13775
العقيدة الإسلامية - اسماء الله الحسنى 1996 - الدرس (97-99) : اسم الله العالم .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1996-12-23
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللّهم لا علم لنا إلاّ ما علمتنا إنّك أنت العليم الحكيم، اللّهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممّن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصّالحين.
 أيّها الإخوة الكرام ؛ مع الدرس الثامن والتسعين من دروس أسماء الله الحُسنى والاسم اليوم هو العالم، فالعالم اسمٌ من أسماء الله الحُسنى يُضمّ إلى الأسْماء التِّسْعة والتِّسْعين التي وردت في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم.
 العالم من مادّة العِلْم والعِلْم إدْراك الشيء على ما هو عليه مع الدليل ؛ إدْراك الشيء على ما هو عليه بالدليل أو هو مَقولَةٌ مقْطوعٌ بِصِحَّتِها تُطابِق الواقِع عليها دليل، فَلَو لم يكن عليها دليل لكانت هذه المقولة تقْليداً، ولو لم تُطابِق الواقِع لكانت هذه المقولة جهْلاً، ولو لم يكن مقْطوعُ بِصِحَّتِها تُعَدُّ هذه المقولَةُ وهْماً أو شَكاً أو ظناً، فالعِلْم ليس شكاً ولا ظناً ولا وهْماً ولكنَّه قطْعي، والعِلم ما طابق الواقِع وما كان عليه دليل وبِشَكْلٍ مُخْتَصَرٍ إدراك الشيء على ما هو عليه بالدليل.
 أيها الإخوة الكِرام، لا أُبالِغ إذاَ قُلت إنَّ من أخَصِّ ما يخْتَصّ به الإنسان العِلْم وأكثر صِفات الإنسان مُشْتَركةٌ بينه وبين بقِيَّة المخْلوقات إلا أنَّهُ يتمَيِّز بِقُوَّةٍ إدْراكِيَّة وكَرَّمَهُ الله بِالعِلم وفي أثناء الحديث عن الكرامات يُعَدّ العِلم أعظم كرامة ينالُها الإنسان من الله عز وجل مع أنَّ هذه الكرامة ليس فيها خرْقٌ للعادات.
 وبعد فإنَّ الله عالم يُحِبّ كُلّ عالم والناس رجلان: عالِمٌ ومُتَعَلِّم ولا خير فيمن سِواهُما، كُن عالِما أو مُتَعَلِّما أو مُسْتَمِعاً أو مُحِباً ولا تكُن الخامِسَة فَتَهْلِك فالعِلم إدْراك الشيء على ما هو عليه لو أنَّ الناس أدْركوا الحقائق على ما هي عليها لما اخْتَلَفوا ولما تحاربوا ولما تخاصَموا ولما عاشوا في شقاءٍ ما بعْده شقاء.
 فالقضِيَّة قضِيَّة عِلْم بل إن الإنسان الكافر وهو في النار يتلوَّى من الحريق يُنادي ويقول:

﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)﴾

(سورة المُلك)

 فالذي بينك وبين أهل الدنيا هو العِلم لِذلك إذا أرَدْت الدنيا فعَلَيْك بِالعِلْم وإذا أردت الآخرة فعليك بالعِلم وإذا أردْتهما معاً فعَلَيْك بالعِلم والعِلْم لا يُعْطيك بعْضَهُ إلا إذا أَعْطَيْتَهُ كُلَّك فإذا أعْطَيْتَهُ بعضك لم يُعْطِك شيئاً ويَظَلُّ المرء عالِما ما طلب العِلم فإذا ظنّ أنَّه قد علِم فقد جهِل.
قال العلماء: العِلم عِلمان: إدراك ذات الشيء، والحُكْمُ على الشيء، تقول هذه طاوِلَة فالآن تُدْرِك ذات الطاوِلة أو تقول: هذه الطاوِلة مُتْقَنَةٌ فأنت بهذه العبارة أطلقت حكمك عليها، إذاً: فإما أنْ تُدْرِك حقيقة الشيء وكُنْهَ الشيء وهوِيّته وإما أنْ تحْكُم على هذا الشيء فالعِلم عِلمان: إدراك الذات وإدْراك الصّفات.
 والعِلم عِلمان: عِلم نظري وعِلم عملي ؛ عِلم تَقْتَبِسُهُ بِإلْقاء السَّمْع أو إعْمال الفِكر أو قِراءة الكِتاب أو سماع المُحاضرة وعِلْم تسْتَنْبِطه من الحركة والعمل، فالعلم الذي تسْتنبِطه من الحركة والواقِع العملي هو العِلم العملي والعِلم الذي تسْتقيهِ من الدروس والكُتُب وإلْقاء المُحاضَرات هو العِلم النظري.
 أيها الإخوة ؛ والعِلْم عِلمان: عقْليٌ وسَمْعي ؛ إما أنْ تصِل إليهِ بِذاتِك وعن طريق التأمّل وإما أنْ تُصْيغ السَّمع إلى غَيْرِك عن طريق التلقي، فإما أنْ تُفَكِّر وإما أنْ تُصْغي قال تعالى:

﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

 تفكِّر وتتأمَّل وتتدبَّر أو تُصْغي ؛ تأْخُذُهُ جاهِزاً عن طريق السمْع وتَصْنَعُهُ أنت عن طريق العَقْل، عِلْمٌ يُؤخذ عن طريق العقل وعِلمٌ يؤخذ عن طريق السمع وعِلْمٌ تتلقاهٌ نظرِياً وعِلْمٌ تسْتَنْبِطُهُ عملِياً وعِلم أساسُهُ إدْراك ذات الشيء وعِلمٌ أساسُهُ إدْراك صِفات الشيء.
 وبِالمُناسَبة أقول: هناك قِيَمٌ كثيرة يتفاضل بِها الناس ؛ فالمال قيمَةٌ تفاضُلِيَّة بين البشر والوَسامة والذكاء والقوة والوجاهَة والنَّسَب فهذه كُلُّها قِيَمٌ تفاضُلِيَّة ولكنَّ الله تعالى لم يَعْتَمِدْها فالله جلّ جلاله اعْتَمَدَ قيمة العِلم وهي التي رفع شأْنها قال تعالى:

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9)﴾

(سورة الزمر)

 وقال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11)﴾

(سورة المجادلة)

 وقيل رُتْبَةُ العِلم أعْلى الرُّتَب، والدليل أنَّ أقْوى إنسان فيما يبْدو لكم في الأرض لا يسْتطيع أنْ يتَّخِذ قراراً إلا إذا سأل الخُبراء ؛ يُؤلِّف لجنة من كِبار العلماء في موضوعٍ ما ويطْرح عليهم سؤالاً فَيُعْطونَهُ خِيارات فَيَخْتار بين هذه الخيارات فَمَن الذي يَحْكم العالم إذاً ؟ هم العلماء ؛ فالذي بِيَدَهِ إصْدار القرار يَحْتاج إلى خِبرة العالم.
 وقد قال العلماء: " هناك فرْقٌ بين أن تُعْلِم وبين أنْ تُعَلِّم " فالإعْلام إلْقاء الفِكرة بِسُرعة لكن علَّمْتُهُ: إلْقاء الفِكرة مع التَّكْرار ومع الإتْقان ومع التعْليم والتَّحْفيظ.
 وقال بعضهم التعليم تنْبيهُ النفوس لِتَصَوُّر المعاني أما التعلم تنبُّهُ النفس لِتِلْك المعاني فالتَنَبُّه الذاتي تعلّم والتنْبيه القسري تعليم وقد حلَّت نظريات التعلم مكان نظريات التعليم فالإنسان لا يتعلّم إلا إذا أراد أنْ يتعلَّم وعُنْصر الاختيار أساسي جداً في التعلّم لذلك بعض الجامِعات الآن تُعَلِّم الحقائق لا عن طريق التلْقين بل عن طريق البحث الذاتي والبحث العلمي ينمو في الجامِعات المتقدمة.
 هذا الاسم العظيم اسم العالِم ورد في كِتاب الله عز وجل بِصِيَغٍ كثيرة قال تعالى:

﴿الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2)﴾

(سورة الرحمن)

 أَيُعْقَل أنْ يُعلَم الإنسان القرآن قبل أنْ يُخْلق ؟ قال بعْضهم: قُدِّم تعْليم القرآن على خلْق الإنسان تقْديماً رُتَبِياً لا تقْديماً زمنِياً بِمعنى أنّ الإنسان لا معنى لِوُجوده دون منهجٍ يسير عليه " فالإنسان الشارِد الضائِع الذي لا يعْلم هو دابَّةٌ مُتَفَلِّتة، قيمة الإنسانِ بِالعِلم ؛ دخل على مَجْلِس عمر ابن عبد العزيز وُفود المُهَنِّئين وتَقَدَّمَهُم وفْد الحِجازِيِّين وتقَدَّم هذا الوفْد غلام يافع لا تزيد سِنُّهُ على اثنتَي عشْرة سنة فانْزَعَجَ الخليفة من هذا الغلام الذي يتَقَدَّم هذا الوفْد قال: أيها الغُلام اِجْلِس أنت ولْيَتَقَدَّم من هو أكْبرُ منك سِناً فقال هذا الغُلام: أصْلَح الله الأمير المرْءُ بِأَصْغَرَيْهِ قلبِهِ ولِسانِه فإذا وهب الله العبْدَ لِساناً لافِظاً وقلْباً حافِظاً فقد اسْتَحَقَّ الكلام ولو أنَّ الأمر كما تقول: لَكانَ في الأمة من هو أحقُّ منك بِهذا المجْلِس فَدُهِشَ الخليفة.
 وصبيٌ آخر دخل على عبد الملِك ابن مرْوان فانْزَعَج عبد الملِك وقال لِحاجِبِهِ ما شاء أحدٌ أنْ يدْخل عليَّ إلاّ دخل حتى الصِّبْيان فقال هذا الصبِيُّ الناشئ: أيها الأمير إنَّ دُخولي عليك لم يُنْقِص من قدْرِك شيئاً ولكِنَّهُ شرَّفني أصابَتْنا ثلاث سنين: سَنَةٌ أذابت الشَّحْم وسَنَةٌ أكلت اللحم وسَنَةٌ نقَّت العظم ومعكم فُضول مالٍ فإن كانت لكم فَتَصَدَّقوا بِها عليْنا فإنَّ الله يجْزي المُتَصَدِّقين وإن كانت لنا فَعلام تحْبِسُها عنا ونحن أوْلى بِها وإنْ كانت لله فَنَحن عِبادُهُ فقال عبد الملِك: والله ما ترك هذا الغلام لنا في واحِدَةٍ عُذْراً.
 لِذلك قالوا: جمال الرجل فصاحَتُهُ، وسيِّدنا عمر ابن الخطاب عِمْلاق الإسلام والخليفة العظيم كهْف العدالة كان إذا مشى في الطريق من شِدَّة هَيْبَتِهِ تَفَرَّق الناس أمامهُ بل إنَّ الصِّغار إذا رأوْهُ تفرَّقوا ودخلوا إلى بُيوتِهِم وذات مرّةً مشى في سكك المدينة ورأى غِلْماناً صِغاراً فلما رأوْهُ هربوا إلا واحِداً منهم بقِيَ رابِط الجأْش فلما وصَل إليه قال يا غُلام لِمَ لم تهْرب مع من هرَبَ ؟ فقال: يا أمير المؤمنين لسْتَ ظالِماً فأخْشى ظُلْمَك ولسْتُ مذْنِباً فأخْشى عِقابَك والطريق يَسَعُني ويَسَعُك، فأعجب الخليفة بجرأته وحسن كلامه، ثم إنّ الله عز وجل يقول:

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ(5)﴾

(سورة العلق)

 أيُّها الإخوة: لِكرامةِ الإنسان على الله أنَّهُ علَّمَهُ البيان (اللغة)، والشيء الذي يأْلَفُهُ الناس لا يثير اهتمامهم لألفته لديهم، ولا توقظ فيهم حسَّ تعظيم الله الذي تكرم به عليهم. فأنت باللُّغة تتَّصِل مع كلِّ الناس فأنت صباحاً تسْتمع لِنَشْرة الأخبار وكلّ ما في العالم فيتجمّع لدَيْك الكثير من المعلومات، فمثلاً: هُنا سَقَطت طائرة وهنا مذْبحة وهنا قامت حرْبٌ أهْلِيَّة وهنا خُطِفت طائِرة وهنا عُقِد مؤتمر وهنا... ألَيْسَ كذلك ؟ بِهذه الأُذُن وبِهذا النُّطْق بِدقائِق معْدودات أحطت بالمعلومات كغيره وفي بلاد متعددة فاللغة أداة اتِّصال بين أفْراد النوْع ويُمْكن أنْ تُعَبِّر عن مشاعِرِك وعن أفْكارِك بِاللُغة قال تعالى:

﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آَبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ(91)﴾

(سورة الأنعام)

 لا زِلْنا في مادّة علِم والاسم اليوم عالِم قال تعالى:

﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)﴾

(سورة البقرة)

 وقال تعالى:

﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31)﴾

(سورة البقرة)

 فهذه كُلُّها أفْعال العِلم التي وردت في القرآن الكريم وسيِّدُنا موسى لما التقى بالعبد الصالح استأذنه في مصاحبته ليتعلم منه ورغم نبوته وفضله، قال تعالى:

﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً (66)﴾

(سورة الكهف)

 وقال تعالى:

﴿وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾

 أقول لكم هذه الفِكرة: وهو أنَّ الله سبْحانه وتعالى له أسْماءٌ كثيرة فَمِن أسْمائِه العليم وعلاَّم الغيوب ومن أَسْمائِه العالم ولِكرامَة الإنسان على الله أعْطاهُ قُوَّةً إدْراكِيَّة يُصْبِح بِها عالِما والحقيقة كُشوفات الإنسان العلمية تفوق حدّ الخيال.
 فأنْشْتايْن هذا العالِم الفيزْيائي الذي اكْتَشَفَ ما يُسَمى بالنظريَّة النِّسْبِيَة وهي أنَّ الخطوط في الفراغ ليْسَت مُسْتقيمة لكِنَّها مُنْحَنِيَّة وأنَّ كلَّ جسم يسير بِسُرْعة الضوء يُصْبِحُ ضوءً والضوء كُتْلَتُهُ صِفر وحجْمُه لا نِهائي فأيُّ جِسْمٍ سار بِسُرعة الضوء صار ضوْءاً بل إنَّهُ إنْ سبَق الضوء تراجع الزمن ؛ إن سار الجِسم بِسُرعة الضوءِ صار ضَوْءً وتوقَّفَ الزمن فإن سبق الضَّوْء تراجع الزمن وإنْ قصَّر عن الضوء تراخى الزمن فَلو أمْكَنَك أنْ تنْطَلِق من مَوْقِع معركة اليرْموك.
 مثلاً: وأنْ تصْعَدَ إلى الفضاء الخارِجي بِسُرْعَةٍ أعْلى من سُرْعة الضَّوء بعد حين ترى المعْركة وهي تقع لأَّنها حينما وقَعَت صدر عنها مَوْجات ضَوْئيَّة إلى الفضاء الخارِجي قبل ألف وأربعِمائة عام تقريباً، فلو أنت سبَقْتَ الضوْء لرَأَيْت هذه المعْركة كما هي وكأنَّها تقع الآن أمامك ولو سِرْت مع هذه المعركة لصارَت هذه المعركة أبَدِيَّةً وتوَقَّف الزمن ولو قصَّرْت عنها لكانت رِحْلةٌ في الفضاء ساعةٌ كأَلْفِ سنَةٍ على الأرض وهو بعض معاني قوْلِهِ تعالى:

﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47)﴾

(سورة الحج)

 فإذا ركِبْتَ مرْكَبَةً فضائِيَّة وسِرتَ بِسُرْعَةٍ أقَلّ من الضوء قليلاً ولتعلم أن الساعة في الفضاء الخارِجي تُساوي مائة عام في الأرض، فالله عز وجل سمَح لِهذا الإنسان أنْ يعْلم وإنَّ الله عالِمٌ يُحِبُّ العالِم ورُتْبَةُ العِلْم أعْلى الرُّتَب فَلِذلك حينما يُغْفِل الإنسان قيمة العِلم في حياتِهِ أو حين لا يعْتني بِإدْراكِهِ ولا يعْتَني بِالعِلْم ولا يطْلُبُهُ يَهْبِط عن مُسْتوى إنْسانِيَتِهِ إلى مُسْتوى لا يليق بِه والشيء الدقيق أنَّ:

﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76)﴾

(سورة يوسف)

 يُرْوى قبل ستِّين عاماً فيما أذْكر وفيما سَمِعْت أنَّ أحد شيوخ الأزهر قَدِم إلى الشام وشَيْخ الأزهر في مِصْر يُساوي مَرْتَبَةً علمية وله أيضاً مرتبة إدارية مرموقة عالِيَةً جداً فَجَلَسَ في بعض مجالِس الشيوخ في دمشق وهو الشيخ بدْر الدين وكان يَمْلأ هذا الكرسي لأنّ مرْتَبَتَهُ العلمية العالية، ومرتبته الإدارية تسمحان له بذلك، فلما سَمِع عِلْم الشيخ بدْر الدين غَيَّر من جَلْسَتِهِ إلى أنْ تطامَنَ

﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾

 وأحْياناً يكون الإنسان في مجَلْس لا يسْتطيع أحدٌ أنْ يرُدّ عليه فَيَتَكَلَّم بما يشاء فإذا اكْتَشَفَ أنّ في المجْلِس من هو أعْلم منه يسْكُت ولسان حاله يقول: سكَتُّ إجْلالاً لِعِلْمِك والإنسان من حِكْمَتِهِ البالِغة أنَّه إنْ كان في المجْلِس من هو أَعْلم منه عليهِ أنْ يلْزم الصمْت فإذا تكلَّم في حضْرة من يعْلم فقد أساء الأدب ولكن الذي يعلم قد زانه أدب العلم، فتراهُ يُصْغي للحديث بِسَمْعِهِ وبِقَلْبِهِ ولَعَلَّهُ أدْرى بِهِ.
 من الآيات التي وردت فيها كلِمة العالِم قوله تعالى: عالم الغيب فلا يُظهر على غيْبه أحداً إلا من ارْتضى من رسول، والنبي عليه الصلاة والسلام حدّثنا عن آخر الزمان قال:

((إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعِ الْعَوَامَّ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ ))

[ رواه الترمذي ]

 وإذا وُسِّدت الأمور لِغَيْر أهْلِها فانتَظِر الساعة ومن علامات قيام الساعة أنْ يكون المطر قيْظاً والولَد غيْظاً ويفيض اللِّئام فيْضاً ويغيض الكِرام غيْضاً ومن علامات قيام الساعة أنْ يُصَدَّق الكاذِب ويُكَذَّب الصادِق وأنْ يؤْتَمَنَ الخائن ويُخَوَّن الأمين أحاديث كثيرة نبَّأنا بِها النبي صلى الله عليه وسلّم قال:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلاتٌ مَائِلاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا ))

[ رواه مسلم ]

 كيف أنَّها كاسِيَة عارِيَة ؟ إما إنَّ ثِيابَها تشِفُّ عما تحْتها هي كاسِيَة فيما يبدو ولكِنها عارِيَة لما يشفُّ عمّا تحت ثيابها أو أنَّها ضَيِّقة تصِف حجْمَ أعْضائِها فهي كاسِيَة عارِيَة ومائِلةٌ مُميلَة فَالْعَنوهُنَّ لأنَّهن ملْعونات كما قال عليه الصلاة والسلام ؛ قال تعالى:

﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (26)﴾

(سورة الجن)

(( عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلافِهِمِ الَّذِينَ مَضَوْا وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ وَلَوْلا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ ))

[ رواه ابن ماجة ]

 أليس هذا الحديث من دلائل نُبُوَّة النبي عليه الصلاة والسلام ؟ فهذا الحديث من أرْوَعِ الأحاديث وكأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام معناَ.
 أيها الإخوة الكِرام، هذا الاسْم العالِم ورد كثيراً مع الغيب والشهادة فقد قال عز وجل:

﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13)﴾

(سورة الأنعام)

 عالِم الغيب والشهادة فكُلّ ما هو واقِع هو من عالم الشهادة وكلُّ ما لم يقع هو من عالَم الغيب فالله سبحانه وتعالى عالم الغيب وعالِم الشهادة ؛ عالِم الغيب والشهادة فَهُناكَ شيءُ يغيب عنك لِبُعْد مكانِه وهناك شيءٌ يغيب عنك لِبُعْد زمانِهِ، فأنت الآن في الشام لا تدْري ما هو الآن كائِنٌ بِحلب وفي الساحة الفُلانِيَّة وفي المكان الفلاني لا تدْري ما يكون في حلب هو من عالم الشهادة ولكنّه بعيدٌ عنك فالذي بيْنك وبيْنه مسافاتٌ طويلة لكن عالم الغيب الزَّمني ؛ الماضي السحيق أو المُسْتقْبل البعيد فَهُناك غَيْب الماضي هو بُعْد زماني وغيْبُ المُسْتَقْبل بُعْد زماني ولكنّ غيْب الحاضِر بُعدٌ مكاني فالله سُبْحانه وتعالى عالِم الغيب والشهادة ومن هنا كان سيِّدنا علي ابن أبي طالب رضي الله عنه أو رسول الله صلى الله عليه وسلّم إذا سافر دعا بِهذا الدعاء: " اللهم أنت الرفيق في السفر والخليفة في الأهل والمال والولد " هو معك لأنه عالِم الشهادة وهو مع أهْلِك لأنه عالم الغيب فإذا دعا الإنسان بِهذا الدعاء قبل أنْ يُسافر يُلْقي الله في قلْبِهِ الطُّمأنينة والسكينة لأنّ الله تعالى كما يقول:

﴿قَالَ هَلْ آَمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64)﴾

(سورة يوسف)

 تَرْوي بعض الأحاديث أنّ الله يوقِفُ عَبْدَيْن يوم القِيامة ؛ عبْداً أعْطاه مالاً فَيَقول له: قد أَعْطيْتُك مالا فماذاَ صنعْتَ فيه ؟ يقول: يا رب لم أُنْفِق منه شيئاً مخافَة الفقْر على أولادي من بعْدي يقول الله عز وجل: ألم تعْلم أني أنا الرزاق ذو القوة المتين ؟ إنَّ الذي خشيتَهُ على أوْلادِك من بعْدِك قد أنْزَلْتُهُ بهم ويقول لِعَبْدٍ آخر قد أَعْطيْتُك مالا فماذاَ صنعْتَ فيه ؟ يقول يا رب أنْفَقْتُهُ على كلِّ مُحْتاجٍ ومِسْكين لِثِقَتي أنَّك خيْرٌ حافِظاً وأنت أرْحم الراحِمين يقول الله عز وجل: أنا الحافِظ لأوْلادِك من بعْدِك، وفي قوْلِه تعالى:

﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46)﴾

(سورة الزُمر)

 بِإمْكانِك أنْ تُسافِر وأنت مُطْمَئِنٌ على أهْلِك لأنَّك دعَوْت الله وهو الذي يعْلم الغَيْب والشهادة أنْ يحْفَظهم في غَيْبَتِك، قال تعالى:

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(105)﴾

(سورة التوبة)

 وقال تعالى:

﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ(116)﴾

(سورة المائدة)

 أحد مصادر قوة المؤمن أنّ الله تعالى عالِم الغيب والشهادة فقد يُلْهِمُهُ أنْ يأْخذ الاحْتِياط من عدُوِّهِ لأنَّ الله يعْلم الغيب والشهادة ؛ يعْلم الشهادة التي يشْهَدُها المؤمن ويعْلم ما يغيب عن المؤمن مثلاً لو كان هناك فريقاْنِ وكلاهما يكيد للآخر وكلا أعضاء الفريقين لا يعلم ما يفْعل خصْمُهُ فإذا كان أحد الفريقَيْن مع الله فالله يعْلم ما يَفْعل أعْضاء الفريق الآخر فَيُلْهِم الأوّل أنْ يفْعل كذا وكذا قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38)﴾

(سورة الحج)

 فإذا كنت مع الله فمن يسْتطيع أن يكون عليْك ؟ وإذا كان الله معك فَمَن عليْك ؟ لأن الله مع خصْمِك يَعْلَمُ سِرَّهُ ونَجْواه ويُلْهِمُك الصواب في كلِّ مَوْقِف وتأخذ لنفسك الحيطة وتحذر، قال تعالى:

﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9)﴾

(سورة الرعد)

 الله جلّ جلاله هو العَلِيّ الأعلى الوهاب، قال تعالى:

﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (92)﴾

(سورة المؤمنون)

 وقال تعالى:

﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (2)﴾

(سورة سبأ)

 فإذا توَلى إنسانٌ أمْراً وغاب عن عِلْمِهِ فيجري فيُقال عنه جاهِل وسَيَّبَ عملَهُ وضعيف الضبط وما استطاع أنْ يضْبِط أمورهُ، أما الله سبحانه فَكُلُّ شيءٍ يدْخل إلى الأرض يعْلَمُهُ وكلُّ شيءٍ يخْرُجُ منها يعْلَمُهُ ولا تخفى عليه خافية، وقال تعالى:

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (3)﴾

(سورة سبأ)

 وقال تعالى:

﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59)﴾

(سورة الأنعام)

 تصَوَّر أنَّكَ تمْشي في بُسْتان أيام الخريف ؛ كم من ورقة تسْقط في الخريف ؟ إذا كان أرْبَعَةُ أَخْماسِ الأشْجار أَشْجارٌ مُتَساقِطة الأوْراق فَكَم ورقَةً تسْقُط في الخريف ؟ عددها كبير جداً والصيغَةُ صيغة قصْرٍ لو قال سبحانه يعْلم سُقوط الأوْراق كان له معنى معين، وإنما قال: " وما تسْقط من ورقة إلا يعْلمها " فإذا كان يعْلم سُقوط ورقة ألا يعْلم ما يدور في ذِهْنِك ؟ وما تنْوي أنْ تفْعَل ؟.
 لِذلك أيها الإخوة، من الآيات التي تلْفِت النظر أنَّ الحجّ كلّهُ من أجْل أنْ تعْلم أنّ الله يعْلم أن المؤمنين سيملئون جنبات هذا المكان المقدس ويكذبون مصدر رزق لسكانه الذي سكنوه وهو غير ذي زرع، والكَون كلُّهُ من أجْل أنْ تعْلم أنَّ الله يعْلم قال تعالى:

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (12)﴾

(سورة الطلاق)

 وقال تعالى:

﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾

 وقال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (38)﴾

(سورة فاطر)

 إن الله سبحانه يعلم ما تنطوي عليه النفْسُ البشرِيَّة وما تُكِنُّ وما تُسِرّ وما يَخْفى عليها وما تَحْلم به وما يدْفَعُها وبواعِثُها:

﴿ إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾

 وهو سبحانه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء

 وفي الزمر قال تعالى:

﴿ قُلْ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾

 وفي سورة الحشر قال تعالى:

﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22)﴾

(سورة الحشر)

 وفي سورة الجمعة، قال تعالى:

﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8)﴾

(سورة الجمعة)

 وفي سورة التغابن، قال تعالى:

﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)﴾

(سورة التغابن)

 وفي سورة الجنّ، قال تعالى:

﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (26)﴾

(سورة الجن)

 وقال تعالى:

﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51)﴾

(سورة الأنبياء)

 آياتٌ كثيرةٌ جداً وردَتْ فيها كلِمة عالِم وهناك علاّم وعليم ؛ علام الغيوب سميع عليم، أما الدرس اليوم العالِم اسْمٌ من أسْماء الله الحُسْنى ويَبْدو أنّ أكثر الآيات التي وردت فيها كلِمة العالِم وهو اسْمٌ من أسْماء الله الحُسْنى ورَدَت هذه الكلِمة مُقْتَرِنة بِعالِم الغيب والشهادة أيْ أنَّ الغيب ما غاب عنك والشهادة ما تشْهَدُهُ فإذا وكَّلْتَ أمْرك إلى الله فهُو يُدافِعُ عنك فيما تشْهَدُهُ وفيما هو غائِبٌ عنك.
 أيها الإخوة الكِرام، مُلَخَّصُ هذا الدرس أو التطبيق العملي له هو كما يلي:
 راقِبْ نفْسَك ؛ لو طرق بابك إنْسان كريم له هَيْبَة ومكانة وعالِم ووَقور ودخل إلى البيت كيْفَ سَتَتَصَرَّف ؟ تَصَرُّفٌ حكيم تَنْتقي أجْمل الألْفاظ وتَرْتَدي أجْمل الثِّياب وتَجْلِس أمامهُ جلْسَةً مُؤَدّبة فإذا كنت تهابُ رجلاً من بني جِلْدَتِك له مكانةٌ في قوْمِهِ وتتأدَّبُ في مَجْلِسِه فَكَيْف إذا علِمْت أنْ الله يعْلم ؟ وكيْف إذا علِمْت أنّ الله علاّم الغيوب ؟ وكيف إذا علِمت أنّ الله لا يخْفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء ؟ وكيف إذا علِمت أنّ الله أقْرب إليك من حبْل الوريد ؟ وكيْفَ إذا علِمْتَ أنَّ الله يحولُ بين المرْء وقَلْبِهِ ؟ وكيف إذا علِمْت أنَّهُ يعْلم السِّر وأخفى ؟  وكيف إذا علِمْت أنّ الله يعْلم ما كان وما يكون وما سَيَكون ويعْلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون.
 لذلك يقول عليه الصلاة والسلام:

(( أفْضل إيمان المرء أنْ يعْلم أنّ الله معه حيثما كان ))

 وهذا يخفر المؤمن أن يعرف قدر ربه فيها به ويستجدي رحمته وتوفيقه.
 هل يُمْكِن أنّهُ إذا كنت ترْكب مرْكَبَةً والإشارة حمْراء والشرْطي واقِف والضابِط موجود والذين على الدراجة جاهِزون ؛ هل يُمكن أن تتجاوز الإشارة الحمراء ؟ لأنك تعْلم أنَّك لن تنْجُوَ منهم جميعا فكيْف إذا علِمت أنّ الله معك دائِماً وأنَّك في قبْضَتِهِ ولن تسْتطيع أنْ تتفلَّت من عِقابِهِ أبداً.
 فيجب أنْ تعْلم أنّ الله يعْلم فإذا علِمْت أنّ الله يعْلم اسْتَقَمْتَ على أمْرِهِ وإنْ اسْتَقَمْتَ على أمْرِهِ سَعِدْتَ بِقُرْبِهِ في الدنيا والآخرة.
والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS