64047
التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول - الدرس (28-70) : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2009-01-30
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

العلاقة الترابطية بين المحاسبة و التوبة :

أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في موضوعٍ دقيق، يتصل أشد الاتصال بـ: "سبل الوصول وعلامات القبول" ، ألا وهو "موضوع المحاسبة"، والمحاسبة مرتبطة بالتوبة، فالتوبة تحمل على المحاسبة، والمحاسبة تحمل على التوبة، بينهما علاقةٌ ترابطية، بل إن المحاسبة من نتائج التوبة، وقد تكون التوبة نتيجة للمحاسبة.
لذلك الكلمة الرائعة التي قالها سيدنا عمر رضي الله عنه: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطاكم إلى غيركم وسيتخطى غيركم إليكم، فخذوا حذركم".

(( الكَيِّس مَنْ دانَ نفسَه، وعَمِلَ لما بعد الموت، والعاجِزُ مَنْ أتْبَعَ نَفَسَهُ هَواهَا وتمنَّى على الله ))

[ أخرجه الترمذي عن شداد بن أوس ]

ما دام القلب ينبض فباب التوبة مفتوح , أما إذا توقف القلب ، خُتم العمل
لعلي ذكرت لكم أن أحد علماء دمشق، كان يأخذ أخوانه في أيام العيد، في اليوم الأول يأخذهم إلى المقابر، ليعرفوا نعمة الحياة، أنت حي، بإمكانك أن تتوب، بإمكانك أن تؤدي الحقوق، بإمكانك أن تعتذر، بإمكانك أن تقدم ما يعوض تقصيرك، بإمكانك أن ترأب الصدع، بإمكانك أن تلم الشمل، بإمكانك أن تتقدم، ما دام القلب ينبض فكل شيء جائز، وكل شيء ممكن، أما إذا توقف القلب، خُتم العمل، بادروا بالأعمال الصالحة، فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا؟

(( هل تُنْظَرون إلا فَقْرا مُنْسياً، أو غِنى مُطغياً، أو مَرَضاً مُفسِداً، أو هَرَماً مُفنِداً، أو موتاً مُجْهِزاً، والدجالَ ؟))

الذي يأتي إلينا من أجل الحرية والديمقراطية:

(( والدَّجَّالُ شَرُّ غائب يُنَتظَرُ، والساعةَ؟ والساعةُ أدْهَى وأمرُّ ))

[ أخرجه الترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]

فهذا العالم الجليل يأخذ أخوانه في اليوم الأول من أيام العيد إلى المقابر، ليعرفوا قيمة الحياة، أنت حيٌ ترزق، وما دمت حياً ترزق، بإمكانك أن تتوب، بإمكانك أن تصلح الخطأ، بإمكانك أن تعتذر، أن تؤدي ما عليك، وفي اليوم التالي يأخذهم إلى المستشفيات ليُعرّف أخوانه نعمة الصحة، هذا معه احتشاء في القلب، هذا معه تشمع كبد، هذا فشل كلوي، شلل، ورم، أنت صحيح معافى، تتحرك، تمشي، الأجهزة سليمة، الحواس سليمة، لا أحد يخدمك، تؤدي حاجاتك بنفسك، نعمة الصحة لا تعدلها نعمة، وفي اليوم الثالث إلى السجون، ليعرف الأخوان الكرام نعمة الحرية، أنت حر، لا يوجد مذكرة بحث بحقك، تتحرك بطمأنينة، تسافر، تقيم، فنعمة الحياة، ونعمة الصحة، ونعمة الحرية، هذه نعمٌ ثلاثة لا يعرفها إلا من فقدها.

المحاسبة طريق النجاة من عذاب الله عز وجل :

أيها الأخوة، أحد أخواننا الكرام عنده معمل ـ والقصة قديمة ـ يقول لي: هناك نقص بالبضاعة دائماً، وأحياناً نقص في المال، فجهد بكل إمكانياته أن يكتشف السارق، ولم يتمكن، فقال لي: بعد حين توقفت هذه السرقة، بعد عشر سنوات، يأتيه شابٌ وسيم، يبدو أن هذا الشاب حاسب نفسه حساباً عسيراً، قال له: أنا كنت عندك موظفاً، وكنت آخذ من مالك، ومن بضاعتك، وجئتك كي تسامحني، وأؤدي الذي عليًّ، قال لي: تأثرت تأثراً بالغاً، قلت له: نظير هذه التوبة، وهذه الزيارة، كي تؤدي ما عليك، أنا أسامحك من أعماق نفسي بكل ما أخذت، وإن كنت بلا عمل لك عندي عمل في أعلى مستوى.
على الإنسان أن يعود نفسه على الإعتذار وطلب المسامحة
أنا مرة قلت: هذا البدوي الذي عنده أرض بشمال جدة، عندما توسعت جدة كثيراً اقتربت من أرضه، فارتفع سعرها، فنزل وباعها إلى مكتبٍ عقاريٍ خبيثٍ جداً، واشتراها بربع ثمنها، وأنشأ عليها بناءً كبيراً، يزيد عن اثني عشر طابقاً، هم شركاء ثلاث، أول شريك وقع من أعلى البناء فنزل ميتاً، والثاني دهسته سيارة، فانتبه الثالث، بحث عن صاحب الأرض ستة أشهر، حتى عثر عليه، فأعطاه ثلاثة أضعاف حصته، فقال له هذا البدوي: ترى أنت لحقت حالك، فما دام القلب ينبض بإمكاننا أن نستدرك الخطأ السابق.
أيها الأخوة، عود نفسك أن تعتذر، عود نفسك أن تطلب المسامحة، عود نفسك أن تقدم هدية لرأب الصدع، عود نفسك إذا أسأت أن تحسن، عود نفسك قبل أن تنام في هذا اليوم ماذا فعلت؟ أي حاسب نفسك، المحاسبة طريق النجاة من عذاب الله عز وجل.
مرة ثانية: من حاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً، كان حسابه يوم القيامة يسيراً، وذكرت البارحة أن الذي يحتاج إلى المحاسبة أكثر من غيره، الذي موقعه بحيث لا يُسأل، أب، مدير عام، وزير، الذي من شأنه ألا يسأل، أن يُحَاسِب ولا يُحَاسَب، هذا الإنسان يحتاج إلى هذا الدرس عشرة أضعاف ما يحتاجه الإنسان العادي.
مثلاً هذا الموظف لا يسرق لماذا؟ قد يكون المدير العام قوياً جداً، وله عيون دقيقة جداً، وحسابه دقيق جداً، هو لا يسرق خوفاً من المسؤولية، وهناك إنسان لا يسرق خوفاً من الله، لكن ما دام هناك مكان عمل، فيه محاسبة شديدة، فهذا الذي يحاسب مسؤوليته أقل ممن لا يحاسب.

القوي أو الغني هو من أشد الناس حاجة إلى أن يحاسِب نفسه وإلى أن يصبر :

يقولون: الشيء بالشيء يذكر، الآن من هو الذي يحتاج إلى الصبر والمحاسبة؟ هل هو الفقير؟ لا، الضعيف؟ لا، الذي يحتاج إلى الصبر والمحاسبة هو القوي والغني القوي والغني هو الذي يحتاج لشدة المحاسبة لأن الخيارات أمامه واسعة جدا
لأن الخيارات أمام الفقير محدودة جداً، دخله محدود، هذا بيته، وهذا عمله، ومن بيته إلى عمله، ومن عمله إلى بيته، خيارات الخطأ ضعيفة جداً أمامه، أما إنسان قوي وغني، له أن يأكل، ويشرب، من أي مصدر، وقد يكون من مالٍ حرام، سافر، له أن يرتاد الملاهي والنوادي الليلية، من هذا الذي يحتاج إلى شدة محاسبة وإلى يقظة وصبر؟ هو القوي والغني لأن الخيارات أمامه واسعة جداً، فكلما كثرت الخيارات اشتدت المحاسبة، واشتد الصبر.
فأنا أقول: القوي، أو الغني، هو من أشد الناس حاجةً إلى أن يحاسب نفسه، وإلى أن يصبر.
لكن بالمناسبة:

(( الإِيمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ، لا يَفْتِكُ مؤمِن ))

[ أخرجه أبو داود عن أبي هريرة ]

المؤمن قيده الإيمان، المؤمن لا يستطيع أن يفعل ما يفعله الآخرون، الفرنجة عندما فتحوا القدس، ذبحوا سبعين ألفاً في يومين، وعندما فتح صلاح الدين الأيوبي القدس، هل استطاع أن يريق قطرة دمٍ؟ لا يقدر.

(( الإِيمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ، لا يَفْتِكُ مؤمِن ))

التوبة علمٌ وحالٌ وعمل :

أيها الأخوة، هناك ملاحظة دقيقة جداً، حينما أكدت لكم أن التوبة سبب المحاسبة، أو أن المحاسبة سبب التوبة، لكن ما التوبة؟ التوبة علمٌ، وحالٌ، وعمل.
مثلاً إنسان معه ضغط مرتفع، متى يعالج نفسه؟ إذا علم أن ضغطه مرتفع، هذا الضغط ليس له أعراض في الأعمّ الأغلب، وهو القاتل الصامت، فأنت لا تعالج نفسك من ضغطٍ مرتفع إلا إذا علمت أن معك ضغطاً مرتفعاً.
إذاً لابد من أن تعلم، أنت حينما تطلب العلم، أنت حينما تجلس في مجلس علم، تقيّم نفسك عندئذٍ، فسبب تقييم الذات العلم، فلا توبة قبل العلم، اطلب العلم حتى تقيّم، قد يكون الدخل حراماً، هذه العلاقة آثمة، هذا اللقاء لا يجوز، هذه الزوجة فسقت بهذه الطريقة في ثيابها، فلابد من أن تطلب العلم حتى تقيّم نفسك، إذاً التوبة أحد أكبر أركانها العلم.
اطلب العلم حتى تقيّم ذاتك , فلا توبة قبل العلم
وبالمناسبة: طبيعة الإنسان حينما يعلم فلابدّ من أن ينفعل، مثلاً، لو إنسان قال لآخر: على كتفك عقربُ شائلة، وبقي هادئاً، مبتسماً، متوازناً، ثم التفت نحوه وقال له: جزاك الله خيراً على هذه الملاحظة، هل تعتقدون أنه فهم ما قال له؟ لو فهم ما قال له لقفز وخلع معطفه، وصاح بأعلى صوته، لكن ما دمت لا تعلم فأنت لن تنفعل، أما حينما تعلم تنفعل، فمن لوازم الإدراك الصحيح الانفعال، ومن لوازم الانفعال السلوك، هذا قانون، إدراكٌ، انفعالٌ، سلوك، إنسان رأى أفعى، إذا أدرك أنها أفعى ينفعل، فإذا انفعل إما أن يهرب منها، أو أن يقتلها، هذا القانون دقيق جداً، وحاسب نفسك في ضوئه، اسمع الدرس، قال تعالى:

﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾

[ سورة التحريم الآية: 4 ]

علامة إصغائكم إلى الحق السلوك،

﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ ﴾

من الإصغاء

﴿ قُلُوبُكُمَا ﴾

أيها الأخوة، التوبة علمٌ، وحالٌ، وعمل، الحال الندم، النبي قال:

(( الندم توبة ))

[ أخرجه البزار عن أنس بن مالك ]

والعلم أن تعرف الحلال والحرام، قال لك إنسان: أنا لا أريد أن أُتعب نفسي بالمحاسبة، وضع معي إنسان مليون ليرة، سأعطيه بالشهر مبلغاً ثابتاً، لأن هذا أفضل لي ، لكن أنت لا تعلم أن هذا أصبح ربا، ما لم تعطِ الربح الحقيقي بحساب دقيق فهذا ربا، أي هناك أخطاء كبيرة جداً يرتكبها المسلمون بجهلهم، ما لم تتحرَ الحقيقة فقد تقع في أخطاءٍ كبيرة.
لذلك يقول سيدنا عمر: من دخل السوق من غير فقهٍ، أكل الربا شاء أم أبى".
يقول له أحدهم: أنا محتاج إلى مليون، وثمن بيته مليونا ليرة، هل تقرضني مليون وأدفع لك نصف أجرة البيت أجار؟ شيء رائع جداً، لو أنه ضمن المليون، المليون التي أقرضتها لصاحب البيت يضمنها لك صاحب البيت كقرض، فالأجرة ربا، أما إذا البيت بعد سنتين رخص ثمنه أو ارتفع وقلت له: أريد أن أحاسبك، البيت عُرض للبيع كم يساوي؟ تدفع نصف ثمن البيت، قد تدفع مليون ونصف، أو نصف مليون، فما دام المبلغ غير مضمون فالأجرة حلال، أخطاء كثيرة جداً هي كلمة تكون في الحرام فإذا أنت في الحلال.

من ينوي الحلال ييسره الله له :

أخواننا الكرام، من أندر القصص، فلاح فقير، معدوم، أمضى حياته كلها بالفقر، والجهد، والتعب، صدر قانون بتوزيع بعض الأراضي، فأعطوه عشرين دونماً، من شدة فرحه اختل توازنه، كل حياته يعمل بأجر قليل لا يكفيه، صار عنده عشرون دونماً، له شيخ في الشام، ذهب لعنده ليبشره بهذه الأرض التي أعطي إياها، فقال له هذا الشيخ: هذه حرام يا بني، هذا مال مغتصب، لا يجوز أن تأخذه، كأنه جمرة أطفأتها بالماء، همد، كل فرحه انتهى، كل استبشاره انتهى، كل تألقه انتهى، قال له: حرام يا بني، لكن عندما رآه بهذا الحزن، وهذا الإحباط، قال له: اذهب إلى صاحب الأرض لعله يبيعك إياها تقسيطاً، أعطه أساور زوجتك واطلب منه أن يبيعك إياها تقسيطاً، فذهب إليه ـ القصة واقعية في الشام ـ وقال له: يا سيدي أعطوني عشرين دونماً من أراضيك، ولي شيخ قال لي: هذه حرام أن آخذها، هل تبيعني إياها تقسيطاً؟ فكر، فكر، فكر، ثم قال له: أنا يا بني ذهب لي أربعمئة دونم، و لم يأت لعندي أي واحد من هؤلاء الذين أعطوا أرضي، هذه هدية لك، تملكها وهي مني هبةٌ لك، وازرعها، وانتفع بها، حاسب نفسه، سأل شيخه، فجاء الفرج.
من ينوي الحلال ييسره الله له
والله يا أخوان قضايا تكون عسيرة جداً، عندما ينوي صاحبها الحلال تيسر، قال له: هذه الأرض لك، هبةٌ مني لك، تملكها، وانتفع بها، وهنيئاً لك.
أيها الأخوة، أعتقد أن أقوى آية تتعلق بموضوعنا:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الحشر ]

لو أن إنساناً عنده أراض كثيرة جداً، وجاء من يهمس في أذنه: لو أنك تبرعت بخمسة دونمات لمسجد، فالبلدية تضطر أن تنظم الأرض، وأن تجعلها محاضر، وبهذه الطريقة يرتفع السعر إلى أضعاف مضاعفة، هو لا يصلي أصلاً، فتبرع بخمسة دنومات بنية أن تُنظّم الأرض، وأن تُقسّم إلى محاضر، ويرتفع سعرها، أما الناس جميعاً ما شاء الله! محسن كبير، قدم أرضاً من ماله الشخصي.
لذلك:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾

المحاسبة أحد أسباب الوصول إلى الله عز وجل :

حاسب نفسك قبل أن تُحاسب فالمحاسبة أحد أسباب الوصول إلى الله
من صرعات العصر أن الإنسان أحياناً يحسن لينجح في الانتخابات، لذلك هذا هو إحباط العمل، كان له قيمة كبيرة، فانتهت قيمته.
والله أعرف شخصاً توفي في الثمانين، أنشأ كازينو بالثمانين،

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾

تجده بالسبعين للساعة الثانية يلعب بالنرد، إلى متى؟.

أما تستحي منا؟ ويكفيك ما جرى أما تختشي من عتبنا يوم جمعنا؟
أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً وتنظر ما به جاء وعدنــــا
* * *
إلـى متى وأنت باللذات مشغول وأنت عن كل ما قدمت مسؤول
* * *
تــعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك لعمري في الــمقال شنيعُ
لـــو كان حبك صادقاً لأطعته إن المــحب لمن يحب يطيعُ
* * *

أي المحاسبة أحد أسباب الوصول إلى الله، حاسب نفسك قبل أن تُحاسب.

حقوق الله مبنيةٌ على المسامحة وحقوق العباد مبنيةٌ على المشاححة :

أيها الأخوة، عندنا وهم لابد من توضيحه، الإنسان يحج بيت الله الحرام، وقد سمع من سيد الأنام أنه:

(( من حج لله عز وجل فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ رجع كيوم وَلَدَتْهُ أمُّه))

[أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ]

ما كان بينك وبين العباد فهو لا يغفر إلا بالأداء أو المسامحة
يتوهم أن كل ما عليه من حقوق غُفرت له، أبداً، الذي يغفر لك في الحج، والذي يغفر لك في الصيام، ما كان بينك وبين الله فقط، أما ما كان بينك وبين العباد فهذا لا يغفر إلا بالأداء أو المسامحة، لذلك قال تعالى:

﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ﴾

[ سورة نوح الآية: 4 ]

من للتبعيض، أي يغفر لكم بعض ذنوبكم التي كانت بينكم وبينه، لذلك هناك ذنبٌ لا يغفر، وهو الشرك، وهناك ذنبٌ لا يترك، ما كان بينك وبين العباد، وهناك ذنبٌ يغفر، ما كان بينك وبين الله.
إنسان ركب القطار باتجاه حلب، حتى يقبض مبلغاً كبيراً جداً، له عند إنسان دَيْن، قطع بطاقة في الدرجة الأولى، وركب في الدرجة الثالثة، هذا خطأ، لكن القطار في طريقه إلى حلب، فلابأس، ركب مع شباب ليسوا منضبطين، انزعج كثيراً، هذا خطأ ثان، لكن القطار في طريقه إلى حلب، يتلوى من الجوع وفي القطار عربة طعام وهو لا يعلم ذلك، هذا خطأ ثالث، لكن القطار في طريقه إلى حلب، جلس بعكس اتجاه القطار، أصيب بالدوار، وهذا خطأ رابع، لكن القطار في طريقه إلى حلب، وسيأخذ المبلغ، أما الخطأ الذي لا يغتفر أن يركب قطار درعا، وهناك لا يوجد خمسة ملايين.
فأنت حينما تتجه إلى غير الله، لا يوجد شيء، هذا هو الذنب الذي لا يغفر، أما إذا اتجهت إلى الله تغفر ذنوبك، وتستر عيوبك، لذلك هناك ذنبٌ لا يغفر، وهو الشرك، وذنبٌ لا يترك، ما كان بينك وبين العباد، لأن حقوق الله مبنيةٌ على المسامحة، بينما حقوق العباد مبنيةٌ على المشاححة.
إذاً كلمة أنه رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، من ذنوبه التي بينه وبين الله، لذلك دققوا:

(( يُغْفَرُ للشهيد كلُّ ذَنْب إلا الدَّيْنَ ))

[ أخرجه مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]

لا يغفر.

بطولة الإنسان أن يحاسب نفسه حساباً عسيراً و ألا يغتر بها :

أيها الأخوة، هناك نقطة دقيقة أن الإنسان أحياناً يغتر.

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾

[ سورة الانفطار ]

بطولة الإنسان أن يحاسب نفسه حساباً عسيراً قبل فوات الأوان
يقول: الله يتوب عليَّ، هذا غرور، البطولة أن تحاسب نفسك حساباً عسيراً لا تغتر أن الله عز وجل حينما تأكل حقوق العباد يعفو عنك بلا ثمن، أبداً، هذا فهمٌ ساذج، ولا تسمح للدنيا أن تغرك، أن تراها بحجم أكبر من حجمها.
لي صديق توفي ـ رحمه الله ـ كان شاباً يعمل في سوق الحميدية، عنده رغبة أن يجمع قمامة المحل بعلبة، ثم يلفها بورق فخم جداً، مع شريطة حمراء، مع وردة، ويضعها على طرف الرصيف، يأتي إنسان يظن فيها مُطيف ألماس فيحملها ويسرع، يلحقه، يمشي مئتي متر ويفك الشريط، يتابعه، مئتا متر ثانية يفك الربطة، مئتا متر ثالثة يفك الورق، يفتح حتى يشاهد المطيف الألماس فيجد قمامة المحل، هكذا يغتر الإنسان بالدنيا.

﴿ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾

[ سورة فاطر الآية: 5 ]

الدنيا تغر، وتضر، وتمر.

أدوات المحاسبة :

1 ـ طلب العلم :

يجب أن تطلب العلم كأداة أولى للمحاسبة
أيها الأخوة، هناك شيء آخر: أحد أسباب المحاسبة أن تدقق في وضعك، هناك إنسان أحياناً لا يعرف وضعه، لذلك الأداة الأولى للمحاسبة العلم، اطلب العلم حتى تحاسب نفسك، الأداة الأولى من أجل أن تعرف مكانك، أخطاءك، الدخل، الإنفاق، العلاقات، السفر، أقمت حفلة مختلطة، يجب أن تطلب العلم كأداة أولى للمحاسبة.




2 ـ سوء الظن بالنفس :

من أدوات المحاسبة سوء الظن بالنفس و طلب المغفرة دائما
والشيء الثاني، الأداة الثانية للمحاسبة: سوء الظن بالنفس، معظم الناس يحسن الظن بنفسه، يقول: الله يحبني، هل معك دليل؟ أنا إيماني بقلبي، أنا لا أؤذي أحداً، و أنت مرتكب أخطاء لا يعلمها إلا الله، حسن الظن بالنفس سذاجة وغباء، أنا أنصح الإنسان يبالغ بسوء الظن بنفسه، ويبالغ بحسن الظن بالآخرين، هناك مرض معاكس، كل أخطائه مبررة عند نفسه، وإذا إنسان أخطأ خطأ بسيطاً يقيم عليه الدنيا ولا يقعدها، لا، بالغ بإساءة الظن بنفسك، وأحسن الظن بالآخرين.


3 ـ أن تميز بين النعمة وبين الفتنة :

إن كان الله يتابع نعمه عليك، وأنت تعصيه فاحذره، فهذه ليست نعمة بل فتنة
الأداة الثالثة للمحاسبة: أن تميز بين النعمة وبين الفتنة، إذا كان الله يتابع نعمه عليك، وأنت تعصيه فاحذره، هذه ليست نعمة هذه فتنة، قال تعالى:

﴿ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ ﴾

[ سورة الدخان ]

النِعمة مع الطاعة، أما النَعمة مع المعصية، النَعمة فتنة، فلا تظن ما أنت فيه من خير، من دخل وفير، من صحة طيبة، أنها نِعمة وأنت غارق في المعاصي، هذه ليست نِعمة لكنها نقمة، هذه ليست نعمة ولكنها نَعمة، هذه ليست نِعمة ولكنها فتنة، فينبغي أولاً: أن تطلب العلم، وثانياً: أن تسيء الظن بنفسك، وأن تحسن الظن بالآخرين، وثالثاً: أن تفرق بشكلٍ دقيق بين النعمة وبين الفتنة.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS