15596
الفقه الإسلامي - موضوعات متفرقة - الدرس 08 : طلب العلم فريضة على كل مسلم.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1984-10-28
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

طلب العلم :

 في موضوع طلب العلم ، الذي لاحظته أن أكثر الإخوة الأكارم يحضرون هذه المجالس ويستمتعون بها أولاً ، وينتفعون بها ثانياً ، لكنهم إذا أرادوا أن ينفعوا غيرهم بهذه المجالس ، فإن قدرتهم على نفع الآخرين تبدو محدودة ، لسبب أن هذا الذي استمعوا إليه وتأثروا به في الجلسة هذه مثلاً ، أو يوم الجمعة لا يستطيعون أن ينقلوا هذا التأثير إلى من حولهم إذا ما أرادوا ذلك ، لأن كل ما ليس في القرطاس ضاع .
 مثلاً : نحن يوم الأحد منذ أكثر من خمس سنين نعطي بعض الأحاديث من كتاب الجامع الصغير ، هذا الكتاب متوافر في الأسواق ، فلو أن إنساناً اقتنى هذا الكتاب ، وحينما حضر إلى هذا المجلس ، وعاد إلى البيت ، فتح الكتاب ووضع خطاً أحمر تحت الأحاديث التي تمَّ شرحها ، هو إذا ألقى على هذا الكتاب نظرة أو على هذا الحديث يذكر كل ما قيل حوله ، قد نقول حوله ساعة ، أو نصف ساعة ، أو عشر دقائق . إذا قرأ الحديث الشريف تذكر كل شيءٍ قيل حول هذا الحديث .
 فلو جلست مع زوجتك ، لو جعلت لأولادك وزوجتك درساً أسبوعياً رسمياً ، لو أن لك أخواتٍ متزوجات ، وجمعتهن في الأسبوع مرة وألقيت عليهن هذه الأحاديث وما بقي في ذاكرتك من شرحها ، هذا الذي تعلَّمته ينتفع به الآخرون ، أما إذا حضرت ، واستمعت ، واستفدت ، وتأثَّرت ، وأعجبت ، كل هذا الخير انصب عليك ، وأنت لم تستطع أن تنقل هذا الخير إلى الآخرين .
 إذاً الكتاب الذي ندرسه ، طبعاً هذا الكلام ليس لكل من يحضر ؛ لكن من كان طالباً للعلم ، ومن أراد أن يستفيد من طلب العلم ، ومن أراد أن يؤثِّر في الآخرين لا بد له من وسائل ، أن يقول : والله هناك دروس رائعة جداً . قد لا يرضى فلان أن يأتي معك إلى الدرس، ألا تستطيع أن تنقل له شيئاً مما تعلمته ؟! هذا الشيء لا بد منه .
 فالإنسان عندما يقتني كتاب الجامع الصغير ، يستطيع أن يتذكر عشرات أو مئات الأحاديث التي تمّ شرحها في هذا المسجد ، طبعاً هذا الحديث الشريف بالمناسبة هناك حديث واضح جميل جداً ، وحديث قد لا تعرف تفسيره ، و هناك أشخاص إذا وجد حديثاً يأخذه على ظاهره ، ويسأل كيف يقول عليه الصلاة والسلام هذا الحديث وهذا الحديث يتناقض مع هذا الحديث؟! إن كنت تريد أن تدخل في هذه المتاهة لا تشتري هذا الكتاب ، لكن إذا أردت أن تقرأ الأحاديث التي اخترتها أنا لك ، في الصفحة قد أختار حديثاً أو حديثين أو ثلاثة ، كل ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام حق لكن هناك حديث معناه ظاهر ، وأثره ظاهر ، وله علاقة بحياتنا اليومية ، وأحاديث قد لا نستطيع فهمها ، وإذا فُهمت لا تتصل بحياتنا اليومية ، ونحن حينما لا نعرف أن نوجه هذا الأحاديث - هذا الكلام أقوله لكم - دعه أوقفه ، إما أن تسأل عنه وإما أن توقفه .

الأحاديث كثيرة منها واضح المعنى و منها ما يحتاج إلى تفسير :

 مرة أنا مرة قرأت حديثاً : " اطلعت على أهل الجنة فرأيت أكثر أهلها البله " .
 والله هذا الحديث لم أستوعبه ، كيف يكون أهل الجنة بلهاً ؟ المؤمن كيسٌ فطنٌ حذر ، المؤمن كيِّس ، فطن ، حذر ، المؤمن صاحب فطنة ، ذكي ، يقظ ، صاحب ملاحظة " ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلمه "
 مئات الأحاديث تؤكِّد أن المؤمن ذكي ، فكيف نفسر هذا الحديث ؟ موقوف الحديث حتى يفتح الله لنا معناه .
 مرة سألني إنسان عن هذا الحديث ، استطعت أن أفهم منه شيئاً ، إذا الآن إنسان جاءته فرصة صفقة فيها ربح مليون ليرة مثلاً هو طبيب شرعي ، وجاءته حالة تسمم ، أخذ عينة من المعدة ، وجد فيها سماً ، جاءه سين من الناس . قال له : يا دكتور اكتب لنا أن الوفاة كانت طبيعية ، وخذ هذه الملايين الخمسة لأن هذا الإنسان الميت خلّف وراءه مئة مليون اكتب الوفاة طبيعية ، وخذ هذه الملايين الخمسة .
 فهذا رفض إحقاقاً للحق ، قال : الموت تسمم ، وفي الأمر جريمة . ألا يقول له معظم أصدقائه : أنت مجنون ، يا أخي مات وانتهى ماذا تريد منه ؟ خذ خمسة ملايين ، خذ بيت بالمالكي بمليوني ليرة وبيت بحاليا بمليون ، ثلاثة ملايين ، خذ سيارة بمئتين وخمسين ألفاً - مازدا - خذ شاليه على البحر ، ماذا تريد من وجع الرأس ، واكتب الوفاة طبيعية ؟!! ألا يتهم هذا الإنسان المستقيم النزيه أنه أبله ؟
 فهذا البله إن صح التعبير من نوع آخر ، قد تعرض له صفقة رابحة، فيها شبهة ، تقول : إني أخاف الله رب العالمين . سيدنا يوسف حينما دعته امرأة العزيز ، ألا يقيّمه أراذل الناس بأنه أبله ؟ هذه فرصةٌ لا تعوَّض :

﴿ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾

[ سورة يوسف: 23]

 هناك حديث لا يكون معناه ظاهراً أمامك ، لكن لو تعمَّقت فيه تجد له معنى عميقاً جداً مثلاً : لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أكبر ....

((لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ))

[مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ]

 لو مر معك حديث هكذا توقف عنه وقل : لا أعرف ، ليس من المعقول أن يكون معناه الظاهري هكذا ؟!

((لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ تَعالى فَيَغفِرُ لَهُم ))

[مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ]

 اسأل عنه ، إذا سألت عنه وأبلغوك ، هذا الذنب هو الشعور بالذنب ، إذا الإنسان ما شعر بذنبه فهو هالك وميت القلب ، إذا اغتاب إنساناً وذهب لينام ، وصدر منه صوت الشخير وقال لك : ماذا فعلنا ؟ لم نفعل شيئاً ، لم نقتل ولم نضرب . هذا ميِّت ، هذا هالك ، هذا لم يذنب بمعنى أنه ما شعر بالذنب ، هنا معنى تذنبوا بمعنى تشعروا بذنوبكم ، فهناك أحاديث واضحة و أحاديث تحتاج إلى تفسير .

أهمية الكتب التي نقتنيها :

 على كلٍّ إذا اقتنيت كتاب الجامع الصغير واكتفيت بالأحاديث التي أنتقيها لك ، وإذا سألتني عن بعض الأحاديث أعطيك معناها إن شاء الله تعالى ، صار عندك بالبيت نواة مكتبة عندك الجامع الصغير ، كتاب في الحديث ، وهناك طبعاً أحاديث ضعيفة في الجامع الصغير مكتوب " ض" قد يكون الحديث ضعيفاً في مَتْنِهِ ، وقد يكون ضعيفاً في سنده ، مثلاً، بعض الأحاديث الضعيفة .

﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾

[ سورة الرحمن: 60]

 هذه آية قرآنية ، ورسول الله قالها ، هناك أحد الرواة لم يكن عدلاً ، فالحديث ضعيف ، وهذا الحديث رغم أنه ضعيف من قواه ؟ القرآن ، فهذه آية قرآنية ، لو أنه ضعيفٌ يجب أن نقرأه ، لأن القرآن هو الذي قوَّاه وصحَّحه .
إذاً نريد من أجل أن يصبح هذا العلم واسع الانتشار ، كل واحد حوله خمسين شخصاً أو خمسة وعشرين ، ما بين زوجته ، وأولاده ، وجيرانه ، وعدلاته ، وأصهاره ، وإخوته، وأصدقاء إخوته ، وزملائه في العمل يصبحون خمسين ، فإذا حضر درس الأحد ، وعنده بالبيت الجامع الصغير ، الحديث تأثر فيه تماماً ولكن لم يحفظ نصه ، فتح الكتاب هذا نصه ، كتبه على ورقة ، وضعه بجيبته ، التقى بأخ مؤمن ، بصديق ، بصاحب ، أحسن من حديث لا طائل منه ؛ من حديث الأكل والشرب ، حديث النساء ، من أحاديث تبعث في النفس الضيق والاشمئزاز وضِّح له معنى هذا الحديث .
 نحن مثلاً أمضينا سنة أو أكثر في كتاب بالفقه الحنفي مختصر مفيد "مراقي الفلاح" كتاب بالأسواق موجود ، إذا الإنسان اشتراه كذلك كون مكتبة فقه ، كتاب بالفقه أساسي، أراد أن يعرف شروط الصلاة ، مكروهات الصلاة ، سنن الصلاة ، الأركان ، يا ترى تكبيرة الإحرام رُكن أم شرط ؟ إذا الإنسان مثلاً نزل دم من يده هل يتوضأ أم لا يتوضأ ؟ إذا الدم سال يتوضأ إذا لم يسل لا يتوضأ ، كتاب قرأناه كُلَّه خلال سنة أو أكثر " مراقي الفلاح " أيضاً كتاب نقتنيه أحياناً إنسان يسأل نفسه سؤالاً ، يكون معه الجواب في الكتاب .
 فأنا أريد أن هذا الشيء الذي نتعلمه أن يبقى له أثر ، والله درِّسنا فيه عشر سنوات تقريباً ، آلمني شخص قال لي : إنسان جاء لعندي لكي أفحصه ، هو خطيب مسجد سألته عدداً من الأسئلة فلم يعرف الجواب . قلت له : هذا الذي سألته عنه درسته خلال سنة ، موضوع النكاح ، سنة بكاملها . قال له : ما هو الطلاق البِدعي والطلاق السني ؟ قال لي : لم يعرف الجواب . مع أننا وقفنا في هذا الموضوع سنة بأكملها ، فالإنسان إذا لم يراجع الموضوع لا يقدر أن يحفظ ، إذاً كتاب مراقي الفلاح ببيوتنا ، كتاب الجامع الصغير ، فمن باب إذا سمعت شيئاً لطيفاً تتذكره ، أما القرآن فسهل ، تفتح سورة :

﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ﴾

[ سورة الأعلى : 1-4 ]

 يمكن تتذكر شيئاً كثيراً عن :

﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾

[ سورة الأعلى : 2 ]

 التسوية ، وشيئاً كثيراً جداً عن :

﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾

[ سورة الأعلى : 3 ]

 وعن :

﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾

[ سورة الأعلى : 2 ]

 يمكن سورة الأعلى تكون هذه الجمعة كلها مدار حديثك مع إخوانك ، مع أصحابك، مع أصدقائك ، مع جيرانك ، مع زوجتك ، مع أولادك ، والشيء اللطيف في العلم أنه يزكو على الإنفاق ، المال تنقصه النفقة ، والعلم يزكو على الإنفاق - أي يزداد - .

اصطفاء الكتب المفيدة تفادياً لإضاعة العمر :

 لكن هناك موضوع دقيق أحب أن أطرحه أمامكم : إذا إنسان عنده مكتبة لوالده ، وهذه المكتبة فيها ألف كتاب ، وعنده امتحان و هو في السنة الثالثة في الجامعة بعد أسبوع ، بكتاب مقرر هو مثلاً : الأحوال الشخصية في القانون المدني . أي كتابٍ إذا قرأه يستفد ؟ الكتاب المُقرر . لكن المكتبة فيها كتب كثيرة ؛ فيها قصص ، فيها مسرحيات ، فيها كتب علمية، ، فيها كتب بالتاريخ ، فيها كتب بالفلسفة ، كله نافع ومفيد، لكن الذي ينفعك أكثر من غيره أن تقرأ الكتاب المقرر لتؤدي به امتحاناً وتنجح .
 فالآن الأخ المؤمن إذا الله وفقه يعرف أيْ كتاب في الحياة مقرر من قبل الله عز وجل ، فالكتاب المقرر : القرآن الكريم . فإذا أمضى حياته كلها في فهم كتاب الله وسنة رسول الله فقد نجح إلى الدار الآخرة ، ودخل جنةً عرضها السموات والأرض .
 فلا تظن أن كل إنسان يقرأ يستفيد ، هناك كتب لا تقدِّم فائدة ، ممتعة، تُمتع ولا تنفع ، و هناك كتب تنفع ولا تُمتع ، وهناك كتب تُمْتِع وتنفع ، كمعرفة كتاب الله عز وجل .
 شيء آخر ... الآن أريد أن أضرب أمثلة لأن الموضوع دقيق جداً، مثلاً يجوز أن يعطي تلامذته أكبر كتاب بالفقه " حاشية ابن عابدين " هذا الكتاب يعد أضخم كتاب في فروع الفقه لا في أصوله ، في فروعه ، حالات نادرة لا تقع ، تسعون بالمئة من حالات هذا الكتاب لا تقع ولم تقع ، فإذا أمضى الإنسان عمره كلَّه في معرفة هذا الكتاب وفهم دقائقه ، هل يكون قد ربح أم خسر ؟ خسر ، نافع لكنه ضيَّع معرفة الله ، ضيَّع معرفة نفسه ، ضيَّع العمل الصالح ، ضيع تطهير قلبه .
 فالإنسان إذا كان يملك مئة ألف ، يريد أن يتزوج ، فاشترى مخرطة ووضعها ببيته هذه مفيدة ، لا تلزمك بكل عمرك ولا مرة ، تستعملها ربع ساعة ، حجزت غرفة بالبيت ، وثمنها مئة ألف ، استهلكت ثمنها ولم تستفد منها ، أما إذا كنت حكيماً فتأخذ غرفة ضيوف ، وغرفة نوم ، وتأخذ برَّاد ، وغسالة ، ومكواة ، و أداوت أساسية ، وأدوات مطبخ ، وتعيش حياة معقولة بهذه المئة ألف ، أما أن تأخذ بهذا المبلغ مخرطة وتضعها بغرفة الضيوف وتقف ، آلة عظيمة ، صح عظيمة ، مفيدة ؟ مفيدة ، أما هل هي مفيدة لك ؟ لا ليست مفيدة لك .
 هذا المثل ضربته ، كذلك إذا إنسان أراد أن يغادر هذا البيت خلال ربع ساعة ، ومعه سيارة صغيرة ، عبِّئها ما شئت ، هل تضع فيها كنباية ؟ لا ؛ بل تضع فيها أجهزة ثمينة ، عندي آلة تسجيل ، فرن ، عندي جهاز ، حقيبة سمسونايت ، صيغة ، لا ، املأها كنباية واحدة وأمشي ؟ يجب أن تختار الشيء المفيد والنافع ، لأنه لا يوجد أوسع من الكتب المؤلفة !! فما يطبع في اليوم من كتب لا تكفي السنوات الطويلة لقراءته ، سنوات ، رقم لم أحفظه قد يحتاج إلى ثمانين سنة ، ما يطبع في العالم من كتب يومياً حتى يقرأه إنسان واحد يحتاج لثمانين سنة ، شيء مستحيل تحتاج اصطفاء .
 فلذلك يجوز أن يكون هناك فصلاً بإحياء علوم الدين أنا أتجاوزه بكامله ، لا يتصل بحياتنا اليومية اتصالاً شديداً ، فهناك اصطفاء من قِبَل الذي يدرِّس ، هذا الاصطفاء مبني على معرفة أن هذا الموضوع له علاقة ماسة بحياة الإخوة الحاضرين اليومية .
 حكم الصلاة داخل الكعبة . اذهب للحج ، لا يسمح لك أن تدخل داخل الكعبة ، فهذا الشيء مستحيل ، أحياناً هناك موضوعات بالمياه غير مجدية كثيراً ، في بيوتنا مياه نقية وطاهرة ، فالإنسان يجب أن يصطفي ، إذا ما اصطفى يضيع عمره سُدى ، لأن الموضوع دقيق جداً .

* * *

أنواع العلوم :

 الإمام الغزالي يقسم العلوم - وأنا هذا الشيء قلته سابقاً - إلى ثلاثة أنواع : علومٌ بأمر الله ، وعلومٌ بمخلوقات الله ، وعلومٌ بالله .
 العلم بمخلوقات الله برعت به أوروبا . أخي هذا مختص مثلاً بالأنف ، جاره مريض قال له : أنا أنفي هنا فيه ألم . قال له : أنا مختص بالشق الأيمن بالأنف ، هذه لا أعرف عنها شيئاً . المبالغة بالاختصاص لدرجة أن الإنسان يقضي حياته كلها في فرع دقيق دقيق دقيق من فروع المعرفة يكسب منه قوته ، عند الناس هذا عالم ، أما عند الله فليس بعالم ، لم يعرف آخرته، ولو معه بورد باختصاص معيَّن ، أما الإنسان عندما يعرف ربه ، يعرف لماذا خلقه ؟ يعرف ما الشيء المجدي في الحياة ؟ لا بد من عمل صالح ، لا بد من استقامة ، لا بد من فهمٍ لكتاب الله ، لا بد من تطبيق كتاب الله في الزواج ، في البيع ، في الشراء ، إذا عرف هذه المعرفة استفاد من علمه .

الحديث الشريف هو أرقى أنواع الفهم لكتاب الله :

 إذاً الشيء الذي أود أن أقوله لكم ثانياً : كتابنا المقرر هو القرآن الكريم .

(( منْ أُوتِيَ الْقُرْآنَ فَظَنَّ أَنَّ أَحَداً مِنَ النَّاسِ أُوتِيَ أَفْضَلَ مِمَّا أُوتِيَ فَقَدْ عَظَّمَ مَا حَقَّرَ اللَّهُ))

[ ابن المنذر عن سفيان بن عيينة ]

(( لا يحزن قارئ القرآن ))

[ الجامع الصغير عن أنس بسند فيه مقال ]

(( ومن جمع القرآن متعه الله بعقله حتى يموت ))

[ الجامع الصغير عن أنس]

 الحديث الشريف هو أرقى أنواع الفهم لكتاب الله ، قد يُسأل إنسان هذا السؤال : رسول الله ألم يترك تفسيراً لكتاب الله ؟ لو ترك تفسيراً لارتحنا من خلافات المفسرين ؟ نعم رسول الله ترك تفسيراً يقدر بألف أو ألفي صفحة ، تفسير النبي عليه الصلاة والسلام هو الحديث الشريف ..

﴿ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾

[ سورة النحل: 44 ]

 هذا هو الحديث ، إذاً الكتاب الأول الموجز المُعْجِز هو القرآن ، كتاب التفسير الأول الذي فَسَّره النبي عليه الصلاة والسلام الحديث الشريف ، هناك فقهاء كبار كالإمام أبي حنيفة ، والإمام الشافعي ، وأحمد بن حنبل ، والإمام المالكي ، فهموا فهماً دقيقاً من أحاديث رسول الله ، واستنبطوا منها أحكاماً في المعاملات ، في العبادات ، في الزواج ، في الطلاق ، في الإرث ، هذا هو الفقه .
 إذاً لا بد من فهمٍ لكتاب الله ، وفهمٍ لحديث رسول الله ، وفهمٍ لبعض أحكام الفقه التي نحن بحاجةٍ ماسةٍ إليها ، ولا بدَّ من قراءة بعض سير الصحابة الكرام لماذا ؟ لأنك إذا قرأت سِيَرَهم تأكَّدت هذه القيم الأخلاقية السامية عن طريق الواقع ، أي أن هذه المُثُل العليا أصبحت وقائع عُليا . فالناس إذا قلت له : افعل كذا ، لا تفعل كذا . يقول لك : كفانا مثاليات ، الواقع هكذا ، فإذا قرأت عن الصحابة قصةً ترى أن واقعهم كان مثالياً ، لذلك يمكن أن نسمي " المثالية الواقعية " فالإنسان بالقصة يرى أن هذه المُثُل قد تجسَّدت ، والإنسان يتمنى أن يكون له قدوة بالحياة ..

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾

[ سورة الممتحنة: 6 ]

مضمون دروس الأحد و الجمعة من أصول العلوم الشرعية الكبرى :

 من هذه المُنطلقات جعلت درسي الجمعة والأحد بين التفسير والتفكير، وبين الحديث والفقه والسيرة ، هذه أصول العلوم الشرعية الكبرى ، لكن لا أعرف مدى استيعاب هذه الحقائق عند الإخوة الحاضرين ، يا ترى هناك فهم دقيق ؟ هناك استيعاب ؟ هناك تمثُّل ؟! أما موضوع تباركنا بحضور الدرس وانتهى الأمر؟ فهذه الكلمات التي لا معنى لها ، لا أحبها كثيراً ، كلمة :

﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ﴾

[ سورة الملك : 1 ]

 كلمة قرآنية ؛ لكن هذه الكلمة القرآنية العظيمة المقدَّسة استخدمها الناس استخداماً مفرغاً من مضمونه ، فإذا أحب أن يجاملك يقول لك : تباركنا ، كيف تباركت ؟ البركة حصلت، الله يبارك فيك ، تباركنا سيدنا. هذا كلام ليس له معنى ، ما معنى تباركت ؟ هل هناك آية فهمتها وتأثرت بها وذكرتها وطبقتها ووجدت نتائجها ؟ كلامك صحيح ، الآن أنت تباركت ، إذا كنت قاعداً مثلاً وسمعت آية غض البصر ، في اليوم الثاني غضضت من بصرك ، دخلت لبيتك وجدت نفسك سعيداً ، هذه الشحناء والبغضاء والخصام ، وأنك ترى الزوجة بشكلٍ لا يرضيك ، وهي تتحدَّاك دائماً وتستعلي عليك ، حينما غضضت بصرك عن محارم الله ، دخلت إلى البيت فرأيت زوجتك امرأةٌ أخرى وديعة ، راقت لك في نظرك ، بقي الجو بينكما أليفاً ، لطيفاً مقدساً ، فيه احترام ، ومودة . والله جميل ، هذا كتاب الله ، هذه قاعدة من قواعد الحق ، الآن تباركت يا أخي ، تعلمت آية وطبقتها ، وقطفت ثمارها ، الآن تباركت ، أما قبل أن تطبق فليس هناك بركة ، هذه بركة موهومة ليس فيها شيء .

الانتقال بالناس من الاستماع إلى التطبيق :

 لذلك خطر في بالي أن نعمل لقاء إما هنا أو في جامع آخر ، أنا عندي ثلاث رخص في ثلاثة جوامع ، بالنابلسي ، والحاجبية ، والعفيف ، فهذا اللقاء لا يوجد كلام من طرفي أبداً ، إجابات من طرفكم ، مثلاً نعمل مذاكرة بدرس الجمعة لنرى كلمة مثلاً:

﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾

[ سورة الأعلى : 3 ]

﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾

[ سورة الأعلى : 2 ]

 ما معنى التسوية ؟ إذا إنسان استوعب التسوية ، فالكون كله فيه تسوية ، الشمس فيها تسوية ، القمر فيه تسوية ، النجوم فيها تسوية ، الماء فيه تسوية ، الهواء فيه تسوية ، الجبال فيها تسوية ، السهول فيها تسوية ، الصحارى فيها تسوية ، فوضحت معنى :

﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾

[ سورة الأعلى : 2 ]

 خلال ثلث الساعة تقريباً ، و إذا عملنا لقاء ثانياً فلا يوجد من قبلي شيء أبداً ، من قبلي أسئلة فقط ، ما معنى :

﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾

[ سورة الأعلى : 2 ]

 يجوز أن نسأل :

﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾

[ سورة الأعلى : 3 ]

 ما معنى ؟

﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾

[ سورة الأعلى : 3 ]

 ما معنى ؟

﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾

[ سورة الأعلى : 1]

 لما لم يقل : سبح ربك الأعلى . لماذا : سبِّح اسمَ ؟! هذه أيضاً وضحتها ، وما معنى ربك ؟ ولماذا الأعلى ؟ ماذا تعني سبِّح ؟ أيْ نَزِّه ، كيف أنزِّه ؟ هذا أمر ضمنه أمر، خذ شهادة ، أيْ ادرس ، هل عرفت الله كي تسبِّحه ؟ معنى التسبيح التوجيه ، معناه الإيجابي التعظيم ، فإذا حصلت مذاكرة في درس الجمعة ، ومذاكرة في درس الأحد ، وسؤال عن تفكير الإنسان اليومي في آيات الله الكونية ، فإن الإنسان ينتقل من مستمع.
 نحن كنا في الجامعة بالستينات كان يوجد نظام ألغي الآن ، نظام مستمع ، وطالب نظامي ، المستمع ليس له شيء ، له حق أن يدخل ليحضر محاضرة ، لكن له شهادة خاصة لا تؤهِّله أن يعيَّن بموجبها ، أما الطالب النظامي فهذا الطالب يعطى شهادة تؤهِّله أن يعين بموجبها، يخطر ببالي أحياناً أنه بموسم الشتاء الإخوة الحاضرون يزدادون ، أنا أسميت هذا القسم : زبائن شتوية طلاب العلم شتويون . في الصيف يكونون سارحين خارج البلد ، في الشتاء يقول لك : والله لا يوجد شيء ، الدنيا برد ، أحسن شيء أن نذهب إلى الجامع . العمَّال الموسميون ليس لهم تقاعدية ، وليس لهم تأمينات اجتماعية ، لأنه عامل موسمي ، أما العامل الدائم فله تقاعدية ، وله تأمينات اجتماعية ، فإذا الإنسان كان مريداً موسمياً شتوياً مثلاً ، هذه مشكلة ، نحن نريد مريداً دائماً ، نريد طالباً نظامياً ليس طالباً مستمعاً .
 فإذا أكرمنا الله بلقاء ، وحاولنا فيه أن نتذاكر درس الجمعة ودرس الأحد والتفكير اليومي والحديث منكم فقط ، ليس مني ، لعل هذه الحقائق تثبت ، لعل الإنسان قبل أن يأتي إلى الدرس يقول : ماذا أخذنا في درس الجمعة ؟ يفتح المصحف ، يتذكر ، لعله يجلس مع أخيه يقول له : انظر إلى تلك الآية :

﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾

[ سورة الطارق : 13]

 تكلمت عنها عشر دقائق ، أيْ هناك موضوعات خلافية بين الناس ، المرأة نصف المجتمع ، فهل تشتغل أم لا تشتغل ؟ بهذه الموضوعات ، ربنا قال :

﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾

[ سورة الأحزاب: 33 ]

﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾

[ سورة الطارق : 13]

 يا ترى إذا كان هناك ربا بنسبة قليلة ، هل هناك مانع ؟ أم لا يوجد مانع ؟ هل ندع المال مجمداً ؟ نستفيد ، يعطونا شيئاً من الفائدة !!

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾

[ سورة البقرة: 276 ]

 حقائق .

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

[ سورة فاطر: 14 ]

 إذا الإنسان طبَّق كلام الخبير يستقيم ، هذا خبير ، كلام ربنا كلام خبير ..

﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ﴾

[ سورة فصلت: 42]

على كل مسلم أن يكون له أثر إيجابي في حياته :

 هناك طموح بنفسي أن يكون كل واحد منكم عالماً ، فلست فرحاً أن أتكلم والكل يستمعون ، ويتأثرون ، وليس هناك أثراً إيجابياً بحياتهم اليومية ، يجب أن يكون كل واحد منكم أمة ، كل واحد خمسون ، رقمه خمسين عند الله عز وجل ، فالواحد بين زوجته ، وأولاده، وأصهاره ، وبين إخوانه ، وأصدقائه ، وأحبابه ، وجيرانه ، وزملائه ، وعدلاته ، ومن تعرَّف عليهم ، ومن لم يتعرَّف عليهم ، هؤلاء نسبة كبيرة ، إذا درس حديثاً شريفاً وبلَّغ الناس فله أجر كبير .
مثلاً :

(( الذنب شؤم على غير صاحبه ))

[ كنز العمال عن أنس ]

 والله شيء جميل ، الذنب كله شؤم ، ليس على صاحبه فحسب بل على غير صاحبه . إن عيره ابتلي به ، وإن اغتابه أثم ، وإن رضي به شاركه.
 صار هناك مشكلة ثانية الآن ، فلان أذنب ، أنت إياك من ذنبه ، إياك أن تتكلم عنه وقعت في غيبته ، إياك أن تشمت فيه ، تقع بنفس الذنب ، إياك أن ترضى بذنبه ، شاركته في الإثم . هذا حديث يُحكى ؛ يحكى للأهل ، للأولاد ، للأصدقاء .
 فهذه المقدمة أردت منها أن الإنسان يتطور ، من لم يكن في زيادة فهو في نقصان، المغبون من تساوى يوماه أي من كان يومه كأمسه .
 وهناك ملاحظة ثالثة : إذا كان يعمل في مصلحة واحدة أخوان أو ثلاثة ، جيران ، أقارب، التقوا بين بعضهم أثناء الجمعة لقاء ، وتذاكروا درس الجمعة والأحد ، ما الذي يحصل ؟ مثلاً أحدهم لا سمح الله والدته مريضة قعد في درس الجمعة ، وصلت عند قوله تعالى :

﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾

[ سورة الطارق : 13]

 يا ترى آخذ لها هدية ؟ آخذ لها وردة أم فواكه ؟ هو يفكر ، فمرَّت الآية :

﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾

[ سورة الطارق : 13]

 فشرد . إذا كان له جلسة مذاكرة مع صديقه ، أو مع أخيه ، أو مع جاره بهذا الموضوع ، هو غاب عن هذه الآية ، يقول له أخوه : ماذا قال الأستاذ عن آية :

﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾

[ سورة الطارق : 13]

 يقول له .. معنى هذا أنه استجمع كل الموضوع ، ففي المذاكرة فائدة كبيرة جداُ ، فإذا كنا نريد الانتقال للاستماع من طلاب غير نظاميين ، من مريدين شتويين فقط ، من عمال موسميِّن ، إلى طلاَّب نظاميين ، إلى طلاب علم حقيقتين ، إلى إنسان يتعلَّم ويعلم :

(( خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ ))

[البخاري عن عثمان]

 خيركم . إذا أردت أن تكون - وهذه صنعة الأنبياء - أن تدعو إلى الله عز وجل هذه صنعة الأنبياء ، إذا أردت ذلك فتحتاج إلى أن تذاكر ، وأن تقرأ ، وتحتاج إلى أن تراجع ما سمعته في درس الجمعة ، لا بد أن تجلس مع نفسك وتفتح المصحف ، تكلم عن :

﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾

[ سورة الأعلى : 1]

 والله أشياء جميلة جداً ، إذا تكلمنا عن الامتصاص الشعري ، تكلمنا عن أن الشجرة إذا منع عنها الماء كأن فيها عقلاً ، تتخلى عن أوراقها أولاً - تأخذ ماء الأوراق - تتخلى عن الأغصان الصغير تأخذ ماءها فتيبس ، تتخلى عن الأغصان الكبيرة تأخذ ماءها تيبس الأغصان ، تتخلى عن جذعها ، ييبس الجذع ، حفاظاً على جذرها الذي هو أصل حياتها ، لو لم يكن هناك خالقاً كان أول شيء يموت الجذر مكان انقطاع الماء ، لكن ربنا عز وجل قال :

﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾

[ سورة الأعلى : 3 ]

 من الذي هدى الشجرة أن تسلك في الحفاظ على جذرها هذا السلوك ؟ من هدى النحلة ؟ من هدى النملة أن تأكل رشيم القمحة ؟ إذا كانت تخزن القمح مع الرشيم ينمو ، وكرها من تراب وفيه رطوبة ، ينمو القمح يخرب لها عشها ، من الذي قدَّر ذلك ؟ نحن إذا كنا نبذل جهداً كبيراً في توضيح آيات القرآن الكريم ، والإنسان لم يراجعها في بيته ، ينساها، أما إذا فتح المصحف فتحة ، ورأى ما قيل ، وأحب أن يسجل كلمتين في البيت ، وجلس مع أخيه ، مع صديقه ، لكي يتذاكروا هذا الكلام، حتى إذا أتى إلى الجلسة الثالثة وسألناه عن:

﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾

[ سورة الأعلى : 3 ]

 عن معنى :

﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾

[ سورة الأعلى : 1]

 عن معنى :

﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾

[ سورة الطارق : 13]

 كيف أن الله يكيد ؟ ..

﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً ﴾

[ سورة الطارق : 15-16]

 الله يكيد ؟ هل يسمَّى الله الكائد ؟ لا ، لا يسمى الله الكائد ، كيف يكيد ؟ هذه لها تفصيل لطيف جداً ، وهكذا .

مطلوب منك التطور من مستمع إلى منتج ومن متعلم إلى عالم:

 إن شاء الله أنا أسعى جهدي أن أختار لكم أجمل ما في الكتب ، وأجمل ما قاله المفسِّرون ، وأجمل ما فسَّره المفسرون عن حديث رسول الله ، بقي عليكم إذا كان الكتاب قيِّماً أن تقتنوه ، فأنا أرى أن الكتاب مهما كان ثمنه مرتفعاً هو أرخص شيءٍ في الحياة ، السبب : هناك كتاب نحو ، مؤلفه أمضى في تدريس النحو في جامعة القاهرة أربعين عاماً ، خُلاصة خبرته ، وعلمه ، وتعمُّقه ، وفهمه في النحو والصرف ألفه في كتاب ، أربعة أجزاء ضخمة ، أنا أخذته بستين ليرة قديماً . الآن ثمنه : مئة وأربعون . هذا إذا كانت اللغة عربية اختصاصك فرضاً ، ألا تشتري عقل من بذل جهد مضنٍ مدة أربعين سنة ، وصبَّه بكتاب بمئة وعشرين ورقة؟!! الكتاب رخيص وليس غالياً ، كتاب أحاديث رسول الله مثلاً عشرة آلاف حديث بخمسة وثلاثين ليرة ، ثمنه ثمن غداء واحد ، أوقية ونصف لحمة بخمسة وأربعين ، بعد ساعتين أين الغداء ؟ راح . أما هذا الكتاب فباقٍ .
 إذاً هذه مقدمة وهي طموح من قبلي إلى تطوير الإخوة الحاضرين من مستمعين إلى منتجين ، من متعلِّمين إلى علماء ، من مهديين إلى هاديين ، اللهم اهدنا واهد بنا ـ هكذا الدعاءـ وأنت عندما ترى شخصاً أثّر فيك ، واستقام بعد توجيهك ، وصلى صلاة صحيحة ، وصارت له وجهة إلى الله عز وجل ، وأخلاقه سمت ، هو وزوجته وأولاده ، يمكن أن تأتيك سعادة لا يعلمها إلا الله !!
 ألا تقولون أنتم في الأوراد : اللهم صلِّ على أسعدنا محمد ؟ ما معنى أسعدنا ؟ أي أسعد خلق الله قاطبةً ، وإذا دعوت إلى الله فأنت تعمل عمله ، صنعتك من صنعته ، لذلك شعور الذي يدعو إلى الله بأن الناس استفادوا منه ، واستقاموا على أمر الله ، وتمثَّلوا كتاب الله، وفهموا سنة رسول الله ، هذا شعور لا يوصف .
 أقول لك أنا مرة قرأت أربع كلمات في مجلة مترجمة ، تركت في نفسي أثراً كبيراً " إذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين " .
 تجلس مع شخص ممل ، متشائم ، منقبض ، يقرف ويقرِّف ، تكون حالته المادية جيدة ، ومعه شهادات عُليا ، لكن كونه أنانياً يستقطب ذاته في كل شيء ، يحب نفسه فقط ، هذا إنسان لا قيمة له . تجلس مع إنسان آخر يحب الآخرين ، يحب أن يهديهم ، يقول لك : والله جلسنا ساعة لم نشبع منه ، انبسطنا كثيراً ، لماذا انبسطت كثيراً ؟ لأنه غيري ليس ذاتياً ، ليس يبحث عن ذاته ، يبحث عن سعادة الآخرين . فمن هذا المنطلق أريد إن شاء الله تعالى أن نرتقي . من لم يكن في زيادة فهو في نقصان ، المغبون من تساوى يوماه ، كل إنسان يحاسب نفسه .

(( حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا... ))

[ الترمذي عن شداد بن أوس ]

 فإذا طالب ذهب إلى المدرسة ، ولبس هذا اللباس النظامي المدرسي ، أو لبس لباساً جامعياً ، هناك لباس موحد ، أين ذاهب ؟ إلى الجامعة . من أين أتيت ؟ من الجامعة . أول سنة بالجامعة ، الثانية بالجامعة ، الثالثة بالجامعة ، الرابعة بالجامعة . معنى ذلك أنك ستتخرج مدرساً أو طبيباً ، بعد عشر سنوات أخي لم تأخذ شهادة ؟ لا والله لم آخذ شهادة . محسوب على الناس أنك طالب جامعي ، أين الشهادة ؟
 أما إذا كنت طالباً جامعياً فعلياً ، بالأخير ستكون طبيباً ، تفتح عيادة ، تختص بالقلب ، يأتي عندك مريض ، تشغل الجهاز دقيقتين ، يظهر شريط طويل عليه حركات . ماذا تريد ؟! والله أريد مئة وخمسة وسبعين ، مئة تخطيط والباقي معاينة ، عشرون زبوناً تأخذ باليوم ألفي ليرة ، إذا كان طالباً جامعياً و تخرج سيحصل على خمسمئات في المساء ، أما رحنا على الجامعة ، وأتينا من الجامعة ، ولم نأخذ شهادة ماذا استفدنا ؟
 فإذا إنسان جاء إلى الجامع ، وراح من الجامع ، والله عندي درس بالجامع . بارك الله ، نفعنا الله ببركتك . من أين أتيت ؟ كنت بالجامع . أهلاً وسهلاً . إلى أين ذاهب ؟ إلى الجامع . بعد عشر سنوات ماذا حصل معك ؟ أنت أنت ، لم نستفد ، لكن بعد عشر سنوات هديت عشرة ، أنت سعيد ، أسعدت الآخرين ، عرفت ربَّك ، عرَّفت الناس بالله عز وجل ، كنت كوكباً دُرِّياً ، صرت مصدر سعادة الآخرين ، والله شيء جميل ، معنى هذا أن الجامع أثمر ، على كل حال الجامع مُذَكَّر والجامعة مؤنَّث ، وتعليم الجامع خيرٌ من تعليم الجامعة .

* * *

طلب العلم فريضة :

 لا زلنا مع إحياء علوم الدين ومع فصولٍ مختارة من هذا الكتاب .
 روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم وآله أنه قال :

((طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ ...))

[ابن ماجه عن أنس بن مالك]

 دائماً افهم المعنى اللغوي للكلمات . أنا أقول لك : تنفُّس الهواء فريضة . هل فهمت معنى الفريضة ؟ تنفّس الهواء فريضة ، شُرب الماء فريضة ، أكل الكرز ليس فريضة . فما معنى أكل الكرز ليس بفريضة ؟ تعيش من غيره ولا يحدث شيء ، ولا نشتريه إذا كان غالي الثمن ، أما تنفس الهواء ففريضة ، تناول الطعام فريضة ، شُرب الماء فريضة ، قال عليه الصلاة والسلام :

((طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ ...))

 أي من دون هواء يموت الإنسان ، من دون ماء يموت ، من دون طعام يموت ، من دون علم تموت نفسه ، قال تعالى :

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

[ سورة النحل 21 ]

 ميِّت لا يفهم شيئاً ، واقع بالحرام ، ماله حرام ، مُنحرف ، بيته مسيَّب ، زوجته تقوده إلى جهنم ، تجارته تقوده إلى جهنم ، يدخل جهنم من أبوابها كلها ، فجهنم لها سبعة أبواب، يقول لك : ماذا ينقصني ؟ أنا مؤمن أكثر منك ؟! لأنه لم يحضر مجلس علم .
 أحدهم ذكر لي بالغرفة بعد الخطبة قصة من ثماني سنوات وصار يبكي ، قال لي موضوعي كبيرة جداً . ما قصتك قل لي خير إن شاء الله ؟ إذا كان الرجل يبكي فليس هذا الشيء سهلاً ، أنت تقبل بكاء طفل ، قد يكون زعبرة ، تقبل بكاء امرأة ؛ المرأة تبكي وتبقى مكانتها هي هي ، أما إذا كان الرجل بكى !! طبعاً بكاء العاشقين هذا لوحده ، هذا يرقى لأعلى عليين ، دعونا من بكاء العاشقين فهذا نادر الآن ، أما رجل يبكي لأمور الدنيا ، فما القصة ؟
قال لي : عندي زوجة ، وأنا لا أعرف ، عندنا جار صار يدخل لعندنا أكثر من سنتين ، وأنا أحضر من عملي ، وآكل الأكل المعد لي ، وأغط في النوم ، مرة الكأس لم أشربه، ودخل جارنا لعندنا ، وعندي منها خمسة أولاد ، وهي تخونه من سنتين ، كل يوم ، كل يوم وهي تسقيه مادة مخدرة .
 ـ قلت له : من أين تعرفت على جارك هذا ؟
 ـ قال : والله أنا أدخلته إلى البيت ، قلت له مرة : تفضل لعندنا ، أم فلان هذا مثل أخيك تعالِي .
 مثل أخيها ، هو أمرها لكي تسهر معهم ، هذا لو كان حاضراً مجلس علم هل يفعلها ؟ لا ، لا يفعلها ، هذه بالعلاقات الاجتماعية .
 بالتجارة ، كل غلطة يرتكبها التاجر يفلِّس من ورائها ، يكون عمله غير شرعي، أحدهم أخذ له كذا مليون ، ضرب أخماس بأسداس ، يأخذ قرضاً بفائدة ، يشتري بضاعة ، يأخذ رعبونها ، ويبيعها ، يربح مليونين أو ثلاثة . لكن الله قال :

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا ﴾

[ سورة البقرة: 276 ]

 قال :

﴿ فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾

[ سورة البقرة: 279 ]

 باع سيارته ، وباع أول بيت بالمَيْسات ، وباع البيت الثاني ، وبقي عليه خمسة ملايين وهو مفلِّس ، وباع معمله كذلك ، اقترض خمسة عشر مليوناً كي يربحوا خمسة ملايين ، فبيعوه المعمل والبيتين والسيارة ومازال عليه خمسة ملايين . هذا لو كان حاضر مجلس علم كان حصل معه ذلك ؟ لا لم يحصل هكذا .
 أحدهم أتى من الكويت معه نقود يريد شراء بيت ثمنه مئة ألف ، أعطاهم لشخص قال له : دعهم معك . أعطاهم لعمه والد زوجته ، هذا عمه لا يوجد عنده دين ، أخذهم ووضعهم بالبنك باسمه . أين النقود ؟ ليس لك عندي شيء ، هذه ضمانة للمرأة . أنتم أخذتم متأخر ومهر وكل شيء . لا. فهل كتب لك إيصال بذلك ؟

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ﴾

[ سورة البقرة: 282 ]

 و هناك شخص آخر اتفق هو و شريكه على صفقة بعشرة آلاف ، أخذوها شراكة بينهم ، صار ثمنها ستمئة ألف ، قال له : ليس لك عندي شيء خذ هذه عشرة آلاف . لم يكتبوها ، هذا العقد لم يكتبوه لو كان حاضر مجلس علم هل صار معه ذلك ؟
 أنا أسمع فجائع ، أسمع مصائب كبرى بسبب الجهل ، فطلب العلم سُنّةٌ أم فريضة؟ فريضة . ليس لك خيار ، إيَّاك أن تظن أنك صاحب مصلحة لماذا أكون عالماً ؟ هذا العلم فرض عين على الناس ، طبيب ، مهندس ، صاحب مصلحة ، نجَّار ، لحَّام ، هذا فرض عين على كل إنسان .

العلوم بعضها فرض عين و بعضها فرض كفاية :

(( طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ))

[ابن ماجه عن أنس بن مالك]

 اختلف الناس في هذا العلم ، بعضهم قال : علم الفقه ، إذ به يعرف الحلال والحرام، هذا الكلام فيه شيء من الصحة ، وليس فيه الصحة كلها .
 وبعضهم قال : علم الكتاب والسنة إذ بهما يتوصل إلى العلوم كلها . وبعضهم قال والصوفية قالت : علم الإخلاص وآفات النفوس .
 والفلاسفة قالت : علم الفلسفة .
 الفلاسفة قالوا : الفلسفة . الصوفيون : علم الإخلاص . المفسرون : علم الكتاب . الفقهاء : الفقه . المحدثون : علم الحديث . صار هناك اختلافاً ، كل هذه الأقوال صحيحة جزئياً ، والصحة المطلقة أن تأخذ بها جميعاً لأنها علوم يُكّمِّلُ بعضها بعضاً .
 فإذا الإنسان أمضى كل حياته بفهم أوسع كتاب بالفقه ، وما عمل عملاً صالحاً ، وما تعرف إلى الله عز وجل ، وما استقام على أمره ، هل أفلح ؟ لا لم يفلح . هذا الكلام فيه جزء من الصحة وليس الصحة كلها .
 لكن الإمام الغزالي يقول : والصحيح أنه علم معاملة العبد لربه . العلم المُجدي زائد مجموعة أعمال تقوم بها كل يوم ، زائد مجموعة أعمال تنتهي عنها كل يوم . فإذا فعلت ذلك فقد نجحت وأفلحت .
 هذه العلوم فرض عين كما أقول لكم ، لا أحد يقول : أنا معفى منها ، فرض عين. أما فرض الكفاية فهو كل علم لا يستغنى عنه في قوام علوم الدنيا ، كالطب ، الطب فرض كفاية ، فإذا لم يتعلم المسلمون الطب أثموا جميعاً ، فإذا تعلم الطب بعضهم رفع عنهم الإثم هذا معنى فرض كفاية .
 والحساب ، فهذه العلوم لو خلا بلدٌ ممن يقوم بها لأثم أهل البلد كلهم ، وإذا قام بها واحدٌ كفى وسقط الفرض عن الباقين ، أما التعميق في دقائق الحساب ودقائق الطب وغير ذلك فهذا يعد فضلاً لأنه يستغنى عنه .
 طبعاً هناك تعليق على هذا الكلام ، الآن لا بد من التعمُّق ، كان فيما مضى يستغنى عن التعمُّق ، الآن الأمور معقدة جداً لا بد من أن تتعمق ، صار التعمق بهذا العلوم يجب أن يكون فرض كفاية .
 العلم قد يكون مباحاً كالعلم بالأسعار التي لا تخفى فيها ، وتواريخ الأخبار ، علم التاريخ مباح ، علم الجغرافية مباح ، الأدب العربي غير السخيف غير الساقط مباح تعلُّمه ، وقد يكون بعضها مذموماً كعلم السحر والطلسمات  والتلبيسات ، أما العلوم الشرعية فمحمودةٌ كلُّها وتنقسم إلى أصولٍ وفروعٍ ومقدِّماتٍ ومتممات ، فالأصول كتاب الله تعالى ، كتاب الحياة ، هذا كتابك المقرر طوال الحياة ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، والله الذي لا إله إلا هو ، آية تقرأها ألف مرة لا تحس إلا أنها جديدة ، وكل مرة الله عز وجل يكشف لك طرفاً من معناها.

كل آية يقرأها الإنسان ثانية يحس أنها آية جديدة :

 إذا قرأت كتاب الله اقرأ معه هذه الآية :

﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي ﴾

[ سورة الكهف : 109 ]

 كل واحد منا يعرف القلم والدواية ، إذا عنده دواية ، وكان طالباً جامعياً تكفيه سنتين، يعبئ فيها مسودات كثيرة كما يقولون ، يقول لك : انظر هذه كلها دفاتر السنة الثالثة ، كلها بالحبر الأزرق ، وهذه السنة الرابعة ، كلها من دواية حبر ، الذي عنده لتر من الحبر ، إلى متى تكفيه هذه ؟!! منذ أن بدأ بالكتابة إلى آخر صف بالجامعة ، لتر حبر يكفي الطالب منذ أن بدأ بالكتابة وحتى آخر صف في الجامعة ، هذا اللتر يكفي لخمسة شباب ، إذا عنده مستودع متر بمتر من الحبر ، اشترى مستودعاً مساحته متر بمتر وعبَّأه بالحبر ، هذا إلى متى يكفيه ؟ هذا يكفي الأسرة كلها ولعشرة أجيال ، إذا عنده مستودع تحت الأرض خمسة أمتار مكعبة ، مئة متر مكعب من الحبر ، إذا عندنا نهر بردى حبر ، كله حبر ، إذا عندنا بحيرة قطينة كلها حبر، فهذه ماذا تكفي ؟ تكفي أبناء القطر ليوم القيامة .

﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي ﴾

[ سورة الكهف : 109 ]

 لو كان البحر كله حبراً لتفسير كلمات الله ..

﴿ لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً ﴾

[ سورة الكهف : 109 ]

 فهذا الكتاب كتاب العُمر ، اقرأ سورة لكن بإخلاص ، هذه المرة الواو ، هذه المرة الفاء ، هذه المرة التقديم ، التأخير ، التنكير ، التعريف ، الإيجاد ، التفصيل ، كلما قرأت كتاب الله ، يمكن كلمة :

﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾

[ سورة الأعلى : 3 ]

 أعتقد أنه يكتب عندنا ألف صفحة ، كلمة :

﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾

[ سورة الأعلى : 2 ]

 يحكى عنها ألف صفحة .

العلوم الشرعية كلها محمودة وتنقسم إلى أصولٍ وفروعٍ :

 لذلك العلوم الشرعية كلها محمودة ، وتنقسم إلى : أصولٍ وفروعٍ ، ومقدماتٍ ومتممات . فالأصول كتاب الله تعالى ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم . والفروع ما فهم من هذه الأصول من معانٍ تنبَّهت لها العقول حتى فهم من اللفظ الملفوظ وغيره ، كما فهم من قوله :

(( لا يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ ))

[ابن ماجه عن بكرة عن أبيه]

 هذا قول لسيدنا رسول الله : " لا يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ " بعض العلماء استنبط من القول : لا يقضي القاضِ وهو جائع كذلك ، لأن أثر الغضب مشابه لأثر الجوع ، إذا إنسان جائع ولم يأكل صباحاً ، ويريد أن يفصل القضية الساعة الثانية ، لم يعد يدقق بالدعوى نرفز من أحد المدعيين ، إذاً استنباط .
 والمقدمات هي التي تجرى مجرى الآلات ، كعلم النحو ، والصرف ، واللغة ، فإنها آلات تعد كالمُقدمات لفهم كتاب الله ، ومتممات كعلم القراءات ، وتجويد قراءة القرآن ، ومخارج الحروف ، والعلم بأسماء رجال الحديث وعدالتهم وأحوالهم فهذه علوم متممات .
 عندنا أصول ؛ كتاب الله وسنة رسوله . عندنا فروع ؛ ما فهم من كتاب الله . عندنا مقدمات ؛ كعلم اللغة والنحو والصرف . عندنا متممات ؛ كعلم القراءات والتجويد ومخارج الحروف وما شاكل ذلك ، هذه علوم شرعية كلها .
وسوف نفصل الحديث عن بعض العلوم الأخرى في الدرس القادم إن شاء الله تعالى فسبحان الله هذه المرة الرابعة أحاول أن أقرأ لكم قصة صحابي جليل والوقت لا يتسع لذلك ، إن شاء الله نعود إلى سيرتنا الأولى في قراءة قصةٍ في كل درس .
 الذي طرحته في أول الدرس أتمنَّى أن يكون في قلوبكم موضوع اقتناء الكتب التي أدرِّسها ، ومراجعة هذه الأحاديث تغني عن الكتابة ، بدلاً من الكتابة كتاب عندك بالبيت تفتحه، ماذا أخذنا اليوم ؟ ومحاولة نشر هذا العلم .

(( خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ ))

[البخاري عن عثمان]

 وإن شاء الله أبلغكم في وقت آخر عن درس مذاكرة ، والذي يحب أن يكون طالباً نظامياً يأخذ شهادة ، يستفيد من علمه ، فقد صار هناك سؤال وجواب ، صار يريد أن يراجع درس الجمعة ، ويراجع درس الأحد ، ويفكر تفكيراً صباحياً يومياً ، يعمل مذاكرة مع إخوانه ، أربعة أو خمسة حسب القرابة أو المكان ، حتى يكون أهلاً ليجاوب بالدرس الذي هو كله لكم وليس لي .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS