67750
خطبه الجمعة - الخطبة 0206 : خ1 - أحاديث عن كسب الرزق ، خ2 - الماء.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1988-03-11
بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى :

 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ، ولا اعتصامي ، ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا برُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، وما سمعت أذنٌ بِخَبر
 اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

كسب الرزق الحلال فريضة

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ هناك طائفة من الأحاديث الشريفة تتعلّق بموضوع واحد ، ألا وهو الكسْب ، والإسلام أيّها الإخوة دينٌ متوازن ، لا يقيمُ شيئًا على حساب شيء ، لا يُقيم الروح على حساب المادّة ، ولا المادّة على حساب الروح ، متوازن بين الدنيا والآخرة ، بين المُثُل والحاجات ، بين القيَم والضرورات ، فلهذا وضّح النبي عليه الصلاة والسلام في بعض الأحاديث الشريفة حقائق دقيقة وعميقة عن كسب الرّزق .
 فقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الطبراني :

((طلبُ الحلال فريضةٌ بعد الفريضة ))

 كيف أنّ الصّلاة ، والصّيام ، والحجّ ، والزكاة ، فرائض فرضها الله على المسلم ، كذلك طلب الحلال فريضةٌ بعد الفريضة ، يؤكّد هذا المعنى أنّ رجلاً كان يلازم المسجد طوال النهار ، فلمّا رآه النبي عليه الصلاة والسلام سألهُ ؛ من ينفق عليك ؟ كيف تأكل ؟ لابدّ أنّ جهةً أخرى تنفق عليك لأنّك ملازمٌ المسجد طوال النّهار ، فقال : أخي ، فقال عليه الصلاة والسلام :
 أخوكَ أعبدُ منك .
 عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

((طلبُ الحلال فريضةٌ بعد الفريضة ))

[أخرجه الطبراني]

 لأنّ كسب المال الحلال ، وإنفاقه في وجهه هو الذي يرقى بك إلى الله ، ولأنّ الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾

[ سورة فاطر الآية:10]

 والعمل الصالح يحتاجُ في أحيان كثيرة إلى المال ، فكسْبُ المال الحلال ثمّ إنفاقه في الوجه المطلوب هو الذي يرقى بك إلى الله عز وجل .
 لكنّ شريكًا اشتكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنّه يعملُ أكْثر من شريكه ، شريكهُ منصرفٌ إلى شيء آخر ، فلمّا إلى النبي عليه الصلاة والسلام عن أنّ شريكهُ أقلّ جهدًا منه ، قال عليه الصلاة والسلام كلمةً مذهلةً ، قال عليه الصلاة والسلام : لعلّك تُرزق به ! أين شريكهُ ؟ كان طالبًا للعلم ، فالنبي عليه الصلاة والسلام باركَ طلبَ العلم ، لأنّ طالب العلم خيرهُ يعمّ المجتمع كلّه ، فالشريك الذي يتحمّلُ عبئًا عن شريكه إذا كان طالبًا للعلم ، الله سبحانه وتعالى يتولّى هذه الشّرِكَة بِالخَير العميم ، فقال عليه الصلاة والسلام : لعلّك تُرزق به ! في العبادة قال : أخوك أعبدُ مِنْك ! ولكن في طلب العلم قال : لعلّك تُرزق به ! وهذان الحديثان أيّها الإخوة ليسا من باب المتناقضات ، ولكن من باب المتكاملات ، إنّ طلب العلم من أجل نشره ، ولكنّ العبادة من أجل صاحبها ، لذلك أخوك أعبدُ منك ، ولكن في طلب العلم لعلّك ترزق به !
يا أيها الإخوة المؤمنون ؛ يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الحاكم :

(( إنّ روحَ القدُس نفثَتْ في روعي أنّ نفْسًا لن تموت حتى تسْتوفيَ رزقها فاتّقوا الله عباد الله ، وأجْملوا في الطَّلَب ، واسْتجملوا مهنكم ، ولا يحملنّكم اسْتِبطاءُ الرّزق أن تطْلبُوه بمعاصي الله تعالى فإنّ ما عند الله لا يدرك إلا بطاعته ))

[ رواه الحاكم ]

 إذا طلبْتَ الدنيا طلبتْكَ الآخرة بالموت ، وإذا طلبتَ الآخرة طلبتك الدنيا بالرّزق ، فالرّزْق مقسوم ، وموزون قال عليه الصلاة والسلام :

(( إنّ روحَ القدُس نفثَتْ في روعي أنّ نفْسًا لن تموت حتى تسْتوفيَ رزقها فاتّقوا الله عباد الله ، وأجْملوا في الطَّلَب ، واسْتجملوا مهنكم ، ولا يحملنّكم اسْتِبطاءُ الرّزق أن تطْلبُوه بمعاصي الله تعالى فإنّ ما عند الله لا يدرك إلا بطاعته ))

[ رواه الحاكم ]

 قال تعالى :

﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾

[ سورة الذاريات الآية:23]

 يا أيها الإخوة المؤمنون ؛ يقول عليه الصلاة والسلام : كلمة الحقّ لا تقطعُ رزقًا ، ولا تقرّب أجلاً ، الذي خلقك متكفّلٌ بأن يرزقك .

(( إنّ روحَ القدُس نفثَتْ في روعي أنّ نفْسًا لن تموت حتى تسْتوفيَ رزقها فاتّقوا الله عباد الله ، وأجْملوا في الطَّلَب ، واسْتجملوا مهنكم ))

 لأنّك إذا أردْت أن تعرف مقامك فانظر فيما اسْتعملكَ ، لا تقبل أن تعملَ عملاً فيه إيقاع الأذى بالآخرين لأنّ الرّزق على الله تعالى ، لا تقبل إلا أن يكون عملك شريفًا ، لا تقبل إلا أن يكون عملك نافعًا ، لا تقبل إلا أن يكون عملك نظيفًا ، لأنّ الرّزق على الله عز وجل ؛ ولأنّ النفس لن تموت حتى تسْتوفيَ رزقها .

(( فاتّقوا الله عباد الله ، وأجْملوا في الطَّلَب ، واسْتجملوا مهنكم ، ولا يحملنّكم اسْتِبطاءُ الرّزق أن تطْلبُوه بمعاصي الله تعالى فإنّ ما عند الله لا يدرك إلا بطاعته ))

 الله سبحانه وتعالى يمْتحنُ عباده المؤمنين في الدنيا يضيّق عليهم إلى حينٍ ، لِيَنظرَ ماذا يفعلون ؟ أيقعون ؟ أيُؤثرون الدنيا على الآخرة ؟ أيُؤثرون المال على طاعة الله عز وجل ؟
 ضاقَت فلمّا استحْكمَت حلقاتها فرجت وكنت أظنّها لا تفرج
 قال تعالى :

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾

[ سورة المؤمنون الآية:30]

 لابدّ من الابتلاء ، لابدّ من الامتحان ، قال تعالى :

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾

[ سورة العنكبوت الآية:2]

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ روى الإمام أحمدُ في مسنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم :

(( أنّ الله يحبّ العبْد المحترف ))

 وهو من كانتْ له حرفة يكسبُ منها رزقهُ ، لأنّ الإمام عليًّا كرّم وجهه يقول :
 قيمة المرء ما يُحسنُ .
 إذا أتقنْتَ عملاً ما ، فلك عند الله تعالى قيمة ، إذا كان لك حِرفة تكسبُ منها قوت يومك فأنت عند الله تعالى مبارك ، لذلك :

(( أنّ الله يحبّ العبْد المحترف ))

 ومن كدّ على عياله ، كان كالمجاهد في سبيل الله تعالى ، هذا الذي يسعى من وقتٍ مبكّر ، ولِساعةٍ متأخّرة ليأتيَ برِزق عياله ، ولِيَكفيَهم ، وليُؤمّن حاجاتهم ، وليَصرفهم عمّا عند الناس ، هذا كما قال عليه الصلاة والسلام كالمجاهد في سبيل الله تعالى .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ لِحِكمةٍ بالغة كان كسْب المال الحلال أصعبُ من كسب المال الحرام ، لِيَميز الله الخبيث من الطيّب ، وليرى من يؤثرُ رضوان الله تعالى ، ومن يؤثرُ المال الوفير ، قد يكون كسب المال الحلال صعبًا جدًّا ، وقد يكون كسب المال الحرام سهلاً لينظر ماذا تعملون ؟ من هنا قال عليه الصلاة والسلام : من أمسى كالاًّ في طلب الحلال أمسى مغفورًا له ، فإذا تحمَّل المؤمن متاعبَ جمّة في كسْب الرّزق ، فالنبي عليه الصلاة والسلام يبشّرهُ بِمَغفرة من الله ورِضوان .
 يا أيها الإخوة المؤمنون ؛ يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام الطبراني عن أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( إنّ من الذُنوب ذنوبًا لا يكفّرها الصّلاة ، ولا الصّدقة ، ولا الحجّ ، ولكن يكفّرها الهمّ في طلب المعيشة ))

[أخرجه الطبراني]

 أسوقُ لكم هذه الأحاديث لِيَطمئنّ المؤمن أنّه إذا كان متْعبًا في كسْب المال متْعبًا في تَحصيل الرّزق ، إذا كان متعبًا في تحصيل الحاجات ، هذا بعِلْم الله عز وجل ، وهذا بِبَرَكة الله عز وجل ، وهذا بِعَين الله عز وجل ، ما لمْ يُخالِط كسْب الرّزق معصيةٌ ، إن كنت طائعًا لله تعالى في كسْب الرّزق وكنتَ متعبًا ، فالنبي عليه الصلاة والسلام يبشّرك بالمغفرة .
 وفيما رواه الإمام الدّيلمي عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم :

((أنّ الله يحبّ أن يرى عبدهُ تَعِبًا في طلب الحلال ))

[ رواه الديلمي ]

 لأنّ الدنيا امتحان ، ولأنّ الدنيا دار عمل ، والآخرة دار الجزاء ، لأنّ الدنيا دار تكليف ، والآخرة دار تشريف ، لأنّ الدنيا جسرٌ نعبرُه إلى الآخرة ، فليْسَتْ الدار غايةً بذاتها ؛ إنّما هي وسيلة ، لذلك ليس من خُلُق المؤمن طلبُ التنعّم في الدنيا ، لقول النبي عليه الصلاة والسلام :

((إيّاك عبد الله والتنعّم فإنّ عباد الله ليْسُوا بالمتنعّمين ))

[أخرجه الإمام أحمد عن معاذ بن جبل]

 أنت في الحياة تحملُ رسالة جاء الله بك إلى الدنيا لِمُهمّة عظيمة ، ولِتَسعدّ لحياةٍ أبديّة تسعدُ فيها ، وفي الجنّة ما لا عينٌ رأَتْ ، ولا أُذنٌ سمعتْ ، ولا خطرَ على قلب بشر ، هؤلاء الذين ركنوا إلى الدنيا ، واطمأنوا بها ، ورضوا بها ، وجعلوها محطّ رحالهم ، ومنتهى آمالهم ، هؤلاء لو قرؤوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم الذي يقول فيه :

(( بادروا بالأعمال الصالحة فماذا ينتظر أحدكم من الدّنيا ))

[أخرجه الحاكم عن أبو هريرة رضي الله عنه]

 لو أنّكم أعرضتم عن الدِّين ، ولو أنّكم أعرضتم عن الآخرة ، لو أنّكم أردتم الدنيا وحدها ، لو أنّكم توجّهتهم إليها ، ماذا تنتظرون منها ؟ ماذا ستُفاجئكم مع كرّ الليالي والأيّام ؟ يقول عليه الصلاة والسلام :

((بادروا بالأعمال الصالحة فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا ، هل تنتظرون إلا فقرًا منسيًا ؟ ))

[أخرجه الحاكم عن أبو هريرة رضي الله عنه]

 قد يُنسي الفقر كلّ شيء ، وكاد الفقر أن يكون كفرًا ، أو غِنًى مُطغيًا ، أو أن يأتي المال بالوفرة ، وصاحب المال ليس بالمستوى المطلوب من الإيمان لذلك ربّما حملهُ هذا المال الوفير على معصية الله سبحانه وتعالى ، هل تنتظرون إلا فقرًا منسيًا ، أو غنًى مطغيًا ، أو مرضًا مفسدًا ، ماذا تخبّأ الليالي والأيّام ؟ ماذا ينتظر الإنسان من الدّنيا إذا تركَ الله سبحانه وتعالى ؟ قد يأتي مرضٌ يفسدُ عليه حياته ، وينغّص عليه معيشته ، يجعلُ حياته جحيمًا ، هذه الأشياء السبعة التي أدرجها النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث يجبُ أن يضعها من ترك الآخرة ، ومن أعرضَ عن الدّين ، من جعل القرآن وراء ظهره ، من جعل الدنيا أكبر همّه ، ومبلغ علمه ، هذا الذي فعل كذلك يجبُ أن يضع هذه القائمة نُصْب عينيه ، إذا كان واقعيًّا ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( بادروا بالأعمال الصالحة فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا ، هل تنتظرون إلا فقرًا منسيًا ؟ أو غِنًى مُطغيًا ؟ أو مرضًا مفسدًا ؟ أو هرَمًا مفنِّدًا ؟ أو موتًا مجهزًا ؟ أو الدّجال فشَرُّ غائبٍ يُنتظر ، أو الساعة والساعة أدهى وأمرّ ))

[أخرجه الحاكم عن أبو هريرة رضي الله عنه]

 يتقدّم به العمْرُ فتضعفُ الملكات ، ينسى كثيرًا ، يُعيدُ القصّة مرارًا ، يصبحُ حشريًّا ، يصبحُ عبئًا على أهله ، لذلك ينْزوي عنه الناس ، ويبتعدون عنه يتفادَوْن اللّقاء معه ، يصبحُ على هامش الحياة ، هذا الذي ينتظر المعرضَ عن الله سبحانه وتعالى في الدنيا .
 أو موتًا مجهزًا ؟ يعاجلهُ الموت ، فإذا هو من أهل القبور في طرفة عين أو الدّجال فشَرُّ غائبٍ يُنتظر ، أو الساعة والساعة أدهى وأمرّ .
 يا أيها الإخوة المؤمنون ؛ يقول عليه الصلاة والسلام :

(( لأَنْ يحْمِلَ الرَّجُل حبلاً ، فيحْتطبُ به ، ثمّ يجيءُ فيضَعُه في السّوق فيبيعُه ، ثمّ يستغني به فيُنفقهُ على نفسه خيرٌ له من أن يسأل الناس أعْطَوْهُ أو منعوه ))

 لذلك ضربَ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم المَثَل الأعلى في كسْب الرّزق فسيّدنا عبد الرحمن بن عوف عرضَ عليه أحدُ الأنصار أن يُعطيَهُ بُستانًا له ، وحانوتًا له ، فقال له : باركَ الله فيك ، ولكنْ دُلَّني على السّوق ، ظهرَ الأوّل بِمَظهر المؤاثرة ، وظهر الثاني بِمَظهر التعفّف .

لذة الرزق التي تأتي من يد صاحبها

 يا أيها الإخوة المؤمنون ؛ روى الإمام البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنّه :

(( ما أكلَ أحدٌ طعامًا خيرٌ من أن يأكلَ من عملِ يده ))

[أخرجه البخاري عن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه]

 ولكنّ النبي عليه الصلاة والسلام قال في شأن هؤلاء الذين يأكلون من عمل يدهم ، هؤلاء الصَّنَعة ، وهؤلاء الذين يصنعون ، قال : إنّما أهلكَ الصَّنعة قول غدٍ وبعد غدٍ ، إنّ الذي يُفسدَ عمل الصانع أن يخلف وعدهُ مع الناس إنّما أهلكَ الصَّنعة قول غدٍ وبعد غدٍ .
 وفيما رواه الإمام أحمد في مسنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنّه قال :

(( خيرُ الكسْب كسبُ يديّ عاملٍ إذا نصَح ))

[أخرجه الإمام أحمد عن أبو هريرة رضي الله عنه]

 أيْ إذا نصحْت هذا الشاري ، صنعْتَ له صنْعةً متقنةٍ ، ونصحْتهُ بها فإنّما تأخذهُ منه من أفضل أنواع الكسب ، أما إذا غششْتهُ ، أما إذا أوْهمتهُ ، أما إذا ضيَّعتَ عليه مالهُ بأنْ قدَّمْت له صنْعةً دون الثَّمَن المطلوب ، فيها غشّ وفيها ضَعفٌ ، فيها خللٌ ، فيها فسادٌ ، سريعة العطب ، دفع المال وجمعهُ من كدّ يمينه ، وعرق جبينه ، وأنت أتلفتهُ له بهذه الصّنْعة المزيّفة ، وهذا الغشّ ، وهذا الخلل ، وهذا الفساد ، لذلك فيما رواه الإمام أحمد في مسنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنّه قال :

(( خيرُ الكسْب كسبُ يديّ عاملٍ إذا نصَح ))

[أخرجه الإمام أحمد عن أبو هريرة رضي الله عنه]

 أيْ شرْطَ أن ينْصح .

الدين النصيحة

 وفي المناسبة النبي عليه الصلاة والسلام في حديثٍ جامعٍ مانعٍ عرّف الدِّين تعريفًا دقيقًا فقال :

(( الدِّين النصيحة فقالوا : يا رسول الله ، لِمَنْ ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ))

[أخرجه الترمذي والنسائي عن أبو هريرة رضي الله عنه]

 ما معنى الدِّين النصيحة ؟ أيْ من لا ينصح فلا دين له ، من لا ينصح ينخلعُ الدِّين منه ، من لا ينصح لا ينتمي إلى هذا الدِّين الحنيف ، من لا ينصح لا يصحّ أن يكون مسلمًا ، قالوا : لِمَن ؟ قال : لله ، ما معنى لله ؟ إن رأيْتَ أخاك يقترفُ عملاً يُخالفُ كلام الله ، يجبُ أن تنصحهُ ، إن ماشيْتَهُ في الطريق ، فإذا هو يحدّق النَّظَر في النّساء ، الدّين النصيحة ، قلْ له : يا أخي إنّ الله عز وجل يقول :

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾

[ سورة النور الآية:30]

 نصَحْتَ لله تعالى ، ولرسوله ؛ وإن رأيْتَ أخاك ينحرفُ عن سنّة النبي عليه الصلاة والسلام يجبُ أن تنصحهُ ، ولأئمّة المسلمين ولعامّتهم ، لعامّة المسلمين .

الالتزام بالعمل وإتقانه

 ويقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام البيهقي :

((إذا فُتِحَ لأحدكم باب رزقٍ فلْيلْزمْهُ ))

[ رواه البيهقي ]

 إذا جاءك الرّزق من باب ، لا يحقّ لك كَمُسلمٍ أن تسدّ هذا الباب الذي بين يديك ، لا يَحِقّ لك أن تتأخّر ، لا يحقّ لك أن تضْجر ، لأنّ الذي يتأفّف من عمله لا يصْلُح لأيّ عملٍ آخر ، كلّ عملٍ فيه إيجابيّات وسلبيّات ، كلّ عملٍ فيه ميزاتٌ ومسالك ، كلّ عملٍ فيه أشياء ترغّب فيه ، وفيه أشياء تنفّرُ منه ، فمَن تأفَّفَ من عمله ، هذا في نظر علماء النَّفْس لا يصلحُ لأيّ عملٍ آخر ، فلذلك إذا فُتِحَ لأحدكم باب رزْقٍ ، فلْيلزمْهُ ، وإتقان العمل يا أيها الإخوة المؤمنون جزءٌ من الدّين ، بل هو الدِّين ، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( إنّ الله يحبّ من العبد إذا عملَ عملاً أن يتقنهُ ))

[أخرجه أبو يعلى عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها]

 إنّك إذا أتْقنْت العمل رفعْت اسم المسلمين ، رفعْت من سُمعة المسلمين ، وهذا من إنتاج فلان ، وفلان مسلم ، فهو إذًا متقن للعمل ، وبهذا ينتزعُ إعجاب الناس ، وربّما أسْلمَ الناس إن رأوا إنسانًا مُتقنًا لِعمله صادقًا في قوله ، وفِيًّا لِعَهده ، حافظًا لأمانته .
 يا أيها الإخوة المؤمنون ؛ ليس هناك تناقضٌ بين عمل الدّنيا ، وعمل الآخرة ، فالمؤمن يعمل وعملهُ عبادة ، فيقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام أحمدُ في مسنده :

(( إذا قامَت الساعة وبيَدِ أحدكم فسيلةً فاستطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فلْيَغْرسْها ، فلهُ بذلك أجْرٌ ))

[أخرجه البزار عن أنس بن مالك رضي الله عنه]

 تعْملُ حتى آخر رمقٍ في حياتك ، تعملُ عملاً متقنًا ، وعلى الله الباقي ، هذا الذي تضعفُ همّتهُ عن إتقان العمل ، يقول : أنا عندي رزقٌ يكفيني هذا ليس من الدِّين في شيء ، لابدّ من أن تكون مثلاً أعلى للناس في إتقان العمل ، والنبي عليه الصلاة والسلام يُطَمْئِنُ المؤمنين بأنّه

(( من غرسَ غرسًا أو زرعَ زرْعًا فأكل منه إنسانٌ ، أو سبُعٌ ، أو دابّة ، أو طيرٌ فهو لهُ صدقة))

[أخرجه مسلم عن جابر رضي الله عنه]

 ولا قاعدة في إحياء الأرض الموات كالتي جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام ، وفيما أعلم إنّ كبار العلماء اجتمعوا لِيتدارسوا أمْر الأرض البور فما كان من طريقة أجدى في إصلاحها من هذه القاعدة ، قال عليه الصلاة والسلام :

((من أحيا أرضًا ميّتةً فهي لهُ ))

[أخرجه الترمذي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما]

 ما من طريقةٍ تُدفع بها الأنفسُ إلى استصلاح الأراضي ، وقلبها من أراضٍ صفراء ، إلى أراضٍ خضراء كهذه القاعدة التي جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطّى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين .

الخطبة الثانية :
 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وليّ الصالحين ، وأشهد أنّ سيّدنا محمَّدًا عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين .

خاصية الماء في درجة التجمد

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ الآية الكريمة التي تقول :

﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾

[ سورة الأنبياء الآية:30]

 هذه الآية لا تتَّسِعُ المجلّدات لِتَفسيرها ، ولكن نأخذ اليوم جانبًا يسيرًا منها إنّ الماء الذي جعله الله سبحانه وتعالى أساس الحياة ، إنّ من العلماء من يقول : إنّ خصيصةً صغيرةً للماء ، لو أنّها فقِدَتْ لانتَهتْ الحياة مِن على سطح الأرض ، ما هذه الخصيصة ؟ أنّ الماء إذا برَّدْتهُ ينكمش ، شأنهُ كشأن كلّ العناصر التي على وجه الأرض ، العناصر ، ونقصٍ في العناصر ، الغازات ، والسوائل ، والمعادن ؛ الأجسام الصلبة ، فالعناصر كلمةٌ تجمع بين الغازات ، وبين السوائل ، وبين الأجسام الصلبة ، إنّ كلّ العناصر التي خلقها الله سبحانه وتعالى تتمدّد بالحرارة ، وتنكمشُ بالبرودة والماء منها ، فإذا أردت أن تبرّد الماء ، وكان في درجة الغليان ، وراقبْتَ حجمه بأجهزةٍ حسّاسة فإنّه ينْكمش ، إذا انخفضَت الدرجة من مئة إلى ستّين إلى أربعين ، إلى ثلاثين ، إلى عشرين ، إلى عشرة ، إلى خمسة فإذا وصَلَ الماء إلى درجة زائد أربعة ؛ عندئذٍ تنعكسُ الآية ، يزداد حجمهُ ويتمدّد .
 وهذا القانون المطّرد الذي ينتظم كلّ العناصر التي على وجه الأرض يتمدّد وهذا شيءٌ ترونهُ أنتم ، ضَع في الثلاجة سائلاً وراقبوا حجمهُ ، ترونهُ بعد التجمّد يزداد حجمهُ ، فإذا كان كان قارورةً تنكسر ، هذا شيءٌ معروفٌ لديكم ، ولكن ما علاقة هذه الخصيصة بِوُجود الحياة على وجه الأرض ؟ قال : إذا تجمّدت البحار ، لو أنّ الماء إذا تجمّد انكمشَ ، أي قلّ حجمهُ ، فزادَت كثافتهُ ، فغاصَ في أعماق البحار ، يأتي يومٌ تصبحُ جميع البحار متجمّدة من سطحها إلى أعماقها ، فإذا تجمّدَتْ انعدم التبخّر ، وإذا انعدَم التبخّر انعدَمَت الأمطار ، فماتتْ النباتات ، ومات الحيوان ، ومات الإنسان لو أنّ الماء شأنهُ في التمدّد والانكماش كشأن جميع العناصر التي خلقها الله عز وجل ، لكانتْ الحياة قد انتهَت منذ ملايين السّنين ، ولكنّ ازدياد حجْم الماء ، وتمدُّدهُ في هذه الدرجة الحرجة ، في درجة زائد أربعة ، هذه الخصيصة التي أوْدعها الله في الماء هي التي تجعلُ من الحياة مسْتمرّةً على وجْه الأرض ، فإذا تجمّدتْ المحيطات ، كان التجمّد باعثًا على ازدياد حجم الماء ، وإذا ازداد حجمهُ قلَّتْ كثافتهُ ، وإذا قلَّت كثافتهُ طفا على وجْه الماء ، فلو ذهبنا إلى المحيطات المتجمّدة في القطبين ، لرأينا التجمّد في الطّبقة السّطحيّة ، وأما في أعماق البحر فالمياه سائلة تسبح فيها الكائنات الحيّة كما لو أنّها في أماكن أخرى .

هل هذه الآيات التي بثها الله في الكون تدل على العبث ؟

 فيا أيها الإخوة المؤمنون ؛ هل هذه الخصيصة التي أودعها الله في الماء هو شيءٌ جاء صُدفةً ، ولولا هذه الخصيصة لما كنّا في هذا المسجد ، ولما تكلَّم أحدنا ، ولما كنَّا على وجه الأرض ، لما كانتْ الحياة على وجه الأرض .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ كلّما تأمَّلتم في آيات الله التي بثّها الله في الأرض عرفتم أنّ لهذا الكون خالقًا عظيمًا ، ومُدبِّرًا حكيمًا ، سميعًا بصيرًا ، قويًّا رحيمًا لطيفًا ، هذا الكون هو الذي يدلّ عليه ، أفسماءٌ ذات أبراج ، وأرضٌ ذات فِجاج ، ألا تدلاّن على الحكيم الخبير ؟!
 يا أيها الإخوة المؤمنون ؛ بعد أيّام تأتي مناسبةٌ عظيمةٌ هي مناسبة الإسراء والمعراج ، وسوف تكون الخطبة إن شاء الله تعالى في الأسبوع القادم عن هذه الذّكرى العطِرة ، التي فيها أكثر من معنى ، وأكثرُ من درسٍ .

الدعاء :

 اللهمّ اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيْت ، وتولَّنا فيمن تولّيْت ، وبارك اللّهم لنا فيما أعْطيت ، وقنا واصْرف عنَّا شرّ ما قضَيْت فإنَّك تقضي ولا يُقضى عليك ، إنَّه لا يذلّ من واليْت ، ولا يعزّ من عادَيْت ، تباركْت ربّنا وتعاليْت ، ولك الحمد على ما قضيْت نستغفرك اللهمّ ونتوب إليك ، اللهمّ هب لنا عملاً صالحًا يقرّبنا إليك ، اللهمّ أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنّا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وارضَ عنَّا ، وأصْلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصْلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصْلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا ، واجْعل الحياة زادًا لنا من كلّ خير ، واجعل الموت راحةً لنا من كلّ شرّ ، مولانا ربّ العالمين ، اللهمّ اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمَّن سواك ، اللهمّ لا تؤمنَّا مكرك ، ولا تهتِك عنَّا سترَك ، ولا تنسنا ذكرك ، يا رب العالمين ، اللهمّ إنَّا نعوذ بك من عُضال الداء ومن شماتة العداء ، ومن السَّلْب بعد العطاء ، يا أكرم الأكرمين ، نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الذلّ إلا لك ، ومن الفقر إلا إليك ، اللهمّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحقّ والدِّين وانصر الإسلام وأعزّ المسلمين ، وخُذ بيَدِ وُلاتهم إلى ما تحبّ وترضى إنَّه على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS