11464
شرح الحديث الشريف - أحاديث متفرقة - الدرس (078 - 127 ) : اغتنم خمسا قبل خمس.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-08-02
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا إتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

 أيها الأخوة المؤمنون :
 دروس العلم يمكن أن تتجه اتجاهين ، الاتجاه الأول أن تتجه إلى تقرير الحقائق الموضوعية ، هذه الدروس يغلب عليها الطابع العلمي إنها تخاطب العقل ، إنها تستهدف أن تحدث قناعةً في الإنسان والقناعة في الإنسان أساس حركته ، أساس استقامته ، أساس ارتباطه هذه دروس العلم .
 هناك دروس أخرى تتجه إلى إحداث موقف ، لا إلى إحداث قناعة القناعة حاصلة ، ولكن الإرادة ضعيفة ، الدروس التي تتجه إلى تقوية الإرادة وإحداث موقف هذه الدروس تتجه في الأعم الأغلب إلى القلب هناك دروس تتجه إلى العقل لإحداث قناعة وهناك دروس تتجه إلى القلب لإحداث موقف ، الدروس التي تخاطب العاطفة وتتجه إلى القلب نحن في أمس الحاجة إليها ، والدروس التي تتجه إلى العقل وتخاطبه ، وتعالج موضوعات دقيقة نحن في أمس الحاجة إليها ولكن كل من هذه الدروس لا يغني عن الآخر ، إن كل منها كالملح في الطعام إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده .
 أنا أشعر من حين إلى آخر أننا بحاجة إلى دروس تتجه إلى القلب تتجه لا إلى إحداث قناعة ، القناعة متوافرة ، بل إلى إحداث موقف بل إلى تقوية الإرادة ، بل إلى أن تأخذ حقائق الدين موقف الجد ، بل إلى أن تترجم قناعاتك إلى مواقف ، إلى سلوك ، إلى واقع ، أردت أن أجعل محور هذا الدرس حديثاً شريفاً صحيحاً رواه الحاكم وقال صحيح ورواه أكثر من محدث وقيل إنه حسن في إسناده وفي متنه فالحديث معروف عندك جميعاً وقد سمعتموه من الخطباء والمدرسين عشرات بل مئات المرات ، لكنكم ألفتم أنني حينما أجعل الحديث محور الدرس نحلله ونغوص في أعماقه ، وحينما نذكره مرةً واحدة كشاهد نمر عليه كما يقال مر الكرام .

 حديث اليوم :
 قال عليه الصلاة والسلام لرجل وهو يعظه ، الموعظة تتجه إلى القلب ، وقد يسخر بعضهم من المواعظ ، كيف يسخر من موعظة والله جل في علاه يقول :

﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (63)﴾

[ سورة النساء ]

  كيف نسخر من دروس الموعظة والله جل في علاه يقول :

﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى﴾

[ سورة يوسف ]

  الحديث الذي روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل يعظه :

(( اغتنم خمساً قبل خمس ، شبابك))

  أكثركم من الشباب ، ولكنكم والله وأنا لا أحنث بهذا اليمين لا تعرفون قيمة الشباب ولا يعرف قيمة الشباب إلا الشيوخ ، إلا الكهول ترى الشاب خالي الهم من آلاف الموضوعات ، انظر إلى حياة الشيخ يعنيه ضغطه ويعنيه دسامات قلبه ، وتعنيه مرارته وبحصتها وكليتاه وضعفهما ، ويعنيه قلبه ، ويعنيه دماغه ، ويعنيه آلام في مفاصله ، تارةً يبحث عن تحليل ، وتارةً يبحث عن طبيب ، يعني مجموعة كبيرة جداً من الهموم ، الشاب مرتاح منها ، هل يخطر على قلب الشاب في السنة مرةً أن في قلبه خللاً ؟ إطلاقاً فهذا العمر الفارغ من الهم ، الفارغ من الضعف ، الفارغ من المقلقات ، ألا ينبغي أن يستغل في طاعة الله ، في معرفة الله ، في حفظ كلام الله ، في الدعوة إلى الله ، في حضور مجالس العلم ، في التزود بالعلم ، في نشر العلم ، في ملازمة أهل الحق .
 قلت لكم قبل كل شيء والله الذي لا إله إلا هو لا يعرف قيمة الشباب إلا الشيوخ ، إلا من تجاوز سنه الأربعين ، آلام ، وهموم ومقلقات ، وتحاليل ، وأطباء ، وسهر ، وشكوى ، وآلام في المفاصل وازدياد حمض الأسيد ، الكولسترول ، شحوم ، من طبيب إلى طبيب من مصور إلى مصور ، ترى الشاب لا يخطر في باله شيء كالحصان ، فالنبي العدنان عليه الصلاة والسلام يقول :

((اغتنم خمساً قبل خمس))

  اغتنم هذا السن ، سن العطاء ، سن البناء ، سن الاندفاع ، سن الإرادة القوية ، سن البطولة ، ألا تغارون من سيدنا أسامة بن زيد سبعة عشر عاماً عينه النبي قائداً لجيش فيهم أبو بكر ، وفيهم عمر وعثمان ، وعلي ، هذا الشباب ، الإسلام يعتز بالشباب وقد أقول لكم يعني لا تبنى نهضة أمة إلا على الشباب ولا ينتشر هذا الدين إلا على أيدي الشباب ، ولا يرجى لهذه الأمة أن تعود إلى سابق عهدها من قيادة الأمم إلا الشباب ، طاقة ، اندفاع ، فراغ ، صفاء ، قيم ، مبادئ لو نظرت إلى إنسان تقدمت به السن انكفأ على نفسه ، همومه كلها ذاتية ، يعني أصبحت همومه أكثرها في صحته ، وبعضها في أولاده وزوجات أولاده ، وتأمين حاجات أسرته ، والتوفيق بين دخله وبين مصارفه ، لكن الشباب لا يفكر في هذه الموضوعات ، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( اغتنم خمساً قبل خمس))

  والله أيها الأخوة أنا أقول لو أن إنساناً جاءني وأنا شاب في أول انطلاقة الشباب وأعطاني كل خبرته التي تزيد عن خمسين عاماً في طريق الإيمـان والله لــو قدمت له روحك لكان هذا قليل ، قدم لك خبرات خمسين عاماً بكلمات معدودات ، افعل ولا تفعل ، إياك أن تفعل كذا ، الزم كذا ، داوم على كذا ، احفظ بصرك ، احفظ قلبك احفظ أمر ربك ، استقم ولا تخف ، أقم أمر الله ولا تعجز ، كن مع الله ولا تبالي ، كن مع الله ترى الله معك ، يعني إذا الله عز وجل أكرم شاب برجل يقدم له خبراته في الإيمان ، خبراته مع الله خبراته في طريق الحق ، خبراته في الدنيا المحفوفة بالشهوات والمنزلقات والمـكاره ينبغي أن تستجيب هذا هو سـر التعليم ، لو أن الإنسان لا يتعلم إلا بتجربته الشخصية لما كان هناك جدوى من التعليم ، لماذا نعطي أبناءنا في المدارس خبرات الأجيال السابقة ؟ أنتم لا تصدقون أن الذي وصلت إليه الإنسانية في عشرين قرناً يتعلمه الطلاب في الصف التاسع ، يقول لك : قانون أرخميدس ، قانون السقوط ، قانون كذا ، كل مائة عام خرج عالم بقانون ، عالم من فلتات العلماء وكشف شيء درسه في كتاب نصف صفحة .
 لماذا التعليم ؟ التعليم يقدم للجيل خبرات الأجيال السابقة ، طبعاً في الرياضيات ، العلوم ، الفيزياء ، الكيمياء ، لكن نحن في التعليم الديني خبرات آلاف العلماء ، آلاف الدعاة ، آلاف أهل الحق كل خبراتهم مع الله صبوها في كتب ، فحينما تدرس كتاباً ، حينما تقرأ حديثاً حينما تطلع على تفسير ، حينما تجلس مجلس علم ، ماذا تأخذ أنت ؟ تأخذ خبرات بعضها فوق بعض ، فلذلك أيها الشباب اغتنموا شبابكم طاقة تحتاج إلى توجيه ، الشباب محرك جديد لا يحتاج إلا إلى مقود فإذا افتقر إلى المقود دمر صاحبه ، لو انطلقت سيارة بلا سائق والمحرك ممتاز ألست موقناً أن دمار هذه السيارة مائة في المائة والشاب حينما يندفع يستجيب إلى شهواته ، لشهوة بطنه ، لشهوة فرجه ، يستجيب إلى شهواته الاجتماعية ، يعيش لحظته وينسى آخرته ، وينسى ربه ، إنما يدمر نفسه .
 أخطر ما في هذا الحديث أن الشباب لا يدوم ، يعني الشباب ينسى أن الشباب مؤقت يظن أنه دائماً نشيط ، دائماً فارغ الهم ، فارغ البال ، دائماً مندفع ، دائماً يقفز قفزاً على الدرج ، قد يأتي يوم درجةً درجة ، وقد يأتي يوم يباع البيت بسبب أنه مرتفع ، وقد يأتي يوم يحتاج إلى من يعينه للصعود ـ يحتاج إلى عكاز ـ فأخطر ما في الموضوع الشباب لا يدوم ، فإذا كان لا يدوم كيف تستغله ؟ بقيل وقال ، في لعب ، في حركات عشوائية ، في نشاط سخيف ، في الغيبة ، في مزاح رخيص ، في نزهات فارغة ، في نشاط سخيف

(( " اغتنم خمساً قبل خمس ))

 كلام النبي عليه الصلاة والسلام .
 الله عز وجل قال :

﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً (17)﴾

[ سورة نوح ]

  والنبات شاهد ، انظر إلى البرعم ، زهر ، ورق ، ثمر ، اصفرار ذبول ، حطبة ، وهكذا الإنسان ، من هو البطل ؟ البطل هو الذي يصل بعقله إلى ما سيكون ، من هو الطالب المتفوق ؟ هو الذي يتخيل الفحص طول العام الدراسي ، الفحص ماثل أمامه طوال العام الدراسي ، من هو الذكي ؟ هو الذي يعد كل العدة لساعة لقاء الله عز وجل ، يعد العدة لساعة لكي لا يصعق فيها ، لئلا يصيح صيحة لو سمعها أهل الأرض لصعقوا ، يصيح الكافر صيحةً عند الموت لو سمعها أهل الدنيا لصعقوا .

 مركز الثقل في هذا الحديث كل شيء لا يدوم كأنه انقضى ، اركب سيارة الوقت محدود مهما طال السفر نجد في المحطة الأخيرة تفضل وانزل ، وأنت راكب مركبة رجل قطع نصف الطريق ، ربع الطريق أربعة أخماس الطريق ، يوجد محطة أخيرة ، فأول نقطة في هذا الدرس الشباب لا يدوم ، وما دام الشباب لا يدوم كيف نستغل هذه الفترة المتألقة من حياة الإنسان ؟ لماذا لا تحفظ القرآن ؟ العلم في الصغر كالنقش على الحجر ، والعلم في الكبر كالكتابة على الماء يعني إذا الإنسان ما أتيح له أن يحفظ وقد بلغ به سنه درجةً عاشرةً فلينصح الشباب أن يحفظوا ، هذا الوقت هو أنت ، الوقت هو أنت هذه الكلمة ما رأيت كلمةً أبلغ منها ، الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه ، مامن يوم ينشق فجره إلا وينادي يا بن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد فتزود مني فإن لا أعود إلى يوم القيامة لا تنسى أن الإنسان يوم القيامة ولو كان مؤمناً ، لو دخل الجنة لا يندم إلا على ساعةٍ مضت لم يذكر الله فيها .
 قرأت مرة كلمة ، لو أن الدنيا كلها بيد إنسان وجاءه الموت ودفعها كلها من أجل أن يمد في أجله ساعة واحدة ليصلي بها ركعتين لله عز وجل لما استطاع ، قال تعالى :

﴿فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (49)﴾

[ سورة يونس ]

  أحد العلماء مر بمقهى رأى فيه أناساً يلعبون بالنرد ، فتنهد وقال يا سبحان الله لو أن الوقت يشترى من هؤلاء لاشتريته منهم ، ترى المؤمن يقول ياريت اليوم خمسين ساعة ، طموحه أن يحفظ القرآن أن يـقرأ الكتـاب الفلاني ، يحـظر هذا المجلس يتابع هذا الموضوع يتعلم تجويد ، يتعلم فقه ، يتعلم أصول الفقه ، يتعلم تاريخ التشريع يعرف كيف يكون داعية ، يتعلم الخطابة ، يتعلم كيف يكون إنساناً منيراً للآخرين وعنده مشاغل بيتية يقول لك لو أن النهار خمسين ساعة ، وترى أشخاص يقتلون الوقت قتلاً ، يمضون أوقاتهم في موضوعات سخيفة لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( اغتنم خمساً قبل خمس شبابك قبل هرمك))

  الشيخوخة لها أحكام ، مرة كنت عند طبيب يقول لمريض أمامي لا يوجد بك شيء ولكن هذه أعراض سنك ، كلمة بليغة ليس هناك وضع خطير ولكن ما تشكو منه أعراض طبيعية للشيخوخة ، هذه أمراض الشيخوخة ، ترى في التخطيط صار ضعف ، ارتفع الضغط لأنه بالخمسين من عمره ثلاثة عشر ، تسعة بالستين ، كل سن له ضغط معين فالشيخوخة قادمة لا محالة ، ماذا أفعل في الشباب ؟ يجب أن أستغله في طاعة الله .
 بالمناسبة هذه كلمة أقولها لكم دائماً : من كان في شبابه مع الله عز وجل ، يعني أنا أرجح لا أجزم في الأعم الأغلب أن الله سبحانه وتعالى يهيئ له شيخوخةً متألقة ، والله أرى أناساً من أهل العلم والفضل في سن التسعين ، خمسة وتسعين ، بالمائة وعشرة ، حدثنا أخ من إخواننا الدعاة إلى الله والده تقدمت به السن عاش مائة وخمسة عشر قال لي: والله أنا في أي مسألة لا أذكر ما رأي الإمام الشافعي فإذا سألت والدي يقول لي يا بني الشافعي يقول كذا وأبو حنيفة يقول كذا ، وقرأ هذا في الكتاب الفلاني في الصفحة الفلانية وعمره مائة وخمسة عشر عاماً ، من عاش تقياً عاش قوياً ، الله يمتعه في صحته بسمعه ببصره ، بذاكرته ، بمكانته ، قال تعالى :

﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (68)﴾

[ سورة يس ]

  يوجد أرذل العمر ، لا أعتقد رجل له أقرباء صار خارج الاهتمام وضع في غرفة كلما دعا أناس إليه تفلتوا منه ، سكتوا أمامه يتغامزون ، يتصايحون ، يسخرون أحياناً ، يدعون عليه بقصر العمر يهينه أقرب الناس إليه هذا أرذل العمر ، إذا الإنسان أمضى شبابه في أرذل العمر الله سبحانه وتعالى أعظم وأكرم من أن يجعل شيخوخته ذليلةً مهانة لا الله غني ، كل شيء بحسابه .
 والله يوجد أشخاص بالتسعين يتألقون ، يتمتعون بكامل قواهم زرت شخص والد صديقي تسعين سنة ، قال لي : أجريت تحاليل كاملة كلها طبيعية ، وأنا كنت كل سنة أزوره اشتهيت أن يعيد لي قصة مرتين ، يقول : هذه القصة أنا قلتها لك المرة الماضية ويقول لي قصة جديدة ، سبحان الله ذاكرة قوية ، جسم كامل ، وقال لي : والله ما أكلت قرشاً حراماً في حياتي ولا فعلت الحرام .
 الله كريم ولا أحد يتكلم كلام غير واقعي ، كلكم تريدون شيخوخة راقية ، متألقة ، لا يوجد فيها خرف ، فقر ، إهانة ، الله عز وجل إذا كرم عبد يجوز أول حياته يضيق عليه لكن بآخر حياته يعطيه بحبوحة ، وكلما تقدم به السن لا يوجد عنده إمكان أن يعمل مثل الشباب ، فالله عز وجل من تكريم الله للإنسان في وقت ضعفه يوفر له رزقاً حسناً يكفيه ويغنيه ، أنت عندما تمضي هذا الشباب في طاعة الله ماذا تنتظر من الله ؟ تنتظر من الله كل خير ، كل إكرام ، كل عطاء ، أنا أسمع من خلال خبراتي في علاقاتي الذي أمضى شبابه في استقامة .
 والله زارني شخص وهذه القصة قلتها لكم كثيراً من أجل الموعظة ، قال لي : كم تقدر عمري ؟ أنا قدرت ستين سنة ، قال ستة وسبعون ، وقال : أنا مثل الحصان ، أعارك الجدار ، أثناء الحديث سألته عن عمله ، كان موظف وفي منطقة حساسة جداً وممكن أن يكون معه مئات الملايين من خلال عمله ، قال لي : والله ما أكلت قرشاً حراماً في حياتي وما آذيت إنساناً ، فلما خرج قلت يا ليتنا نعرف قانون الله عز وجل .
 يوجد قوانين ثابتة ، أنت ما آذيت ولا عبد من عبادي ، ولا استغليتهم ، ولا ابتزيت أموالهم ، خدمتهم ، نصحتهم ، رحمتهم ، وأنا سأرحمك ، وأنا سأعلي قدرك ، سأرفع مكانتك ، ســأهيئ لك كل العيش الكريم ، لـه مكانته ، وبيته ، وأولاده ، وأصهاره ، ومركبته ومصيف ، عاش معززاً مكرماً ، ما أكل قرشاً حراماً في حياته ولا أذى إنساناً كل شيء في حسابه ، لو إنسان عنده وقت ، أو عنده إمكانية يفهم هذه التفاصيل ، كل إنسان له قصة مع الله ، وسوف ترى من قصص الناس العجب العجاب ، الله عز وجل يعامل العباد بأدق التفاصيل ، ما من عثرة ولا اختلاج عرق ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم وما يعفو الله أكثر .

 قال لي أخ كريم أن إنسان عمره ستين سنة ، إبهام رجله أسود زاره طبيب وأعطاه الرأي القطعي لابد من قطعها مرض الغنغرين الموات بالتعبير الفصيح ، له خمس أولاد وكلهم من أصحاب الدخل المحدود ـ هذه عبارة لطيفة عن الفقر ـ الأربع أولاد استجابوا إلى رأي الطبيب ماذا نفعل أمر الله ، إلا واحد منهم كبر عليه أن تقطع إصبع أبيه إبهامه فتوسل للطبيب وانفعل ، ورجاه ، فقال له الطبيب: يا بني لابد من قطعها إن لم نقطعها من هنا سوف نقطعها بعد أيام من هنا لكن الطبيب أكبر في هذا الابن ، هو واحد من خمسة الأربعة استسلموا ماذا نفعل أمر الله ، وأبوك كبير في السن وليس صغير ماذا نفعل بلا هذا الإبهام إلا هذا الابن الخامس وكاد يغلي غليان ، الطبيب أكبر فيه هذه البنوة الراقية ، الغيرة على سلامة الأب وقال له : انظر يا بني ممكن لكن تحتاج إلى جهود جبارة يوجد تعليمات منهكة ، ثلاث حمامات للإبهام باليوم مع خمس ست مواد مع شاش وإذا تقدم السواد سنتمتر لابد من أن تقطع فوراً ، قال له : أنا أتكفل هذا الابن يسكن في المزرعة والأب في الجادة السابعة في المهاجرين والابن موظف فكان يضطر أن يستيقظ الساعة السادسة ويذهب إلى والده يسخن الماء ويحضر الخمس مواد ويضعها في الماء ويحلها ويعمل حمام لوالده ، اثنين ، ثلاثة ، ثم ينشف ويضع الشاش ، ويذهب إلى وظيفته يتغذى ، ويحضر إلى والده ، هل تصدقون أنه بقي بهذه المعالجة سنةً ونصف ، كل يوم مرتين أو ثلاثة من المزرعة إلى المهاجرين وأراد الله عز وجل أن يكرم هذا الابن بشفاء إبهام أبيه وشفي تماماً ، يقول لي راوي القصة خمس أولاد الأربعة يعانون من أصعب أنواع الفقر ، وهذا الخامس أصبح معه أكثر من خمس مئة مليون ، هذا الذي كان موظف بقدرة قادر الله عز وجل كافأه أكرمت والدك أنا أنساك من فضلي ، لو أن الإنسان معه وقت ينظر في كل قصة ما هو أساسها ، اسمعوا مني هذا الكلام كل قصة فيها عشر فصول ، مائة فصل ، ممكن أن تعرف فصل ، واثنين وخمسة ، وعشرة ، وخمسين ، وتسعين ، ممكن أن تعرف تسعة وتسعين فصل ويوجد استفهام أما إذا عرفت الفصل المئة ينجلي هذا ذلك الاستفهام ، تعرف لماذا أكرم الله هذا الإنسان ولماذا عذب فلاناً لماذا أعطى ولماذا منع ، لماذا رفع ، ولماذا خفض ، لما أعز ولماذا أذل ؟
 والله يا أخوان العز بيده ، والذل بيده ، والإكرام بيده ، والإهانة بيده ، والعطاء بيده ، والمنع بيده ، والنفع بيده ، والضر بيده ، والله هذا الإيمان ، والله مالم تؤمن أنه لا رافع ولا خافض ولا معز ولا مذل ولا معطي ولا مانع إلا الله ، هو الإيمان أن لا ترى مع الله أحداً ، الإيمان أن ترى أن الله هو كل شيء وما سوى الله لا شيء فلذلك :

((اغتنم خمساً قبل خمس شبابك قبل هرمك ))

  هذا الكلام للشباب ونحن تجاوزنا ، شبابك ، والإنسان من شب على شيء شاب عليه ، أيام تلاحظ ، رجل قال لي : أنا مضيت ذهب وقتي ، قلت له : ما شاء الله حولك ، فقال : العداد قلب والدولاب مسح ، عبر عن كبر سنه أن العداد قلب والدولاب مسح تلاحظ إنسان تتكلم معه عشر سنوات تنتهي يقول : أعطوني الطاولة لنلعب ، ما فهم شيء ، الإنسان بشبابه يوجد عنده وعي ، إدراك بعد الخمسين يتكلس عقله يقول لك خشب ، يسمع ويهز رأسه وهو هو لا يغير ولا يبدل ، عاداته ، مزاحه ، لقاءاته ، الاختلاط ، هوَ هو لا يغير شيء في حياته ، لذلك من بلغ الأربعين ولم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار ، معنى هذا أنه فلس ، الشاب معجونة ، الشباب حديد حامي على أي طرقة تجلس ، الشباب غصن نضر كيف ما تريد أن تحركه ، أما الشيخوخة خشبة يابسة انتهى .
 فلذلك أنا أقول الشيخوخة التي سبقها معاصي أما شيخوخة المؤمن أجمل من الشباب لأنه جمع بين الحكمة والاندفاع ، أكثر شيء في الشباب الاندفاع ، والشيخ أكثر شيء فيه الحكمة ، أنت انظر إلى إنسان مؤمن متقدم في السن من فلتات الدنيا لأنه جمع بين حكمة الشيوخ وبين اندفاع الشباب ، وأنا أقول لكم كلام وأعني ما أقول : المؤمن لا يشيخ أبداً ، ولكن ترى في هويته ولد سنة ألف وتسع مائة وعشرة ، ولكن يبقى شاب ، الإيمان من طبيعته أن يبقي الإنسان شاب دائماً والسبب ؟ يوجد سبب واضح جداً أن الإنسان مادام له هدف لم يصل إليه يوجد عنده حيوية ، الطالب إذا دخل الثانوي يقول لك كان عندنا أستاذ واحد لا يوجد غيره ست ساعات ملينا منه ، هنا أستاذ رياضيات ، أستاذ فيزياء ، أستاذ كيمياء ، عربي ، يذهب إلى الجامعة يقول لك أنا طالب جامعي صرت ، يوجد عنده محاضرة مساءً ، صباحاً ، غير ترتيب ، إن أخذ لسانس يمشي بالعرض على جمعة زمان ثم يمل منها ويصير هذا طبيعي ، لم يتزوج عندما يتزوج دخل إلى عالم جديد ويظن أن الزواج هو جنة الدنيا ، وبعد هذا يراه جحيم الدنيا أحياناً ، يأتيه ولد يفرح به ، ثم كبر الولد يريد أن يزوج ابنه ، يمشي بأطوار ، متى الإنسان تنتهي سعادته ؟ عندما تنتهي كل آماله ، هذا بيته ، وهذه زوجته وأولاده ، ودخله انتهى الآن تبدأ متاعبه ، يعني مادام أهدافك استوعبتها وصلت لها ، انتهت سعادتك وصار ملل ، أنت يجوز تستغرب ، اجلس مع رجل معه ألف مليون ، انظر كيف يقرف ويقرف ، مالل ، عد مع رجل واصل إلى أعلى منصب تراه مل ، خمس هواتف ، وعشر موظفين وهو كله ملل وقرف هذه الحالة أساساً ، كل شيء يمل في الدنيا ، خذ بين أربع مائة متر أربع جهات ، شهر ، شهرين وبعد هذا طبيعي جداً .
 هكذا طبيعة الدنيا ، طبيعة الدنيا لها بريق سريعاً ما يزول ، الزواج فترة ، تراه على الهاتف ثلاث ساعات الخطيب مع المخطوبة أربع ساعات لا يمل ، تأتي إلى عنده إلى البيت وتصبح زوجته ، أين ذاهب اليوم ؟ اليوم عندي سهرة ، كنت لا تستطيع أن تفارقني لحظة الآن يريد فقط أن يفارقها ، هكذا طبيعة الحياة ، كل شيء يمل إلا إذا عرفت الله ، لماذا أنت في شباب دائم ؟ لأنك إذا عرفت الله ، الله لا نهائي مهما سعيت إليه هو عظيم ، وبعيد المنال ولكن يعطيك شيء كثير ، إذاً أنت إذا جعلت أهدافك ماديةً ، محدودةً أصبت بالضجر والملل ، أما إذا جعلت أهدافك روحيةً ، قدسيةً ، علويةً ، إلهيةً شعرت في شباب دائم .
 في استنبول يوجد قبر أبي أيوب الأنصاري أليس كذلك وأشهر أحياء استنبول حي الأيوب له اسم معين ، سيدنا أبو أيوب الأنصاري حمل على حمالة في أثناء الجهاد ، كانت سنه أضعف من أن يمشي على قدميه ، ما هذا الشباب ؟ قال تعالى :

﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾

[ سورة التوبة ]

  حتى الذي تقدمت به السن مأمور أن يجاهد لأن المؤمن شاب دائماً أنا أعني ما أقول إذا خالط الإيمان مشاشة قلبك فأنت شاب حتى آخر لحظة في حياتك وهذا الشباب شباب أن الأهداف التي تسعى إليها أكبر بكثير من حياتك ، المؤمن أهدافه مقدسة ، خرج من ذاته خرج من أموره الشخصية اليومية ، أهل الدنيا مقبورون في شهواتهم وفي مصالحهم الذاتية لا يوجد عنده شيء ، همه كله مصالحه اليومية أما المؤمن همه الآخرين .

((اغتنم خمساً قبل خمس شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك))

  يعني قريب من المعنى ، الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراها إلا المرضى ، إذا إنسان أصيب بمرض لا سمح الله كل ما رأى شخص في الطريق هذا المرض بريء منه ، لا يوجد عنده هذه المشكلة ، والمريض يظن أن مرضه أصعب شيء ، والأمراض كلها صعبة ، إذا كان مرض جلدي صعب ، إن كان بالكليتين صعب ، إن كان بالهضم صعب ، إن كان بالعصاب صعب ، إن كان بالعضلات صعب ، الشلل صعب ، الرجفان صعب ، القرحة صعبة ، التهاب الزائدة ، تشمع الكبد ، ضيق الشرايين صعب ، الضغط العالي صعب هات لي مرض سهل كله صعب ، لكن كل مريض يظن أن مرضه أصعب الأمراض وكلما وقعت عينه مريض على صحيح قال : ياريتني مكانه ، تخرج من أعماق قلبه .
 والله لي صديق وقلت لكم هذه القصة سابقاً ، صديق صديقي يحمل دكتوراه بالجيولوجيا وعين بمرتبة قريب من وزير من وزارة من وزارات الدولة المهمة ، وله بيته ، ومركبته ، وزوجته الفرنسية ومكانته ، وفهمه وذكاؤه ، فقد بصره في شبابه طبعاً خلال شهر أو شهرين جاملوه ثم سرحوه ، على مدة شهرين يرسلون له البريد إلى البيت مع موظف ويقول له : يا سيدي هذه المعاملة هكذا ماذا التوجيه؟ يقول له اكتب كذا موافق أو عدم موافق ، شهرين ثم سرحوه قال لصديقي : والله يا دكتور أتمنى أن أجلس على الرصيف أتكفف الناس ولا أملك من الدنيا إلا هذا المعطف على كتفي وأن يرد إلي بصري .
مرة التقيت مع إنسان غني ، ومسرف ، تأفف وقال لي ما هذه البلد؟ إذا الإنسان ما كان دخله في الشهر مائتين ثلاثمائة ألف كيف يعيش في هذه البلد ؟ لا يعاش بها إلا بمائتي ألف ، هذه كلمة كبيرة يا أخوان ، أصيب بمرض عضال قال لأحد عواده بالحرف الواحد : يا فلان الإنسان يكفيه ألف ليرة بالشهر ، رضي بألف ، ماذا يقصد ؟ يعين يا ليتني ترد إلي صحتي ودخلي ألف واحد بالشهر ، من مائتي ألف ، هذه صحتك قبل سقمك الإنسان هل يملك صحته ؟ لا يملكها الإنسان مادام صحيح ويتحرك ، والإنسان عندما يقعد ثقيل ، أما بالحركة خفيف ، احمل رجل مغمى عليه يظهر أن وزنه خفيف لا يتحرك معك يمكن إنسان أن يشعر بألم في ظهره إذا رفعه ، معنى هذا أن الإنسان بالحركة خفيف أما إذا أصابه فالج يصير ثقيل وثقيل بالمعنى الآخر .

(( " اغتنم خمساً قبل خمس شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك..))

  مادام الصحة طيبة تحرك إلى المساجد ، والله يوجد أخوان يتمنوا أن يحضروا درس علم ، كل درس بعشرة آلاف ليرة حيل بينهم وبين هذه الدروس لأسباب صحية قالوها والله ، والله عز وجل أن يمتعه بصحته ويحضر هذه الدروس .

قدم لنفسك خيراً وأنت مالك مالك
من قبل أن تصبح فرداً ولون حالك حالك
ولست والله تدري أي المسالك سالك
إما لجنة عدن أو في المهالك هالك

 قال : هي الدنيا تقول بملء فيها حذار حذارِ من بطشي وفتكي فلا يغركم مني ابتسام فقولي مضحك والفعل مبكي .
 لي أصدقاء أطباء لنا جلسة معهم من حين لآخر يحدثوني عن حالات المرضى قبل أن يأتيهم الموت فزع إذا إنسان إيمانه ضعيف بالله كل دنياه في هذا البيت إلى ـ باب صغير ـ أربع مائة متر كله مزين الرخام ، والترتيبات ، والله أسمع منهم وصف لا يصدق تراهم مثل الأطفال صار عندهم ذعر ، في الآخرة لا يوجد شيء ، ما ترك شيء ، ما صلى فرض بحياته ، ووجد نفسه معه أزمة قلبية وتخطيط خطير جداً ، الطبيب تحول وراجع التخطيط مرتين ثلاثة ، وقال القضية تحتاج إلى مستشفى وإلى عناية مشددة ، ويجب أن تعتنوا كثيراً ، ورأى هذا البيت كيف تعب به جداً ثم ـ باب صغير ـ والله مشكلة .
فلا يغركم مني ابتسام فقولي مضحك والفعل مبكي ، لا ترى إنسان مات ووضع في النعش لا تعرف ما أحواله وهو بالنعش ما ترك من ذنوب ، وما عليه من حقوق ، وما فعل فتن ، ما أفسد الناس من ظلمهم ، من أفسدهم ، من أذلهم ، وأضلهم ، من كذب عليهم البطولة أن تعد العدة لهذه الساعة ، في كلمة لطيفة جداً قال : دار أنت إليها تسير أقرب من دار أنت عليها ترحل .
 اركب من حمص إلى دمشق تقطع من حمص عشرة كيلو متر أنت أقرب إلى الشام مع أنه بقي مائة وخمسين ، مادام متجه نحو الشام فأنت أقرب إليها ، كل ما مضت ثانية ابتعدت عن حمص واقتربت إلى الشام .
 قال : ودار أنت إليها تسير أقرب من دار أنت عنها ترحل . بربكم من بلغ الأربعين أليس هو أقرب إلى الآخرة من الدنيا ، يعني في أحسن الأحوال إلى الستين بقي نصف المسافة ، قطع الثلثين شطح به حظه إلى السبعين ما شاء الله ، أقل مما مضى ، إلى الثمانين قد ما مضى ، فلذلك هذا سؤال محرج ، سؤال مزعج ، دائماً الأبطال يواجهون الحقائق المرة قبل أن تواجههم ، يفارقوا الدنيا قبل أن تفارقهم ، يتخلوا عنها قبل أن تتخلى عنهم ، يعرفون حجمها في الوقت المناسب قبل أن يعرفون هذا الحجم بعد فوات الأوان ، يعرفون قيمة الدنيا وهم فيها قبل أن يعرفوا قيمتها وقد تركوها ، هذه البطولة ، البطولة أن تعرف الأمر قبل أن يأتي الأمر ، انظر العالم كله يقول لك : إنه يخطط إلى عام ألفين ، دول بالمقياس العصر الراقي دائماً التخطيط إلى عام ألفين ، يقول لك السكان ، الخدمات ، المياه الصرف الصحي ، الطعام ، الغذاء ، التلوث ، دائماً التخطيط لسنة ألفين ، هذه الدول المتقدمة بمقياس العصر ، دول بينَ بين تعالج مشكلاتها ، والدول المتخلفة تتكلم عن ماضيها ، نحن ... واقعها سيئ جداً وتتغنى بماضيها ، أناس في الماضي ، وأناس في الواقع وأناس في المستقبل .
 وقصة الثلاث سمكات معروفة عندكم ، صياد رأى ثلاث سمكات قال : كيسة ، وأكيس منها ، وعاجزة ـ بليدة ـ القصة رمزية ، مر الصياد مع صديقه تواعدا أن يرجعا ومعهم شباكهما ليصيدا ما فيه من السمك فسمع السمكات كلامهما ، قال : أما أكيسهن ، أذكاهن أعقلهن ، فقالت : العاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها ، فلم تعرج على شيء حتى خرجت من المكان التي يدخل منه الماء من النهر إلى الغدير فنجت ـ يوجد غدير موصول بنهر فهذه الذكية جداً سمعت قول الصياد لصاحبه السمكات ظراف للغذاء ، فهذه الذكية خرجت من الغدير ـ أما الأقل عقل الكيسة فبقيت في مكانها حتى عاد الصيادان يوجد إهمال فذهبت حتى تخرج من حيث خرجت صديقتها فإذا في المكان قد سد ، أول عمل سدوا الثقب الصيادان ، فقالت : فرطت وهذه عاقبة التفريط ، هذا التقصير ، غير أن العاقل لا يقنط من منافع الرأي ثم أنها تماوتت وطفت على وجه الماء فأخذها الصياد فوضعها على الأرض بين النهر والغدير فوثبت في النهر ونجت ـ ضحكت على الصياد ـ وأما العاجزة فلم تزل في إقبال وإدبار حتى صيدت تقول أنا بنت فلانة ، ولكنها صيدت وأكلت .

 كيس جداً عاقل جداً ، أقل عقل ، غبي ، الكيس جداً للمستقبل دائماً ساعة اللقاء مع الله ، قال لي أحدهم : أخذنا محضر وعملنا في المزاد تمثيلية ، يعني دخل أناس كلهم من طرفه ورفعوا سعر بسيط جداً حتى رسى على سعر قليل جداً ، ولكن في بالمحضر أيتام وأرامل ، المحضر يساوي سبع مئة ألف رسى بأربع مائة ألف ، أحد أخونا عنده محل قال لي : هذا المحضر لا يعجبني آكل هم هذه الجورة ، قلت له : أنت أجبت معك حق ، كيف سوف أواجه ربي أني أستطعت أن أخلصه بأربع مائة عوضاً عن سبع مائة ويوجد أيتام وأرامل ، قلت له : إما أن تدفع الفرق لأصحابه وإما أن تنسحب من هذا المشروع ، وهذا الذي فعله بعد حين .
 فالإنسان يجب أن يتذكر نزلة القبر ، كيف سيواجه الله عز وجل قال تعالى :

﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾

[ سورة فصلت ]

  اعمل وكثر ، قال تعالى :

﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26)﴾

[ سورة الغاشية ]

  رجعوا وتركوك ، وفي التراب دفنوك ، ولو بقوا معك ما نفعوك ولم يبقَ لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا يموت .
 أنا ما رأيت أذكى من إنسان حسن العلاقة مع الله ، مع الله عامرة من باب استقامته ، كلهم عباده لا يغش إنسان ، ولا يؤذي ، ولا يدلس ولا يكذب ، ينصح كأنها له ، يارب هل يرضيك ذلك ؟ هل أنت راض عني ، كلهم عبادك وأنا أخدمهم جميعاً حباً بك ، هذا هو الدين الناس فهموا الدين صلاة شكلية ، وفهموا الدين صيام شكلي ، ونسوا أن الدين استقامة ، صدق ، أمانة ، وقف عند حدود الله عز وجل .
 سيدنا أبا الدرداء وقف ذات يوم أمام الكعبة ثم قال لأصحابه : أليس إذا أراد أحدكم سفراً يستعد له بزاد ؟ قالوا : نعم ، قال : فسفر الآخرة أبعد مما تسافرون ، فقالوا : دلنا على زاده ، قال : حجوا حجةً لعظائم الأمور ، وصلوا ركعتين في ظلمة الليل لوحشة القبور وصوموا يوماً شديداً حره لطول يوم النشور .
سيدنا علي يقول : من أمضى يومه في غير حق قضاه ، أو فرض أداه ، أو مجد بناه ، أو حمد حصله ، أو علم اقتبسه ، فقد عق يومه وظلم نفسه .
 قال : يا ابن آدم لا تغتر بشبابك ، فكم من شاب سبقك إلى الموت ـ لا يوجد في حياتنا الآن بهذه السنتين شباب ماتوا بالثلاثين ، بالخمسة وعشرين ، يوم عرسه ، طلع على السطوح ليضبط هوائي التلفزيون ما رجع ، بعد يومين عرسه ، كثير في قصص ، نوع من الوهم يقول أنا شاب مازلت ، من قال لك ذلك ؟

((" اغتنم خمساً قبل خمس شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك وفراغك قبل شغلك))

 الذي عنده زوجة اليوم حامل ، واليوم تتوحم ، واليوم تحتاج إلى طبيب ، واليوم لا تستطيع ، واليوم معها آلام مفصلية ، وإذا جاءه ولد اليوم حرارته أربعين ، واليوم ظهروا أسنانه ، كلما تأتيك زوجة ولد ، ولدين ، ثلاثة ، ترى الهموم لا تلحق أن تحل مشاكل ن ابنك في المدرسة أرسلوا يريدونك ، مقصر ، يحتاج إلى مدرس خاص ابنتك لها مشكلة مع الآنسة اذهب وقابل المدرسة ، زوجتك تشكو تحتاج إلى صورة طبقية ، تسأل أين الصورة الطبقية تحتاج إلى ثلاث آلاف ليرة ، ترى نفسك من مستشفى إلى عيادة ، مدرسة ، روضة تحتاج إلى واسطة لابنتك حتى يقبلوها في الحضانة ، دبر واسطة .

((" ... وفراغك قبل شغلك ..." ))

  كلما كنت شاب أكثر تكون فارغ والوقت طويل ، إذا شاب سهر مع أصدقائه لا أحد يحاسبه أما إذا كان متزوج يوجد علقة أمامه أين أنت إلى الآن ؟ يوجد مسؤول ، هذا معنى الفراغ قبل الشغل .

 قال : دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثوان فاعمل لنفسك قبل موتك ذكرها فالذكر للإنسان عمر ثانِ .
 في أبيات لطيفة :

سيصير المرء يوماً           جسداً ما فيه روح

 أنا والله أشعر إذا إنسان يتغسل ، يوجد مرة سوف أنت لن تتغسل بل تُغسل ، هذه لابد منها ، إذا مرة يفرك يديه في مرة غيره سوف يغسله والماء قد تكون ساخنة زيادة لا يهمه يقول لك هذا ميت ، مع أن السنة أن يكون الماء معتدل كأنه حي ، ولكن لا يهتموا لذلك منظر التغسيل منظر كثير مؤثر ، لما يضبوا الرجلين ويربطها ويعقدها ، وضب اليدين ، صره صر ووضعه بالنعش ، فلذلك :

سيصير المرء يوماً           جسـداً ما فيه روح

بين عيني كل حـي          علم الموت يـــلوح

كلنا في غفلـــة          والموت يغدو ويروح

 انزل إلى الطريق كم نعوة في الطريق ، مرة سألت أخ في دفن الموتى قلت له كم ميت عندك في اليوم ؟ وكيف الموسم هذه السنة ؟ قل لي يوجد خمسين ميت كل يوم في الشام والنعوات لعشرين أما الثلاثين بلا نعوات ، بالإعلام بالمآذن .

كلنا في غفلـــة          والموت يغدو ويروح

نُح على نفسـك يا           مسكين إن كنت تنوح

لتموتن وإن عمرت          ما عمر نـــــوح

 كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذي العزة والجبروت ، الليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر والعمر مهما طال فلابد من نزول القبر .
 النبي الكريم سئل :

((عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا ، قَالَ : فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ ؟ قَالَ: أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادًا أُولَئِكَ الأَكْيَاسُ "))

[ ابن ماجة ]

  الأفضل من كانت أخلاقهم فاضلة ، أما الأذكى أكثرهم للموت ذكرا يوجد حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :

((" لو علمت البهائم ما تعلمون بعد الموت عن الموت ما أكلتم منها لحماً سميناً أبداً))

  ألا ترون غنمة سمينة إطلاقاً ، لو تعلم البهائم وليس الأشخاص ما تعلمون عن الموت ما أكلتم منها لحماً سميناً .
 ويوجد حديث ورد في كتب الأحاديث :
 ما من بيت إلا وملك الموت يقف فيه في اليوم خمسة مرات فإذا رأى العبد قد انقضى أجله وقطع رزقه ألقى عليه غم الموت فغشيته سكراته ، فمن أهل البيت الضاربة وجهها ، والصارخة بويلها والممزقة ثوبها ، يقول : فيما الجزع و مما الفزع ما أذهبت لواحد منكم رزقاً وما قربت له أجلاً ، وإن لي فيكم لعودة حتى لا أبقي فيكم فو الذي نفس محمد بيده لو يرون مكانه ويسمعون مكانه لذهلوا عن ميتهم ولبكوا على أنفسهم.

 ثم يقول عليه الصلاة والسلام :

((" والذي نفس محمد بيده لو تعلمون ما أنتم عليه بعد الموت ما أكلتم طعاماً عن شهوةٍ ، ولا دخلتم بيتاً تستظلون فيه ولذهبتم إلى الصعدات تبكون على أنفسكم "))

((" عَنْ هَانِئٍ مَوْلَى عُثْمَانَ قَالَ : كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ يَبْكِي حَتَّى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ فَقِيلَ لَهُ تَذْكُرُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ وَلا تَبْكِي وَتَبْكِي مِنْ هَذَا قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنَازِلِ الآخِرَةِ فَإِنْ نَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ قَالَ : وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا قَطُّ إِلا وَالْقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ "))

[ ابن ماجة ـ الترمذي ]

  إن نجوت كل ما بعد الموت أهون من الموت ، وإن لم تنجو كل ما بعد الموت أصعب من الموت .

((وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا قَطُّ إِلا وَالْقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ "))

  هذا معنى :

((اغتنم خمساً قبل خمس شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك وفراغك قبل شغلك وغناك قبل فقرك "))

  إذا معه مال إذا أنفق بعضه في طاعة الله يرقى ، أما إذا اختفى المال ذهب المال منع من عمل كان من الممكن أن يرقى به .
 أيها الأخوة الأكارم :
 سيدنا عمر رضي الله عنه ، قال : كان يخاف من لقاء الله خوفاً شديداً ، قلت البارحة نقطة أن حجم خوفك من الله بحجم معرفتك به مؤشر الخوف يدل على مؤشر المعرفة ، فكلما ازدادت معرفتك ازداد خوفك ، وكلما قلت معرفتك قل خوفك ، رأس الحكمة مخافة الله .
 كان يخاف من لقاء الله خوفاً شديداً ، وكان دائم البكاء لدرجة أنك ترى على وجهه خطين أسودين من كثرة انحدار الدموع ، كان يقول ليت أمي لم تلدني ، وليتني شعرة في صدر أبي بكر ، وكان يقول : أنا حسنة من حسنات أبي بكر .
 مرة تعرفون رجل أحب أن يمدحه نفاقاً قال له ما رأينا خيراً منك بعد أبي بكر ، فنظر إليهم نظرةً حادة ، حتى أن قال أحد الحاضرين لا والله لقد رأينا من هو خير منك ، قال : من هو ؟ قال : أبو بكر قال : والله كنت أضل من بعيري وكان أبو بكر أطيب من ريح المسك .
 الملاحظ أن السلف الصالح كانوا يخافون الموت خوفاً شديداً ، اليوم تلاحظ ملاحظة ترى جنازة تسير والذين يمشون في الجنازة يتحدثون في الصفقات ، السوق بارد ... وتدخل الجنازة إلى المسجد يقفون خارج المسجد يدخنون ، يعني وراء الجنازة يمشون .
 وقلت البارحة أكثر الناس صلةً بالموت أكثرهم بعداً عن الله عز وجل ، يباع القبر مرتين ثلاثة ، وإذا رأى قبر فارغ اغتصبه ووضع له شاهدة وكتب توفي ونقطتين ، وثمنه عشرة آلاف ليرة ، أكثر الناس احتكاكاً بالموت أبعدهم عن الله عز وجل ، المشكلة السلف الصالح كانوا يخافون الموت .
والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS