بين اثنين، أن توفِّق بينهما، لذلك

((عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا ))

(رواه البخاري)

 تصريح من النبي، رخصة من النبي في حديث صحيح، أن النبي صلى الله عليه و سلم قال:

((عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا ))

(رواه البخاري)


 نمَّى غير نمى، نمى أوصل، يقال: نُمي إلي، أي وصلني، أما نمّى منه النمّام الذي ينقل الأخبار السيئة بين الناس، قال علماء اللغة: نميت الحديث بتخفيف الميم، وليس نمّيت، نميت الحديث إذا بلّغته على وجه الإصلاح، و بتشديدها، على وجه الإفساد، نمَّيت بين اثنين، أوقعت بينهما العداوة و البغضاء.

(( وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال: ما عمل شيء افضل من الصلاة، وإصلاح ذات البين، و خلق جائر بين المسلمين ))

 إصلاح ذات البين أي وإصلاح خلق جائر بين المسلمين، أحيانا هناك أشخاص أخلاقهم شرسة، أخلاقهم قاسية، أي شريرون، هذا الشرير هو في أمس الحاجة إليك، أحيانا إخواننا يجدون شخصا سمته حسن صالح مؤمن مستقيم، يعتني به زيادة، هذا يمشي بنفسه، المؤمن المستقيم الصالح الحيي الوقور المتعلم طالب العلم، هذا ليس بحاجة إليك، لكن الذي في أمس الحاجة إليك، شخص مقصِّر، شخص طائش، يحتاج إلى ترشيد، إلى إصلاح، إلى توعية، إلى تهذيب، فالكلمة التي سمعتها أنا مرة من إنسان، تركت في نفسي أثرا كثيرا، توفي رحمه الله، قال لي: ابني الجيد لا يحتاجك، أنت يحتاجك واحد رديء، أي الشخص المقصِّر هو الذي يحتاجك، يحتاج إلى علمك، و يحتاج إلى حكمتك، وإلى تقديرك، و إلى حلمك، أما الشخص الجيد فليس له حاجة لك، هو منطلق، فلما أنت تعتني بشخص ممتاز، لم تفعل شيئا، هو من دونك ممتاز، أما بطولتك تكمن أن تجعل من إنسان سيئ ممتازا، في إنسان مقصر ممتازا.

(( وعَنِ عبد الله بْنِ عمر أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أفضل الصدقة إصلح ذات البين....." أفضل الصدقة على الإطلاق إصلاح ذات البين، انظر الأحاديث التي فيها اسم التفضيل، اعلم ما معنى اسم التفضيل، إذا النبي الكريم يقول، عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ ))

(رواه البخاري)

 أي على وجه الإطلاق، خيركم من دون استثناء، إذا الواحد الله عز وجل علّمه القرآن، أو علّمه توجيده، و علّمه معانيه، أو تكرَّم عليه بتطبيقه، وعلّمه لناس، هناك كلمة قالها الإمام العكبري في كتابه الشهير " إعراب القرآن الكريم " قال

(( تُؤخذ ألفاظه من حفّاظه، و تؤخذ معانيه ممن يعانيه ))

 القرآن له حفاظ، و له مفسِّرون، هؤلاء قدّموا شيئا ثمينا، وهؤلاء قدموا شيئا ثمينا، فأنت حينما تقرأ حديث النبي

((عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ ))

(رواه البخاري)

 و يقول عليه الصلاة و السلام

((: أفضل الصدقة إصلاح ذات البين....))

 و قد روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال لأبي أيوب الأنصاري

(( ألا أدلك على تجارة ؟ قال: بلى، قال: صِل بين الناس إذا تفاسدوا، و قرِّب بينهم إذا تباعدوا ))

 شيء جميل، و اللغة رائعة، في التوافق في الوزن، صِل بين الناس إذا تفاسدوا، و قرِّب بينهم إذا تباعدوا......" وفي رواية أخرى: ألا أدلك على عمل يرضاه الله ورسوله ؟ قال

(( بلى، قال: صِل بين الناس إذا تفاسدوا، و قرِّب بينهم إذا تباعدوا ))

 يا أبا أيوب - حديث آخر - يا أبا أيوب ألا أدلك على صدقة يحبها الله و رسوله ؟ تصلح بين الناس إذا تباغضوا وتفاسدوا......" أي إذا كان أخ كريم إذا الله عز وجل آتاه منطقا، وآتاه حجة، وهكذا شعر أن هناك أخ مع زوجته في خصومة، فأرسلناه إلى بيت الزوجة، واللهِ في مرة من المرات كان هناك شاب متزوج حديثا، و صار بينه خصومة وبين زوجته، هي عند أهلها، وهو عند أهله، و بقي الأمر ستة أشهر، علمت بالأمر، كلَّفت أحد إخواننا الكرام فذهب إلى والد البنت فإذا هو صديقه الحميم، سبحان الله، الله ألهمني هذا الإنسان بالذات، وما هي إلا أيام حتى عادت إلى بيت زوجها، وصلح الأمر، هذا عمل عظيم، فإذا الإنسان آتاه الله طلاقة لسان و شخصية قوية و حجة، وكُلِّف بإصلاح بين زوجين فلا يقصِّر، لا يقل: لا وقت عندي، والله عندي شغل، نحن عندنا موسم، هذا أعظم عمل، على كلمة " ماني فاضي " يقولون إن ابن سينا - هذا إنسان بلغ أعلى درجة من درجات العلم في عصره، حتى إنه لُقِّب بالرئيس ابن سينا، أي رئيس العلماء، فكان عالم طب، و كان عالم فلسفة، و كان عالم كلام، وله تلميذ مقرّب جدا جدا، فهذا التلميذ من فلتات الزمان، قال له: يا سيدي لو ادّعيت النبوة لأُدرجت في سجل الأنبياء، أنت إنسان عظيم جدا، و بإمكانك أن تقول كلاما مشابها لقول الأنبياء، نظر إليه نظرة خاصة و قال: انتظرني أياما، قال: هو يسكن في بلدة هي الآن في روسيا، الاتحاد السوفيتي سابقا، بلدة باردة جدا، أربعون تحت الصفر، فمرة في الساعة الثالثة صباحا، قبل الفجر بساعة أيقظ تلميذه الأول، هذا أقرب الناس له، هو الذي أشار عليه أن يدعي النبوة، أيقظه، قال: نعم يا سيدي، قال: أريد شربة ماء من البئر، اضطرب، يا سيدي الآن وقت برد، برد شديد، والماء متجمد، والوصول إلى البئر عمل شاق، هذا المؤذن من الذي أخرجه من بيته ؟ في هذا الوقت البارد، من الذي أخرجه من بيته و جعله يصعد المنارة ليؤذن، الذي أخرجه هو النبي الكريم عليه الصلاة و السلام، الذي جاء قبل أربعمائة عام، و الذي بين بلدته المدينة وبيننا عشرات الألوف الكيلومترات، فكيف تطلب مني أن أدّعي بالنبوة و لم أستطع أن أجعلك تقدم لي كأس ماء في هذه الساعة، هل عرفت من هو النبي ؟ الذي أخرج الناس من بيوتهم في أشد الأيام بردا، والله نحن في هذا الجامع المتواضع بالمصلى، في الفجر هناك إخوان جاءونا من المزة، في أيام الثلج، لما سقط الثلج، خمسة وأربعون سنتيمتر في دمشق، والله رأيتهم يأتون إلى صلاة الفجر من هذا المكان البعيد، إذا الإنسان تجلى الله عز وجل على قلبه في صلاة الفجر، لأنه من صلى الفجر في جماعة و بقي يذكر الله حتى تطلع الشمس كُتبت له حجة و عمرة تامتين تامتين تامتين...." الذي يجعل الناس يذهبون إلى المساجد في العتمة، في البرد، في المطر هو رسول الله، قال: أما أنا فلم أقدر أن أكلفك بكأس ماء في الليل، تلكّأت و اعتذرت و قدمت وأخرت، فالنبي عليه الصلاة و السلام أثره لا يتصور.
 و روي عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: من أصلح بين الناس أصلح الله أمره........" هذا المعنى جديد، إذا أنت - لا سامح الله - وقعت في خلاف بينك و بين إنسان، أنت كما أصلحت بين الناس، الله جل جلاله سيلهم من يصلح بينك و بين هؤلاء، و أنت معزّز مكرم، محفوظ ماء الوجه، مثل ما أنت تبرعت و شمرت و أصلحت بين الناس، حينما تقع خصومة بينك و بين الناس، فالله عز وجل يتولى أمرك و يصلح هذه الخصومة "، من أصلح بين الناس أصلح الله أمره، و أعطاه بكل كلمة تكلم عتق رقبة، و رجع مغفورا له ما تقد من ذنبه.
 إذًا تسعة أحاديث شريفة كلها حول فضل الإصلاح بين الناس، الإصلاح بين الناس أولاً: يكسب الصدقات الحميمة، ثانيا: تبلغ بها أعلى الدرجات عند الله عز وجل، ثالثا: تكسب بها محامد الطاعات، رابعا: تكون تاجرا مع الله بهذا، تعمل عملا يعود عليك بالخير أـجره، و تعمل عملا يرضي الله عز وجل، و تعمل عملا هو أفضل الصدقات، بل أفضل من صلاة النافلة، لو واحد صلى الأوابين، وواحد أصلح بين اثنين، الإصلاح بين اثنين أفضل من صلاة النافلة، ومن صيام النفل، كنت صائما و دعوك إلى إصلاح بينهما ووضعوا الطعام و قال: كل، إذا أفطرت و أصلحت بينهما أفضل لك من صيام النفل، هذا موضوع درسنا اليوم، بقي نبذة سريعة عن السيدة فاطمة رضي الله عنها والسيدة خديجة رضي الله عنها.
 طبعا أنا ما اخترت هذه ا لنصوص عن السيدة خديجة و السيدة فاطمة، يجب أن تعلموا دائما أن السيرة النبوية و سيرة من يلوذ بالنبي عليه الصلاة و السلام لا تعنينا كوقائع، بل تعنينا كاستنباطات، كأنها نار تنير لنا الدرب.
من وفاء النبي عليه الصلاة و السلام للسيدة خديجة، كيف كان وفيا، نحن في شهر المولد، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

(( عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ وَمَا رَأَيْتُهَا وَلَكِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ ذِكْرَهَا وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صَدَائِقِ خَدِيجَةَ فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إِلَّا خَدِيجَةُ فَيَقُولُ إِنَّهَا كَانَتْ وَكَانَتْ وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ ))

(رواه البخاري)

 كانت تصيبها الغيرة من خديجة، وما رأيتها، أي ما عاصرتها، ما رأيتها، طبعا مع السيدة عائشة و عدد كبير من زوجات النبي، ما غرت من واحدة منهن، لكنها غارت من امرأة لم ترها، وهي خديجة، وما سر ذلك ؟ قال: كان النبي عليه الصلاة و السلام يكثر ذكرها، إذا واحد تزوجت واحدة ثم توفيت، وتزوج الثانية، حتى يتقرب للجديدة، " تلك لم تكن جيدة، والله جلسة ساعة معك أحسن من سنة معها " مثلا، أكلك أطيب من أكلها، دائما يطعن في القديمة حتى يرضي الجديدة، أما النبي فكان وفيا، فكان عليه الصلاة والسلام يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة يقطعها أعضاء، ثم يبعثها إلى صديقات خديجة، فربما قلت له: كأن لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة، لا يوجد غير هذه المرأة ؟ فيقول: إنها كانت، و كان منها الولد، أي نعم، كما تقولين، لا توجد غيرها، هذا منتهى الوفاء من النبي عليه الصلاة و السلام، و عنها قالت: كان عليه الصلاة و السلام لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة، فيحسن عليها الثناء، يثني عليها ثناء كبيرا، فذكرها يوما من الأيام، قالت السيدة عائشة: فأدركتني الغيرة، لم تتحمل، فقلت: هل كانت إلا عجوزا قد أخلفك الله خيرا منها، انظر إلي أنا، قالت: فغضب النبي عليه الصلاة و السلام، حتى اهتز مقدم شعره من الغضب..." صار يرجف، ثم قال: لا والله، لا والله، لا والله ما أخلف الله خيرا منها، لقد آمنت إذ كفر الناس، صدّقتني إذا كذّبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني منها أولادا إذ حرمني أولاد النساء، قالت: فقلت: بني وبين نفسي أبدا، لا أتجرأ، فعلتها مرة و أخطأت، أعيد النص مرة ثانية، كان عليه الصلاة و السلام لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة، فيحسن عليها الثناء، فذكرها يوما من الأيام، فأدركتني الغيرة... فقلت: هل كانت إلا عجوزا قد أخلفك الله خيرا منها....." قالت: فغضب النبي عليه الصلاة و السلام، حتى اهتز مقدم شعره من الغضب..، ثم قال: لا والله، لا والله، لا والله ما أخلف الله خيرا منها، لقد آمنت إذ كفر الناس، وصدّقتني إذا كذّبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني منها أولادا إذ حرمني أولاد النساء، قالت: فقلت: بيني وبين نفسي أبدا....." هذا هو الوفاء.
 مواقف النبي عليه الصلاة و السلام، نحن في عيد مولده، من ابنته فاطمة رضي الله عنها،

((فعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا زَوَّجَهُ فَاطِمَةَ بَعَثَ مَعَهَا بِخَمِيلَةٍ وَوِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ وَرَحَيَيْنِ - أي طاحونة - وَسِقَاءٍ وَجَرَّتَيْنِ ))

[رواه أحمد]

 هذا هو جهاز، الآن يقول لك: خاتم سوليتر ثمنه سبعون ألف، لا يوجد غير سقاء و جرتين ووسادة أدم حشوها ليف ورحيين و خميلة،

(( فَقَالَ عَلِيٌّ لِفَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ذَاتَ يَوْمٍ وَاللَّهِ لَقَدْ سَنَوْتُ حَتَّى لَقَدْ اشْتَكَيْتُ صَدْرِي قَالَ وَقَدْ جَاءَ اللَّهُ أَبَاكِ بِسَبْيٍ فَاذْهَبِي فَاسْتَخْدِمِيهِ فَقَالَتْ وَأَنَا وَاللَّهِ قَدْ طَحَنْتُ حَتَّى مَجَلَتْ يَدَايَ فَأَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَا جَاءَ بِكِ أَيْ بُنَيَّةُ قَالَتْ جِئْتُ لَأُسَلِّمَ عَلَيْكَ وَاسْتَحْيَا أَنْ تَسْأَلَهُ وَرَجَعَتْ فَقَالَ مَا فَعَلْتِ قَالَتْ اسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَهُ فَأَتَيْنَاهُ جَمِيعًا فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ لَقَدْ سَنَوْتُ حَتَّى اشْتَكَيْتُ صَدْرِي وَقَالَتْ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَدْ طَحَنْتُ حَتَّى مَجَلَتْ يَدَايَ وَقَدْ جَاءَكَ اللَّهُ بِسَبْيٍ وَسَعَةٍ فَأَخْدِمْنَا -أي إذا بعث لنا خادما يساعدنا أنا وأنت- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاللَّهِ لَا أُعْطِيكُمَا وَأَدَعُ أَهْلَ الصُّفَّةِ تَطْوَ بُطُونُهُمْ لَا أَجِدُ مَا أُنْفِقُ عَلَيْهِمْ وَلَكِنِّي أَبِيعُهُمْ وَأُنْفِقُ عَلَيْهِمْ أَثْمَانَهُمْ فَرَجَعَا فَأَتَاهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ دَخَلَا فِي قَطِيفَتِهِمَا إِذَا غَطَّتْ رُءُوسَهُمَا تَكَشَّفَتْ أَقْدَامُهُمَا وَإِذَا غَطَّيَا أَقْدَامَهُمَا تَكَشَّفَتْ رُءُوسُهُمَا فَثَارَا فَقَالَ مَكَانَكُمَا ثُمَّ قَالَ أَلَا أُخْبِرُكُمَا بِخَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَانِي قَالَا بَلَى فَقَالَ - هو أولاً نبي، وثانيا رسول، و ثالثا قائد جيش، و رابعا رئيس دولة - كَلِمَاتٌ عَلَّمَنِيهِنَّ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ تُسَبِّحَانِ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ عَشْرًا وَتَحْمَدَانِ عَشْرًا وَتُكَبِّرَانِ عَشْرًا وَإِذَا أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا فَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ قَالَ فَوَاللَّهِ مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ عَلَّمَنِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْكَوَّاءِ وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ فَقَالَ قَاتَلَكُمْ اللَّهُ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ نَعَمْ وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ ))

[رواه أحمد]

 سبحان عشرة، و الحمد لله عشرة، والله أكبر عشرة، و لكن قد يقول قائل: ما هذا العمل ؟ ثلاثون مرة، كلمة تسبيح ليس فيها نفاق، أي سبح الله، أي سبحه حقيقة، أي نزهه ومجده، حمده و كبّره، و إذا أويتما إلى فراشكما، لماذا أربعا و ثلاثين، حتى تصير كلها مائة، قال: فو الله ما ترتهن مذ علمنيها رسول الله، هذه الطاعة، منذ أن علمها ذلك ما تركتها.

((عن ابْنِ أَبِي لَيْلَى حَدَّثَنَا عَلِيٌّ أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَام اشْتَكَتْ مَا تَلْقَى مِنْ الرَّحَى مِمَّا تَطْحَنُ فَبَلَغَهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِسَبْيٍ فَأَتَتْهُ تَسْأَلُهُ خَادِمًا فَلَمْ تُوَافِقْهُ فَذَكَرَتْ لِعَائِشَةَ فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ عَائِشَةُ لَهُ فَأَتَانَا وَقَدْ دَخَلْنَا مَضَاجِعَنَا فَذَهَبْنَا لِنَقُومَ فَقَالَ عَلَى مَكَانِكُمَا - ارتاحوا، انظر إلى التواضع -حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِي فَقَالَ أَلَا أَدُلُّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَاهُ إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا فَكَبِّرَا اللَّهَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمَا مِمَّا سَأَلْتُمَاهُ ))

[رواه البخاري]

 لأن الخادم مسؤولية عند الله عز وجل، إن لم تطعمه مما تأكل، وإن كلّفته ما لا يطيق، إن ظلمته، و إن حرمته النوم، هذا كله مسؤولية.

((عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مَشْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرْحَبًا بِابْنَتِي ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَبَكَتْ فَقُلْتُ لَهَا لِمَ تَبْكِينَ ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَضَحِكَتْ فَقُلْتُ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ فَرَحًا أَقْرَبَ مِنْ حُزْنٍ -كلمتان أضحكها، و كلمتان أبكاها، العكس ؛ كلمتان أبكاها، كلمتان أضحكها - فَسَأَلْتُهَا -غير معقول، كلمتان تكلمهما فضحكت، ثم كلمتان تكلمهما فبكت -عَمَّا قَالَ فَقَالَتْ مَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْتُهَا فَقَالَتْ أَسَرَّ إِلَيَّ إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي الْقُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً - أي يقرأه علي، و أقرأه عليه من أجل ضبطه -وَإِنَّهُ عَارَضَنِي الْعَامَ مَرَّتَيْنِ وَلَا أُرَاهُ إِلَّا حَضَرَ أَجَلِي وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِي لَحَاقًا بِي فَبَكَيْتُ فَقَالَ أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَوْ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ فَضَحِكْتُ لِذَلِكَ ))

(رواه البخاري)

 أنبأها بموته فبكت، وأنبأها بأنها سوف تلحقه أول أهل بيته، وهي سيدة نساء المؤمنين فضحكت.
وقال عليه الصلاة و السلام،

((عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي))

(رواه البخاري)

 لذلك أحيانا صهرك لا يقد لك شيئا أعظم إلا أن يكون حسن المعاشرة لابنتك، هذا أعظم صهر، أي ممكن هذه الفضيلة تغطي عن كل شيء، لأنه قال:

((عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي ))

(رواه البخاري)

 وكل أب له بنت، و كل بنت هكذا، وكل إنسان يعتني بزوجته فقد أكرم أباها بهذه العناية، واللهُ جل جلاله لا بد أن يرزقه أصهارا يعتنون ببناته كما اعتنى ببنات الآخرين، كله دَيْن ووفاء.
 وعن ابن أعبد قال: قال علي رضي الله عنه: يا ابن أعبد ألا أخبرك عني وعن فاطمة، قال: كانت ابنة رسول الله، صلى الله عليه و سلم، و أكرم أهله عليه، و كانت زوجتي، فجرت بالرحى - تطحن الطاحون - حتى أثر الرحى بيدها، واستقت بالقربة حتى أثرت القربة بنحرها، و قمّت البيت - كنسته - حتى اغبرت ثيابها، و أوقدت تحت القِدر حتى دنست ثيابها - تلوثت - فأصابها من ذلك ضر، وإن فاطمة كانت لتعجن، و إن قصتها - أي شعرها - لتضرب الأرض و الجفن " وتوفيت فاطمة بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم بستة أشهر، و كانت بنت ثمان و عشرين سنة، واللهِ أحسن من مائتي سنة، ثمانية و عشرون سنة سيدة نساء المؤمنين، بإخبار النبي عليه الصلاة و السلام، ما ترفّهت، الآن كل شيء رفاهية، تشغِّل الغسالة وتذهب إلى النوم، أوتوماتيك، صعود على الدرج لا يوجد، هناك مصعد، ابعث من يوصلني، وصلناها، ابعث من يأتي بي، أتينا بها، و آخرتها، فانظر اللهم صل عليه كيف كانت ابنته، سيدة نساء المؤمنين كانت تقم البيت و توقد تحت القدر، و تستقي بالقربة، و تجر بالرحى و تضرب بالعجين، وتوفيت وهي بنت ثمان و عشرين سنة.
هؤلاء أصحاب النبي، هؤلاء زوجاتهم، هؤلاء بناتهم، هؤلاء الأصحاب ذكورا و إناثا قدوة لنا، فالإنسان يرضى، إذا كانت الحياة خشنة، والبيت صغيرا، زوجة متعبة، لماذا نعيش، للعمل الصالح، هذا عمل صالح، أيما امرأة قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنة....." أيْ المرأة أمام خيرات لا يعلمها إلا الله، لو أنها اعتنت بأولادها وزوجها و بتها، هو جهاد كجهاد الرجال في ساحة المعركة.
والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS