21663
السيرة - الشمائل المحمدية 2010 - الدرس (12- ) : رجاحة عقل النبي عليه الصلاة والسلام
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2010-07-18
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

من آتاه الله عقلاً راجحاً هذا العقل يعد سبب فلاحه ونجاحه :

 أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثاني عشر من دروس شمائل النبي عليه الصلاة والسلام، والحديث عن رجاحة عقله، وقد ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام:

((قد أفلح من رُزِقَ لبًّاً))

[البيهقي في شعب الإيمان عن قرة بن هبيرة]

 اللب هو العقل، فالإنسان إذا آتاه الله عقلاً راجحاً، فاستخدم هذا العقل في معرفة الله، وفي معرفة منهجه، هذا العقل يعد سبب فلاحه ونجاحه، ما الفرق بين الفلاح والنجاح؟ النجاح في الدنيا، الإنسان قد ينجح في جمع المال، قد ينجح بتسلم منصب رفيع، لكنك إذا قلت له: لقد أفلح، أي نجح في الدنيا والآخرة، نجح في الأبد، لذلك قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

[سورة الزمر الآية : 15 ]

((قد أفلح من رُزِقَ لبًّاً))

[البيهقى فى شعب الإيمان عن قرة بن هبيرة]

 أيها الأخوة، هناك حديث آخر للنبي:

(( رأس العقل بعد الإيمان بالله الحياء وحسن الخلق))

[ الديلمي عن أنس]

التفكر في خلق الله عز وجل أساس معرفته :

 لا تنسى أن هذا العقل أعقد آلة في الكون، بل إن العقل عاجز عن فهم ذاته، ماذا أقول لكم، بالدماغ ذاكرة حجمها كحبة العدس، تتسع لسبعين مليار صورة، الصور مرتبة بحسب الأهمية، الدماغ يحوي مئة و أربعين مليار خلية سمراء استنادية لم تعرف وظيفتها بعد حتى الآن، وهناك خلايا قشرية يزيد عددها عن أربعة عشر مليار خلية، أما الدماغ ففيه مئة و أربعون مليار خلية، أما خلايا القشرة أربعة عشر مليار، فيها المحاكمة، فيها التذكر، فيها الاستنباط، فيها الاستنتاج، فيها التخيل، فيها الحكم، كل النشاط العقلي في هذه الخلايا القشرية التي تقترب من أربعة عشر مليار خلية، هذا الدماغ ما أصله؟ نطفة وبويضة، لقحت النطفة البويضة، كيف دخلت إليها؟ برأس النطفة غشاء رقيق تحته مادة نبيلة، هذه المادة تذيب جدار البويضة، حينما يصطدم الحوين الأقوى الأسبق إلى البويضة يتمزق الغشاء، المادة التي تحت الغشاء مادة نبيلة تذيب جدار البويضة وتدخل، وعندئذ نقول: البويضة قد تلقحت، حوين واحد من ثلاثمئة لأربعمئة لخمسمئة مليون حوين، في اللقاء الزوجي من ثلاثمئة لأربعمئة لخمسمئة مليون حوين، تحتاج البويضة لحوين واحد، فإذا دخلت أصبحت بيضة ملقحة، الآن في أثناء انتقالها من المبيض إلى الرحم عبر قناة فالوب تنقسم إلى عشرة آلاف قسم دون أن يزيد حجمها، لو زاد حجمها لا تستطيع متابعة السير، وتستقر في الرحم، والحديث عن علم الأجنة حديث يأخذ بالألباب.
 أيها الأخوة الكرام، إن أردت أن تعرف عظمة الله ينبغي أن تتفكر في خلقه، حوين برأسه مادة نبيلة تذيب جدار البويضة، مغطاة هذه المادة بغشاء رقيق، الحوين الأقوى الذي يتجه نحو البويضة ويصطدم بها يتمزق الغشاء، يخرج تحت الغشاء المادة النبيلة تذيب جدار البويضة، تحدث ثقباً فيه، تدخل أصبحت بيضة ملقحة، لذلك قال تعالى:

﴿ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾

[ سورة الرعد الآية : 19]

 أي أصحاب العقول.

الحياء وحسن الخلق رأس العقل بعد الإيمان بالله :

 قال تعالى:

﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾

[ سورة يوسف الآية : 2]

 و:

(( رأس العقل بعد الإيمان بالله الحياء وحسن الخلق))

[ الديلمي عن أنس]

 يروى أن أعرابياً دخل على النبي عليه الصلاة والسلام، وبيّن له النبي عليه الصلاة والسلام أوامر الإسلام، فخرج الأعرابي و أعلن إسلامه أمام النبي عليه الصلاة والسلام، قال له قومه: بمَ عرفت أنه رسول الله؟ فقال: ما أمر محمد بأمر فقال العقل: ليته نهى عنه، ولا نهى عنه فقال العقل: ليته أمر به.

مبادئ العقل :

 أي توافق العقل مع النقل شيء مذهل، النقل وحي السماء، مشروحاً بكلام النبي عليه الصلاة والسلام، نحن ديننا وحي وشرح، الوحي هو القرآن الكريم، والشرح هو الحديث، وحي السماء بشرح المعصوم هذا النقل، والعقل هذا الجهاز الذي أودعه الله فينا، فيه مبادئ ثلاث، مبدأ السببية، والغائية، وعدم التناقض، فأنت لا تفهم شيئاً حولك إلا له سبب، لو سافرت إلى بلد، وقبل أن تسافر أطفأت كل المصابيح، وعدت من السفر وليس أحد غيرك معه مفاتيح البيت، فنظرت إلى البيت فإذا المصابيح فيه متألقة، لماذا تضطرب؟ لأنك تعلم علم اليقين أنه لا يمكن أن يقع شيء من دون سبب، والمفتاح معك، معنى هذا أن إنساناً دخل للبيت عنوة وسرق، ما معنى عقلك؟ أي عقلك لا يفهم شيئاً بلا سبب.
شيء آخر: ولا يفهم شيئاً من دون غاية، أحياناً تجد ثقباً، لمَ هذا الثقب؟ أنت امسك جمجمة تجد بقعر المحجر ثقباً، من هذا الثقب يمر العصب البصري، لا تفهم شيئاً بلا سبب، لا تفهم شيئاً بلا غاية، أنت ليس لك علاقة بالشحن إطلاقاً، لكن تمشي في الطريق ترى شاحنة وراءها سلسلة تلامس الأرض، ليس لك علاقة بالشحن أبداً، عندك سؤال لماذا؟ لماذا هذه السلسلة التي تجرها المركبة وتلامس الأرض؟ إلى أن يأتيك إنسان خبير يقول: هناك صواعق قد تحرق المركبة لو أصابتها، فهذه السلسلة التي تلامس الأرض تفرغ هذه الصاعقة إلى الأرض.
 أنا مرة وجدت قرصاً زجاجياً وضع في قعر وعاء الحليب، الحليب لا يفور، شيء مريح، اشتريته وضعته في قعر الوعاء، والوعاء ممتلئ بالحليب، عند غلي الحليب على النار الحليب لم يرتفع إلى الأعلى و يفور، المشكلة حلت لكن كيف؟ عندك حاجة عقلية، كيف؟ ما زلت أبحث عن سر هذا القرص، وبعد البحث والدرس وجدت أن هذا القرص مثل قبة صغيرة، مفتوح فتحة، فقاعات الماء تتجمع وتخرج بقوة بالغة، فتثقب الطبقة المتماسكة التي تتكون فوق الحليب ـ القشدة ـ فإذا ثقبتها الحليب لا يفور، عقلك لا يمكن أن يفهم شيئاً بلا سبب، ولا يمكن أن يفهم شيئاً بلا غاية، هذا عقلك، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((قد أفلح من رُزِقَ لبًّاً))

[البيهقى فى شعب الإيمان عن قرة بن هبيرة]

 و:

(( رأس العقل بعد الإيمان بالله الحياء وحسن الخلق))

[ الديلمي عن أنس]

 قال له قومه: بمَ عرفت أنه رسول الله؟ فقال: ما أمر محمد بأمر فقال العقل: ليته نهى عنه، ولا نهى عنه فقال العقل: ليته أمر به.
 إذاً هناك توافق العقل مع النقل، النقل القرآن الكريم والسنة، والعقل، هذه المبادئ التي أودعها الله فيك، بقي الفطرة والواقع.

الحق ما جاء به وحي السماء وأقرّه العقل وارتاحت إليه الفطرة وأكدّه الواقع :

 أيها الأخوة الكرام، صدقوا أن الحق دائرة تتقاطع فيها أربعة خطوط، خط النقل الصحيح، وخط العقل الصريح، وخط الفطرة السليمة، وخط الواقع الموضوعي، الحق ما جاء به وحي السماء، وقبله العقل، وارتاحت له الفطرة، وأكدّه الواقع، والله هو الحق، هناك علماء كبار ألفوا كتباً كثيرة في حتمية موافقة صريح المعقول مع صحيح المنقول، ابن القيم ألّف كتاباً حول حتمية توافق صحيح المنقول مع صريح المعقول، نقل صحيح، عقل صريح، فطرة سليمة، واقع موضوعي، الفطرة مقياس نفسي أودعه الله فينا، والعقل مقياس علمي أودعه الله فينا، والواقع خلقه، والوحي كلامه، وهذه الأربعة من الله عز وجل، فلذلك اعتقد يقيناً أن الحق ما جاء به وحي السماء، وأقرّ به العقل، وارتاحت إليه الفطرة، وأكدّه الواقع الموضوعي.

الإيمان باليوم الآخر إيمان إخباري أما الإيمان بوجود الله فإيمان عقلي :

 هناك لفتة لطيفة أن كل العلماء يرون أن الإيمان باليوم الآخر إيمان إخباري، نقلي، سمعي، أسماء لمسمى واحد، كيف؟ أنت تدخل إلى بيت، في هذا البيت تجد المصباح متألقاً، لمَ المصباح متألق؟ لأنه يوجد بالأشرطة كهرباء، أنت لا ترى الكهرباء لكن ترى تألق المصباح، أنت لا ترى ذات الكهرباء لكن رأيت آثارها، أليس كذلك؟ هذا إيمان عقلي، لا بد أن يكون بالأسلاك كهرباء حتى يتألق المصباح، هذا إيمان عقلي، لكن لو أن هناك خزانة في هذا المسجد ومقفلة، أذكى أذكياء الأرض، أعقل عقلاء الأرض، لا يمكن أن يعرف ما في هذه الخزانة إلا أن يسأل فيجيبه إنسان صادق، دفاتر حسابات فرضاً، هذا اسمه إيمان نقلي، إيمان سمعي، إيمان إخباري، أنت عندك إيمان عقلي وإيمان سمعي، مثلاً اليوم الآخر لا أحد يرى اليوم الآخر، الإيمان باليوم الآخر إيمان سمعي، إخباري، أما الإيمان بوجود الله فإيمان عقلي، هذا الكون يشهد له.
 النقطة الدقيقة أنك إذا آمنت بالله إيماناً بعقلك، وآمنت بالقرآن من خلال الإعجاز إيماناً بعقلك، وآمنت بالنبي من خلال القرآن إيماناً بعقلك، الآن أخبرك القرآن أن هناك يوماً آخر، أن هناك جنة ونار، أن هناك صراطاً، الإيمان بهذه الأشياء اسمه إيمان إخباري، إيمان سمعي، فرق كبير بين الإيمان العقلي والإيمان الإخباري، كلاهما إيمان، لكن الإيمان الإخباري لا يوجد معه دليل مادي بل معه دليل نقلي، يكفي أن الله عز وجل أخبرك أن هناك يوماً آخر وانتهى.

الإيمان باليوم الآخر إيمان عقلي حسب رأي ابن القيم :

 أيها الأخوة، ابن القيم له رأي آخر، أن الإيمان باليوم الآخر إيمان عقلي، كيف؟ الإيمان العقلي تجد غنياً وفقيراً، ضعيفاً وقوياً، وسيماً ودميماً، ذكياً جداً، متألقاً ومحدوداً، هل من المعقول أن إنساناً معه ملايين مملينة، ويطغى بهذا المال، ويبغي على البشر، ويستعلي عليهم، وإنسان محروم من المال، وتنتهي الدنيا ولا شيء بعد الموت؟ ما ذنب هذا الفقير الذي جعله الله فقيراً؟ ما ذنب هذا الدميم الذي جعله الله دميماً؟ ما ذنب هذا الإنسان الذي عاش ثمان سنوات وإنسان عاش مئة وثلاثين سنة؟ كأن العقل يقول: لا بد من يوم تسوى فيه الحسابات، وجهة نظر ابن القيم أن التفاوت في الحظوظ بين الناس، هناك أقوياء و ضعفاء، مستبدون ومستبد بهم، ظالم ومظلوم، هذا التفاوت لا يعقل أن تنتهي الحياة من دون تسوية حسابات، لذلك ورد في قوله تعالى:

﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾

[ سورة مريم الآية : 71 ]

 أي النار، آية قرآنية،

﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾

 قال علماء التفسير: ورود النار غير دخولها.
 دخلنا إلى معرض للكائنات الحية، في قسم الثعابين وقفت أمام ثعبان، طوله اثنا عشر متراً تقريباً، بيني وبينه ثلاثة سنتمتر، لكن هناك بلور سماكته ستة مليمترات، قال علماء التفسير: ورود النار غير دخولها.
أحياناً ننشئ سجناً راقياً جداً، يأتي ضيف للقطر نأخذه إلى هذا السجن، يدخل معززاً مكرماً، ضيافة، عصير بوظة، هذا سجين؟ لا، هذا ضيف كبير، لذلك قال الله عز وجل:

﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾

 كل إنسان سوف يرد النار لماذا؟ ليرى عدل الله.

المؤمن يعلم علم اليقين أنه لابدّ من يوم تسوى فيه الحسابات :

 هناك طغاة، وغزاة، و سفاحون، وسفاكون للدماء، و مجرمون، يجب أن ترى بعينك عدل الله، أن ترى مصيره، ذلك أن أسماء الله الحسنى كلها محققة في الدنيا إلا اسم العدل محقق جزئياً، لذلك قال تعالى:

﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

[ سورة آل عمران الآية : 185 ]

 قد تجد إنساناً فقيراً، مستقيماً، مؤمناً، ومات فقيراً، وإنساناً غنياً، كافراً، ملحداً، لابدّ من تسوية الحسابات، فالعقل يقول: لابدّ من يوم آخر تسوى فيه الحسابات، أحد العلماء ضرب مثلاً أسوقه لكم، هناك مسرحية، فيها مشاهدون دخلوا لهذا المسرح، رفع الستار، دخل الأبطال، الأول قتل الثاني، أرخي الستار لا أحد يقوم، لأن المسرحية لم تنتهِ، هناك قاتل، الإنسان عنده بالحاسة السادسة شعور أن المسرحية لم تنتهِ، مصير القاتل، أحياناً يكون هناك بداية وعقدة ونهاية، نهاية القصة تنتهي عند حلّ العقدة، الأحداث لها بداية تتأزم تشكل عقدة ثم تحل هذه العقدة.
 فلذلك المؤمن يعلم علم اليقين أنه لا بد من يوم تسوى فيه الحسابات.

كمال الخلق يدل على كمال التصرف :

 عندنا حقيقة مهمة هي أن كمال الخلق يدل على كمال التصرف، هل من المعقول أن تشتري صفقة كومبيوترات من شركة عملاقة، وتدفع الثمن، يضع صاحب الشركة بجيبه المبلغ ويقول لك: شكراً لك، هل أنت بائع بطيخ؟ هناك طلب شراء، على أربع نسخ، و محاسب، و خازن، و دفع بشيك مثلاً، لذلك كمال الخلق يدل على كمال التصرف، كمال الخلق يدل على أن هناك إلهاً عظيماً عادلاً، لا بد من تسوية الحسابات، قال تعالى:

﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[ سورة الملك الآية : 10 ]

 كلمة نسمع أو نعقل لطيفة، أحياناً الإنسان يأكل طبخة جاهزة، نسمع، أو يطبخها هو أو نعقل، إما أن تأخذ ما في القرآن الكريم وما في السنة جاهزاً، أفكار دقيقة، عقيدة صحيحة، الله موجود، واحد، كامل، نبيه معصوم، السنة شرح القرآن، نحن في الحياة الدنيا، الحياة دنيا وليست عليا، إعداد للآخرة، هذه كلها معلومات دقيقة أخذتها، لكن أنت حينما تتفاعل معها تكون هذه المعلومات قدمت لك إنارة لواقع الحياة.
 ورد في بعض الآثار: أول ما خلق الله العقل قال له : أقبل فأقبل، ثم قال له : أدبر فأدبر، ثم قال الله عز وجل: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أكرم عليّ منك، بك آخذ، وبك أعطي، هذا الحديث ورد في إحياء علوم الدين عن أبي أمامة.

علامة رجاحة عقل الإنسان حسن اختياره :

 أيها الأخوة، معنى ذلك بموضوع العقل أو موضوع رجاحة عقل النبي عليه الصلاة والسلام، هناك نقطة مهمة جداً أن النبي عليه الصلاة والسلام فيما روي عنه:

(( أرجحكم عقلاً أشدُّكم لله حبَّاً ))

[ورد في الأثر]

 علامة رجاحة عقلك حسن اختيارك، أنت اخترت أن تعرف الله، يمكن بدرس سابق قلت: وعاء بلور كبير، بلور أزرق رخيص جداً، وكأس كريستال، وهناك ألماسة في اسطنبول، ثمنها مئة وخمسون مليون دولار، لو أعطيناك الألماسة والكأس والوعاء الكبير، الوعاء الكبير ثمنه يقدر بعشرين ليرة، والكأس ألف ليرة، و الألماسة تقدر بمئة وخمسين مليون دولار، قلنا لك: اختر، فأنت اخترت أكبر قطعة بعشرين ليرة، لو اخترت ألماسة، ثمنها مئة وخمسون مليون دولار، أقسم لكم بالله الذي اختار الدنيا ورضي بها وآثارها كأنه اختار الوعاء، والذي اختار الألماسة فكر بالكون، اتصل بالله، استقام على أمره، خدم عباده، تواضع، طلب العلم، تزوج زوجة صالحة أكرمها، ربى أولاده، أتقن عمله، أحبه الناس، أحب الناس، هذا اختار الألماسة، لذلك مرة ثانية:

(( أرجحكم عقلاً أشدُّكم لله حبَّاً ))

النبي عليه الصلاة والسلام على خلق عظيم هداه عقله إلى الله عز وجل :

 شيء آخر: النبي عليه الصلاة والسلام على خلق عظيم، أي عقله هداه إلى الله، والله ألقى في قلبه الكمال، قال أعرابي أمسك النبي عليه الصلاة والسلام من ثوبه وشده حتى أثّر الثوب على صفحة عنق النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: يا محمد أعطني من مال الله، فهذا ليس مالك ولا مال أبيك، والنبي قمة المجتمع، كيف تحمّل النبي هؤلاء الأعراب القساة الغلاظ، إنسان آخر بال في المسجد، إنسان يصلي مع النبي عليه الصلاة والسلام عطس فقال له الآخر: يرحمك الله، الأمور الآن واضحة تماماً، كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام عاش مع هؤلاء؟ كيف عاش مع هؤلاء الأعراب، غلاظ وأحياناً جفاة.

بطولة الإنسان أن يُفجر الطاقات الكامنة الموجودة لديه :

 لذلك :

(( أرجحكم عقلاً أشدُّكم لله حبَّاً ))

 إن شاء الله في درس قادم نتابع موضوع عقل النبي عليه الصلاة والسلام، أريد أن أقول كلمة: لا تقل لي أنا لا يوجد عندي ذكاء، هذا كلام مرفوض، نحن بالخمسينات تعلمنا بالجامعة أن الذكاء محدود، لكن الآن الدراسة الحديثة تثبت أن كل إنسان عنده قدرات كامنة، إما أنها فجرت أو لم تفجر، فالبطولة أن تفجر هذه القدرات، مثلاً هذا الذي جاء بأعظم نظرية في الفيزياء " أينشتاين "، التي قلبت مفاهيم الفيزياء، كان يرسب بالفيزياء والكيمياء بالحادي عشر والعاشر، عنده طاقات لم تتفجر، فلما أتيح لها أن تتفجر صار أينشتاين، أريد أن أقول لكل واحد منكم: إياك ثم إياك أن تقول: ليس عندي إمكانيات، هذه نظرية باطلة، هناك طاقات كامنة، إما أن تفجر وإما ألا تفجر، فأنت بطولتك أن تفجر هذه الطاقات، بطولتك أن تسعى لتفجير طاقات أولادك، أما بيت كله مشكلات، كله خصومات، ضرب بقسوة، هذا البيت لا يفجر طاقات الأبناء إطلاقاً صار هناك قمع، أما لو أنت في البيت إنسان حليم، قائد، قيادتك ناجحة، تفجر طاقات أولادك، أنا لا أسمح لإنسان أن يقول لي: أنا لا أملك أية إمكانات، لا يوجد عندي إمكانات عقلية، لا، يوجد عندك، لكن هذه الإمكانات لم تفجر.

الموضوع العلمي :

التفكر أفضل طريق لمعرفة الله :

 ننتقل أيها الأخوة إلى موضوع متعلق بخلق الإنسان، لما الله عز وجل قال:

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾

[سورة العلق الآيات : 1-2]

 الذي خلق الكون، خلق المجرات، خلق المذنبات، خلق الشمس والقمر، خلق الليل والنهار، خلق الصحارى، خلق الجبال، خلق البحار، خلق البحيرات، الأنهار، الفواكه، الثمار، النباتات، الحيوانات، الطيور، الأسماك، كله خلقه الله عز وجل، السؤال هذا الخلق الذي أمامك ألا يقتضي أن تفكر فيمن خلقهم؟ أقول لكم بشكل دقيق: ما في طريق لمعرفة الله عز وجل إلا أن تتفكر في خلقه، والدليل:

﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة الجاثية الآية :6 ]

 إذاً عود نفسك قبل أن تشرب الماء، هذا الماء من النبع، النبع من الأمطار، الأمطار مياه عذبة، الأمطار جاءت من غيوم، الغيوم من بخار الماء الذي جاءت الشمس فبخرته، أنت حينما تؤمن أن هذا الكون له مكون، أن هذا التسيير له مسير، أن هذه الحكمة وراءها حكيم، أي كأن الكون معرض لأسماء الله الحسنى، كأن الكون مظهر لأسماء الله الحسنى، أنا أقول لكم قوله تعالى:

﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة الجاثية الآية :6 ]

 فلذلك أتمنى أن يكون التفكر جزءاً من حياتنا، أمسك رغيف خبز، هذا مخبوز وقبل الخبز كان معجوناً، ومع العجين هناك خميرة، قبل العجن كان مطحوناً، وقبل الطحن كان حبوباً، وقبل الحبوب كان سنابل، القمح خمسة وأربعون ألف نوع، هناك قمح للجبال، للسهول، للصحارى، للوهاد، منطقة باردة، منطقة حارة، فلذلك القمح غذاء أساسي، هذه السنبلة غذاء أساسي لنا، الآن سوق هذه السنبلة أي التبن غذاء كامل أساسي للحيوان، فسوق السنبلة طعام لكم ولأنعامكم.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS