5754
التفسير المختصر - سورة المائدة (05) - الدرس (2-5) : تفسير الآية 8 ، العدل
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1994-05-09
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أيها الإخوة موضوعنا اليوم الآية الثامنة من سورة المائدة، وهي قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)﴾

 الإنسان أيها الإخوة قد يجري اتصالاً هاتفياً، وهو مضطجعٌ على سريره، أما لو أنه تلقى نبأً مؤلماً لقعد، فانتقاله من الاضطجاع إلى القعود دليل أن الأمر مهمٌ، فإذا كان الأمر أكثر أهميةً وقف، والإنسان يعبر عن اهتمامه بالأمر إلى أقصى درجة حينما يقف.
 الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ﴾

 قوَّام على وزن فعَّال، صيغة مبالغة اسم الفاعل، قائمٌ قوَّامٌ، القوَّام أشد اتصافًا بالقيام من القائم، قائم لكنه متهاون، قائم لكنه متململ، قائم لكنه متراخٍ، أما قّوام فهو في أعلى درجات النشاط، وفي أعلى درجات اليقظة، وفي أعلى درجات الجاهزية، قوَّام.
 يقول الله عز وجل:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾

 يعني طاقتكم، نشاطكم، عضلاتكم، علمكم، طلاقة لسانكم، ذكاؤكم، مكانتكم، جاهكم، هذا كله ينبغي أن يوظف لله عز وجل، وأن تستنفر، وأن تفرَّ إلى الله عز وجل.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾

 يعني أعلى درجات الاهتمام أن تقف، وأن تكون مستعداً لبذل الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، أن تقف وأن تكون في أعلى درجات الجاهزية، أن تقف وأنت في أعلى درجات النشاط.
 هذا معنى.

﴿ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾

( سورة آل عمران: 79 )

 يعني يجب أن تَهَبَ كلَّ ما تملك لله عز وجل.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ﴾

 أحد أصحاب رسول الله، وكان حِبَّ رسول الله، أراد أن يشفع عند النبي في امرأةٍ سرقت، فغضب النبي أشد الغضب، وكما ورد في الأثر:

((إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها))

 هذا هو الإسلام.
 يروى أن سيدنا عمر جاءه ملِك من ملوك الغساسنة مسلماً، رحب به أشد الترحيب.
 كان الموسم موسمَ حج، وفي أثناء طواف الملك حول الكعبة، بدوي من فزارة داس طرف ردائه، فالمِلك لم يحتمل هذا، فالتفت نحوه وضربه ضربة هشمتْ أنفه.
 هذا البدوي ليس له إلا عمر، ذهب إليه ليشكو هذا الملك الغساني جبلةَ ابن الأيهم، فاستدعى عمر جبله، وقال: أصحيحٌ ما ادَّعى هذا الفزاري الجريح، قال: لست ممن ينكر شيئاً، أنا أدبت الفتى، أدركت حقي بيدي، قال عمر: أَرضِ الفتى، لا بد من إرضائه، فمازال ظفرك عالقاً بدمائه، قال له: وإن لم أفعل ؟ قال له: يُهشمن الآن أنفك، وتنال ما فعلت كفك.
 قال له كيف ذاك يا أمير المؤمنين ـ ما هذا الكلام ـ هو سوقة، وأنا عرش وتاج، كيف ترضى أن يخرَّ النجم أرضاً ؟ قال له: نزوات الجاهلية، ورياح العنجهية قد دفناها، وأقمنا فوقها صرحاً جديداً، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيدا، فقال جبله: كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعز، أنا مرتد إذا أكرهتني، فقال عمر: عنق المرتد بالسيف تحز، عالَمٌ نبنيه، كلُّ صدع فيه بشبا السيف يداوى، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾

 لذلك ورد أنَّ عدْلَ ساعة أفضل عند الله من أن تعبد الله ثمانين عاماً، ورد أن حجراً ضج بالشكوى إلى الله، قال: يا رب، قصة رمزية، عبدتك خمسين عاماً وتضعني في كنيف ـ المرحاض ـ قال تأدب يا حجر، إذْ لم أجعلك في مجلس قاض ظالم، يعني مكانك في الكنيف أشرف لك من أن تكون في مجلس قاض ظالم.
 إذاً:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾

 أما الشيء الدقيق في الآية، قوله تعالى:

﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾

 معنى لا يجرمنَّكم أي لا يحملنَّكم.

﴿ شَنَآَنُ قَوْمٍ ﴾

 الشنآن البغض.

﴿ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا﴾

 الله يخاطب من ؟ يخاطب المؤمنين، من هم أعداء المؤمنين التقليدين الكفارُ، الفجارُ، الملاحدةُ، المنافقون.
 كأن الله عز وجل يقول: يا عبادي، إذا توهمتم أنني أرضى عنكم، إذا لم تعدلوا مع خصومكم الكفار فأنتم واهمون، لا يرضيني إلا أن تعدلوا معهم، ولا يقربكم إليَ إلا أن تنصفوهم، ولا تقرِّبوهم إليَّ إلا إذا أنصفتموهم، إن لم تنصفوهم فأنتم متوهمون أني أرضى عنكم، إذا أكلتم أموالهم واعتديتم على أعراضهم بدعوى أنهم كفار، فهذا هو عين الخطأ.

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا﴾

 لا يحملنكم بغض قومٍ على أن تظلموهم.

﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾

 أنتم إذا عدلتم مع هؤلاء الأعداء أنتم أقرب إليّ، وإن عدلتم مع هؤلاء الأعداء قرّبتموهم إليّ، فقد عرفوا عظمة الدين، لذلك الإنسان المتوهم إذا رأى شخصًا غير مسلم يقول في نفسه: الطُشْهُ بالسعر ولا حرج، خذ ماله ولا تهتم، فهذا غير مسلم، هذا هو عين الخطأ، وأعود وأكرِّر الآية:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾

 يعني إذا عدلتم مع أعدائكم قربتموهم من الله، قال: يا أمير المؤمنين أتحبني، يبدو أنّ شخصًا فاجرًا قالها لسيدنا عمر، قال له: والله لا أحبك، قال: وهل يمنعك بغضك لي من أن تعطيني حقي، قال له: لا والله، حقك واصلٌ إليك، أحببتك أم كرهتك، هذا هو الإسلام.

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾

 يعني إذا عدلتم معهم قرَّبتموهم إليّ، وعرفوا أحقِّيّة هذا الدين، و إن عدلتم معهم تقرَّبتم أنتم إليّ، فأنا لا أرضى عنكم إذا ظلمتم هؤلاء، لأنكم إذا ظلمتموهم، فإنكم إذاً مثلهم، وأين الإسلام عندئذٍ ؟ وأين عظمة هذا الدين ؟ وأين أحقّيّة هذا الشرع؟
لذلك يبدو أن الذي يخطئ مع مسلم، فالخطأ صغير حجمه، أما الذي يخطئ مع غير المسلم فالخطأ كبير حجمه، لأنك إذا أخطأت مع مسلم يقول: فلان آذاني، أما إذا أخطأت مع غير مسلم يقول: المسلمون فعلوا معي كذا، وكذا، ينتقل من ذمك إلى ذمِّ دينك.
 ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام:

((أنت على ثغرةٍ من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قبلك.))

 كل مسلم يمثل هذا الدين، فعليه أن يكون في أعلى درجات الكمال، أعلى درجات الإنصاف، أعلى درجات القسط.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾

 استنفِرْ، فِرَّ إلى الله، شمروا فإن الأمر جِد.

﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾

 في آية أخرى قال:

﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾

( سورة النساء: 135 )

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾

 لا يحملنكم بغض قومٍ على ألا تعدلوا.

﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾

 يعني أنتم أقرب إليّ، وأعداؤكم الذين عدلتم معهم، يصبحون أقرب إليَّ.

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)﴾

 سبحانه وتعالى خبير بعملك، يعرف حجم عملك، ويعرف الأهداف البعيدة من عملك، ويعرف البواعث الحقيقية من عملك، ويعرف المضايقات التي تعترض عملك، ويعرف كل ما بذلتَ من أجل هذا العمل من غال ورخيص، ونفس ونفيس.

﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴾

﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾

 أيها الإخوة ؛ هذه الآية لو طبقت فلن تجدوا عداوات ساحقة بين المسلمين وغير المسلمين، يعني إذا ظلَمَ المسلم، فقد سمعت مرة كلمة، أن الأجانب ينظرون إلى الإسلام نظرة سيئة، لأنهم شاهدوا إساءات مِن قِبَل مَن فَتَحَ بلادهم، بعد ما استقر الفتوح في أوربا مسافات طويلة، ظهر أناس أساءوا إساءات بالغة، فالأجانب حملوا هذه الصور القاتلة ونظروا إلى الإسلام نظرة قاسية، فلذلك المسلم أحيانًا يسيء إلى دينه كله.
 طالب ذهب إلى أوربا ودرس، واقترن بفتاة ألمانية، أحبها وأحبته، درسا الطب طبعاً، بعد سبع سنوات، بعد أن نال الشهادة، اختفى !!.
 عاشت معه وأعانته، وقدمت له كل ما تستطيع، وأخلصت له، فلما نال الشهادة في الطب اختفى !! تبعته إلى بلده، فإذا هو في بلد آخر، أجرى عقداً مع دولة من دول الخليج، إحدى دول النفط، فوصلت إلى وزير الداخلية هناك، والوزير رفع الأمر إلى الملك، والملك أصدر أمراً بطرد هذا الطبيب، لأنه أساء إلى ألف مليون مسلم.
 تقول هذه الفتاة: ماذا فعلت له حتى تركني ؟ لقد أحسنتْ إليه، واللهِ.
 أحيانًا إنسان واحد قد يسيء لأمة، لمَ لمْ تخبرها بأنك ستطلقها إذا انتهت دراستك، وليعلم كل واحد أنّ الزواج على التأبيد، أخلصت لك كل الإخلاص، وأنا ما أردت من هذه القصة أن نناقشها، لكن أردت من هذه القصة أن الإنسان أحياناً يسيء لأمته كلها إذا أساء التصرف.

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾

 فالمسلم ليدقق بمعاملته المسلَم مرة، وليدقق مليون مرة في معاملته غير المسلم، لأنه لو عامله معاملة طيبة ربما جلبه إلى الدين، رجل معروف يمثل الحزب اليساري في فرنسا، أسلم، فكان يروي منذ أيام سبب إسلامه، قال: قبل ثلاثين سنة، كنتُ جنديًا ورفض مسلم أنْ يقتلني، في الحرب العالمية الثانية، لقد رفض أنْ يقتله لأسباب دينيه، فبقيت هذه الفكرة في ذهنه ثلاثين عاماً، وحملته بعدها على أن يسلم.
 فالعمل الطيب ربما جرَّ أمة، والعمل السيِّئ ربما نفَّر أمة.
 لذلك:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS