6890
الفقه الإسلامي - موضوعات متفرقة - الدرس 15 : تتمة صفات المتعلم.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1985-01-20
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

تتمة صفات طالب العلم :

10ـ أن يحترز الخائض في العلم في مبدأ الأمر عن الإصغاء إلى اختلاف الناس :

 أيها الأخوة الكرام : الصفة الرابعة التي ينبغي لطالب العلم أن يتصف بها أن يحترز الخائض في العلم في مبدأ الأمر عن الإصغاء إلى اختلاف الناس ، أي هناك موضوعات خلافية في الدنيا والآخرة ، موضوعات في الدنيا خلافية وموضوعات في الدين خلافية ، وهناك موضوعات مختلف عليها ، فإذا بدأ بالخلافيات ضاع في شعابها وإذا ترك الخلافيات وبدأ بالمتفق عليه من منا لا يتفق ؟ جميع الملل والنحل ألا توقن أن لهذا الكون إلهاً عظيماً ، هذه حقيقة متفق عليها ، فكّر في هذا الخط في عظمة الله عز وجل ، في خلق الإنسان ، في خلق الحيوان ، في خلق النبات ، في خلق الجبال ، في خلق السحاب ، في خلق السهول ، في خلق الأنهار ، في خلق البحار ، في خلق القمر ، في خلق الشمس ، في خلق الكواكب السيارة ، في خلق المجرات ، هذا باب كلما زدت فيه خوضاً ازددت من الله قرباً وتعظيماً ، وهذا باب لا خلاف فيه ، لا يمكن لفئة من المسلمين أن تختلف في هذا الباب ، فالمشكلة أن الذي يبدأ طريقه في الإيمان في الخلافيات يضيع في شعابها ، والذي يرد الله به خيراً يبعده عن هذا الطريق .

11-الابتعاد عن الخلافيات في الدين و الاهتمام بالجوهر :

 سأل تلميذ أستاذه إذا سرت في جنازة فكيف أسير ؟ أمامها أم خلفها ؟ عن يمينها أم عن شمالها؟ فقال هذا الأستاذ : لا تكن في النعش وسر حيث شئت ، الموضوعات الخلافية لا تقدم ولا تؤخر ، الشيخ محي الدين- سلطان العارفين - رضي الله عنه هكذا قال الصوفيون، وقال عنه بعض المسلمين : إنه كافر ، الشيخ محي الدين له عند الله مقام لا يرفع هذا المقام قول أناس : إنه سلطان العارفين ، ولا يجرح هذا المقام قول أناس : إنه كافر ، تلك أمة لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كنتم تعملون ، هذا حديث البحث فيه لا يقدم ولا يؤخر قال تعالى :

﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ﴾

[ سورة البقرة : 134]

 هذا موضوع البحث فيه لا يقدم ولا يؤخر ، الخلاف بين سيدنا علي وسيدنا معاوية :

(( إذا ذكر أصحابي فأمسكوا ))

[ الطبراني عن ابن مسعود]

 دع هذا الباب من الخلافيات رضي الله عنهم أجمعين :

(( أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ))

[ الدارمي عن جابر]

 أي إذا الإنسان صادق يصرفه عن هذه الموضوعات كلها ، هذه الموضوعات غير مجزية ، موضوعات لا تقدم ولا تؤخر ، لا ترقى بالإنسان ، أما إذا فكرت بآيات الله امتلأت نفسك عظمةً لله ، إذا عملت عملاً صالحاً اقتربت من الله ، أي الشيء المجدي المعرفة والعمل، والمعرفة والعمل لا خلاف فيهما إطلاقاً بين كل الفرق الإسلامية ، لذلك النبي الكريم قال :

((قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ))

[ ابن ماجه عن العرباض ]

 زارني أخ كريم وسألني أنه كان يوجد عقد قران وحضر رجل دين ، وهذا الرجل ألقى كلمة وقال في هذه الكلمة إنه لا يحب أن يحضر عقود نكاح لأنه يوجد من يصور ، وإن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون ، وأن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة ، فسألني ما رأيك ؟ فقلت : رأي واضح هذا قول النبي الكريم عليه الصلاة والسلام ، أما المشكلة فقلت له: السائل يشبه إنساناً يركب سيارة ويسير في الطريق ، احترق المحرك وبرك في أرضه ، نظر فوجد المرآة فيها برغي يحتاج إلى شد ، فانزعج كثيراً ، يجب أن يكون انزعاجك ليس من المرآة بل من المحرك الذي احترق ، هذا يزعج أكثر ، يوجد أشياء أساسية تركها في الدين وتابع موضوع الصورة فدخل في متاهة الصورة ، يا ترى إذا أحضرنا شفرة و مزقنا الصورة هل تزول الحرمة ؟ إذا وضعناها بمكان مهان ؟ طبعاً تزول ، إذا صور طبيعية غير محرمة ، هذه تفصيلات ، الشيء الذي أعمل عليه أن يبحث الإنسان عن جوهر الدين ، جوهر الدين أن تعرف الله ، وإذا عرفته استقمت على أمره ، وإذا استقمت على أمره أحببته وتقربت إليه بالعمل الصالح ، هذا هو الدين كله ، كما قال سيدنا عمر للبدوي ، قال له : بعني هذه الشاة ، فقال له: ليست لي ، قال له : قل لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب ، قال له : والله لو قلت له ماتت أو أكلها الذئب لصدقني فإني عنده صادق أمين ولكن أين الله ؟
 هذا هو ، انظر الإمام الغزالي رضي الله عنه يقول : " على طالب العلم أن يبتعد عن الخلافيات " المعتزلة ، والجبرية ، والفئة الفلانية ، والموضوع الخلافي ، الرجم إما بالقتل ، إما بجلد الزاني ، ماهو دليلك وما هو قولك ؟ وهكذا قال أبو حنيفة ، حتى أنه صار نوعاً من الشطوط أما الحنفي فلا يصلي وراء الشافعي ، وأن الشافعي لا يسمح بتزويج ابنته من حنفي ، ما هذا ؟ هذا شطط ما أراده الله عز وجل .
 الدين له جوهر ، الإمام الغزالي يقول على طالب العلم أن يحترز في مبدأ الأمر عن الإصغاء إلى خلاف الناس سواء أكان ما خاض فيه من علوم الدنيا أو علوم الآخرة ، أي نصيحتي لوجه الله ابتعد عن الخلافيات ، الخلافيات لا تجدي لا تقدم ولا تؤخر .

الابتعاد عن الخلافيات لأنها تحير الذهن و توقع في اليأس :

 قال : اسلك في إقناع الآخرين كل طريق إلا أن تناقشهم ، المناقشة تسبب تشنجاً ، تعصباً ، لأنك إذا ناقشته وغلبته تسبب تعصباً ، جرحت له كرامته ، لا يتراجع ، فاسلك كل طريق إلا المناقشة ، المؤمن عندما ينتهي من المتفق عليه يبدأ بالخلافيات ، المتفق عليه لا يبق منها ولا ذرة فهذا الذي أريده ، وهذا الذي جاء في هذا الكتاب القيم إحياء علوم الدين ، على طالب العلم أن يبتعد عن الخلافيات .
 قال : لو أنه خاض في الخلافيات فإن ذلك يدهش عقله ، ويحير ذهنه ، ويفتر رأيه ، ويوقع في اليأس عن الإدراك والإطلاع ، طبعاً في التدريس يوجد توجيهات تضعها الوزارة لمؤلفي الكتب ، طبعاً في المرحلة الثانوية لا ينبغي لمؤلف الكتاب أن يذكر خلافاً بين العلماء في كتاب المدرسة ، الطالب يتشوش ، البصريون يعربون هذه الكلمة مثلاً : رأيت فلاناً تحت الشجرة ، تحت الشجرة شبه جملة ، الكوفيون يعربونها متعلقة باسم محذوف ، هذا لا ينبغي أن يكون في التعليم الثانوي ، الطالب يتشوش ، في التعليم الثانوي ينبغي أن تكون الحقائق واضحة و واحدة ، تشعب خلافيات ، أمور معقدة هذا لا يجوز ، أيضاً طالب العلم هذه الأمور الدقيقة ، هذه الخلافيات بين كبار العلماء ، هذا شيء ليس وقته الآن ، إذا وصلت إلى الأساسيات عندئذٍ أنت قادر على الخوض في الخلافيات .
 ضرب الإمام الغزالي مثلاً واضحاً جداً ، قال : من يلقي نجاسة يسيرة في كوز ماء ويتعلل أن أضعاف هذه النجاسة قد تلقى في البحر ، والبحر أعظم من الكوز ، فما جاز للبحر فهو للكوز أجوز ، تجد أسيقة مدينة بكاملها تلقى في البحر ، وماء البحر طاهر ، فإن جئت بنجاسةٍ يسيرة وألقيتها في كوز ماء لغلبت النجاسة طهارة الماء وصار الماء نجساً ، ولو جئت بنجاسة كبيرة وألقيتها في البحر لغلب ماء البحر هذه النجاسة وصار ماء البحر طاهراً ، إذا الإنسان شبه نفسه بالبحر هو كوز ماء ، دخل في الخلافيات وتشعبت نفسه ، هذه الخلافيات تأخذ على قلبه ، وتأخذ على مجامع قلبه ، وتفسد عقيدته ، وتوقعه باللامبالاة ، والشكوك وما شاكل ذلك ، لكنك إذا صرت كالبحر مهما قرأت من خلافيات أنت أنت لأنك عرفت الحق ، ومن عرف الحق لا يزيغ عنه أبداً ولا يحيد .
 قال : ولا يدري المسكين أن البحر بقوته يحيل النجاسة ماءً فتنقلب عين النجاسة باستيلائه إلى صفته - الطهارة - والقليل من النجاسة يغلب على الكوز ويحيله إلى صفته ، وإلى مثل هذا جوز للنبي صلى الله عليه وسلم ما لا يجوز لغيره .
 إذاً الإنسان لا يدعي أنه بحر ولا يتأثر ، فإذا دخل بالخلافيات ربما وقع في الترهات ، وقع في المشكلات ، و زاغت نفسه ، ودخل إلى قلبه الشك ، أما إذا بدأ بالأساسيات وتمكن فعندئذ نقول له : اقرأ ما شئت ، وناقش من شئت ، وجادل من شئت ، فأنت من عرف الحق ، ومن عرف الحق لا يزيغ ، هذه الصفة ينبغي أن تكون بين أيديكم .

12 ـ ألا يدع طالب العلم فناً من العلوم المحمودة إلا وينظر فيها نظراً يطلع به على مقصده

 شيء آخر على طالب العلم أن يعرفه ، ألا يدع طالب العلم فناً من العلوم المحمودة ولا نوع من أنواعها إلا وينظر فيها نظراً يطلع به على مقصده وغايته ، هذا مثل قرأته: تعلم كل شيء عن شيء وشيئاً عن كل شيء ، أي أن تعرف الله عز وجل في هذا المجال تعمق ، و اذكر الله ذكراً كثيراً ، وتقرب إليه بالدعوة إليه ، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصلة الرحم ، وعيادة المريض ، والإحسان إلى الآخرين ، وإرشاد الرجل في أرض الضلال ، وأن تهدي الأعمى ، وأن تعين اليتيم ، وأن تعطف على المسكين ، وأن تحضر مجالس العلم في هذا المجال مهما تريد ، تعمق ولكن لا يوجد مانع أن تلم بعلم الفرائض ، و بحث البيوع ، لأنك تبيع وتشتري ، يوجد قضية : بائع باع بيتاً و اختلف مع الشاري ، الشاري اعتقد أن البيت بمئة ألف والذي باع البيت قال بمئة وعشرة آلاف ، صار هناك منازعة ، إذا الإنسان قرأ البيوع صار الأمر سهلاً عليه ، إذا حصلت منازعة بين البائع والشاري فالقول قول البائع ، والشاري بالخيار انتهى الأمر لا تحتاج إلى مشاكل .
 إذا الإنسان ألمّ بعلم البيوع ، ألمّ بأحكام الآجار ، الوديعة ، الوكالة ، الحوالة ، أحكام اللقطة ، أحكام العبادات بشكل متقن ، إذا نسي فرضاً أو واجباً كيف يسجد للسهو ؟ سجود التلاوة ، هذا كله إلمام فيه ، عندك أصول ، وعندك فروع ، أنا لا أطالب الأخ الكريم بالفروع ، أما الأصول فلابد منها ، تعلم كل شيء عن شيء ، وشيئاً عن كل شيء .
 مثلاً في عقد المخالعة إذا كانت المخالعة بدأت من الزوج ، قد خالعتك من عصمتي على أن تبرئيني من المهر المعجل والمؤجل ، تقول له : قد قبلت ، صارت مخالعة ، وهذه المخالعة خطأ وهي طلاق لأنها بدأت بالزوج ، المخالعة الشرعية يجب أن تبدأ بالزوجة ، اخلعني من عصمتك وخذ مهري ، يقول لها : قد قبلت لأن المخالعة طلقة بائنة ، أما إن كانت طلقة واحدة كان بإمكان الزوج أن يردها ثانيةً ضمن العدة ، فيجب أن نعرف شيئاً عن الطلاق ، عن الخلع ، عن الطلاق البائن بينونة صغرى ، بينونة كبرى ، إذا الإنسان حلف طلاقاً وهو غاضب ما حكمه ؟ إذا حلف مع صديقه طلاقاً على زوجته هل تُطلق ؟ ما أحكام هذه الأمور ؟ رأي الإمام أبي حنيفة ، رأي الإمام الشافعي ، هذه الأشياء نعيشها ، يجب على الإنسان أن يلم بهذه الأشياء ، إذا إنسان عمله بالتجارة فرض عليه أن يعرف البيوع ، لأنه يوجد أحكام ربح ثابت صار ربا ، أنا سوف أؤجرك هذا المحل بفروغ كذا وهذا المحل له أجرة ، و رجل وضع فروغاً ويريد أجرة الفروغ ، هذا صار ثابتاً ، أخذ بالمئة سبعة ونصف من قيمة الفروغ لا أدخله شريكاً على الربح والخسارة ، لي أقرباء اشتروا بيتاً و احتاجوا إلى مبلغ من المال ، اقترضوا مبلغاً والشرط أن يرد كما اقترض وأعطوهم أجرة البيت ، الأجرة ربا ، متى تصبح حلالاً ؟ إذا كان بعد أن صار مالك البيت بإمكانه أن يرد المبلغ ، البيت يقيّم من جديد فلو أن البيت هلك ، مقسم بالعمار جاهز ، رجل قال : أنا أدفع لك مبلغاً ولكن أريد أن يعود كما هو ، صدر قرار وصار المقسم للدولة ، هذا الذي دفع القرض إذا أراد أن يأخذ قرضه كما دفعه بالإضافة إلى الأجرة صار ربا ، وطالما أنه يوجد ربح وخسارة فهذه ربا ، موضوع الآجار ، والشراكة ، أحياناً يأخذ الإنسان مبلغاً من رجل يعطيه بالمئة عشرة في السنة ويقول : أنا لا أحب الحسابات ، أتحب أن تأخذ بالمئة عشرة هذا عين الربا ، هذا عمل البنك نفسه ، إذا لم تقم بالجرد والحساب الدقيق على الربح والخسارة صار الربح ثابتاً .
 رجل أجّر سيارة وقال : أنا أريد كل يوم مئة ليرة ، يجب أن تعطي حساباً إذا لم يعمل بمئة ليرة ماذا يفعل هذا السائق ؟ يجب أن يكون هناك اتفاق دقيق .
 لذلك على طالب العلم ألا يدع فناً من العلوم المحمودة ولا نوع من أنواعه إلا وينظر فيه نظراً يطلع فيه على مقصده وغايته ، لكن عليك ألا تذهب عمرك بكامله في بعض كتب الفقه ، يوجد كتب فقه مؤلفة من عشرين أو ثلاثين جزءاً ولها حاشية ومتن وحاشية الحاشية، و القراءة تحتاج إلى جهد جبار ، ويوجد حالات لا تقع بحالاتها ، إذا وقعت فأرة ببئر ، وإذا لحقت بها قطة ، وأثناء الهروب بولت ، لها حكم آخر ، وإذا لم تلحق بها قطة لها حكم ثان، تدخل في متاهات ، ترى نفسك ضعت ، هل هذا هو الدين ؟
 رجل توضأ في ماء الحمص ما حكمه ؟ ماء الورد ، يوجد أشياء سموها الفقهاء أرأيتية ، أرأيت لو أنه فعل كذا وكذا ، أحد الصحابة رضي الله عنه عرضوا عليه قضية من هذا القبيل قال : حينما تقع نفتي بها .
 خمسون رجلاً يمسك بعضهم ببعض أول واحد لمست يده بكلب أصبح نجساً ، هذه مشكلة ، يوجد أشياء أعظم من ذلك ، العمر ثمين وقصير فكر في ملكوت السموات و الأرض قال تعالى :

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[ سورة آل عمران : 190-191 ]

العلوم إما سالكة بالعبد إلى الله أو معينة على السلوك :

 الإمام الغزالي يقول : " ....فالعلوم على درجاتها إما سالكة بالعبد إلى الله تعالى أو معينة على السلوك ، نوع من الإعانة ولها منازل مرتبة في القرب والبعد من المقصود " أي يوجد علوم تسلك بك إلى الله ويوجد علوم تعينك إلى السلوك إلى الله ، لذلك في درس سابق قلت لكم: يوجد علوم تشبه المقدمات ، وعلوم تشبه المتممات ، ويوجد عندنا أصول ، وفروع ، الأصول كتاب الله وسنة رسول الله ، الفروع الاستنباطات ، ما يستنبط من كتاب الله ، ما يستنبط من سنة رسول الله ، المقدمات اللغة العربية ، المتممات علم التجويد .
 السعيد الذي يركز كل جهده على الأصول والفروع ، ويلم بالمقدمات والمتممات ، أما إذا اكتفى بالمقدمات ، إذا أراد إنسان أن يذهب إلى الحج واعتنى فقط بزوادته ، هل الحج فقط طعام وشراب ؟ شخص موجود من يومين عند أحد أصدقائي حج السنة الماضية سأله إن شاء الله سررت ؟ فقال له : سررنا كثيراً سبحان الله ، و قال بشكل طبيعي دون أن يشعر بنفسه أكلنا فريكة ، وذكر له طعاماً نادراً أكله في الحج ، سبحان الله الحج فريكة فقط ؟؟ وأنا أجلس وأستمع هذا لم يعرف شيئاً عن الحج ، الحج لقاء مع الله عز وجل .

13 ـ ألا يخوض في فن من فنون العلم دفعةً بل يراعي الترتيب :

 الخاصة السادسة لطالب العلم ، ألا يخوض في فن من فنون العلم دفعةً بل يراعي الترتيب ، يبتدئ بالأهم فإن العمر إذا كان لا يتسع لجميع العلوم غالباً فالحزم أن يأخذ من كل شيء أحسنه ، ويكتفي منه بشمله ، ويصرف زمام قوته في الميسور من علمه إلى استكمال العلم الذي هو أشرف العلوم وهو علم الآخرة ، وعلى الجملة فأشرف العلوم وغايتها معرفة الله عز وجل ، النبي الكريم صلى الله عليه وسلم سلك مع أصحابه طريقاً ، والآن في المعاهد والجامعات وكليات الشريعة يسلكون مع الطالب طريقاً ، النبي الكريم عرّف أصحابه بالله أولاً فلما عرفهم به سهل عنهم أن يبذلوا دماءهم في سبيل الله ، الآن عرف الإنسان بأحكام الصلاة لا يصلي ، عرف الإنسان بنواقض الوضوء وهو لا يصلي أبداً ، هذه معلومات ، أما إذا عرف الله عز وجل هو يسألك كيف أتوضأ ؟ علمني إذا عرفته بالله عز وجل أولاً يستقي ، وقرأ القرآن يفهمه ، إذا لم يعرفه وقرأ القرآن يفهمه فهماً معكوساً يقول لك : تعال وانظر هذه الآية القرآنية الله عز وجل يقول :

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾

[ سورة السجدة : 13]

 معنى هذا الموضوع بيده وليس بيدنا ، إذا أحب أن يهدينا وإذا أحب لا يهدينا ، يقرأ آية ثانية قال تعالى :

﴿ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾

[ سورة آل عمران : 105 ]

 كأنه يعفي نفسه من الجهد ، النبي الكريم عرّف أصحابه بالله أولاً فلما قرؤوا القرآن فهموه على حقيقته ، بينما إذا عرّفت الإنسان بأحكام الدين أولاً لا يطبقها يتحايل عليها ، أي شخص يريد أن يزكي عن ماله فرأى أن المبلغ كبير ، ثلاثون ألفاً ، نفسه ما سخيت به فوضعه في كيلو خبز ومن ثم جاء إلى فقير وقال له : خذ هؤلاء ، فقال له : أتبيعيني الخبز بخمسة وعشرين ليرة ؟ هو يظن أنه دفع زكاة ماله ، هذا علم الحكم قبل أن يعرف الله .
 يوجد شخص آخر قال : أنا أسكن مع زوجة أخي كيف أراها ؟ فقال له رجل: الموضوع سهل جداً ، أحضر بنتاً من الحارة ترضعها امرأة أخيك واكتب على هذه البنت واعقد العقد عليها ، تصبح امرأة أخيك حماتك ، طلق البنت ، والحماة على التأبيد ، دون غطاء ينظر إليها ، هذا تعلم الفقه قبل أن يتعرف إلى الله ، هذه الحيلة لا تنطلي على الله ، أنا أريكم نماذج عندما الإنسان يتعرف الفقه قبل أن يعرف الله .
 الآن صندوق شاي لا يوجد غيره ، بيع وشراء ، أفخر أنواع الشاي السيلاني ، يأتي رجل يريد صندوق شاي بكامله ، هذا الصندوق ثمنه ألف ليرة ، يقول له : اشتريت ولكن ديناً ، بعد أن اشتراه يقول له : تشتريه مني ، يقول : نعم ، بثمانمئة ، يعطيه ثمانمئة ، تعلم الفقه ولم يعرف الله عز وجل ، هو مرابي عند الله عز وجل ، إن كان في بلد فيه شاي بشاي ، وإن بلد فيه سجاد بسجاد ، سكر ، يبيعها ديناً ويشتريها نقداً ، تعلم الفقه ولم يعرف الله عز وجل .
 شاهد امرأة أخيه ضمن الشرع ، وتهرب من زكاة ماله ضمن الشرع ، وأكل الربا ضمن الشرع ، فلما الإنسان تعلمه الفقه فقط يتحايل عليه ، أما إذا عرفته بالله عز وجل اختلف الأمر ، هذه على الله لا تجوز ، إن الله ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ، الله ينظر إلى النوايا ، يعلم السر وأخفى، هذا المحذور ، النبي الكريم عرفنا في بداية الدعوة بالله عز وجل ، فلما عرف أصحابه ربهم باعوا أنفسهم ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾

[سورة التوبة : 111]

أشرف العلوم وغايتها معرفة الله عز وجل :

 إذا أردت أن تبدأ بالعلوم ابدأ بالأساسي أولاً ، الأساسي معرفة الله ، لذلك الصحابة الكرام قالوا : " أوتينا الإيمان قبل القرآن " وربنا عز وجل في آية واحدة في القرآن أشار إلى ذلك، قال تعالى :

﴿ قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً ﴾

[سورة الإسراء : 107]

 إذا كنت تعرف شخصاً معرفة متينة جداً ، و هو في قمة النزاهة ، والورع ، والإخلاص ، والتقى ، وأنت جالس معه في غرفة والمعطف معلق ، فمد يده إلى المعطف وأخذ ورقة ، أنت تقول : هذا معطفه ، فقام ولبس معطفاً غير هذا المعطف ، قال له صديقه : خذ من جيبي ورقة الكهرباء وادفعها لي ، أنت تعرفه معرفة متينة تفسر هذا العمل بما يليق بمقامه أما إذا لم تعرفه فتقول : مدّ يده على جيب صديقه ويمكن أخذ خمسمئة ليرة ، فأنت إذا عرفت الله عز وجل أولاً تقرأ القرآن وتزداد إيماناً بالله ، لا يسأل عما يفعل ، معناها واضح مثل الشمس لكثرة عدالته ، لأن عدله يسكت الألسنة .
 الآن إذا أب وزع الفاكهة على الأبناء بالتساوي ، وزع الحلوى بالتساوي ، المال بالتساوي ، لا أحد يتكلم كلمة ، أما إذا وزعها بغير التساوي فيتقاتلون وينتقدون الأب ، أنت لا تحبني وتحب أخي أكثر مني ، متى يكون الاعتراض ؟ إذا كانت العدالة غير موجودة ، وإذا كان الإنسان لا يعرف الله لا يستجيب له ، لا يسأل عما يفعل لأنه عادل ، عدله يسكت الألسنة، يجب أن تعرف الله قبل أن تقرأ القرآن الكريم ، إذا عرفت الله قبل أن تقرأ القرآن الكريم فهمت هذه الآية :

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[سورة التغابن : 16]

 يقول لك : على قدر استطاعتك إذا لم يعرف الله عز وجل ، على قدر ما تستطيع، يوجد فرق كبير بين الاثنتين واحدة الحد الأدنى ، والثانية الحد الأقصى ، إذا عرفت الله عز وجل قال تعالى :

﴿ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ﴾

[ سورة المدثر : 56 ]

 الله عز وجل يستحق أن تبذل من أجله الغالي والثمين ، والنفس والنفيس هكذا .
 النبي الكريم سلك هذا المسلك عرّف أصحابه بالله أولاً ، ثم عرفهم بالشرع ثانياً ، فعرفوا الله ثم طبقوا الشرع ، الآن عرف الناس بالشرع أولاً يتحايلون على الشرع ، هذا حرام ، هذه صورة وليست حقيقة ، وهذا الغناء صدى ، وهذه امرأة أخيه أصبحت حماته ، والربا صار بيعاً وشراء ، والزكاة اشتراها منه بثمنها ، هذه الأساليب كلها ، لذلك بدأ الدين غريباً ، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها ، بمعرفة الله أولاً ثم تطبيق شرعه ثانياً .
كانوا في بعض المدارس الشرعية يجبرون الطلاب على الصلاة ، طالب شرعي لا يصلي ، فكان يقول : نويت أن أصلي لا وضوء ولا نية - لا إكراه في الدين - تريد هذا الطالب أن تنمي قلبه بالخشوع أولاً من الورع والخوف حتى ينضبط ، فقط تعال وافهم أحكام الصلاة ، شروط الصلاة ، أحكام الغسل ، حفظهم وبصمهم ونجح في الامتحان ولا يصلي ، أنا أعرف مدرسين تربية إسلامية لا يصلون .
 وعلى الجملة فأشرف العلوم وغايتها معرفة الله عز وجل ، وهو بحر لا يدرك منتهى غيره ، وأقصى درجات البشر فيه رتبة الأنبياء ، ثم الأولياء ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم .
 إن شاء الله في درس قادم نتابع الحديث عن صفات طالب العلم ، الآن عرفنا أن العمر ثمين وقصير ، يجب أن تعرف شيئاً ، الأصول والفروع ، الأصول أولاً ، والفروع ثانياً ، والمقدمات ثالثاً ، والمتممات رابعاً ، وألا تنتقل من علم إلى آخر إلا بعد إحكام العلم الأول وهو معرفة الله ، وهو متعلق بالثاني وهو الشريعة ، ويجب أن تعرف كل شيء عن شيء ، وشيئاً عن كل شيء ، وإذا كنت تاجراً يجب أن تتقن أحكام البيوع .

* * *

الهدية تزيد المحبة بين الناس :

 والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة ، الأحاديث اليوم كلها متعلقة بسنة نبوية معطرة ألا وهي الهدية ، الإنسان مع زوجته ، الإنسان مع أخيه النسبي ، الإنسان مع جاره ، أحياناً يكون الجار سيئاً جداً ، قدم له هدية وانظر ماذا يفعل ، يخاف أن يزعجك ، يخفض من صوت المذياع ، شيء يشبه السحر ، النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لم أذكر بالتفصيل ، قال : من يقم إلى هذا ويقطع لسانه ، يوجد صحابي فهم أن يقطعه قطعاً وصحابي آخر فهم أن يقطع لسانه بهدية .

(( تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ وَلا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ شِقَّ فِرْسِنِ شَاة ))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 حصل بينك وبين زوجتك فتور ، خصام ، أنا لا أقول أن يحضر شيئاً فوق طاقته، ممكن أن يحضر باقة ورد ، ممكن أن يحضر شيئاً قيمته ليست بثمنه ، بل قيمته بمقدمها ، بمدلولها ، ممكن ابن أن يحضر لوالدته قرص عجوة ، ثمنه على وقتنا عشرة قروش ، الآن ليرة ، ممكن أن يحضر لزوجته شيئاً بسيطاً جداً ، علبة رائحة ، لكن الهدية سبحان الله تفعل فعل السحر بين الأقارب ، بين الأصدقاء ، بين الأخوة ، بين الجيران ، هكذا النبي الكريم يقول : "تهادوا تحابوا" الهدية دين و وفاء ، أنت لم تخسر شيئاً ، لك أخ جاءه مولود أخذت له طقماً ثمنه ثلاثون أو أربعون ليرة ، وأنت إذا جاءك مولود يستحي ألا يقدم لك هدية ، أنت بالفعل لم تخسر شيئاً ، إذا أخ تزوج ، الأخوان هبوا ، أحدهم سجادة ، والآخر براد ، ثلاثة قدموا له براد ، المطبخ يلزمه بعض الحاجيات ، طاولة للطعام كم هي جميلة ، الأخ بأشد الأزمات ، وجد أخوانه قدموا له حاجات ، الآن أخوك بعد سنة تزوج ، تقدم له هدية ، هي عملية دين لكن ليس به صفة الدين ، سند ، أداء على التدريج .

((تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ . . . ))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 بين الزوجين ، بين الأخين ، بين الجيران ، بين الأصدقاء ، هذا كله مدعاة إلى المحبة وزيادة العلاقات .

((أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلاةِ وَالصَّدَقَةِ ، قَالُوا : بَلَى ، قَالَ صَلاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَيُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ هِيَ الْحَالِقَةُ لا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ ))

[الترمذي عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ]

 حديث آخر :

(( تَصَافَحُوا يَذْهَبِ الْغِلُّ وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَبِ الشَّحْنَاءُ ))

[التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ]

 الغل هو الحقد ، ترى خصومات ، وغيبة ، ونميمة ، أنت صافحه وابتسم بوجهه ، وعاتبه وسامحه ، عود نفسك أن تعتذر ، أخي أنا رجل ، قل للزوجة اصفحي عني أنا غلطت ، الإنسان يغلط ، إذا الزوجة سمعت من زوجها اصفحي عني ، أنا تأخرت عليك ، لم أشعر بالوقت ، ترى هذه الثورة العارمة خفت حدتها ، تعود أن تتكلم كلاماً لطيفاً ، تعود أن يكون ظلك خفيفاً .

(( تَصَافَحُوا يَذْهَبِ الْغِلُّ وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَبِ الشَّحْنَاءُ ))

[التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ]

 الهدية أولاً للمحبة ، وإذا كان هناك محبة تزداد المحبة ، ارفع مستوى المحبة ، وهي لها مستوى ترتفع .

الهجرة في سبيل الله تورث الأبناء مجداً و عزاً :

((.....هاجروا تورثوا أبناءكم مجدا))

[ ابن عساكر عن عائشة]

 سبحان الله هذا الحديث كنت عند صديق لي ولهذا الصديق صديق محامي ، فجاءت سيرة الحج ، فقال : أنا حججت أول حجة من فضل الله ، وثاني حجة كانت بدلاً عن والدي ، فانتقده المضيف ، قال له : الأم أولاً ، أمك ثم أمك ثم أمك ثم أباك ، قال له : يوجد سبب ، فقال له : ما هو السبب ؟ قال له : أنا أصلي من يوغسلافيا ، والدي هجر يوغسلافيا وأقام في الشام من قديم الزمان وأنا ولدت في الشام ، حججت عن والدي لأن والدي مسلم وحفظ نفسه ، لكن عندما هاجر أنقذنا نحن ، أنا لو بقيت هناك كنت رجلاً فاسقاً ، زانياً ، شارب خمر، فلما انتقل من تلك البلاد إلى هنا ، أنا ولدت في الشام ونشات نشأة دينية فأنا مسلم بسببه ، وأنا أقمت في الشام ، له حق كبير عليّ ، حق الهداية ، فهذا الابن المحامي قدر هجرة والده إلى بلاد إسلامية ، لأن الأب لو بقي هناك هو مسلم وحافظ على دينه ولكن أولاده ليسوا بيده ، الآن الذين يذهبون إلى أمريكا يقول لك : هل ترى هذه السيارة ؟ تقول له : نعم ، يقول : أخذناها بألف دولار ، وهنا ثمنها مئة وخمسون ألف ليرة ، يتكلم لك يقول : فيلا ثمنها ثلاثون ألف دولار معها مسبح وطابق ثان وثالث ، وكراج للسيارة ، فحديثه دائماً عن الأسعار ، والمتنزهات ، ونياغارا والشلالات الجميلة ، وعن الجزر الجميلة ، ولكن يوجد شيء أنت ليس منتبهاً إليه يوجد رجل أقام هناك ، وله تجارة عريضة و واسعة وبحبوحة ، جاء إلى البيت مرة وكان مسافراً ، جاء في وقت غير مناسب فرأى شاباً مع ابنته بوضع حيواني لم يتحمل وأخبر الشرطة ، جاءت الشرطة وأخذوه هو إلى السجن لأنه هذا الشاب أفاد أن صديقته هي التي أرسلت في طلبه ودعته ، فصاحب البيت تكلم معه كلمات قاسية يستحق عليها أن يسجن ، وهي صديقته وهو جاء بدعوة .
 طبعاً السيارة ثمنها ألف دولار ولكن هذه الثانية أحسبت حسابها ؟ ليس لها حساب، عندما الإنسان يقيم مع الكفار سوف يتحمل أن تأتي ابنته في آخر الليل مع صديقها يوصلها إلى البيت ، يتحمل أن تسبح ابنته مع الناس على البلاجات ، يتحمل أن يكون لابنته خمسة أصدقاء قبل الزواج وهذه عفة وأية عفة ؟؟! هذا كلام باطل هناك ، من أقام مع المشركين برئت منه ذمة الله ، أنا أتحدى رجلاً يقيم مع المشركين ويحفظ بناته ، لا يمكن ألا تنشأ البنت على الخمر ، والزنا ، والفجور ، أينما تحرك البنت يوجد فجور ، تبيع المرأة نفسها بدخينة ، بعلبة مسكة ، هناك الأسعار رخيصة جداً ، والأعراض رخيصة ، طبعاً يتناسبون معاً ، بلد أسعاره غالية والأعراض غالية ، أسعار رخيصة وأعراض رخيصة .
 أنت هنا يوجد كلمة الله أكبر ، مسجد ، مجلس علم ، شيء اسمه حياء ، خجل ، يوجد بقية دين ، بقية مروءة ، بقية تعاطف ، زارني طبيب يقدم امتحاناً في اللغة العربية ليتعين، لأنه لا يوجد معه بكالوريا سابقة ، قلت له : عجيب أنت مقيم في لندن ودخلك في الشهر ثمانية آلاف جنيه ، وعندك سيارتان وبيت في المصيف ، ما الذي يحضرك إلى الشام ؟ أنا من باب الامتحان أريد أن أرى ماذا يقول ، فقال أنا : جئت إلى هنا لآخذ ثلاثة آلاف ليرة ، وثمن البيت هنا نصف مليون ، فقال : أنا في المكان الذي أسكن به في لندن في الطابق الثامن يوجد رجل توفي وبقي متوفى ستة أشهر ولم يدرِ به أحد ، وله في لندن خمسة أولاد ذكور ومن وجهاء العوائل البريطانية ، ما خطر في بال أحد أبنائه أن يزور والده في هذه الأشهر ، رأى مصيره، إنسان موضوع في غرفة ولندن باردة في الشتاء والطوابق عليا ، تأخر تفسخ جسمه .

(( تهادوا تزدادوا حبا و هاجروا تورثوا أبناءكم مجدا))

[ ابن عساكر عن عائشة]

 أنا هذا الحديث تذوقته من قصة الأخ المحامي الذي حج بدل والده قبل والدته لأن والده هاجر من بلد الكفر إلى بلد الإسلام ، هنا يوجد مروءة ، تعاطف ، الأخت لها أخوها ، الأخت تسكن عند أخيها ، لها مكان في المجتمع .

أثر الهدية في المجتمع :

 و :

((أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إِلا الْحُدُودَ ))

[أحمد عَنْ عَائِشَة]

((تهادوا الطعام بينكم فإن ذلك توسعةً في أرزاقكم))

[الكامل في ضعفاء الرجال عَنْ ابن عباس ]

 أنا حينما كنت صغيراً عاصرت هذه السنة ، دائماً يوجد سكبة ، خمسة صحون غير الطبخة ، حتى إذا دخل شخص مع ضيف الجيران يتهامسون : أبو فلان معه ضيف ، الحارة فيها أربعون بيتاً ، ترى الصفرة كبيرة ، متى هذه الصفرة صنعت ؟ أبو فلان معه ضيف .

(( تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ . . . .))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 فإذا كان هناك حقد أو ألم هذه الهدية تذهب وحر الصدر .

(( . . . وَلا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ شِقَّ فِرْسِنِ شَاة ))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 أي إذا جارة قدمت إلى جارتها طعاماً – نصف مقدم - تقول الأخرى : سلمت يداك و جزاك الله كل خير ، إن شاء الله هذا الشيء يزيد هذا البيت بركة ، يجب أن تكون لطيفاً إلى أقصى الحدود ، مهما كانت الهدية قيمتها قليلة يجب أن تشجع ، أحياناً طفل يحضر إلى المدرسة وردة ، قرنفلة ، يجب أن ترحب بها ، أحياناً إنسان يعطرك ، أحياناً قطعة حلوى أنت لا تأكلها محمي عنها ، المؤمن أديب .
 الناس الآن من بُعدهم عن الله عز وجل تأتيه هدية يمط وجهه فيها ، ما ثمنها ؟ هذه لا تساوي شيئاً ، هذا كلام فيه سوء أدب مع الله عز و جل ، هذه سنة ، من سنن الرسول عليه الصلاة والسلام اقبلها ورحب بها وأثني عليها وكافئ عليها ، وإياك أن تظن هذه الهدية هبة، هذه دين كافئ عليها ، فإن لم تجد قل : جزاك الله عني كل خير .

((تهادوا فإن الهدية تذهب بالسخيمة ))

[ شعب الإيمان عن أنس بن مالك]

 السخيمة من السخم وهو باللغة العامية الشحار ، الفحم ، أحياناً إنسان يقول لك : أنا قلبي أسود .

(( لو دُعيتُ إلى كُراَع أو ذراَع لأجَبتُ ))

[البخاري عن أبي هريرة ]

(( عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ أَهْلَهُ الأدُمَ فَقَالُوا : مَا عِنْدَنَا إِلا خَلٌّ ، فَدَعَا بِهِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ بِهِ وَيَقُولُ : نِعْمَ الأدُمُ الْخَلُّ نِعْمَ الأدُمُ الْخَلُّ ))

[مسلم عَنْ جَابِر]

 أحياناً يدعوك إنسان إلى كأس شاي ، بارك الله :

(( لو دُعيتُ إلى كُراَع أو ذراَع لأجَبتُ ))

[البخاري عن أبي هريرة ]

 هذه سنة المصطفى ومن رغب عنها فليس من أمته :

(( تهادوا فإن الهدية تضعف الحب وتذهب بغوائل الصدر ))

[الطبراني وأبو نعيم فى المعرفة عن أم حكيم بنت وداع الخزاعية]

 تضاعف وليس تُضْعِف ، أنا أتمنى إن أخ تزوج ، عنده ولادة ، أخوانه حوله ، هذا قدم له شيء ، والأمور كلها دين و وفاء ، و بهذا تزداد المحبة :

(( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ))

[ متفق عليه عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ]

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS