7568
الفقه الإسلامي - موضوعات متفرقة - الدرس 21 : مسالك الشبهات - شمائل النبي صلى الله عليه وسلم.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1986-03-30
بسم الله الرحمن الرحيم

أنواع الشبهات :

 أيها الأخوة المؤمنون ، منذ عدة أسابيع بدأنا في موضوع الشبهات ، والشبهات لا يعلمها كثيرٌ من الناس وهي بين الحلال والحرام ، بين الحلال المُطلق و الحرام المُطلق ، وبيّنا في الدروس الماضية أنَّ مسارَ الشُبهات عديد ومن هذه المسارات مثلاً : اختلاف الأدلة المُبيحة أو المُحرّمة ، اختلاف الأدلة ، أو اختلاف الحلال والحرام ، أو ترجيح السبب المُحلل على السبب المُحرّم ، فالدرس اليوم اختلاف الأدلة .
 هناكَ نوعٌ من الشُبهات يتأكّدُ التورّعُ عنهُ لأنَّ الدليلَ الذي يُحرّمه أو الذي يُوجِبُ الابتعاد عنه أقوى من الدليل الذي يُبيحُهُ ، هناكَ دليلٌ مُبيح ودليلٌ غيرُ مُبيح ، الدليل الغير مُبيح أقوى من الدليل المُبيح .
 درسنا اليوم : تعارض الأدلة ، أي أنّ هناك دليلاً على إباحته ، وهناك دليلاً على تحريمه ، دليلانِ متعارِضان أيُهما أقوى ؟ إذا كان الدليل الذي لا يُبيحُ أقوى يجبُ أن نتركُهُ تورُعاً . مثلاً : التورُعُ عن فريسةٍ كلبٍ مُعلّم " أي عُلِّمَ كيف يأتي بالفريسة " إذا أكلَ منها الكلبُ فالتورّعُ عن أكلِ هذه الفريسةِ التي أتى بِها كلبُ مُعلّم واجبُ ، التورّعُ عنها واجبٌ لأنَّ دليلَ التحريمِ أقوى من دليل الإباحة عِندَ الفقهاء .
 هناك مثل أوضح : لو أنَّ إنساناً أكَلَ لحماً لم يُسمّ على ذبحِهِ فهُناكَ دليلانِ متعارِضان : الآيات الكريمة التي تأمر أن نأكُلَ مما ذُكِرَ اسمُ الله عليهِ ، وعندنا بعض الأحاديث كقول النبي عليه الصلاة والسلام :

(( المسلم يذبح على اسم اللّه تعالى ، سمى أو لم يسم))

[أخرجه الدار قطني عن ابن عباس]

 أحياناً يأتي دليلٌ موجِب ويأتي دليلٌ آخر فيه تساهُل أيُهما أقوى يجب أن أبحث عن الدليل الأقوى ، طبعاً هذا ليس من اختصاص عامّة المسلمين هذا من اختصاص الفقهاء ، من اختصاص المُفتين ، وللمفتين جمعٌ آخر هو المفاتي ، من اختصاص المُفتين أو المفاتي أي أن يبحثَ عن الدليل المُبيح والدليل غير المُبيح ويرى أيُهما أقوى ، فيُرجّحُ الدليلَ المُبيحَ أحياناً والدليلَ غير المُبيح أحياناً أخرى .
 الآن : أحياناً هناك رأي لبعض العلماء أنكَ إذا ذبحتَ ذبيحةً ووجدتَ في رَحِمِها جنيناً هل يُباح أن تأكُلَ الجنين ؟ في المذهب الحنفي لا يُباح ،

(( قاله قطرب وقال ابن سيده في

[المحكم]

 والعرب تقول : ذكاة الجنين ذكاة أمه ؛ قال ابن عطية : وهذا إنما هو حديث . وذكى الحيوان ذبحه ))

مادامت الأم قد ذُبِحت ذبحاً شرعيّاً فزكاة جنينها مشتقٌ من زكاتِها ، قال بعض العلماء أن أبا حنيفة لم يبلُغهُ هذا الحديث ، ولو بلَغَهُ لأجازَ أكلَ جنين الذبيحة من دونِ أن يتورّع الإنسانُ عن تركِ الجنين .
 على كُلٍّ هذا اسمه مزاحمةٌ بمعنى أنَّ آراء الفقهاء تُرجِّحُ عدمَ أكلِ الجنين ، لكن هناكَ حديثاً وَرَدَ عندَ بعض العلماء يُبيحُ أو يُؤكِدُ أنَّ ذكاة الجنين ذكاةُ أمِهِ ، إذاً لا ينبغي أن نَقِفَ عِندَ رأي بعض العلماء مادامَ هُناكَ رأي آخر نُرجّح . على كُلٍّ الشيء الذي أحبُ أن أقوله لكم : إنَّ أيّ عملٍ وافقَ أيّ مذهبٍ عن علمٍ أو عن غير علمٍ فهو صحيح ، لو أنَّ الإنسان صلى الوتر ركعتين بركعة صلى ركعتين ثمَّ سلّم ثمَّ صلّى ركعة ، لو صلّى الوتر بِلا دعاء القنوت ، لو قرأ دعاء القنوت بعد أن يقول : سَمِعَ الله لِمن حَمِدَ هناكَ مذاهب متعددة تُبيحُ كُلَّ هذا . . إذاً أيُّ صلاةٍ وافقت أيَّ مذهبٍ فهي صحيحة .

تعارض الأدلة :

 مازِلنا في تعارض الأدلة أي دليلٌ مُبيح ودليلٌ غير مُبيح ، لاشكَّ أنَّ الفِكرة تقوم على أيُهُما أقوى ، إن كانَ الدليل المُبيح أقوى أخذنا بهِ ، وإن كان الدليل المُحرّمُ أقوى أخذنا بهِ ، إذاً من أين تأتي الشُبُهة ؟ أنَّ هناك دليلاً مُبيحاً ودليلاً غير مُبيح متعارضان . . . هذا من عمل الفقهاء ، من عمل المجتهدين ، من عمل المُفتين . .
 أحياناً في بعض المسائل لا يُشتهرُ خِلافٌ إطلاقاً . . أي عندنا تعارض دليلين ، عندنا رأي لفقيه لو بلَغَهُ الحديث الشريف لَقَالَ بإباحته ، أمّا الصنف الثالث فألاّ يكون في المسألة خِلافٌ إطلاقاً ولكنَّ الدليل المُبيحَ ضعيف أي دليل آحاد .
 ماذا يقول الإمام الغزالي ؟ يقول : وقد اختلف الناسُ في خبر الواحد . . أي إنسان روى خبراً . . فمنهم من لا يقبله لأنَّ النَقَلَةَ الذين نقلوا هذا الخبر الواحد وإن كانوا عدولاً فالغلط جائز عليهم . . وتعرفون من هو العدلُ ، العدلُ صِفةٌ تلحقُ المُسلم تُقبلُ شهادتُهُ ، تُقبلُ روايتُهُ ، له مكانة تُبيحُ له أن يُؤخذَ منه . . هذا هو الإنسان العدلُ :

((من عامل الناس فلم يظلمهم ، وحدثهم فلم يكذبهم ، و وعدهم فلم يخلفهم ، فهو ممن كملت مروءته ، وظهرت عدالته ، ووجبت أخوته ، وحرمت غيبته))

[ مسند الشهاب عن علي بن أبي طالب]

 لكن لو أنَّ إنساناً أكلَ لقمةً من حرام ، أو طففَّ في الوزن بتمرة ، أو مشى في الطريق حافياً ، أو أطلقَ لبرذونه العنان . . أي أسرع في قيادة السيارة . . أطلقَ لفرسهِ العِنان ، أو قادَ برذوناً . . أي حيواناً مُخيفاً أفزعَ بِهِ المارة ، أو تحدث عن النساء ، أو تنزّه في الطرقات ، أو بالَ في الطريق ، أو لعِبَ الشطرنج ، أو علا صياحهُ في البيت حتى سمعهُ من في الطريق ، أو كان حديثه عن النساء ، أو صَحِبَ الأراذل ، إنَّ كُلَّ هذه الصفات إذا وُجِدَ أحدُها في الإنسان المُسلم جُرِحت عدالته ، فإذا عاملَ الناسَ وظلمهم سقطت عدالته ، إذا عاملَ الناسَ وكذبَ عليهم سقطت عدالته ، إذا عاملَ الناسَ وأخلفهم سقطت عدالته ، إذا عاهدهم فخانهم سقطت عدالته ، ويتضحُ لكم الفرق بين سقوط العدالة وبين جرح العدالة ، أن تأتي بإناء زجاجي فتُكسّرهُ بالمطرقة . . هذا سقوط العدالة . . أمّا أن يظهرَ شقٌّ في هذا الكأسِ نقول: العدالةُ جُرِحت ، الإنسان ليسَ له أن يأكُلَ في الطريق لِئلا تُجرح عدالته ، ليسَ له أن يرتدي ثياباً مبتذلة لِئلا تُجرح عدالته ، ليسَ له أن يكون حديثه عن النساء لِئلا تُجرح عدالته ، ليسَ له أن يصحب الأراذل لِئلا تُجرح عدالته ، ليسَ له أن يعلو صياحُهُ في البيت ، ليسَ له أن يأكُلَ لقمةً من حرام ، أن يُطفِفَّ بتمرة ، أن يُسرِعَ في قيادة السيارة ، أن يقودَ برذوناً ، أن يتنزّه في الطُرقات، أن يجلِسَ على مقهىً على الرصيف . . هذه الآن منتشرة جداً . . مقاهي الرصيف يجلسُ يتناول كوبَ شايٍ أو يحتسي كوباً من القهوة لينظر إلى المارة ، هذا مما يُسقط العدالة .
 إذاً : هؤلاء الذين ينقلون خبر الواحد وإن كانوا عدولاً فالغلطُ جائزٌ عليهم . . . . والكذبُ لغرضٍ خفيٍّ جائزٌ عليهم . . لغرضٍ خفيٍّ عنهم . . أحياناً يتلقى الإنسان خبراً مؤلماً، انظر إليه ماذا يفعل ، أول شيء يفعلُهُ أنهُ يُكذّبُ الخبر بشكلٍ عفوي .

من أنواع الشُبُهات أيضاً أن يأتي شيء لا دليلَ على إباحتِهِ إلا خبرُ الآحاد :

 قال علماء النفس : إنَّ الإنسان يُدافع عن نفسِهِ بادئَ ذي بدءٍ بتكذيب الخبر ، لو مثلاً أرسل تحليلاً فكانت النسبة مرتفعة جداً ، لاحظ إنساناً حلّلَ دمه فتلّقى النتيجة أنَّ هناك ارتفاعاً كبيراً في الكوليسترول . . لاحظهُ ماذا يقول : لابُدَّ أنَّ هذا المُحلل لم يُحسن التحليل أو أنَّ المواد الكاشفة ليست فعّالة . . هذا كذب أمّا هو فكذب غير مقصود ، كذب خفيّ عن صاحبه ، أحياناً الإنسان يأتيه خبرٌ عن ابنه يُكذبُهُ ، أي لا يستطيع تحمل هذا الخبر أنه مُنحرف مثلاً ، أو أنه أخذَ شيئاً ليسَ له ، يميل إلى التكذيب ، هذا التكذيب أو هذا الكذب غير مقصود ، خفيٌّ عن صاحِبِهِ ، أي لو فرضنا أنَّ شخصاً قام بتنبيه شخص إلى سلوك لا يُرضي من زوجتِهِ أول شيء ينفجر عليه . . هذا غير صحيح ، يُدافع عن نفسِهِ تِجاهَ هذا الخبر المؤلم بتكذيبه .
 إذاً هل هو موضوعيٌّ في تكذيبِهِ ؟ الجواب لا ، لكنَّ السبب الذي كذّبَ من أجلِهِ خَفِيَ عليه ، العلماء فسروه دفاع النفس عن ذاتِها ، دفاع داخلي ، فقال : وإن كان هؤلاء عدولاً فالغلط عليهم جائز ، أي مثلاً ممكن أن تفهم النص فهماً مغلوطاً ، ممكن أن تسمع كلمة لم يقلها القائل ، ممكن التوهم أنهُ قالَ كذا ، مادامَ الراوي واحداً .
 لماذا العلماء يُرحّبون كثيراً بالخبر المتواتر ؟؟ أحياناً تسمع الخبر من هذه الإذاعة وهذه الإذاعة وهذه الإذاعة ومن وكالات أنباء متعددة . . . كُلُّ هذه الأخبار تقاطعت على هذه الواقعة ، تُحِس أنَّ هذه الواقعة وقعت فعلاً لماذا ؟ لأنها متواترة ، أمّا أحياناً فيأتيكَ خبرٌ من مصدرٍ لستَ واثقاً منه ، خبر يُسمونه الفقهاء " آحاد " تقول : لعلَّ هناك غرضاً من ترويج هذا الخبر ، لعلَّ هناكَ مصلحةً من ترويج هذا الخبر ، لعلَّ هناك نفعاً ماديّاً ، لعلَّ هناكَ خطةً . . . . . إذا جاء الخبر من واحد أنتَ عندئذٍ تشُكُ في الأمر .
 لذلك هؤلاء العدول ، هؤلاء النَقَلةَ وإن كانوا عدولاً فالغلطُ عليهم جائز ، وجلَّ من لا يسهى ، والكذبُ بغرضٍ خفيٍّ جائزٌ عليهم ، كأني أخاف أن يُساءَ فهم هذه الكلمة ؛ الكذبُ بغرضٍ خفيٍّ عنهم جائزٌ عليهم ، هو لا يشعر إطلاقاً أنه يكذب ، أحياناً الأم عاطفتها التي ترتبطُ بابنها تجعلُها تذكُرُ محاسنهُ وتنسى عيوبهُ ، هذا أحد أنواع الكذب لكنَّ هذا غير مقصودٍ وخفيٌّ عن صاحبِهِ ، فالعدلُ جائز ٌعليه الكذبُ لغرضٍ خفيّ .
 والعدلٌ يُجيز عليه الوهمُ أو يتوهّمَ ، الآن في حياتنا اليومية كم التباس حصل بينكَ وبين إنسان ؟ أضرب لكم مثلاً قضية بلاغية في فقه اللغة : قالوا : كلمة مشجب " علاّقة " كُل إنسان يُعلّقُ عليها حاجةً في نفسِهِ ، لو فرضنا هناك غرفة فيها مشجب ، إنسان يُعلّق مظلة ، إنسان آخر يُعلّق معطفاً ، إنسان ثالث يُعلّق قميصاً ، إنسان رابع يُعلّق كنزة ، هذه الكلمة مشجب ، نُحضر مثلاً شخصاً يمشي في الطريق أستاذ جامعة لكن بِلا كُرسي أي أنَّ هناكَ شخصاً تنافسَ معه على هذا المنصب وناله ، لم يتسنّ له أن يُصبح أستاذاً بكُرسي ، أستاذ بكرسي نصابه ثماني ساعات ، له مكتب فخم ، رئيس مادة مثلاً كُرسي البلاغة ، كُرسي العروض ، كُرسي الأدب الحديث ، قواعد اللغة العربية . . . هذا كُرسي يكون في هذه المادة ثمانية مدرسين في الكُلية لهم رئيس ، رئيسهم هو صاحب هذا الكُرسي ، هو الذي يُقرر المنهج، نِصابه قليل ، وعمله في شيء من العمل الإداري ، فلو أنَّ هذا الأستاذ الجامعي الذي لم يُتح له أن يكون أستاذاً بكرسي سَمِعَ كلمة كرسي من إنسان في الطريق يبقى يسير ساعةً أو أكثر وهو يُفكر لِمَ لم أنل هذا المنصب ؟ لماذا نافسني عليه فلان وشهادته أقلُّ من شهادتي وخبرته أقلُّ من خبرتي ؟ لماذا أنا كذلك ؟ كيف أحتال حتى أصِلَ إلى هذا المنصب ؟ لماذا يُهضمَ حقي؟ ماذا علّقَ على هذا المِشجب ؟ يسمع كلمة كرسي حلاق ، عنده كرسيان في المحل وعليه ضغط، فإن أحضر كرسياً ثالثاً يخاف من المالية أن تُكلّفه بتكليف أكثر ، والكرسي الثالث يحتاج إلى صانع ، والصانع يحتاج إلى تأمينات إجتماعية . . . . ساعة يُفكّر في مجال آخر ، يمشي إنسان ثالث يسمع كلمة كرسي وهو تعب يتمنى كرسياً لكي يجلس عليه ، إنسان رابع يسمع كلمة كرسي وهو محتاج إلى كرسي للحمام يُفكر كيف سيأخذه ؟ هل يأخذه من الخشب أم من البلاستيك يحتار ماذا يفعل .
 انظروا للفهم ، الكلمة واحدة كلمة كُرسي . . حتى الصوفيين يقولون : أحدهم سمع بائعاً يقول : زعتر برّي . . يبيع زعتراً برّياً . . ، فهناك أحد العاشقين سمع هذا البائع يقول : ما أعظم بِرّي ، وهناك إنسان مرتبته أقل سمعه يقول : انظر ترَ بِرّي ، وهناك آخر غافل سمعه يقول : زعتر برّي . . الكلمة كلمة لذلك قالوا : نحنُ نفهم الأشياء كما نحنُ عليها لا كما هي علينا ، فالإنسان يفهم القرآن بحسب حُسن ظنه بالله عزّ وجل ، يفهم القرآن بحسب معرفته بالله ، لذلك أصحاب النبي الكريم قالوا : " أوتينا الإيمان قبل القرآن "
 إذا كان عَرَفَ الله ، عَرَفَ عدالته ، عَرَفَ رحمته ، يُفسّر الآيات تفسيراً يليقُ بكمالِهِ ورحمتِهِ وعدالتِهِ ، وأنَّ الله على صِراطٍ مستقيم . . هكذا . .
 موضوع العدول موضوع دقيق جداً ، لو أنَ هذا الحديث المُفرد نقله عدول يجوز عليهم الكذبُ لغرضٍ خفيٍّ عنهم ، ويجوز عليهم الغلطُ ، ويجوز عليهم التوّهمُ ، وقد يسبِقُ إلى سمعهم خِلافُ ما يقولُهُ القائل . . ألم يحدث معكم أنَّ إنساناً قالَ شيئاً ففهِمتُم خِلاَفَهُ . . نعوذ بالله أن نسمَعَ غيرَ ما يُقال لنا ، وأن نفهمَ غير ما سمِعنا ، وأن نقول غيرَ ما فهِمنا . .
 إذاً : أحد أنواع الشُبُهات أن يأتي شيء لا دليلَ على إباحتِهِ إلا خبرُ الآحاد . . هذا أيضاً شُبُهة يجبُ تركُها .

تناقض العلامات :

 من أنواع الشُبُهات تناقُض العلامات ، قُلنا قبل قليل اختلاف الأدلة ، الآن : تناقُض العلامات ، مثلاً قد يُنهبُ نوعٌ من المتاعِ في وقتٍ ويندرُ وقوعُ مثلِهِ من غيرِ نهبٍ . . أي نوع من أنواع البضاعة نُهِبت حصراً في كل الشام لا يوجد إلا صندوق من بضاعة معينة، سُرِقَ هذا الصندوق ، تجدُ قطعةً من هذه البضاعة بيد رجلٍ صالح ورعٍ تقي ، ما دامت هذه القطعة بيده فهذا دليل أنها حلال ، ومادامت هذه البضاعة لم تنتقل إلى أيدي الناسِ إلا سرقةً فهذا دليلٌ آخر على أنها حرام . . هنا دليلان متعارضان متعاكسان . . قال : هذا الأولَىَ تركُهُ ، قد تصل هذه البضاعة إلى يدِ هذا الرجل الصالح وهو لا يعلم أنها حرام ، وإذا سَبَقَ لِعلمِكَ أنَّ هذهِ البضاعة لم توجد في الأسواق إلا بشكلٍ غير مشروع . . الأولَىَ تركُ هذا الشيء . . هذا أحد أنواع اختلاف الأدلة . عندنا حالة ثالثة : إنسانانِ عدلانِ يُعطيان شهادتين متعاكستين كلاهُما عدلٌ ، أو فاسقانِ يُعطيان شهادتين متعاكستين أيضاً الأولَىَ تركُ هذا الشيء .

تعارض الأشباه في الصفات :

 عندنا موضع آخر في الشُبهات : تعارض الأشباه في الصفات ، مثلاً : إنسان أوصى بمالٍ له لطلبة العلمِ ، هنا عندنا خِلاف : الجاهل معروف أنه جاهل متفق على جهله ، والعالم معروف أنه عالم متفق على علمه ، لكن بين العالِم والجاهل آلاف الأشخاص بعضهم أقرب إلى العلمِ ، وبعضهم أقربُ إلى الجهلِ ، المُشكلة في هذه الدرجات بينَ الحالتين . . يا ترى هذا طالب علم ؟؟ ، طبعاً المشكلة تُصبح أوضح في المثل التالي ، مثلاً : الصدقات المصروفة إلى المحتاجين ، فإنه من لا شيء له معلومٌ أنه محتاج لا يملك شيئاً ، واقف في الطريق لا يوجد بيت ولا زوجة ولا أولاد ومريض ومقطوع . . هذا مُحتاج . . لا شيء عنده، ومن له مالٌ كثير معلومٌ أنه غني ، أمّا المشكلة ففي هؤلاء الآلاف المؤلفة الذين هم بين الغِنى الثابت وبين الفقر الثابت ، هُنا تكمنُ الحيرة . .
 الموضوع النبي الكريم حلّه ، كلمة الفقراء والمساكين العلماء لهم رأيٌ دقيقٌ فيهما قال: "إذا اجتمعا تفرّقا وإذا افترقا اجتمعا " حيث اجتمعا افترقا وحيث افترقا اجتمعا ، أي إذا قال الله عزّ وجل الفقراء والمساكين الفقراء أُناسٌ والمساكين أُناسٌ :

(( لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ أَوِ التَّمْرَتَانِ أَوِ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ إِنَّ الْمِسْكِينَ الْمُتَعَفِّفُ اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ( لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا))

[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 أي على افتتاح المدارس بحاجة إلى مصروف لأولاده ، دخله يكفيه طعاماً وشراباً فقط أمّا على موسم الشتاء فهو بحاجة إلى ألبسة ، لا يملك ثمن الألبسة ، منزله ملكٌ له قد اشتراه بستة آلاف وثمانمئة ليرة عام خمسة وستين الآن ثمنه مئة وعشرون ألفاً . . أخي يجوز أن نُعطيه وثمن منزله مئة وعشرون ألفاً !؟ ، إذا كان ثمنه مئة وعشرين ألفاً وإذا كان مليوني ليرة أو خمسة ملايين . . هذا المنزل مُستهلك ، فهُنا موضوع الخِلاف ، النبي الكريم فرّق بين المسكين والفقير ، الفقيرُ هو الذي لا يجدُ حاجتهُ أمّا المسكين فهو الذي ليسَ عنده شيء ، فإذا قال الله :

﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾

[سورة البقرة : 273]

 الفقراء شيء والمساكين شيء آخر ، الفقير لا تعرفه . . مرتد ملابسه :

﴿ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً ﴾

[سورة البقرة : 273]

 محتاج إلى دواء ، محتاج إلى عملية جراحية لا يملك ثمنها سوف يستقرض . . أصبح هذا القرض عِبئاً كبيراً عليه ، وسوف يقتطعُ من طعام أولادِهِ ما يفي لهذا القرض . . هذا الفقير . . منزله يملكه ، أمّا وإذا افترقا اجتمعا ، إذا قال الله : الفقراء فقط فالمعنيُّ بهم الفقراء والمساكين ، وإذا قال الله المساكين فالمعنيُّ بهم الفقراء والمساكين ، إذا اجتمعا تفرقا وإذا افترقا اجتمعا .
 قال : وكذلك الصدقات المصروفة إلى المحتاجين ، من لا شيء عنده معلومٌ أنه محتاج ومن له مالٌ كثير معلومٌ أنه غني ويتصدى بينهما رسائل غامضة ، كمن له دارٌ وأثاثٌ وثيابٌ وكُتب فإنَّ قدرَ الحاجةِ منهُ لا يمنع من الصرفِ إليه والفاضل يمنع ، هناك أُناس يقولون لك : هذا الإنسان لا يستحق ، أُناس يقولون : يستحق . . هنا القضية خِلافية ، هذا مسار الشُبُهات أحياناً .
 ينتهي موضوع الشُبهات ، المسار الرابع : الاختلاف في الأدلة : إمّا أن يكون الدليل المُبيح قوياً وإمّا أن يكون الدليل المُحرِّمُ قوياً ، وإمّا أن يُنقلَ الدليلُ الذي يُحِلُ من رجل واحد وهو خبرُ الآحاد ، وإمّا أن تختلف انطباق الصفات على الأشباه . وسوف ننتقل في درسٍ قادم إن شاء الله إلى موضوعات أخرى في الحلال والحرام .

* * *

سيرته صلى الله عليه وسلم مع جلسائِهِ وآدابِهِ معهم :

 الآن إلى بعض شمائل النبي عليه الصلاة والسلام ، أنا في كتاب إحياء علوم الدين لا أتكلم كُلَّ شيء لأنه شيء دقيق جداً ، أي هناك أشياء دقيقة لدرجة يصعُب متابعتُها من قِبل المستمعين ، تحتاج إلى قراءة متأنية مع استيعاب ، مع مراجعة ، مع بحث ، مع تمحيص ، مع إعادة ، مع سؤال ، مع جواب ، لكنَّ الشيء المهم جداً نقوله بشكلٍ مباشر .
 الآن : الحديث عن سيرته صلى الله عليه وسلم مع جلسائِهِ وآدابِهِ معهم .

1 ـ دائم البِشر :

 قال الحُسين رضي الله عنه : سألت أبي علي رضي الله عنه عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في جلسائِهِ فقال : كان عليه الصلاة والسلام دائِمَ البِشرِ أي طلق الوجه ، المؤمن طلقُ الوجه ، لا تحقِرنَّ من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاكَ بوجهٍ طلق ، أحياناً ربُّ العمل إذا كان طليقَ الوجهِ يبعث الطمأنينة والحماس فيمن حوله ، وإذا كان عبوساً قمطريراً يبعثُ الخوفَ والقلقَ والخوفَ والحُزنَ والتشاؤم فيمن حوله ، فالنبي عليه الصلاة والسلام كانَ دائِمَ البِشرِ أي أنَّ الابتسامة اللطيفة لا تُفارق مُحيّاه ، والابتسامة عملٌ صالح ، تبسُمُكَ في وجهِ أخيكَ صدقة ، وهناكَ أُناسٌ يضنونَ بالبسمة ، يضنونَ بالكلمة الطيبة ، يضنونَ بشيء لا يُكلفُهم شيئاً ولكن نفوسُهم الشيحة . .

2 ـ سهل الخلق :

 دائِمَ البِشرِ سهلَ الخُلُقِ ، أي لا يُحبُ المشاحنة :

(( غَفَرَ اللَّهُ لِرَجُلٍ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانَ سَهْلا إِذَا بَاعَ ، سَهْلا إِذَا اشْتَرَى ، سَهْلا إِذَا اقْتَضَى ))

[البيهقي عَنْ جَابِرٍ]

 ليسَ عنيداً ، ليس مشاحناً ، ليسَ قاسياً ، أميل إلى اللين . ليّنَ الجانب أي من عامله أحبه ، قيلَ في النبي عليه الصلاة والسلام : " من رآه بديهةً هابَهُ ومن عامله أحبَهُ "

3 ـ متواضع :

 متواضع ؛ قد يأنس به الصغير ، ويسعد به الكبير ، ويستعظمه العظيم ، ويُحبه القريب ، ويشتاق له البعيد .

4 ـ ليس بفظ :

 ليس بفظٍّ . . هناك إنسان فظ . .

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾

[ سورة آل عمران : 159 ]

 كلمته قاسية يقول له : أنت لاتفهم . . . أعتقد أنَّ الأمر على خِلاف ما ذكرت . . . كاذب . . هذه فظاظة . . ، ألا ترى معي أنَّ هذه الرواية عليها مآخذ ؟ سيدنا عمر كان يمشي في الطريق فرآى أُناساً يوقِدون ناراً فقال : السلام عليكم يا أهلَ الضوء ولم يُقل : السلام عليكم يا أهلَ النار . . هناك لُطف . . ، ربنا عزّ وجل قال :

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ *إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون : 5-7 ]

 هل هذه العبارة تخدشُ حياء الإنسان ؟ هل هذه العبارة مما تُحرج المُتكلّم ؟ يقول : لا حياء في الدين !! من قال لك ذلك ؟ الدين كُلُهُ حياء ، كُلُه أدب ، كُلُه خجل . . لا حياء في الدين . . لا . . من لا حياءَ له لا إيمانَ له ، الحياء والإيمان قُرِنا جميعاً فإذا رُفِعَ أحدُهما رُفِعَ الآخر .

5 ـ ليس بغليظ :

 ولا غليظ . . أحياناً يلتقي شخص في الطريق بشخص آخر يسأله أين ذاهب ؟ فيقول له : مشوار ، فيُريد هذا الشخص أن يُحقق معه ماذا يعمل ؟ أين يسكن ؟ ما اسمه ؟ وكلما سكت يسأله ويُضيّق عليه ، قد يكون له وضع خاص . . هذه غلاظة . . ، ليسَ بفظٍ ولا غليظ .

6 ـ ليس بصخّاب :

 ولا صخّابٍ ، أي هناك أُناس صوتهم مرتفع يُسمى عِندَ العوام على الموجة العالية، الصوت المنخفض سُنّة نبوية :

﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ﴾

[سورة لقمان : 19]

7 ـ ليس بفحّاش :

 ولا فحّاشٍ ، أي مزاحه كلُهُ مغشوش ، وكل مزاحه متدن ، أي في مجلس إذا كان الوالد مع ولده تجد الابن قد ذابَ خجلاً من والده ، واحمرَّ وجهه لأنه يتكلّم عن العورات ، وبالعلاقات الشائنة بين الجنسين ، ويقوم ويُمثّل . . هذا فحّاش . . ، اللهمَّ صلِّ عليه ليسَ بفظٍ ولا غليظٍ ولا صخّابٍ ولا فحّاشٍ .
 النبي الكريم رأى أحد بناته أو أحد نسائه ترتدي ثوباً رقيقاً فقال : لا تلبسي هذا الثوب إنه يصفُ - ماذا يتكلّم عليه الصلاة والسلام ؟ أي شيء يذكره عن المرأة يُثير- إنه يصفُ حجمَ عظامِكِ ، انظر لكلمة عظام هل تُحرَك شيئاً ، شاعر تغزّل بفتاة اسمُها سلمى فأخذَ عليه النُقّاد مآخذ كثيرة ، قال :

إنَّ سلمـى خُلِقت من قصبِ  السُـــــــــكر لا عظم الجمل
وإذا قدّمت منها بصلا ً غَلَبَ المِسكُ على ريح البصل
***

 ما هذا الغزل الذي فيه بصل وعظم جمل ؟ أي يتنافر ، قال : لا تلبسي هذا الثوب فإنه يصفُ حجمَ عظامِكِ ، لم يكُن فحّاشاً أبداً ، وربنا عزّ وجل قال :

﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً﴾

[سورة النساء : 43]

 انظر لكلمة لامستم النساء :

﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24)﴾

[سورة النور : 24]

 الجلود كنّى بها الله سبحانه وتعالى عن شيء ينبغي ألا يُذكر :

﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾

[سورة فُصلّت : 21]

 دقة القرآن الكريم ، روعة بيانه ، صياغته اللطيفة ، أحياناً الإنسان . . . . مجلة مثلاً يستفيد منها الأهل للخياطة فيها صور شائنة تُسبب حرجاً في البيت لابُدَّ من مقص للرقابة يقص هذه الصور أحياناً ، أمّا كلام ربنا عزّ وجل كائناً من كان يقرأه فليسَ فيه شيء يخدش الحياء ، فالإسلام ليسَ فيه حياء !!؟ الإسلام كله حياء ، هذا الذي يذكر العورات تحت ستار لا حياء في الدين فهذا يجهل الدين ، يجهل حقيقة الدين .

8 ـ ليس بعيّاب :

 ولا عيّابٍ ، شخص اشترى طقماً غالياً ، إذاً القماشة غالية والخياطة ممتازة ، يقول له شخص آخر : الخياطة غير جيدة ، الساعد لم يُخيّط بشكل جيد ، فخجل بنفسه ، فلا همَّ له إلا أن ينتقد ، أينما وقع بصره ينتقد ، هذا الإنسان لا يوجد عنده لباقة .

9 ـ ليس بمشاحن :

 ولا مُشاحن وفي رواية ولا مدّاحٍ ، أحياناً الإنسان يمدح الحاجة أكثر من الحد الطبيعي ، فماذا يحدث ؟ يبدو أنَّ هذا الإنسان مُحبٌ للدنيا ، أي إذا مدحت شيئاً فكُن مُعتدلاً في مدحِك ، إذا مدحت الشيئء فوقَ الحد المعقول شكَّ الناس في توازِنك .

10 ـ ليس بمزّاح :

 ولا مزّاحٍ ، هناك شخص أربعة أخماس كلامه مُزاح لا تعرفه جاداً أو أنه يمزح ، طبعاً هذا مما يُسببُ حرجاً . " من كثر مزاحُهُ قلّت هيبته " ليس معنى ذلك أنَّ المُزاح حرام ، كان عليه الصلاة والسلام يمزحُ ولا يمزحُ إلا حقاً ، مرةً أمسكَ بأحد أصحابِهِ من وراء ظهره ، وقال : من يشتري هذا العبد ؟ فقال هذا الصحابي : إذا تجدني كاسداً ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : أنت عندَ الله لستَ بكاسد ، مرةً قال لصحابي : أبشر بدخول الجنة ، فقال الثاني : وأنا ؟ الثاني أحرجه ، الأول في مستوى الجنة ، فقال له : سَبَقَكَ بِها عُكاشة ، جواب بمنتهى اللُطف .

11 ـ يتغافل عما لا يشتهي :

 يتغافل عمّا لا يشتهي ، في مجلسه صحابي تكلّم كلمة كان يجبُ ألاّ يقولها فلا يُعلّقُ عليها ، يتغافل عنها كأنه لم يسمعها ، إنسان تجشأ فعل ذلك كثيراً فقال له : كُفَّ عنّا جشأكَ . . . يتغافل عمّا لا يشتهي ، لا تحمروا الوجوه ، لا تُحرج الناس ، غلط وندم على الغلط فكأنه لم يقلها .

12 ـ لا ييئس منه راجيه :

 ولا ييئس منه راجيه ، أي إذا رجاه إنسان كان موطن راجيه ، ولا يخيبُ فيه راجيه .

13 ـ يترك المراء و الإكثار و ما لا يعنيه :

 قد تركَ نفسه من ثلاث : من المِراء : قال : سمعت هذا بركان كولومبيا قتل خمسة وثلاثين ألف شخص خلال يومين ، يقول الآخر : غير معقول أنا سمعت خمسة عشر ألف فقام الخِلاف بينهما . . . . . هذا المِراء ، فهذه ليسَ لها علاقة بالدين ، مررها له ، خمسُة وثلاثون ، هناك شخص عنيد يبقى على نِقاش حتى يقوم بتفشيل صاحبه . . هذا مِراء . . ، أما لو كانت القضية خِلافية في الدين فالسكوت عنها لا يجوز ، أمّا القضية فإخبارية .
 والإكثار : هناك شخص نفسه محور العالم أو محور الحاضرين . . سافرت وعدت وبعت واشتريت وسكنت ، وكأنهُ فقط هو الذي يجلس في المجلس ، فهذا الذي يجلس بجانبك ليس بتاجر ، أنت تتكلم عن رحلاتك وصفقاتك وفي أي فندق نزلت و . . . . . . فهذا لا يهم الحاضرين بل يتضايقون منه ، فهو يجب أن تكون حركاته وسكناته محور الحديث كله . . هذا الإكثار . . ، كان عليه الصلاة والسلام لا يتحدث عن نفسهِ إطلاقاً ، وما لا يعنيه .

14 ـ لا يذمُّ أحداً ولا يعيبُهُ ولا يطلبُ عورته :

 وتركَ الناسَ من ثلاث : كان لا يذمُّ أحداً ، ولا يعيبُهُ ، ولا يطلبُ عورته . . سمعنا البارحة الجار الفلاني قد تشاجر مع زوجته ما السبب يا تُرى ؟
 الشخص الفلاني لم يُنجب أولاداً فيا ترى منه أم من الزوجة ؟ . . ليس لكَ علاقة بكل هذه الموضوعات .

15 ـ لا يتكلّمُ إلا فيما رجى ثوابُهُ :

 ولا يتكلّمُ إلا فيما رجى ثوابُهُ ، والدارُ لهوٌ ، والذين هم عن اللهو معرضون ، وقال العلماء : كل ما سِوى الله لهوٌ .

16 ـ إذا تكلم أطرق جلساؤه :

 وإذا تكلّم أطرقَ جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير ، كان له هيبةً شديدة ومحبة فإذا سكتَ تكلّموا ، حيث أنه يتكلم فالكل له مستمعون ، غير ممكن أن يُقاطعه إنسان إلى أن يسكت ويقول : يافُلان تكلم فيتكلّم ، أمّا الشخص فيُقاطعُك أول مرة والثانية والثالثة ويقول لك "من غير قطع لحديثك " ، فإذا سكت تكلّموا لا يتنازعون عنده الحديث ، من مكانته العليّة عند أصحابِهِ لا يتنازعون عنده الحديث ، ومن تكلّمَ عِنده أنصتوا له حتى يفرغ ، من حق الأخ على أخيه أن يستمع له ، حديثهم عنده حديث أولهم ، دائماً التفوق والسبق والفوز . . حديث أولهم . . وليس حديث الضِعاف وحديث الكُسالى بل حديث المتفوقين السابقين السابقين .

17 ـ يضحك مما يضحك منه أصحابه :

 يضحك مما يضحكون منه ، أحياناً وهذه تحدث مع المدرس ، الطالب تصرّف تصرفاً مضحكاً فالطلاب ضحكوا . . المدرس لا . . ، اضحك معهم حيث أنَّ الموقف مُضحك والطلاب ضحكوا ضحكة بريئة فكُن أنت طبيعياً واضحك معهم ، إذا المدرس ضحك مع طلابه صار هناك شيء من الأُلفة ، أمّا الشيء مُضحك فعلاً والمدرس بقي ساكتاً ، عبوساً قمطريراً ، فصار هناك تفلُت ، كان عليه الصلاة والسلام يضحكُ مما يضحكون منه . . جُبران خاطر أحياناً ، شخص روى لكَ نكتة فلم تضحك فشعر بنفسه بالخجل ، أي أنها ليست مضحكة ، لو لم تكُن مُضحكة اضحك ضحكة خفيفة كي لا يخجل بنفسه .

18 ـ يتعجّب مما يتعجب منه أصحابه ويصبر للغريب على الجفوة :

 ويتعجّب مما يتعجبون منه ، ويصبر للغريب على الجفوة ، قال : اعدل يا مُحمد، قال : ويحك من يعدل إن لم أعدل ؟ أي عليه الصلاة والسلام تحمله ، أحدهم قال له: أعطني مما أعطاكَ الله فأعطاه وسأله هل أحسنت إليك ؟ فأجاب لا أحسنت ولا أجمِلت ، فأصحابه الكِرام كادوا يثبون عليه فقال لهم النبي : دعوه لي ، أخذه إلى البيت وزاده عطاءً وسأله هل أحسنتَ إليك ؟ فأجاب نعم أحسنتَ وأجملت ، فقال له النبي : لقد سألتنا فأعطيناك فقُلت ما قُلت وفي نفسِ أصحابي شيء فإذا خرجت لعندهم الآن فقُل لهم مِثلَ ما قُلتَ لي ، خرجَ النبي مع هذا الأعرابي وقال : إنَّ هذا الرجل جاءنا فسألنا فأعطيناه ، فقالَ الذي قال فلمّا زِدناه رضي، أكذلك يا أعرابي ؟ قال : نعم أحسنتَ وأجملت وانصرف ، قال : مَثَلَي ومَثَلُ هذا الأعرابي كمَثَلِ رجل له ناقةٌ شردت منه فجعَلَ أصحابَهُ يتبعونها حتى زادوها شروداً فقال : خلّوا بيني وبينها ، فطلبها وأعطاها بعض خشاش الأرض إلى أن لانت ، فقال لو تركتكم وشأنكم لهلكتُم وهَلَكت . . انظر للرِقة . . كان عليه الصلاة والسلام يصبر للغريب ، أحياناً يدخل أخ جديد ويقول : السلام عليكم ، هذه خِلاف الأصول الإسلامية حيث أنه في مجلس العِلم لا يوجد سلام ، فإذا قال له أحدهم بصوت خفيف : وعليكم السلام يكون قد خففَ من خجلِهِ . . هذا غريب لا يعرف . . ، أحد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أثناء الصلاة عطس فقال له الآخر : يرحمكم الله ، فأصحاب رسول الله ضربوا على أرجلِهم فخاف هذا الرجل وبقي بخوف شديد حتى انتهت الصلاة طلبه الرسول عليه الصلاة والسلام وقال له : إنَّ هذا الكلام لا يصحُ في الصلاة، فقال هذا الأعرابي فوالله ما رأيت معلماً أحكمَ منه والله ما كهرني ولا نهرني . . إنه لا يعرف .
 أحياناً يأتي طفل ليُصلي أول مرة في الجامع فلا يعرف أن يقف ، فيُقال له : عُد للخلف يبقى مُعقّداً ، قال لي شخص : أنا الدين كله أحببته حيث دخلت إلى الجامع منذ صَغري وكنت قد اشتريت حذاء جديداً وعندما خرجت لم أجده فبكيت " الجامع في سوق الحميدية " فشاهده تاجر وسأله فقال له ما جرى ، فقال التاجر له : تعال واشترى له حذاء بدلاً منه ، هذا الموقف مع هذا الطفل الصغير طيلة حياته يُحب الصلاة ، طفل دخل إلى الجامع قُم بتدليله وإكرامه وإذا صلّى في الصف الأول ما المانع ؟؟ أحياناً يجلس على قدميه فينهره شخص ويقول له : اجلس جيداً . . ليست هذه في الأساس الدعوة إلى الله . . هذه فظاظة . . من أمرَ بمعروف فليكن أمره بمعروف ، هذا الطفل عبد الإحسان ، عليه الصلاة والسلام كان يتصابى للصبيان قال : من كان له صبيٌ فليتصاب له ، إذا مرَّ في الطريق وكان فيه صبيان يقول : السلام عليكم يا صبيان .
 فلذلك كان عليه الصلاة والسلام يصبر للغريب على الجفوة في منطقِهِ ومسألتِهِ حتى إن كان أصحابهُ ليستجلبونهم ويقول : إن رأيتم طالِبَ حاجةٍ فأرسلوه .

19 ـ لا يقبل الثناء إلا من مُكافئ :

 لا يقبل الثناء إلا من مُكافئ ، إنسان سفيه يمدحه لا يرضَ ذلك ، يقبل الثناء من إنسان بمستواه راق ، لأنَّ مدح السفيه سفاهة ، ومدحُ السفيه إهانة .

20 ـ لا يقطع على أحدٍ حديثه :

 ولا يقطع على أحدٍ حديثه ، قال : وتراه يُصغي للحديثِ بسمعِهِ وقلبِهِ ولعلّه أدرى بِهِ حتى يجوز – أي يجاوز الحق - فيقطعه بنهيٍ أو قيام .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS