6600
ندوات تلفزيونية – قناة سوريا الفضائية – الايمان هو الخلق – الدرس (39-95) - مقومات التكليف : الشهوة ـ شهوة الغيرة والفرق بينها وبين الحسد ـ التمويه في عالم الفراشات
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2006-10-01
بسم الله الرحمن الرحيم

تقديم وترحيب :

أيها السادة المشاهدون ، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته ، وأهلاً ومرحباً بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامجكم الإيمان هو الخلق .
ومازلنا في رحاب ذلك العلم المتدفق الذي نفيض منه بإذن الله تعالى من فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين في دمشق .
أهلاً وسهلاً سيدي الكريم .
بكم أستاذ علاء ، جزاكم الله خيراً .
الأستاذ علاء :

تلخيصٌ للحلقة الماضية :

سيدي الكريم ، توقفنا عند مسألة هامة في الحلقة الماضية ، وفي الحقيقة أحاول أن ألخص ما جرى في الحلقات الماضية ولو في عناوين سريعة من أجل التسلسل أولاً ، وقد ينضم إلينا الآن مُشاهد لأول مرة ، فأحب أن أضعه في صورة ما كنا نتحدث فيه .
بدأنا في حلقات سابقة عن مقومات التكليف ، تكليف الإنسان الذي حمله الله الأمانة من الكون والعقل والفطرة والشهوة ، ولم نأتِ إلى الاختيار والشرع ، والوقت ما زلنا في مسألة الشهوة ، وأفردنا لها ربما أكثر من سبع حلقات ، ومررنا عند مسألة أن الإنسان مخير لا مسير ، باعتبار أن كل الخصائص ، وكل الحظوظ ، وكل الشهوات حيادية ، وبيده أن يتجه يمنة أو يسرة ، خيراً أو شراً ، وبيده أن ينتقل من مكان إلى مكان ، وأن يوظف تلك الشهوة في الخير أو في الشر ، توقفت عند مسألة ـ سيدي الكريم ـ هي الخصائص ، ومررنا سريعاً على قضية الغيرة ، وقلت : إن الغيرة حيادية كيف تكون يا سيدي ؟
الدكتور راتب :

خصائص الإنسان حيادية :

حب الإنسان للخير يقوده إلى فعل الخير
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
أستاذ علاء انطلقنا من أن الشهوة حيادية ، وكان الحديث عن المال ، وقلنا : المال حيادي ، إما أن يكون سُلماً نرقى به أو دركات نهوي بها ، إذاً : هو قيمة موقوفة في تقييمها على طريقة استخدامها ، ثم وسعنا الموضوع فقلنا : إن الحظوظ حيادية أيضاً ، الذكاء والوسامة والجمال ، وما إلى ذلك ، والقوة كلها حظوظ يمكن أن توظف في الخير أو في الشر ، ثم وسعنا ذلك ، وذكرنا عنوان موضوع ، والآن طلبت مني أن يكون هذا في اللقاء الجديد .
الحقيقة هناك خصائص للإنسان ، الإنسان يحب الكمال ، لو أنه اشترى دفتراً فيه خطأ بسيط ، أو عيب بسيط ، يقول له : بدل لي إياه ، كل إنسان يحب الكمال ، وحبه للكمال يقوده إلى الله عز وجل ، لأنه الكمال المطلق ، الإنسان يحب الخير ، حبه الخير يقوده إلى فعل الخير .
ثمة فكرة قرأتها البارحة ، أن أكبر غني في العالم ( بيل غيت )صاحب مايكروسوفت قبل أيام توقف عن العمل ، وأراد أن يتفرغ للعمل الخيري ، وتبرع بتسعين بالمئة من ثروته إلى العمل الخيري في إفريقيا ، حيث الأمراض والأوبئة والفقر ، فالإنسان أحياناً يحب الخير ، فحبه للكمال دفعه إلى عمل معين .

الغِيرة خصيصة حيادية :

الإنسان يغار
الإنسان يغار ، يعني أنه يتمنى ما عند الآخرين ، هذه خصيصة حيادية ، لو أنك رأيت إنسانًا مؤمنًا ملتزمًا متألقًا في المجتمع ، له عمل طيب ، تمنيت أن تكون مثله ، إذاً : هذه الخصيصة أداة ارتقت بالإنسان ، ويأتي إنسان آخر فيلتقي بإنسان غارق في الانحرافات والشهوات الساقطة ، أيضاً بمناسبة هذه الخصيصة الحيادية يتمنى أن يكون مثله ، إذاً : هذه الخصيصة أن تتمنى ما عند الغير يمكن أن توظف في الخير ، ويمكن أن توظف في الشر .
الأستاذ علاء :
الحسد سيدي إيداع رباني في الإنسان ؟
الدكتور راتب :

الحسد صفة سلبية مناقضة للغيرة :

أودع الله في الإنسان خصيصة أن تتمنى ما عند الآخرين ، فإذا حسدت مؤمناً ، أو إنسانًا مصلحًا ، أو إنسانًا عالمًا ، أو إنسانًا قدم لأمته الشيء الكثير ، فهذه الخصيصة وهي ، تمني ما عند الغير تسمى غبطة ، والإنسان يحمد عليها ، أما إذا تمنى ما عند الأشرار والمنحرفين والساقطين ، ومن بنَوا مجدهم على أنقاض البشر ، هذه الخصيصة وظفت ، وهي تمني ما عند الآخرين بالشر ، كما أن المال ينفق في الخير أو في الشر ، كما أن المرأة يحبها الإنسان قد تكون زوجة أم أولاد يرقى بها ، وترقى به ، وقد تكون خليلة وصاحبة .
الأستاذ علاء :
سيدي الكريم ، إذا : هذا الحب حب التمني ما عند الغير ، إن كان عالماً ، إن كان غنياً ينفق ، إذا تمنى لنفسه ما عنده ، ولكن تمنى مع ذلك أن تزول هذه عن ذلك .
الدكتور راتب :

مراتب الحسد :

دخلنا في موضوع آخر ، الحسد مراتب ثلاث :
أولها : أن تتمنى زوال النعمة عن أخيك كي تصل إليك ، هذه مرتبة .
الثانية : أن تتمنى زوال النعمة عن أخيك دون أن تصل إليك ، هذه أسوء .
الثالثة : لا أن تتمنى ، أن تكتب تقريرا ، أن تفعل شيئاً يزيل النعمة عن أخيك ، هذا شر كبير جداً ، لذلك بين أن تتمنى أن تزول ، وأن تأتي إليك ، هناك شيء من المنطق ، أنت محروم من ذلك الشيء ، تمنيت أن يكون لك مثل هذا الشيء ، لكن بشكل عام لو أنك تمنيت شيئاً رأيته عند أخيك دون أن تتوقع أن يزول عنه ، هذه لا شيء فيها .
أنا أرى إنسانا متزوجا ، وعنده بيت ملكًا له ، وحياته مستقرة ، والإنسان المتمني ليس متزوجاً ، فإذا تمنى أن يكون مثله ، مع أنه يبارك لأخيه هذا الزواج وهذا العطاء ، هذا لا شيء فيه ، هذا من طبيعة البشر .
أنا لا أحب أن أوسع المعاصي إلى درجة تصل إلى خصائص النفس ، أنا أتمنى أن أكون مرتاحاً مالياً ، مرتاحاً في زواجي ، مرتاحاً في تربية أولادي ، هذا شيء طبيعي جداً .
أستاذ علاء ، لولا التمني ، أو لولا هذه الخاصة لما ارتقى إنسان .
الأستاذ علاء :
لأصبح سكونياً .
الدكتور راتب :

صفة التمني تلدُ البطولات :

لولا التمني لما ارتقى الإنسان
لولا هذه الخاصة ما رأيت بطولة إطلاقاً ، مثلاً : أحياناً تجمع التبرعات لموضوعات قومية ، أو موضوعات إنسانية ، أو موضوعات قيمية ، يقول عريف الحفل : فلان تبرع بمئة ألف ، يقول الثاني : أنا بمئة وخمسين ، قال تعالى :

﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾

( سورة المطففين )

أحياناً تمني أن تكون كالآخرين ، وهذا أكبر باعث إلى البطولة ، أنا أرى أن أكبر باعث للبطولة حينما خلق الله فينا هذه الخصيصة ، فكل إنسان يتمنى ما عند الآخرين ، لكن أنا أتمنى أن أكون مثلهم دون أن ينالهم أذى فلا شيء في هذا إطلاقاً ، بل هذا هو التوظيف الطبيعي ، أما حينما أتمنى أن تزول النعمة عن أخي لتصل إلي فقد دخلنا في التمني السلبي ، التمني الشيطاني ، هذا سماه العلماء الحسد .
الحقيقة :

قل لمن بـات لي حاسـداً أتدري على من أسأت الأدب
أسأت إلى الله فـي فـعله إذ لم ترض لي ما وهــب
***

هناك كلمات يقولها العامة هي في الحقيقة كفر بعينه ، الله يعطي الحلاوة للذي ليس لها أضراس ، معنى ذلك أنك تشك في حكمة الله ، وفي المقابل ، قال تعالى :

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

( سورة الأنعام)

فرق كبير بين النعمة وبين الاستدراج ، الذي قلنا فيه : الهدى البياني ، ثم التأديب التربوي ، ثم الإكرام الاستدراجي ، ثم القصم .

تمنِّي زوال النعمة عن الغير معصيةٌ :

تمني التفوق لا غبار عليه
الحقيقة الأمور دقيقة ومتداخلة ، فحينما أتمنى أن أكون متفوقاً ، إما في المال ، أو في المكانة ، أو في العلم ، أو في الدين ، أو في الإيمان ، لا شيء علي ، أما حينما أتمنى أن تزول النعمة عن أخي كي تصل إلي فقد دخلت في المعصية الكبيرة .
حينما أتمنى لمجرد أن تزول النعمة عن أخي فهذه أكبر معصية ، أما حينما أسعى لكتابة تقرير كاذب ، أو وشاية ، أو أن أوغر صدر إنسان ضد إنسان ، فهذه جريمة ، وفساد في الأرض ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام نهى نهياً شديداً عن الحسد ، وفي القرآن الكريم :

﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ*الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ﴾

( سورة الناس)

﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ﴾

( سورة الفلق)

الأستاذ علاء :
هل نفهم من هذه المسألة بأن شر الحاسد إذا حسد من أقوى الشرور ؟
الدكتور راتب :

قُلْ أَرَأَيْتُمْ

الترتيب تصاعدي في أهميته ، ومن شر حاسد إذا حسد .
لا ينبغي أن تظهر ما عندك للناس
بالمناسبة ، الإنسان ليس له الحق الكامل أن يُظهر ما عنده للناس ليملأ قلوبهم غيظاً ، هذا إنسان سخيف جداً ، الإنسان إذا أنعم الله عليه بنعمة ينبغي أن يشكرها ، وأن يتواضع حتى يمتص النقمة ممن حوله .
قد تجد غنيًا محسنًا متواضعًا ، تتمنى الغنى من تواضعه ، وقد تجد إنسانا متكبرا لا يحتمل ، لذلك لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر .
إذاً : الحسد ثلاث مراتب ، التمني زوال نعمة كي تصل إليك ، تمني زوال نعمة فقط ، ثم كتابة شيء يودي بنعمة أخيك إلى جهة أخرى ، هذا كله خطأ .
أما حينما أتمنى أن أكون عالماً ، أن أكون محسنا كبيرا ، أن يكون عندي ما يكفيني ، أنا محتاج إلى المال ، إذا تمنيت أن يكون عندي ما يكفيني هذا شيء طبيعي جداً ، ولا شيء فيه ، تمني ما عند الآخرين هذه خصيصة ، ولولاها لما ارتقى إنسان .
الأستاذ علاء :
هل ينطبق هذا على كل الخصائص التي أودعها الله في النفوس ، لأنها حيادية ، وعند استخدامها الاستخدام الأمثل ترتقي بالإنسان .
الدكتور راتب :

بالإحسانِ يُستَعبَد الإنسانُ :

مثلاً : يا داود ، ذكر عبادي بإحساني إليهم فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها ، من خصائص النفس البشرية أنها تحب المحسن ، الآن أنت كأب ، كمعلم ، كقائد ، كمرشد ، كمدير معمل ، مدير مؤسسة ، مدر جامعة ، إن أردت أن يلتف الناس حولك ، ويقدموا لك كل ما عندهم ، وأن يعطوك العطاء الأكبر كي تنهض هذه المؤسسة فأحسِنْ إليهم ، أكبر خطأ يرتكبه من كان في موضع معين أن يسيء لمن حوله ، ويتمنى العطاء منهم ، هذا مستحيل .

أحسنْ إلى الناس تستعبد قلوبهم فلطالما استعبد الإنسانَ إحسانُ
***

قانون التقريب والتنفير :

بالبر يستعبد الحر
بالبر يستعبد الحر ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان قمة في الكمال ، النبي الكريم نبي ورسول ، ويوحى إليه ، ومعه معجزات ، بل هو سيد الأنبياء وسيد المرسلين ، أوتي فصاحة ما بعدها فصاحة ، أوتي جمالاً ، أوتي حكمة ، بل جُمِع كمالُ البشر في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومع ذلك يقول الله عز وجل له ، أنت يا محمد :

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

( سورة آل عمران : 159)

هذه الآية دقيقة جداً :

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

( سورة آل عمران )

أيْ بسبب رحمة استقرت في قلبك يا محمد كنت ليناً لهم ، فلما كنت ليناً لهم التفوا حولك ، ولو لم تكن لك صلة بنا لامتلأ القلب قسوة ، وانعكست القسوة غلظة ، فانفض الناس من حولك ، وكأنها معادلة رياضية ، اتصال ، رحمة ، لين ، التفاف . انقطاع ، قسوة ، غلظة ، انفضاض ، هذه معادلة ، هذه الخصيصة الثانية أنت إن أردت أن تكون أباً ناجحاً كن محسناً .

البطولة أن تكون محترَمًا محبوبًا :

البطولة أن تكتسب حب من حولك
أقول كلمة أستاذ علاء ، أتمنى أن يتفهمها الإخوة المشاهدين : في ثقافتنا في الشرق ، في الثقافة الدينية ، في ثقافة الإسلام ، الأب محترم ، لكن ليست بطولة الأب أن يكون محترماً فقط ، ينبغي أن يكون محبوباً ، لا يحب إلا إذا كان محسناً ، إذا اهتم بأولاده ، اهتم بمستقبلهم ، بنى حياته على خدمتهم ، يكون عندئذ محترماً بثقافة الإسلام ومحبوباً بخصائص النفس .
أنا أقول : بطولة المدير العام لا أن يكون محترماً ، الكل يحترمه قصراً ، البطولة أن يحبوه ، البطولة أن يمدح في غيبته لا في حضرته ، في أي مؤسسة ، في أي مرفق ، في التعليم ، في الجامعة ، في المستشفيات ، في الدوائر ، البطولة لا أن تحترم في حضرتك ، هذه ضريبة تؤدى من قبل من حولك ، البطولة أن تحب أن يكون ذكرك طيباً في غيبتك ، هذه مقياس دقيق جداً ، لذلك دعاء المؤمن لأخيه في ظهر الغيب لا يرد .
متى تمدح إنسانا في غيبته ! يجب أن يكون محسناً في حضرته تمدحه اتقاء شره ، أو تمدحه طمعاً فيما عنده .
الأستاذ علاء :
لذلك سيدي الكريم ، الإحسان يولد الحب ، كما تفضلت ، وأهل القلوب ذكروا مرتبة للإحسان ، هذه المرتبة مرتبة عليا ، وعندما يصل إليها الإنسان يصل إلى الله عز وجل .
الدكتور راتب :

البشر أتباعُ نبيٍّ أو قويّ :

هذا الشيء يجب أن ينقلنا إلى حقيقة ذكرتها كثيراً ، لكن المقام مناسب لأن نقولها : هناك قاعدة واسعة للبشر كلهم ، ستة آلاف مليون ، لكن قمم البشر زمرتان ، أقوياء وأنبياء ، الأنبياء أعطوا ، ولم يأخذوا ، فامتلأت قلوب أتباعهم محبة لهم ، والأقوياء أخذوا ، ولم يعطوا ، فامتلأت قلوب أتباعهم بغضاً لهم ، الأنبياء عاشوا للناس ، والأقوياء عاش الناس لهم ، الأنبياء ملكوا القلوب والأقوياء ملكوا الرقاب ، فرق كبير بين أن تملك القلب وأن تملك الرقبة ، الأنبياء يمدحون في غيبتهم ، وبعد ألف وأربعمئة عام والأقوياء في حضرتهم .

الهلعُ والجزع صفتان لازمتان في الإنسان :

الإنسان يجزع في فطرته
إنّ قضية خصائص الإنسان رائعة جداً ، أستاذ علاء ، نحن كل التقدم العلمي متعلق بالجسد فقط ، لكنه لا يزال علم النفس يحبو ، بل هناك علم اسمه علم النفس الإسلامي ، يدرس خصائص الإنسان ، قال تعالى :

﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴾

( سورة العلق )

أينما وقفت عند كلمة إنسان معرفة بـ ( أل )فهذا من خصائصه النفسية ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾

( سورة المعارج )

لو أن تقريرًا طبيًّا ذكر ورمًا خبيثًا لمات الإنسان من شدة الخوف والهلع ، لأنه خلق هلوعا ، لماذا خلق هلوعا ؟ كي يربيه الله عز وجل ، يسوق له شبح مصيبة فينهار ، لولا هذه الخصيصة لما تاب أحد ، قال تعالى :

﴿ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ﴾

( سورة المعارج )

لماذا هو مَنوع ؟ حتى يرقى عند الله بإنفاق المال هو بالأصل منوع بالأساس يحرص على المال ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً *إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾

( سورة المعارج )

إن الإنسان عجول ، وهذه خصيصة أيضاً ، فإن لم يكن عجول لا يرقى إذا اختار الآخرة ، ولو كان الإنسان مَهولا لا يرقى عند الله ، اختار الشيء البعيد ، والناس يحبون الشيء العاجل ، مركبة ، مكانة السريعة ، أما المؤمن فينظر إلى ما بعد الموت ، إلى الحياة الأبدية ، فلما اختار المؤمن الهدف البعيد ارتقى عند الله ، لأنه عجول .
الإنسان ضعيف ينهار ، لذلك لو خلق الإنسان قوياً لاستغنى بقوته ، فشقي باستغنائه عن الله ، خلقه ضعيفاً ليفتقر في ضعفه ، فيرقى بافتقاره إلى الله .
خلق الإنسان ضعيفا كي يفتقر إلى الله
كل خصائص الإنسان لصالحه ، خصائص الإنسان : منوع ، عجول ، ضعيف ، فهو يحب الإحسان ، وحتى تقود من حولك أنا لا أتصور إنسانا يكفي أن يقود من حوله بقوته ، يجب أن تقوده بالإحسان إليهم ، وبالبر يستعبد الحر .
الأستاذ علاء :
سيدي الكريم ، من هنا قال النبي عليه الصلاة والسلام :

(( الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا ، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ ))

[ الترمذي عن شداد بن أوس ]

إذاً : عمل لما بعد الموت ، وكل هذه الأشياء التي بسطها الله بين أيدينا هي لرفعتنا .
الدكتور راتب :
لذلك أستاذ علاء ، أنت لما تتعرف إلى حقيقة النفس تحسن قيادة النفوس .
الأستاذ علاء :
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( ما عُبد الله في الأرض بأكثر من جبر الخواطر ))

[ ورد في الأثر ]

هذه القضايا هي إحسان بين العلائق البشرية .
الدكتور راتب :

لابد من الإحسان للخَلق ولو كنتَ في منصب قيادي كبير :

أعرابي جاهل جهلا مطبقا بال في المسجد ، فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ ، فَقَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( دَعُوهُ ، وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ ، أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ ))

فلما سكن رأى أناس قاموا إليه والنبي هدئهم قال له يا عبد الله ، هذه الأماكن لم تُبْنَ لهذا ، ففرح ، وارتاح ، فقال :

(( اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا ، وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا ، فَلَمَّا سَلَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ : لَقَدْ حَجَّرْتَ وَاسِعًا يُرِيدُ رَحْمَةَ اللَّهِ ))

[ البخاري ]

يقصد هؤلاء الذين قاموا إليه ، الأنبياء قمم في الإحسان .
البطولة أن تعدل
والله أنا أتمنى أن يعرف هذه الحقيقة كل إنسان له منصب قيادي بإمكان الذين حولك أن يقدموا لك أرواحهم أنا أقول دائماً أعط الإنسان رغيف خبزه وكرامته وخذ منه كل شيء ، البطولة في القيادة أن تحسن وأن تعدل ، إن أحسنت ، وعدلت يتفانى من حولك في خدمتك ، وخدمة الهدف الذي تسعى إليه ، لذلك فريق العمل مفهوم حضاري ، وهو في الإسلام ، فريق العمل يعني أن هذه المؤسسة كلها فريق واحد ، ليس أحد أفضل من أحد ، إن نجحت فهي للجميع ، وإن أخفقت فعلى الجميع ، مفهوم فريق العمل ، مفهوم القيادة المحسنة ، هذا المفهوم يجعل الإنسان في أعلى درجة ، سيدنا رسول الله قائد جيش ، زعيم أمة ، نبي ، الرواحل قليلة ، وعدد الصحابة ألف ، أعطى أمرا أن كل ثلاثة يتناوبون على راحلة ، وقال : وأنا وعلي وأبو لبابة على راحلة ، يسوي نفسه مع جندي ، ركب على الناقة ، فلما انتهت نوبته توسلا صاحباه أن يبقى راكباً ، فقال كلمة والله لا أمل من تردادها ، قال :

(( مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي ، وَمَا أَنَا بِأَغْنَى عَنْ الْأَجْرِ مِنْكُمَا ))

[ أحمد ]

لما كانوا في سفر ، وأرادوا معالجة شاة ، قال أحدهم : علي ذبحها ، وقال الثاني : علي سلخها ، وقال الثالث : علي طبخها ، فقال عليه الصلاة والسلام :

(( وعلي جمع الحطب ، قالوا : نكفيك ذلك ـ أصعب مهمة ـ قال : أعلم أنكم تكفونني ، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه ))

[ ورد في الأثر ]

عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَقُولُ :

(( بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ ، فَأَنَاخَهُ فِي الْمَسْجِدِ ، ثُمَّ عَقَلَهُ ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ : أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ ـ ولا ميزة ، ولا كرسي مع أصحابه ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ ، فَقُلْنَا : هَذَا الرَّجُلُ الْأَبْيَضُ الْمُتَّكِئُ ... ))

[ البخاري ]

الأستاذ علاء :
الآن سيدي الكريم يبدو بأن وقت الفقرة العلمية اقترب وحان ، وننهي بأن هذه الخصائص حيادية ، وهذه الخصائص إما أن يستخدمها بالخير الإنسان ، وإما أن في مجالات الشر ، ما هي الفقرة العلمية ؟
الدكتور راتب :

الموضوع العلمي : عمليات التمويه عند الفراشات :

العنكبوت يموه نفسه كالزهرة تماما
ما زلنا في التمويه ، موضوع مهم جداً وممتع جداً .
هذه العنكبوت البيضاء في طرف الزهرة في انتظار فريستها ، تحط الفراشة وسط الزهرة ، يرى بزاويتها العنكبوت بلون أوراق الزهرة تماماً ، ولشدة التمويه تحط الفراشة على العنكبوت نفسِه ظناً منها أنها زهرة .
للفراشات مكانة خاصة بين الكائنات التي تجيد التمويه في الطبيعة ، بعض أنواع الفراشات رسمت عليها عيون كبيرة ، هذه العيون الكاذبة أهم تكتيك دفاعي للفراشات فعند مواجهة أيّ خطر كمقابلة عصفور يبحث لنفسه عن طعام ، ما عليها ألا تفتح جناحيها كاملاً لتبدو للعصفور أنها مخلوق كبير ، وهذا مثال حي لهذا التكتيك تفتح الفراشة جناحيها فتظهر بمظهر البومة وتخيف العصفور
في الحقيقة هذه الفراشة التي تقف على الشجرة فريسة سهلة للعصفور يلتهما بلقمة ، إلا أن الفراشة ما تلبث أن تفتح جناحيها فتبرز عينان كبيرتان ليبدو الخطر على العصفور ليفر العصفور من هناك بسرعة .
هي تظهر بمظهر البومة وهي عدوة العصفور ، هي علمت من عدو عدوها ، لندقق في روعة النقوش التي على هذه الفراشة ، شكل العين ، الأهداب التي تحتها الأنف ، القزحية ، الضوء المنعكس على الحدقة ، حتى بريق الحدقة كله تلوين ، وضعت كل التفاصيل ، وعلى جناح آخر نرى الأنف والآذان والظلال فوق العين ، شكل العين ، حدقة العين ، وحتى البريق المنعكس في الحدقة ، أيضاً تعطي صورة حيوان كبير ، هي فراشة صغيرة لكنها تبدو على شكل عدو عدوها .

تفصيل معجِز لجزئيات التمويه عند الفراشة :

الفراشة تحمي نفسها بتقليد عدوها
في هذا التمويه تفصيل مهم آخر ، ألد أعداء الفراشات صنفان : حشرات كاليعسوب وعصافير صغيرة تتغذى عليها ، وتعد البومة ألد أعداء هذين الصنفين ، وفي هذه النقطة معجزة خارقة جداً ذلك أن الصورة التي على جناح هذه الفراشات غالباً صورة بومة ، يعني أن الفراشة تحمي نفسها بتقليد عدو عدوها لأن الطيور الصغيرة تخاف من البومة كثيراً إلا أن الفراشة قطعاً لا تعرف أن البومة عدو عدوها ولا تقدر على رسم صورتها على جناحها بتفصيل مذهل وبجزئيات رائعة جداً ، وليس لها وعي لتخطيط مثل هذا التكتيك ، ولكن في الواقع الصورة الدقيقة هذه موجودة بلا شك ، لم يأتِ هذا الرسم مصادفةً ، بل خلق لغاية معينة ، فلمن يرجع التصميم الموجود على الفراشة ؟ تصميم كهذا لا يمكن أن يحدث كما زعم التطوريون ، فكل تصميم يدل على مصمم ، وهذا التصميم الذي على جناح الفراشة يدلنا على بديع خلق الله سبحانه وتعالى ، الحقيقة هذه الأشياء لا يمكن أن تفسر إلا بقدرة الله عز وجل .
يا سيدي ، الإنسان بشر ، يكون عنده عقل وفكر ، ومعه دكتوراه ، أحياناً يعجز عن أن يقوم بأعمال تقوم بها الفراشات ، لذلك مرة ثانية وثالثة ، قال تعالى :

﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾

( سورة طه )

﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

( سورة الحشر : 24)

استقطاب الفراشة لألوان حيوانات أخرى قصد التمويه :

إمكانيات التمويه عند الفراشات محيرة
طبعاً إلى جانب الأعين الكاذبة للفراشات إمكانيتها للتمويه محيرة أيضاً ، فكأن الفراشات استقطعت ألوان الأيكة ، ثم أنتجت هذه الألوان على أجسامها من خلال نظام دقيق تناسب الألوان هذه الأيكة ، لذلك الفراشة لا يمكنها قطعاً عمل كل هذه التي رأيناها في هذه المشاهد الرائعة ، هذا التصميم في الفراشات دليل واضح على عظمة الله .

﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

( سورة الحشر : 24)

الأستاذ علاء :

خاتمة وتوديع :

جميلة هذه الوقفات التي تضعنا في مسائل يجب أن نتفكر بها ، وأن نعمل العقل ، وأن يسرح العقل فيها ، ليتدبر هذا الكون الذي نحيط بجزئية أحياناً منه ، وهو يحيط بنا ، وأحياناً نمر على كثير من القضايا ، هذه القضايا لا تلفت انتباهنا إلا بعد أن ننبه إليها ، وإلى أن نقف ، وأن نستقرأ ، وأن نعلم ما وراء هذه الظاهرة .
شكراً لك سيدي الكريم ، الوقت أدركنا ، لا يسعنا أعزائي المشاهدين إلا أن نشكر الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين بدمشق ، إن شاء الله نلتقي في الحلقة القادمة شكراً لك ، وسلام الله عليك ورحمته وبركاته .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS