16170
شرح الحديث الشريف - رياض الصالحين - الدرس (001-101) : حديث احفظ الله يحفظك -1- الحفاظ على أوامر الله ونواهيه وحدوه
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1985-05-05
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

الدرجة التي احتلها الحديث الشريف في الإسلام :

 أيها الأخوة الأكارم, النص الذي يلي نص القرآن الكريم من حيث: القوة في النَظْم، والقوة في التعبير، ومن حيث المضمون المطلق في صحته، هو نص النبي عليه الصلاة والسلام، ومهما وجدنا متسعاً لفهم كلام النبي عليه الصلاة والسلام, فهماً دقيقاً، واسعاً، شاملاً ، عميقاً، فنحن في أعلى درجات الفوز .

ما يطويه هذان الحديثان من معاني التوحيد :

 من أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام الجامعة المانعة: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ:

((يَا غُلَامُ, إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ, احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ, إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ, وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ, وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ, وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ, رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ))

[أخرجه الترمذي في سننه]

 وفي روايةٍ غير الترمذي, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:

((يَا غُلَامُ أَوْ يَا غُلَيِّمُ, أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِنَّ؟ فَقُلْتُ: بَلَى, فَقَالَ: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ, احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ, تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ, يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ, وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ, وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ, قَدْ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ, فَلَوْ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ جَمِيعًا, أَرَادُوا أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ, لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ, لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ, وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ, لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ, لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ, وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا, وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ, وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ, وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا))

[أخرجه أحمد في سننه]

 الذي أراه أن هذا الحديث فيه؛ عددٌ من أصول الدين، والأحاديث التي تنطوي على أصول الدين تعد من أركان الأحاديث .

إليكم كيفية استنباط القانون من خلال هذا الحديث :

 فكلمة:

((احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ))

 مثلاً:

﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾

[سورة الصف الآية: 5]

((احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ))

 قال تعالى:

﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾

[سورة البقرة الآية: 152]

﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾

[سورة محمد الآية: 7]

 هذه العلاقة والمشاكلة بين فعل الطلب وجواب الطلب، هذه المشاكلة والعلاقة الحتمية, يمكن أن يعبَّر عنها بقانون، فأحياناً بين هذا الشيء وهذا الشيء علاقةٌ ضرورية، فالمعادن تتمدد بالحرارة، هذا قانون، العلاقة بين الحرارة وبين التمدد, علاقة حتمية ضروريةٌ شاملة، التركيب الشَّرطي كقول الشاعر:
 مَن يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس
 هذا تركيب شَرطي، أو اجتهد تنجح، هذا تركيب طلبي جزائي، فإذا ورد في اللغة تركيبٌ كهذا التركيب, فاعلم أن العلاقة حتميةٌ بين المقدمة والنتيجة .

((احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ))

 الفعل والجواب من صيغةٍ واحدة، احفظ يحفظ، اذكر يذكر, قال تعالى:

﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾

[سورة البقرة الآية: 152]

﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾

[سورة محمد الآية: 7]

((احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ))

 الجواب حتمي، العلاقة بين الطلب والجواب علاقةٌ حتمية، أي علاقة سببٍ بنتيجة، ومَن منا لا يتمنى أن يحفظه الله تعالى؟ من منا لا يتمنى من كل أعماقه أن يكون في حفظ الله؟ أن يكون في رعايته؟ لأن الله هو القوي، أنت كلما التجأت إلى قوي, تشعر بالطمأنينة أكثر، لو اعتمدت على إنسان عنده بعض القوة، وجاء مَن هو أقوى منه، انهار ظهرك، فكيف إذا التجأت إلى أقوى الأقوياء؟ إذا التجأت إلى خالق الأرض والسموات؟

((احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ))

إليكم شرح الجزء الأول من حديث النبي (احفظ الله) :

 الآن نريد أن نفهم, ماذا يعني النبي عليه الصلاة والسلام من قوله:

((احْفَظْ اللَّهَ))

 أولاً: احفظ حدوده، وحقوقه، وأوامره، ونواهيه،

((مَن هو ولي الله يا جنيد: أهو الذي يطير في السماء؟ قال: لا, أهو الذي يمشي على وجه الماء؟ قال: لا, أهو الذي يبكي في الصلاة؟ قال: لا, من هو الولي؟ قال: الذي تجده عند الأمر والنهي))

 مقياس واحد يرفعك عند الله، هو أن تكون مطبقاً لأمره ونهيه، احفظ حدوده, قال تعالى:

﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾

[سورة البقرة الآية: 229]

﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾

[سورة البقرة الآية: 187]

 هذا لا يجوز، لا أفعله ورب الكعبة، هذا لا أوافق عليه، هذا العقد لا أوقعه، لأن البضاعة محرمة، هذا اللقاء لا أحضره, فهو مختلط، هذه الطريقة في البيع لا أوافق عليها, فيها شبهة، هذا العمل لن أفعله, فيه إيقاع أذى بمؤمن أو بإنسان، معنى

((احْفَظْ اللَّهَ))

 أي احفظ حدوده، اجتنب نهيه، لذلك المؤمن:

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِم﴾

[سورة الأحزاب الآية: 36]

 هذا التردد: والله معقول أفعل هذا أم غير معقول؟ مَن أنت حتى تقول: معقول أو غير معقول؟ أنت أمام أمر، أمام أمر إلهي، فإذا فكرت في أن تفعله أو ألا تفعله, فلست مؤمناً:

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

[سورة الأحزاب الآية: 36]

 وحفظ ذلك: هو الوقوف عند أوامره بالامتثال؛ أمرك أن تصلي، أمرك أن تغض البصر، أمرك أن تقول للناس حسناً، أمرك أن تصل رحمك، أمرك أن تنصف الناس من نفسك، أمرك أن تقرأ القرآن، أمرك أن تحسن إلى كل الأنام، هذه أوامر، وعند نواهيه بالاجتناب، هذا هو الحفظ، تطبيق الأمر واجتناب النهي، وعند حدوده بعدم التجاوز، فمن فعل هذا, كان من الحافظين، احفظ أوامر الله بالتطبيق، احفظ نواهيه بالاجتناب، احفظ حدوده بعدم التجاوز .
 نشب خلاف بينك وبين زوجتك، هذا الخلاف يستأهل أن تعاتبها، أن تعرض عنها، لكن لا يستحق أن تطلِّقها، تجاوزت الحدود، لا تطلق المرأة إلا من ريبة، إذا شككت في أخلاقها، إذا خانتك، هذا العمل يقتضي الطلاق، أما إذا غاضبتك، أو غاضبتها، أو قصرت في حقك، عاتبها، اهجرها، أعرض عنها، أما أن توقع الطلاق لسببٍ لا يوجبه الطلاق, فقد تجاوزت الحدود .
 حينما قال الله عزَّ وجل:

﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾

[سورة ق الآية: 32]

 مَن هو الحفيظ؟ هو الذي يحفظ حدود الله، يحفظ الأوامر فيطبقها، يحفظ النواهي فيجتنبها، يحفظ الحدود فلا يتجاوزها, قال تعالى:

﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾

[سورة ق الآية: 32-33]

ما هي معاني الحفظ التي تندرج في حديث النبي (احفظ الله يحفظك) ؟

1- الحفاظ على الصلاة :

 أيها الأخوة, ما أبرز أوامر الله عزَّ وجل؟ أجمع العلماء على أنها الصلاة، من أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين, لا خير في دينٍ لا صلاة فيه, يقول ربنا عزَّ وجل:

﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾

[سورة البقرة الآية: 238]

 وقال:

﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾

[سورة المعارج الآية: 23]

 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, أَنَّهُ ذَكَرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا, فَقَالَ:

((مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا, كَانَتْ لَهُ نُورًا, وَبُرْهَانًا, وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ, وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا– الصلوات الخمس- لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ, وَلَا بُرْهَانٌ, وَلَا نَجَاةٌ, وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ, وَفِرْعَوْنَ, وَهَامَانَ, وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ))

[أخرجه أحمد في مسنده، والدارمي في سننه]

2- الحفاظ على الوضوء :

 عندنا أمر آخر: الطهور، لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن، المؤمن دائماً متوضئ، خرج من بيته متوضئًا، أَذَّن المغرب دخل وصلى، كان في مجلس الوضوء فيه صعب، فلو قيل: نصلي، فهو متوضئ، فالمحافظة على الوضوء من فروع المحافظة على الصلاة، ما دام يهمك أن تصلي في الوقت المناسب، في الوقت المستحب، وأن تؤدي الصلاة على وجهها، إذاً يجب أن تستعد لها بالوضوء الدائم، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

((وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ))

[أخرجه ابن ماجه في سننه وأحمد في مسنده]

 وفي قول يرويه أكثر العلماء, وإن كان هناك تحفظ في بعض فقراته:

((من أحدث ولم يتوضأ فقد جفاني، ومن توضأ ولم يصل فقد جفاني، ومن صلى ولم يدعني فقد جفاني، ومن دعاني ولم أجبه فقد جفوته، ولست بربٍ جافٍ، ولست بربٍ جافٍ، ولست بربٍ جاف))

 إذاً: المحافظة على الصلوات، والمحافظة على الوضوء، هذا معنى احفظ الله يحفظك.

3- الحفاظ على الأيمان :

 هناك حفظ ثالث, قال تعالى :

﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾

[سورة المائدة الآية: 89]

 لأتفه سبب تحلف، تقسم أربعة أيمان، الله قال:

﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾

[سورة المائدة الآية: 89]

 لا تحلف إلا لأمرٍ ذي بال .
 وقد استُحلفت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((الْحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ))

[أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما]

 قال تعالى:

﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾

[سورة المائدة الآية: 89]

4- حفظ الجوارح من أن ترتكب الأوزار :

((احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ))

 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((اسْتَحْيُوا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ, قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ, قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ, وَلَكِنَّ الِاسْتِحْيَاءَ مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ: أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى, وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى, وَلْتَذْكُرْ الْمَوْتَ وَالْبِلَى, وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا, فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ, فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ))

[أخرجه الترمذي في سننه]

 (الرأس وما وعى): ما في الرأس؛ في لسان، وفي عين، وفي أذن، يبدو اللسان لخروج المعاني، والعين والأذن لتلقُّف الصور الصوتية والبصرية، فإذا غضضت بصرك عن محارم الله, فقد حفظت عينك، وإذا كففت عن سماع الغيبة، والنميمة، والمنكر، والفحش، وقول الزور ، وشهادة الزور، والغناء، فقد حفظت أذنك، وإذا لم تنهش أعراض المؤمنين، ولم تتكلم بما لا يرضي رب العالمين, فقد حفظت لسانك، فالرأس فيه العين، والأذن، واللسان، حفظ اللسان بقول الحق، واجتناب ما نهى الله عنه، وحفظ العين بغض البصر عن عورات المسلمين، وحفظ الأذن بكفها عن سماع ما لا يرضي الله عزَّ وجل .
 قال: (أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى, وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى): ماذا في البطن؟ ماذا في أعلى البطن؟ القلب، ما المعصية التي يمكن أن يرتكبها القلب؟ أن يصر على جهلٍ، أو استكبارٍ، أو أن يسيء الظن بالله عزَّ وجل، إذاً: أن يحفظ قلبه من سوء الظن بالله، أن يحفظ قلبه من أمراض النفس؛ من العجب، الكبر، الاستعلاء، الحقد، الأنانية .
 في البطن معدة, وهي أن يحفظ هذا البطن من أكل مالٍ حرام,

((يا سعد, أطب مطعمك, تكن مستجاب الدعوة))

 الحفاظ على الصلاة، والحفاظ على الوضوء، والحفاظ على الطهارة، والحفاظ على الأَيْمان، والحفاظ على الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، هذا كله تحت قول النبي الكريم:

((احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ))

 القلب، قال تعالى:

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾

[سورة البقرة الآية: 235]

 وورد في الأثر:

((عبدي؛ طهرت منظر الخلق سنين, أفلا طهرت منظري ساعة؟))

 الله عزَّ وجل دائماً وأبداً ناظرٌ إلى قلبك، ماذا في هذا القلب؟ فيه حقد، فيه ضغينة، فيه شحناء، فيه بغض لمسلم، فيه قطيعة رحم، فيه استعلاء على خلق الله, قال تعالى:

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾

[سورة البقرة الآية: 235]

 الله عزَّ وجل جمع هذا كله, فقال:

﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مسؤولاً﴾

[سورة الإسراء الآية: 36]

 من أغرب ما ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ, وَشَرَّ مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ, دَخَلَ الْجَنَّةَ))

[أخرجه الترمذي في سننه]

 شيئان كافيان لإدخال الإنسان جهنم؛ هما لسانه وفرجه، قال عليه الصلاة والسلام:

((مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ – اللسان- وَشَرَّ مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ, دَخَلَ الْجَنَّةَ))

 في اللسان غيبة ونميمة، في اللسان قول زور وكذب، في اللسان تدليس وبذاءة، في اللسان استعلاء واحتقار، آلاف المعاصي، قَالَ عليه الصلاة والسلام لمعاذ:

((أَلَا أُخْبِرُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ, فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ, قَالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا, فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ, وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ, وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ, أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ, إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟))

[ورد في الأثر]

 يدخل إنسان النار من اللسان فقط، إذا قال أحدهم لزوج مازحاً: انتبه لبيتك، فظن الزوج أن في أخلاق زوجته خللاً، فطلقها تعسفاً، وشردها، وشرد أولادها، أسرة تدمرت لأن إنساناً تكلم بكلمة ليس متيقناً منها، لهذا ورد في الأثر عن النبي عليه الصلاة والسلام:

((قذف محصنة يهدم عمل مائة سنة))

 أن تخوض في أعراض المسلمين، أن تفرِّق بين شريكين، بين زوجين، بين أخوين، بين جارين، بين مؤمنين، هل هذا من أخلاق المؤمنين؟ فلذلك:

((مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ, وَشَرَّ مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ, دَخَلَ الْجَنَّةَ))

 معنى ذلك: أن إرادته قوية جداً، استطاع أن يضبط لسانه وفرجه:

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾

[سورة المؤمنون الآية: 1-7]

 والحقيقة: أن طريق حفظ الفرج هو غض البصر، لأن الله عزَّ وجل قدَّم غض البصر على حفظ الفرج, فقال:

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾

[سورة النور الآية: 30]

 فتقديم غض البصر على حفظ الفرج, دليل أن طريق حفظ الفرج هو غض البصر, والله سبحانه وتعالى, أثنى على المؤمنين بصفةٍ واحدة، أو بصفاتٍ عدة:

﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾

[سورة الأحزاب الآية: 35]

 شهوة أودعها الله في كل إنسان، وفي الأنبياء، وسمح لك بقناةٍ نظيفةٍ هي الزواج، فضمن المسموح أهلاً وسهلاً، والمحرم ممنوع,

((إن إبليس طلاعٌ رصاد, وما هو من فخوخه, بأوثق لصيده للأتقياء من النساء))

 فالمرأة في يد إبليس أكبر فخ .
 عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((اتَّقُوا الدُّنْيَا, وَاتَّقُوا النِّسَاءَ, فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ, كَانَتْ فِي النِّسَاءِ))

[أخرجه مسلم في الصحيح]

 وأنا أعتقد على مستوى الشباب؛ أن يؤتى من أكل المال الحرام أبعد من أن يؤتى من النساء، فهناك شيئان نقطتا ضعفٍ في حياة الإنسان؛ هما المال والمرأة، فإذا كنت محصناً من أن تأكل مالاً حراماً، وإن كنت محصناً من أن تفعل ما لا يرضي الله مع امرأة، فقد حفظت دينك، فتسعة أعشار المعاصي من المال والنساء، لذلك: إن الله يباهي الملائكة بالشاب التائب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((قَالَ رَبُّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ: عَبْدِي تَرَكَ شَهْوَتَهُ, وَطَعَامَهُ, وَشَرَابَهُ, ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي))

[أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما]

 عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَعْجَبُ مِنَ الشَّابِّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَة ))

[أخرجه أحمد في مسنده]

 وكل شيء بحسابه، الذي يعف عن النساء قبل الزواج، أول مكافأةٍ له؛ زواج ميمون، زواج موفق، زواج يسعده طوال حياته، ومن شذَّ قبل الزواج, عاقبه الله بزواجٍ شقي, كل شيء في حسابه الدقيق .
 ورد في الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم, أن أحد أصحابه سأله: يا رسول الله, كيف أحفظ فرجي؟ فقال عليه الصلاة والسلام:

((لا تضعه إلا في حلال))

 في كتاب الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير، وهو كتاب من أشهر كتب الحديث، هذا الكتاب ألطف ما فيه: أن الأحاديث مبوبة وفق أوائل حروفها، فمثلاً: كلمة (حق), هناك أكثر من خمسة عشر حديثاً تبدأ بكلمة حق .

((حق المسلم على المسلم))

 الحديث معروف، حق الأب على ابنه، حق الابن على أبيه ، حق الزوج على زوجته، حق الزوجة على زوجها, إلا في حديث واحد حينما أقرؤه, يقشعر جلدي, فقد ورد في الأثر عن النبي الكريم:

((حق المسلم على الله؛ أن يعينه إذا أراد العفاف))

 أراد مسلم أن يعف عن الحرام، حقٌ على الله أن يعينه، الله عزَّ وجل ييسر الأمور تيسيراً عجيباً؛ في البيت، والأثاث، والزوجة الصالحة .
 شاب له محل صغير في أحد أحياء دمشق، وفي هذا الحي أبنية شاهقة، وأبنية فخمة، وهذه الأبنية فيها أسر غنية، والفتيات داخلات وخارجات من هذه البيوت، هذا الشاب تاقت نفسه للزواج, ولا يجد ما يملك، طلب من أمه أن تخطب له من هذه البيوتات، سخرت أمه منه ، قال لها: ولكني مستقيم، لا أعرف الحرام في حياتي، هو معتز باستقامته، لكنه لا يملك شيئاً ، فلما ألح عليها, ذهبت إلى بعض هذه البيوت, ولم تطلب شيئاً، لكنها ذهبت مداراةً لابنها, كانت تكذب وهو يصدقها، الأم واقعية, مستحيل أن يزوجوا شاباً لا يملك شيئاً، لكن ثقته بالله عزَّ وجل كانت كبيرة .
 جاءه رجل من سكَّان هذا الحي, قال له: يا بني أمتزوج أنت؟ قال له: لا والله يا سيدي، قال له: عندي فتاةٌ عمرها أربعة عشر عاماً تناسبك، أرسل أمك إلينا نحن البيت الفلاني، فأرسل أمه, فوجدتها مناسبة جداً، ولكن ليس معه شي .
 فلما جاءه مرة ثانية, قال له: والله يا سيدي البنت مناسبة، أما أنا فلا أملك شيئاً، فقال له: هي والبيت لك، أبت نفسه أن يعصي الله، فأكرمه الله عزَّ وجل، فإذا صدقت في طلب الحلال، وعففت عن الحرام، فالله سبحانه وتعالى لا يمكن إلا أن يكرمك، إذا أردت العفاف فحقٌ على الله أن يعينك، من هنا ورد في الأثر قول عليه الصلاة والسلام:

((ما شكا إليه أحدٌ ضيق ذات يده, إلا قال له: اذهب فتزوج))

 أولاً: طاعة الله رأس مالك، فإذا كنت مطيعاً لله عزَّ وجل تولى الله عنك، اسع قليلاً والله يعينك كثيراً، تحرك والله يوفقك، ابحث والله يهديك، اعمل والله يرزقك، الناس يفهمون التوكل أن يقعد في البيت، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ, لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ, تَغْدُو خِمَاصًا, وَتَرُوحُ بِطَانًا))

[أخرجه الترمذي في سننه]

 في حركة، الحركة فيها بركة، اسع واسأل، أجمل حديث: عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ, أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ, أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ, فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ:

((حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ, فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ, وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ, فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ, فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ))

[أخرجه أبو داود في سننه]

 الحديث دقيق جداً، أن تقعد بلا سعي لست مؤمناً، تحرك، اسأل، ابحث عن وظيفة، ابحث عن عمل، ابحث عن بيت، ابحث أنت، دبِّر أمرك، والله المدبِّر، وعلى الله الباقي .

((إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ, وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ -بالتدبير، بالسعي، والبحث، خذ بالأسباب, وعلى الله الباقي- فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ-عندها- فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ))

 عود على بدء؛ المحافظة على الصلاة، المحافظة على الوضوء، المحافظة على الأيْمان، المحافظة على الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، هذه بعض الآيات والأحاديث التي وردت في المحافظة، لذلك:

((احفظ الله - الآن الجواب - يحفظك))

ما معنى كلمة (يحفظك) كما وردت في نص الحديث ؟

 ما معنى يحفظك؟ حفظ الله لعبده نوعان:
 النوع الأول: حفظه له في مصالح دنياه؛ كحفظه في بدنه، وحفظه في ولده، أخطار كثيرة في البيت، ماء يغلي يصيب وجه طفل صغير أو فتاة، يسبب شقاء للأسرة .
 إذا حفظ لك الله عز وجل أولادك، الطفل سليم معافى، ثقب بوتان، لو كان مفتوحاً, لسبّب ألماً كبيراً للأسرة، عملية قلب مفتوح, تحتاج إلى ثمانمئة ألف، ونجاحها بالمئة ثلاثون، تجعل الأسرة كلها في حنين وحرج، فإذا حفظ لك الله عزَّ وجل صحتك، وصحة زوجتك, وأولادك، هذا شيء عظيم جداً، كحفظه في بدنك، وولدك، وأهلك, ومالك، احفظ الله يحفظك، يحفظ لك بدنك من الأسقام، والأمراض، والأدواء، ويحفظ لك أولادك، ويحفظ لك زوجتك .
 فإذا حفظ الإنسان الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وحفظ أمر الله فلم يعصه، وحفظ نهيه فلم يقترفه، وحفظ حدوده فلم يتجاوزها, ألا تحب أن يحفظك الله عزَّ وجل؟ الحفظ في بدنك، وفي أولادك، وفي زوجتك, وفي أهلك، والمال شقيق الروح .
 أحياناً مال يصادر، وبيت تدفع ثمنه مالاً كثيراً، ويظهر أنه مضعضع، يصدر أمر بإخلاء البناء، وأنت لا تملك غيره، وبيت يذهب بأبخس الأثمان، لأنه خاضع للتنظيم، تعطى عشرة آلاف ليرة، وثمنه ثمانمئة ألف مثلاً، أحياناً بضاعة تفسد، تلفت في الطريق، البراد تعطل فيه فواكه، وثمنها ملايين، فألقوها في الصحراء، وذهب المال كله، قصص الإفلاسات كبيرة جداً، لأتفه الأسباب .
 أحدهم معه بضاعة بسيارة براد، السائق لجهله, دخل قريته، ونام ثلاثة أيام, فأغلق البراد، تلفت كلها على حساب صاحبها، فاحفظ الله يحفظك .
 حديث من أروع الأحاديث:

((احفظ الله يحفظك))

 احفظه يحفظك، لا أعتقد أن أحداً لا يتمنى من أعماقه, أن يكون في صحةٍ جيدة, هو وزوجته، وأولاده، وأن يحفظ الله له ماله، كل هذا يكون, إذا حفظ حدود الله، حفظ أوامر الله فطبقها، حفظ نواهيه فلم يقترفها، حفظ حدوده فلم يتجاوزها، حافظ على الصلاة، على الطهارة، حافظ على أيمانه، حافظ على رأسه وما وعى، وبطنه وما حوى، هذا من جوامع الأحاديث .
 اسمعوا قوله تعالى:

﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾

[سورة الرعد الآية: 11]

 المؤمن له مكانة رفيعة عند ربه، لذلك يحفظه من بين يديه ومن خلفه, قال تعالى:

﴿له مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ﴾

[سورة الرعد الآية: 11]

 قال تعالى:

﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾

[سورة الرعد الآية: 11]

 يعطي ربنا توجيهاً للملائكة: احفظوا فلانًا، فتراه لا يذهب من هذا الطريق، لأن حادثة ستقع، هذه الصفقة لا يشتريها، لأنه شعر بضيق في صدره، وربما كانت ستحمله ما لا طاقة له:

﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾

[سورة الرعد الآية: 11]

 ربنا يوجهك، إذا أنت معه يوجهك، يوجهك بأمر حياتك، بعلاقاتك، بتجارتك، بصناعتك، بزراعتك، هذه آية رائعة جداً:

﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾

[سورة الرعد الآية: 11]

 قال ابن عباس:

((هم الملائكة يحفظونه بأمر الله))

 فأنت كذلك معك مرافقة كبيرة، ملائكة معك، أنت كمؤمن معك ملائكة، ملائكة من أمر الله تحفظك يا عبد الله، حياتك غالية على الله، وسلامتك غالية على الله عزَّ وجل .
 وقال عليٌ رضي الله عنه:

((إن مع كل رجلٍ ملكين, يحفظانه مما لم يقدر الله عليه، وإن الأجل جنةٌ حصينة))

 ما دام الأجل فيه فسحة, فهو في حفظ الله .
 ثمة مريضة جاءها طبيب, فقال لها: معك مرض خبيث، بعد أيام تموتين، قالها بكل صراحة, انهارت نهائياً، فطلبوا طبيباً مؤمناً، أول ما جاء, قالت له: أنا سأموت, فقال لها: نعم تموتين، وأنا سأموت، ويمكن أن أموت قبلك، ولحكمةٍ أرادها الله عزَّ وجل, جعل شفاءها على يد هذا الطبيب، وعاشت .
 قال مجاهد:

((ما من عبدٍ إلا له ملكٌ, يحفظه في نومه, ويقظته من الإنس, والجن, والهوام))

 ينام الإنسان في خيمة، والمنطقة كلها أفاعٍ وعقارب، أنت مؤمن نم، وعليك بالحذر والاحتياط، يحفظونه من أمر الله .
 عِنِ ابْنِ عُمَرَ يَقُولُ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَعُ هَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ:

((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ, اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي, وَدُنْيَايَ, وَأَهْلِي, وَمَالِي, اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي, وَآمِنْ رَوْعَاتِي, وَاحْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ, وَمِنْ خَلْفِي, وَعَنْ يَمِينِي, وَعَنْ شِمَالِي, وَمِنْ فَوْقِي, وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي))

 قَالَ وَكِيعٌ: يَعْنِي الْخَسْفَ .

[أخرجه ابن ماجه، النسائي، أبو داود, في سننهم]

 أرأيتم التأكيد؟

((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي, وَدُنْيَايَ, وَأَهْلِي, وَمَالِي, اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي, وَآمِنْ رَوْعَاتِي, وَاحْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ, وَمِنْ خَلْفِي, وَعَنْ يَمِينِي, وَعَنْ شِمَالِي, وَمِنْ فَوْقِي, وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي))

 من القوانين الثابتة: أنه من حفظ الله في صباه, وقوته, حفظه الله في حال كبره, وضعف قوته، ومتعه بسمعه, وبصره، وحوله, وقوته، وعقله .
 كان بعض العلماء قد تجاوز المئة، وهو ممتع بقوته وعقله، فوثب يوماً وثبةً شديدة، فتعجب الحاضرون من قوته! فقال هذا العالم: هذه جوارح, حفظناها عن المعاصي في الصغر، فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً, عاش قوياً .
 رأى بعض السلف شيخاً, يسأل الناس, قال: إن هذا ضعيفٌ, ضيع الله في صغره, فضيعه في كبره .
 يعني أروع شيء بالحياة شيخوخة مؤمن، تجده متمتعاً بكرامة، بعزة، بمحاكمة جيدة، بعقل كبير، بمكانة اجتماعية، وهو في الثمانين .
 التقيت مع أحد العلماء, قال لي: عمري خمسة وثمانون عاما، فقلت له: كيف صحتك؟ فقال لي: والله ممتازة، عندي متاعب، ولكن بهذا السن ممتازة، يأتي من آخر المدينة إلى مركز عمله، يأتي أحياناً ماشياً، وأحياناً راكباً، وهو في الخامسة والثمانين، تنطبق عليه مقولة: حفظناها في الصغر, فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً, عاش قوياً .
 عندنا بشارة أبعد من ذلك، عندما قال ربنا:

﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً﴾

[سورة الكهف الآية: 82]

 معنى ذلك: أن المؤمن يحفظ الله له أولاده، قال سعيد بن المسيب لابنه:

((إني لأزيد في صلاتي من أجلك، رجاء أن أحفظ فيك، -يعني أنا أزيد من صلاتي من أجلك، لعل الله يحفظك بعد مماتي- ثم تلا هذه الآية:

﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً﴾

[سورة الكهف الآية: 82]

 سيدنا عمر بن عبد العزيز يقول:

((ما من مؤمنٍ يموت, إلا حفظه الله في عقبه, وعقب عقبه))

 بل إن أحد العلماء يقول:

((إن الله ليحفظ بالرجل الصالح ولده، وولد ولده، والدويرات التي حوله، فما يزالون في حفظ الله, وفي ستره))

 حتى إن بعض الحيوانات المؤذية قد يسخرها الله لحفظ الإنسان، وهناك قصص كثيرة جداً، بعضهم قال:

((إني لأعصي الله, فأعرف ذلك, في خُلُق خادمي ودابتي))

ملخص القول :

 إن شاء الله في الدرس القادم, نتابع هذا الموضوع، ولكن أبرز ما في هذا الحديث أوله ، اجعل هذا الحديث، أو هذه الفقرة من الحديث شعاراً:

((اِحْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ))

 ملخص الدرس: حفظ أمر الله بتطبيقه، حفظ نهيه باجتنابه، حفظ حدوده بعدم تجاوزها, هذا الحفظ، الآن يحفظ الله لك صحتك، وأولادك، وزوجتك، ومالك .
 بقي في الدرس القادم الحفظ الأرقى, وهو أن يحفظ لك دينك، واستقامتك، أي يحفظك من الشهوات المردية، من الشبهات المضلة، في حفظ أرقى، فهذا الحديث من جوامع الكلم، ومن أصول الدين .
 أرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقني في درسٍ قادم إلى متابعة شرحه .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS