22685
العقيدة الإسلامية - اسماء الله الحسنى 1996 - الدرس (99-99) : اسم الله مؤتي الحكمة .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1997-02-17
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللّهم لا علم لنا إلاّ ما علمتنا إنّك أنت العليم الحكيم، اللّهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممّن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصّالحين.
 أيّها الإخوة الكرام ؛ مع درسٍ جديد من دروس أسماء الله الحسنى ومع الدرس المُتِمِّ للمائة والاسم اليوم: مُؤْتي الحِكمة.
 أوَّلُ شيءٍ في هذا الاسم إنَّ الله حكيم ويُؤْتي الحِكمة وحليمٌ يؤتي الحِلم ورحيم يؤتي الرحمة ومن هنا ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم " أنْ تخلَّقوا بِأَخلاق الله " ومن هنا كان اسْتِخْلاف الإنسان في الأرض قال تعالى:

﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)﴾

(سورة البقرة)

 أيها الإخوة الكِرام: قبل أنْ ندْخل في تفاصيل هذا الدرس لابد من وَقْفَةٍ قصيرةٍ حوْلَ الحِكْمة ؛ الحِكْمة تَدُلّ على الترْجيح ولا ترْجيح بِلا مُرَجِّح يعْني شيءٌ يُمْكن أنْ يكون في أوْضاعٍ كثيرة وأنت اخْتَرْت هذا الوَضْع المُناسِب فهذا العمل اسمه ترْجيح ؛ رَجَّحْتَ هذا المكان على هذا المكان فهذا الترْجيح يَحْتاج إلى مُرَجِّح وأَوْضَحُ مثَلٍ مِفْتاح الكهْرباء يُمْكن أنْ يوضَع في أسْفل الحائِط ويُمْكن أنْ يوضَع في أعلى الحائط أما حينما وُضِع في مكانٍ مُعْتَدِل يتناسَبُ مع طول الإنسان وحرَكَة يدِهِ نقول هذا المكان فيه حِكْمَة أو فيه ترْجيح ولا ترْجيح بِلا مُرَجِّح.
 ولعلّ دليل الحِكمة من أكبر الأدِلَّة على وُجود الله وعلى عَظَمَتِهِ فَمَثَلاً الطير الصغير الذي في البَيْضة كيف سَيَخْرُج منها ؟ في وَقْتٍ مُناسِبٍ جداً وفي مكانٍ مُناسِبٍ جداً يَنْمو له نُتوءٌ مُدَبَّب ويَثقب بِه جِدار البيْضَة وبعد حينٍ يتلاشى هذا النُّتوء ويعود مِنْقارُه إلى ما كان عليه في الوَقْتٍ المُناسِبٍ وفي المكانٍ المُناسِبٍ وفي الحجم المناسب وفي الشكل المُناسب ظهر هذا النُّتوء ونقول: هذا الترْجيح يَحْتاج إلى مُرجِّح والعَقْل لا يقْبل أنّ هذا الشيء تَمَّ وَحْدَهُ.
 الماء إذا برَّدْناهُ شأنُهُ كشأنِ أيِّ عُنْصر ينْكَمِشُ حجْمُهُ إلى درجة زائد أربعة تنْعكِس الآية ولولا هذه الخاصَّة لما كان على الأرض حياة ؛ يتَمَدَّدُ الماء إذا بلغَ درجة زائِد أربعة، حِكْمَةٌ مُطْلَقَة ولَوْلاها لما قامَتْ حياة فالحِكمة ترْجيح ولا ترْجيح بِلا مُرَجِّح.
 قد يذهب إنسانٌ إلى بلدٍ في أقْصى الشمال وقد تصِل الحرارة إلى سَبْعين تحت الصِّفر كلُّ شيءٍ يُمْكن أنْ تُغَطِّيه تُغَطي يَدَيْك ورِجْلَيْك وجِهازك التنفُّسي وترْتدي الألْبِسَة الصوفِيَّة والمِعْطف والقُبَّعة فَكُلُّ شيءٍ يُمْكن أن تُغَطيه إلا العَيْن إذا غَطَّيْتها فقَدْتَ البصر والهواء الذي يُلامِسُها سبْعين تحت الصِّفر إذاً لا بدَّ من أنْ يتَجَمَّد ماء العَيْن ويفْقد الإنسان البصر ؛ من أوْدع في العين مادَّةً مُضادَّةٌ للتَجَمُّد ؟ هذه حِكْمَةٌ مُطْلَقَة ولولا هذه المادَّة لَفَقَد كلُّ الذين يعيشون في المناطِق الباردة أبْصارهم لا ترْجيح بلا مُرجِّح ولا حِكْمة بِلا مُحْكِم ولا حِكْمَة بِلا حكيم.
 فالله سُبْحانَهُ وتعالى هو الحكيم فَهُو تعالى حِكْمَتُهُ مُطْلَقَة والإنسان حِكْمَتُهُ نِسْبِيَّة وأحْياناً يفْعلُ فِعْلاً غير حكيم بِسَبَب ضغْط أو إغراء أو بِسَبب جهْل فإما تحَمَّل ضغْطاً كبيراً فَتَكَلَّمَ كلِمَةً غير حكيمة أو وقف مَوْقِفاً غير حكيم أو سلَك طريقاً غير مَشْروع أو خضع لإغراءٍ شديد فاخْتَلَّ عَقْلُهُ وانْساقَ مع شهْوَتِهِ أو يجْهل حقيقة هذا الشيء فيرْتَكَبَ حماقَة، فالإنسان إذا بدا لك حكيماً فهُو حكيمٌ أحْياناً أما الحكيم مُطْلقاً هو الله عز وجل لأنه مُنَزَّهٌ عن الضغط والإكْراه والجهْل فأَفْعالُهُ تعالى تُلابِسُها الحِكْمة المُطْلقة.
 وهذه الحقيقة أيها الإخوة أنَّ كُلَّ شيءٍ وقع له حِكمة حتى إنهم قالوا لِكُلِّ واقِعٍ حِكْمة فِكْرة مُريحة جداً وبسيطة وهي أنَّكَ لن تُعاني أزْمة نفْسِيَّة ولن تُعاني حِقْداً ولا ضيقاً ولا كراهِيَةً ولا ندَماً، لا تقول: لو أنَّني فعَلْتُ كذا وكذا فهذه الفِكرة البسيطة وهي كُلُّ شيءٍ وقع أراده الله لأنه لا يليق بالله أنْ يقع شيءٌ لا يُريدُه وكُلُّ ما أرادَهُ الله وقَع وأَفْعال الله مُتَعَلِّقَةٌ بِالحِكْمة المُطلقة والحِكمة المُطلقة مُتَعَلِّقةٌ بِالخير المُطْلق وبذا انتهى النَّدَم والحِقد وانتهت كلِمة ليْتَ.
 لا تَقُل: لو أنَّني فعَلْتُ كذا وكذا ولكن قُل: قدَّر الله وما شاء فعل فإنَّ كلِمة لو تفْتَحُ عملَ الشيطان أتَرى أيها الأخ الكريم ما يحْدث في العالم، هناك شرور ومجاعات وآثام وزلازِل وبراكين تنْفَجِر وفَيَضانات وصقيعٌ لا يُحْتَمَل وإتْلافٌ للمحاصيل وحُروبٌ أهْلِيَّة، يجب أنْ تؤمن وهذا الإيمان يَحْتاج إلى جُهْد أنَّ كُلَّ شيءٍ وقع لِحِكْمَةٍ بالِغةٍ مُطْلَقَة وهذه كُلُّها للخير المُطْلق، ولكنَّك أنت ترى هكذا رؤية محْدودة فَتَرى الشر ولكنَّ الله يُريد من أفْعالِهِ كلِّها الخير المُطلق.
 تصَوَّر أنَّ غلاماً يُضْرب من قِبَل أبٍ شديد وبعد أنْ ضُرب كثيراً أصْبح هذا الغلام الطالب في مُسْتَقْبَلِهِ من ألْمَعِ الشَّخْصِيات، بِالنظر القريب والقصير هناك قَسْوة وشرّ وبِالنظر البعيد هناك خير كثير فبعد أنْ ضُبط هذا الغلام ودرس وأخذ شهاداتٍ عُلْيا وشغل مناصِب رفيعَة وصار دَخْلُهُ وفيراً - من باب الدنيا - فهذا حينما ينعَمُ بِبَحْبوحَة ومَكانَة اجْتِماعِيَّة وبيْت مُريح ومرْكبة وزوْجة واحْتِرامات من قِبَل الناس سيُقَبِّلُ يد أبيه التي ضَرَبَتْهُ يوْم كانَ صغيراً فعلى المدى القصير قد يبْدو لك الشر أما على المدى البعيد فيبْدو لك الخير المُطْلق لِذلك أيُّ إنْسانٍ على وَجْهِ الأرض من آدم إلى يَوْم القِيامة حينما يقِفُ بين يدي الله عز وجل يُلَخِّص علاقة الله به بِكَلِمَةٍ واحِدة هي: الحمد لله قال تعالى:

﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10)﴾

(سورة يونس)

 أَرَأَيْت إلى هذه الفِكْرة ؛ والله أيها الإخوة أكاد أقول: إنَّ تِسْعة أعْشار الأمْراض العُضال أسْبابُها نفْسِيَّة ؛ ضغْط نفْسي وقلقٌ وخوْفٌ وحَيْرة وحِقْد فإنْ آمنت بِهذه الحقيقة تشْفى من كلٍّ أمْراضِك النَّفْسِيَّة ولا ترى إلا يد الله تعْمل في الخَفاء ولا ترى مع الله أحداً وتقول: الله هو كلُّ شيء وبِالتعبير الدارِجْ: ما في إلا الله، واللهُ كبيرٌ وتتعامل معه وحْده وتُخْلِصُ له وتَمْحَضُهُ وُدَّك وحُبَّك وإخْلاصَك وطاعَتَك وتُقَدِّم له حياتَك وشبابك ومالك وعِلْمك ولِسانك وقلمَك وخِبْرتك وهذا هو الإيمان فَلِكُلِّ واقِعٍ حِكْمة ولكن هذه الرؤية يصْعُب أن تُنْقَل بِصورِتِها اللفْظيَّة فالإيمان والسلوك في طريق الإيمان ومُجاهَدَة النَّفْس والهوى ولُزوم مجالِسِ العِلْم وتِلاوة القرآن ومَعْرِفة السنّة والاسْتِقامة والعمل الصالح وفي نِهاية هذا المَطاف سترى أنَّ يَدَ الله وحْدها تعْمل في الخفاء وفي النِّهاية ترى أنِّ يد الله فوق أيْديهم قال تعالى:

﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(17)﴾

(سورة الأنفال)

 لذلك لا ألم ولا خَوْف ولا قلَق والحِكمة أن نضع الشيء المُناسِب في المكان المُناسِب في الحجم المُناسِب وفي الوقت المُناسِب وبِالقَدْر المُناسِب وبِالأسْلوب المُناسب والله هو وحْده الحكيم ولا حكيم سِواه وحكْمة البشَر مُسْتَنْبَطةٌ من حِكْمة الله ؛ وحينما فتح النبي عليه الصلاة والسلام مكَّة ماذا قال أبو سُفْيان ؟ قال: ما أَحْكَمَك وما أعْقَلَك وما أرْحَمَك وما أوْصَلَك.
 إخْواننا الكِرام، لمّا يقول الله عز وجل:

﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269)﴾

(سورة البقرة)

 فَرَبُّنا يقول: "خيراً كثيراً "، الخير الكثير لا بِحَجْمِ رصيدِك فيه من المصارِف ولا بِبَيْتٍ فَخْم ولا بِزَوْجَةٍ رائِعة ولا بِدَخْلٍ كبير ولا بِصِحَّةٍ جيدة إنما الخير الكثير أنْ تُؤْتى الحِكْمة لأنّك بِالحِكمة تسْعد وبِالحِكمة تُصْلِحُ الزوجة السيِّئة وبِالحُمْق تُفْسِد الصالِح وبالحكمة تَجْلِب المال وبِالحُمْق تُبَدِّد المال وبالحِكْمة تكْسِب الأصْدِقاء وبِالحُمْق تُفَرِّقُهم:

﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾

 فالله عز وجل حكيم ويُؤتي الحِكمة.
 بعْضهم قال: الحِكمة ليْسَتْ كَسْبِيَّةً لا تُكْتَسَب ولكِنَّها تؤتى، وبعْضُهم قال: المؤمن حينما يسْتقيم على أمْر الله ويُخْلِص له يُكافِئهُ بالحِكمة، والله أيُّها الإخوة، أسْتَنِد فيما أقول لِقِصَصٍ من أزواجٍ وزوْجات ومن إخوة وأخواتٍ ومن شُرَكاء حُمْقٌ ما بعْده حُمْق وانْحرافٌ ما بعْده انْحِراف إنْسانٌ يُدَمِّر نفْسَهُ بِيَدَيْه ويُخَرِّب بيْتَهُ بِيَدَيْه ويُدمِّر سعادتَهُ بيَدَيْه لِعَدَم وُجود الحِكمة ؛ كلِمة غير مُناسِبة وهذا الكلام مؤلم ويحمل نتائج قاسِيَة، قال قائل:

إنَّ القلوب إذا تناثر وُدُّها  مثل الزجاجة كسْرُها لا يُجْبَرُ

هناك شيءٌ في الأدب يُسَمى التَّشْطير وهو أنْ يأتي شاعر فَيَجْعل من شَطْر البَيْت الشطْر الأول ويَصوغُ شَطْراً ثانِياً وشَطْراً ثالِثاً ويأتي بالشَّطْر الثاني ليجعله شطْراً رابِعاً:

إنَّ القلوب إذا تناثر وُدُّها  مثل الزجاجة كسْرُها لا يُجْبَرُ

 فَأخذ الشَطَّر الأول هذا البيْت فقال:

إنَّ القلوب إذا تناثر وُدُّهـا  عند الأكارم جَبْرُها لا يَعْسُرُ
قُلوب أرْذال الأنام إذا اِلْتوت  مثل الزجاجة كسْرُها لا يُجْبَرُ

 ثم جعل من الشطر الثاني من البيت السابق سطراً رابعاً.
 في بعض الأحْيان كلِمَةٌ تُنْهي شرِكة وكلِمَةٌ تُشَرِّدُ أسْرةٌ ومَوْقِفٌ تَخْسَر عملك فيه قال تعالى:

﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾

 أحْياناً تجد إنساناً يِعَمَل عملاً مرموقاً، وله مكانة رفيعة، ودَخْل كبير فَيَخون صاحِب العَمَل فَيُنْهي عَمَلَهُ ويُصْبِح مُتَشَرِّداً في الطرقات، ارْتَكَب حماقة كبيرة، أيها الإخوة أنا أُصَدِّق الله عز وجل:

﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾

 في بَيْتِك قد تُؤتى الحِكْمة وتعيش مع زوْجَةٍ عُمُراً مديداً تسْعَدُ بها وتَسْعَد بك أما بِالحُمْق تُطَلِّقُها وتَخْسَرُها وتَخْسَرُك.
 أحْياناً تجد إنساناً عنده مال يُبَدِّدُهُ بِأساليب تافِهَة ثمّ يبْقى بِلا مال وأحْياناً يغْضب المرْء فَيُطَلِّق زوْجَتَهُ ويُصْبِح على أبْواب المُفْتين فالذي تساهَلَ معه منهم يشُكُّ في عِلْمِهِ والذي تشَدَّد عليه يشُكُّ في رحْمَتِه، ومن بابٍ إلى باب ومن مُفْتٍِ إلى مُفْتٍ وكان يُغْنيك ألا تُطَلِّق هذه الزوْجَة وأنْ تبْقى عِصْمَتُها بِيَدِك أما حينما طلَّقْتَها أصْبَحت عِصْمَتُها بِيَدِها وأنت لا تدْري ؛ فالحِكْمَة أيها الإخوة كما ورد عِلْمٌ مُطَبَّق والله عز وجلّ قال:

﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23)﴾

(سورة الجاثية)

 فقد تُحَصِّلُ عِلماً كبيراً ولا تكون حكيماً أما الحِكْمَة أنْ تسْتفيد من عِلْمِك وأنْ تجْعَل من عِلْمِك عِلْماً عمَلِياً ؛ إذْ هناك عِلْم عملي وآخر نظري فأنت حينما تسْتَفيد من عِلْمِك تكون حكيماً فالحِكْمَة حقيقةٌ مُطَبَّقَةٌ في حيِّز الواقِع، والحِكمة إصابة الحقّ والحق ما طابق الواقِع إذْ الضلال أنْ تتوَهم شيئاً غير واقِعي وأن تظنّ شيئاً غير صحيح والمِقياس هو الواقِع فالحِكْمة أنْ تكون واقِعِياً فالإنسان إذا ابْتَعَد عن الواقِع وقع في الوهْم وصارَتْ أفْكارُهُ وهْماً وظناً وشكاً وغلبة ظنٍّ أما الحِكمة أنْ تبْلغ حدّ اليقين:

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كثيراً ﴾

 اسْمع إلى قوْلِه تعالى:

﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ(12)﴾

(سورة لقمان)

 الحِكمة كلُّها أنْ تشْكر الله لأنّ الله أنْعم عليك بِنِعْمَة الإيجاد وأنْعم عليك بِنِعْمَة الإمْداد وأنْعم عليك بِنِعْمَة الهُدى والرشاد فالحِكْمَة أنْ تشْكر الله والكَوْنُ مُسَخَّر تسْخير تعْريف ومُسَخَّرٌ تسْخير تكْريم فإنْ آمنت وَشَكَرْتَ حقَّقْتَ الهَدَف من وُجودِك، ألَيْس الله بِأَحْكم الحاكِمين، فَحِكْمَة الحُكَماء مُسْتَمَدَّةٌ من حِكمة الله يُعْطي الحِكمة أو لا يُعْطيها والدليل أنَّهُ إذا أراد الله إنفاذ أمر أخذ من كُلِّ ذي لُبٍّ لُبَّهُ فهذا أبو لَهَب لو ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلَّم وقال يا رسول الله صلى الله عليه وسَلَّم أشْهد أن لا إله إلا الله وأشْهد أنّ محمّداً رسول الله لنجا إلى الأبد، ولما أنزل الله فيه، قال تعالى

﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5)﴾

(سورة المسد)

 فَطَريق الإرادة لأبي لهَبٍ بِيَدِ الله عز وجل، ومن أجْل أنْ تعْلم أنَّ كُلّ مخْلوقٍ أمر بِيَد الله سبحانه، فهؤلاء السُّفهاء قال تعالى:

﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(142)﴾

(سورة البقرة)

 كأنَّ الله يُخاطِب الناس من أهل مكّة، واليهود ويقول أنتم سُفَهاء وسَوْف تقولون هذا الكلام قال تعالى:

﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

 حسناً، هؤلاء الذين سُمُّوا سُفهاء لو فكَّروا قليلاً ثمّ سكتوا فَلَو أنَّهم سكتوا أبْطلوا كلام الله، ولكنهم تكلموا وقالوا كما أخبرت به الآية، من أجل أن تعلَم أنّ الله بِيَدِه كُلُّ شيء وناصِيَة كلِّ شيءٍ وإذا أراد الله إنفاذ أمر أخذ من كلِّ ذي لُبٍّ لُبَّهُ والله عز وجل طليق الإرادة ولا شيءَ يقِفُ أمامه سُبحانه ؛ فهذا السَّفيه الذي وُصِف بِأَنَّهُ سفيه ولأنَّهُ سفيه سَيَقول كذا وكذا ولو أنه فكَّر قليلاً وسكت لأَلْغى مصداقية القرآن الكريم ولكن حاشا وكلاّ، إذاً الحِكمة أنَّ كلَّ شيءٍ بِيَدِ الله يُؤتي الحكمة من يشاء أو يُؤتي الضلال من يشاء، قال تعالى:

﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (1)﴾

(سورة محمد)

 أعْمالُهم لا تُحَقِّق أهْدافَها ولا تصِل إلى غاياتِها ؛ فَحَرَكة الإنسان الكافِر عَشْوائِيَّة حَرَكَتُهُ كبيرة ولكن عندما يأْتيه ملَكُ المَوت ليتوفاه ويخرجه من الدنيا بعد أن بدأت تنْتظم حياته ويعْلو شأْنُهُ وبعد ما أخذ يزْداد مالُهُ وقد تَمَكَّن بِعَمَلٍ مرموق، ومكانة وأصْحاب وأعْوان يقول له ملَكُ المَوت تَفَضَّل، فالحِكمة أنْ تأتي أعْمالك مُطابِقَةً لأهْدافِك لكن الإنسان أحْياناً يُنْجِزُ عمَلاً كبيراً دون أن يكون له غاية في مرضاة الله، بل تكون غايته سمعة شخصية، وعلواً في الأرض، لذا يقول ربنا عز وجل:

﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً (23)﴾

(سورة الفرقان)

 يقول الله عز وجل في سورة البقرة:

﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ(251)﴾

(سورة البقرة)

 أنا ذكرْتُ من قبْل أنَّ الله قد يُؤتي المال لِمَن يُحِبّ ولمن لا يُحِبّ فقد آتاه لِمَن لا يُحِبّ وهو قارون وقد آتاه لِمَن يُحِب وهو سيِّدُنا عثمان ابن عفَّان رضي الله عنه فهُو من أغْنى أغْنِياء الصحابة فقد جهَّز وحْدَهُ جيْش العُسْرة وهذا ابنُ عَوْفِ كذلك من أغْنى أغْنِياء الصحابة سَمِع مرَّةً من السيِّدة عائِشَة تقول: والله لَيَدْخُلَنَّ عبد الرحمن الجنَّةَ حَبْواً فقال هذا الصحابِيُّ الجليل والله لأَدْخُلَنَّها خَبَباً وماذا أفْعل إذا كنت أُعطي مئة في الصباح فَيُؤْتيني الله ألْفاً في المساء فالله أعطى المال لِمَن يُحِبّ ولمن لا يحب، وأعطى الملك لمن يحب، وهو سيِّدُنا سُليمان ولِمن لا يُحبّ وهو فِرْعون ولكِنَّ العِلم والحِكمة لا يُعْطيهِما إلا لِمَن يُحِب قال تعالى:

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22)﴾

(سورة يوسف)

 فالإنسان إذا تلقى العِلْم الصحيح وتفقَّه بِكِتاب الله وقرأ سُنَّة رسول الله وسيرَتَهُ وقف على الحق وعرف مَوْقِعَهُ ولِماذا هو في الدنيا ومن أين أتى ؟ وإلى أيْن سَيَذْهب ؟ وما غاية وُجودِهِ وماهِيَتُهُ ؟ فهذا أوتِيَ الحِكمة، فالمؤمن هدَفُهُ واضِح وهو مُطْمئِنّ لأنّه عرف حقيقة الحياة الدُّنيا وعرف حقيقة الكَون وحقيقة الإنسان وجَوْهَرَهُ قال تعالى:

﴿ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾

 والآية الثانِيَة الشهيرة هي قوْله تعالى:

﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾

 يدْعو الإنسان ربَّهُ فَيَقول يا رب سدِّدْ قوْلي ووَفِّقْني وألْهِمْني الصواب والله أيها الإخوة ما من دُعاءٍ أرجو أن تدْعوا به جميعاً أحب إلي من هذا الدعاء: اللهم ألهمنا الصواب ؛ قد يقِف الإنسانُ أياماً مواقِفَ نبِيلَة سليمة ويتكَلَّم الكلِمة الصحيحة ويتَحَرَّك الحركة المُناسِبَة ويغْضب في مَوْطن الغَضَب ويحلُم في موْطِن الحِلْم ويُعْطي في مَوْطن العَطاء ويُمْسِك عنْدما ينْبغي أنْ يُمْسِك فهذه المواقِف المُتَنَوِّعَة إذا كانت مُتناسِبَةً مع عِلَلِها وأسْبابِها يشْعر بِراحة ؛ فماذا يُقابِل الحِكمة ؟ الحُمق فالحِكمة يتْبَعُها راحة أما الحُمْق يتْبَعُهُ ندَم قال تعالى:

﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾

 أَلَم تسْمعوا بِدُعاء رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: " اللهم اجْعل تدْميرهم في تدْبيرهم "، فبعض الناس يُفَكِّر ويُفَكِّر ويُفَكِّر ويحْسب ويجْمع ويطْرح ويقْسم ثمّ يرْتَكِب حماقَةً تُدَمِّرُهُ باختياره لأنه ركن إلى ذاته واطمأن إليها.
 لذلك

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾

 فإذا دخل الإنسان المسْجد قد لا يجِد مقْعداً ولا يتوقع راحة ولا اسْتِضافة ولكنّ الذي يُعْطيهُ الله في هذا المسْجِد وفي أيِّ مسْجِدٍ آخر ؟ الحِكمة تجِد أنَّك إذا دخَلْت المسْجِد تقول: اللهم افْتح لي أبْواب رحْمَتِك ؛ تجد أنّك في بيْتِكَ حكيم وتعْقِد صفْقة مَعْقولة وبِالمُقابِل تجد من يعْقد صفْقة يخْسر بها وتهْوي به ويُدَمَّر فالإنسان لما يكون مع الله فالله معه والحقيقة أنت أحَدُ شخْصَين: " شخْصٌ يُلْهِمُه ربه سبحانه صلاحه وخيره وشخْصٌ يُوَسْوِسُ له شيْطان "، فالشيْطان يَدُلُّك على الشر وعلى المعْصِيَة ويُحَبِّب لك الدنيا ويُلْقي بينك وبين الآخرين البَغْضاء ويُزَيِّن لك الحرام، قد تجد أشْخاصاً كثيرين عندهم زوْجات من الدرجة الأولى ومع ذلك يطْمعون بِنساءٍ غير زوْجاتِهم لأنَّ الشيْطان يُزَيِّن أحدهم هذه المرْأة الأجْنَبِيَّة التي لا تحِلّ له ويُزَهِّدُه بِزوْجتِه فهذا حُمْق ويُدَمِّر نفْسَهَ فالشيء الطاهر والحلال والنقِيّ الذي لا شائِبَة فيه زاهِدٌ فيه ويلهث وراء الحرام الذي يُسَبِّب دمار أُسْرة وتَفْرِقة وعاراً كلُّ هذا دليل على عدم وُجود الحِكمة:

﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾

 تجد الإنسان يتسَرَّع بدون تحقق فإذا به يقعُ في شرِّ عملِه وقد يحْكم حُكْماً سريعاً على بعض أعماله فينْدم على ما فعل وقد يكون ردُّه أكثر مما ينْبغي فَيُفَجِّر المَوْضوع ؛ أراد أنْ يُصْلِح فأفْسَد وأن يُرَمِّم فَدَمَّر.
 فأيها الإخوة الكِرام من علامة أنَّك حكيم أنَّكَ لا تنْدم والنَّدم يُرافِق عدم الحِكمة وعدم الحِكمة تعْني أنَّهُ مقْطوعٌ عن الحكيم ولا يوجد له اتِّصال بربه إذْ لو كان هناك اتِّصال لما كنت غير حكيمٍ فالله هو الحكيم وأيُّ عبْدِ اتَّصل به يشْتَقُّ من حِكْمَتِه، أحد الصحابة سُرق بعض مالِهِ فماذا قال؟ قال: اللهم إنْ كان الذي أخَذَهَ أخذه عن حاجَةٍ فَبارِك له فيه وسامِحْه وإن كان قد أخذه بطراً فاجْعَلْهُ آخر ذُنوبِهِ.
 إني أعْرِف إنْساناً فَصَل مُوَظَّفاً عنده عن العمل وانْتَقَم منه انْتِقاماً شديداً بل أدَّى به الأمر إلى قتْلِهِ من أجل قضِيَّة تافِهَة ؛ غَضَبٌ شديد حَمَلَهُ على ارْتِكاب جريمة قتل وهذه الجريمة أَوْدَت به إلى السِّجْن ثلاثين عاماً أما لو كان حكيماً لَقال: قَدَّر الله وما شاء فَعَل والله هو المُعَوِّض يرى كلّ ذلك من حِكْمة أرادَها الله فَلَعَلَّهُ أكل مالاً حراماً من قبل فالله تعالى عاقَبَهُ وانْتهى الأمر به إلى السجن ثلاثين عاماً، فالشيطان هو الذي يدْفعه إلى الحركات العَشْوائِيّة، قال تعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً (83)﴾

(سورة مريم)

 حركة عشْوائِيَّة وطائِشَة ومُؤْذِيَة وهدَفُها الإيقاع بين الناس، ذكرْتُ مرّةً قِصّة فريدة مذهلة كانت امرْأةٌ تعْمل بِالقضاء وكانت مُلَّمة بالقوانين وكان لها بيتٌ تملكه شركة مع أخيها وكان معها وثيقة بِمِلْكِيَّة نِصف هذا البيت والنصف الآخر لأخيها فَتَوَهَّمت أنه بِإمْكانِها أنْ تأخذ منه البيْت بِطَريقَة ذكِيَّةٍ جداً وبِأُسْلوبٍ يحْتاج إلى خِبْرة والقِصة طويلة جداً واسْتطاعَت بمكرها أنْ تجْعَلَهُ في الطريق هو وأولاده وزوْجَتُهُ، وأن تملك البيت وحدها، عِنْدها أُصيبَتْ بِمَرضٍ خبيثٍ في أمْعائِها وانْتهى بها الأمر إلى الموت العاجل فَكان أخوها وأولاده هم الوارثين وعادوا إلى البيت واسْتَحَقَّت لعْنة الله والملائِكة والناسِ أجْمعين ؛ من الذي دفعها إلى هذا العمل ؟ الشيْطان أخْرَجَت أخاها الذي أعْطاها ثمن نِصف البيت تماماً ولكن ما خطر في باله أنْ يأخذ منها إيصالاً وابن هذا الأخ الكريم هو أحد إخْوانِنا ؛ آلاف القِصص من هذا النوع.
 فالإنسان وهو بعيدٌ عن الله تعالى أحْمَق ويرْتَكِب حماقةً لا توصف وعملاً طائِشاً فإذا به يتدَمَّر فالخُلاصة إذا كنت مع الله فأنت في ظِل الله ورِعايَتِهِ وحِمايَتِه وتَرْبِيَتِه ؛ تجد شخْصاً حياتُهُ مُتواضِعة ولكنّه حكيم وشخْصاً آخر حياته مترفة ولكنه مُدَمَّر ألا ترى أشْخاصاً جمعوا أمْوالاً طائِلة ثم كُشِف أمْرهم فإذا هم بالسِّجن فالقضِيَّة هي قضِيَّة توْفيق من الله عز وجل:

﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾

 إنْسان خرج من بيْتِه يقول فيما روي:

(( عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَُزلَّ أَوْ أُضِلَّ أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ ))

[ رواه النسائي ]

 تحدُثُ معك أمور تقول بعدها ما انْتَبَهْت لكن الله ألْهَمني وصَحَوتُ من غفلتي، الفِكرة الدقيقة التي أريد أن أنبه إليها: أنْ تقِف في الوَقْت المُناسِب وأنْ تُراجِع الأمر وأنْ تتريَّث وأن لا تحْكم عشوائياً فَكُنْ مع الحكيم تغْد حكيماً وكُن مع العليم تغْد عليماً وكُن مع الرحيم تغْد رحيماً فَكُلّ إنسان يرْتَكِب حماقة يكون وقتها غافلاً، يعْني أنَّهُ وقْتَ ارْتِكابِه لها كان مقْطوعاً عن الله عز وجل:

﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾

 قال تعالى:

﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ(81)﴾

(سورة آل عمران)

 الحكمة تُؤْتى تفضُّلاً من الله الحكيم، والعلماء قالوا: " الكِتاب هو القرآن والحِكمة هي سُنَّة النبي عليه الصلاة والسلام " قال تعالى:

﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنْ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾

 أيها الإخوة اُطْلُب من الله عز وجل كُلّ يومٍ أنْ يُلْهِمَك الحِكمة وألا تقع في شرِّ عملِك وأنْ تفْعل الشيء الصواب والحَسَن والحِكمة ضالَّةُ المؤمن والحقيقة أنَّ الإنسان إذا افْتَقَر إلى الله ألْهَمَهُ الحِكمة فإذا اعْتَدَّ بِرَأْيِهِ تخَلى عنه فوقع في الشرّ بينما أنْ تسْتَلْهِم الله فيؤتيك الحكمة وبين أنْ تنْقَطِع عن الله فينفرد بك الشيطان ويُوَسْوِس لك.
 بِرَبِّكم هؤلاء المُجْرمون يوم قتَلوا ضحيتهم أَما فكَّروا في المصير ؟ أربعة ذهبوا إلى صائغ في بعض الأبنِيَة في دِمشق وقَيَّدوه وأخذوا منه ثلاثة عشر كيلوا ذهباً وبعد أسبوع أُعْدِموا في قرْيَتِهم جميعاً هل معْقول أنْ يَخْسر الإنسان نفْسه من أجل كمِّيَة من الذهب تبقى لديه سبْعة أيام ؟ لذلك المُجْرم غَبِيّ طبعاً صعْبٌ أنْ ترْتَكِب جريمة لكن هناك أخْطاء تُدَمِّر سعادَتَك.
 أعْرِف شخْصاً اشْترى هذا الصحْن وأنا أقول دائِماً كُلَّما كثرت الصحون على السطوح قلَّت الصحون على المائِدة وكلما قلَّ ماء الحياء قلَّ ماء السماء وكلما رخُص لحْم النِّساء غلا لحْم الضأْن ؛ كان يُصلي الفجْر والعِشاء مع أهْله بعْدها أصْبح يسْهر إلى الخامسة صباحاً وبذلك صار صغيراً أمام أهْله ؛ أين الحِكمة ؟.
 وأعْرف رجُلاً هِوايَتُهُ أنْ يمْشي في الطُّرق المُزْدَحِمة ويُمَتِّع عَيْنه بالحَسْناوات فَأُصيب بِمَرض ارْتِخاء الجُفون فلا يسْتَطيع أنْ يرى إنساناً إلا إذا أمْسك جفْنه بِيَدِه أين الحِكمة ؟ هل تُصَدِّقون من هو الحكيم ؟ الذي يُطيع أمْر الله عزّ وجل ؛

أَطِعْ أمْرنا نرْفع لك حُجْبَنــا  فإنا منَحْنا الرضى من أحَب
ولُذْ بِحِمانا واحْتمي بِجنابِنـا  لِنَحْميك مما فيه أشْرار خلْقِنا
وعن ذِكْرنا لا يشْغُلَنَّك شاغِلٌ  وأخْلِص لنا تلْقى المَسَرَّة والهنا

 اسْمع قِصص الناس ترى العَجَب ؛ أزْواج مُتَباغِضون وأعْمال مُنْحَرِفة وخُصومات ففي البيوت مُشْكِلاتٍ لا يعْلَمُها إلا الله ونُفور وعَصَبِيَّة لأنه مقْطوع عن الحكيم فَكلامُهُ قاسٍ ورُدود فِعْلِه عنيفَةٌ جداً فلا هناك حبٌ ولا وِئام ولا تسامُح ولا سُرور تجد بيتاً يحْوي كلّ شيء إلا الحب فهو بِذلك خاوٍ من كل شيء ؛ فالإنسان بالحكمة يسْعد ومن دون الحِكمة يشْقى سمِعْتُ أنّ أحد العلماء ألَّف حَوْل هذه الآية كِتاباً من دَفَّتِه إلى دَفَّتِه:

﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾

 والله هناك زوْجاتٌ بِالحِكمة أصْبِحن أودَّ وأرحم زوْجات وهناك زوْجات بِالحُمق أصْبِحن أسْوأ زوْجاتٍ كلّ هذا من الزوج ؛ فهذا كلّ يوم يُقسو على زوْجته ويغلط لها القول، وليل نهار وراء عُيوبِها حتى يحطَّ من شأنها ويُحَطِّمها وحتى تُجابههُ وتردَّ عليه ردّاً عنيفاً وحتى يدمِّر الوُدّ الذي بيْنه وبينها أما المؤمن فيحْمد الله على كلّ شيء لن تجد إنساناً له كمال مُطلق أما الحكمة فإنها تجْعل النَّقص كمالاً والحُمق يجْعل الكمال نُقْصاً فانتبه اتِّصالُك بالله يُعْطيك الحكمة وذِكْرك الله عز وجل يُعْطيك الحكمة وتِلاوة القرآن تعطيك الحكمة والبطولة أن تسْعد في الدنيا والآخرة والسعادة أن تكون مع الحكيم وأنت تحْتاج إلى الحكمة كلّ ساعة بل كلّ دقيقة وبلا حِكمة يشْقى الإنسان ويَردى.
 أيها الإخوة الكِرام بِهذا نكون قد أنْهَيْنا الحديث حول هذا الاسم من الأسماء الحسنى المئة والله المُوَفِّق.
والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS