62602
خطبه الجمعة - الخطبة 0309 : البيت المسلم7- قواعد الإسلام في ترسيخ القيم الأخلاقية.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1990-07-27
بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم ، رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهمَّ صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الفلاح و النجاح و الفوز و النجاة في تزكية النفس :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ نعود إلى الموضوع المُتَسَلْسِل إنه موضوع البيت المسلم ، ففي الخطبة السابقة في هذه الموضوعات كان الحديث عن قواعد الإسلام في ترسيخ الإيمان في نفوس الصغار ، واليوم ننتقل إلى قواعد الإسلام في ترسيخ القيم الأخلاقية ، وقد يكون الدرس الذي نستفيد منه مِن هذه القواعد موجهاً للصغار والكبار .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ ألا يكفينا قوله تعالى :

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا *وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾

[ سورة الشمس: 9-10]

 الفلاحُ ، والنجاحُ ، والفوز ، والتفوق ، والنجاة في تزكية النفس ، وهل تزكية النفس إلا أن تحليها أيها الأخ بمكارم الأخلاق ؟ ومن أين نأتي بمكارم الأخلاق ؟ ما منبع مكارم الأخلاق ؟ شيءٌ يلفت النظر ، قد تجد الإنسان بِخُلُقٍ ترضاه منه ، إذاً هو فجأةً ينقلب رأساً على عَقب ، إذا هو فجأةً يقلب لك ظهرَ المِجَن ، هل هذه الأخلاق هي التي أرادها الله عز وجل حينما قال الله عز وجل :

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾

[ سورة الشمس: 9]

 هل هي أخلاق أهل الدنيا التي تتخذ وسيلةً لكسب المال ؟ هل هي أخلاق أهل الغَرْب التي تُعَدُّ من رأسمالهم في كسب الأموال ؟ أم هي الأخلاق الأصيلة التي لا تتأثر لا بمصلحةٍ ، ولا بمكانٍ ، ولا بزمانٍ ، ولا برقابةٍ ، ولا بغفلةٍ ؟

جوهر الدين مكارم الأخلاق :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ في خطبٍ كثيرة تحدَّثت عن أن هذا الدين في جوهره مكارم أخلاق ، لقول النبي عليه الصلاة والسلام :

((وإنما بعثت معلماً))

[ابن ماجه عن ابن عمرو]

((إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق ))

[أحمد عن أبي هريرة]

 وتعلمون أيها الأخوة أن العبادات الشعائرية ؛ من صيامٍ ، وصلاةٍ ، وحجٍ ، هذه عباداتٌ شأنها في الحياة كشأن ساعات الامتحان ، ما قيمة هذه الساعات الثلاث ، التي يجلس فيها الطالب على مِقْعد الامتحان ، وأمامه ورقٌ أبيض ، وبيده قلمٌ سيّال ، ما قيمة هذه الساعات الثلاث ، إن لم تسبقها دراسةٌ مضنية و تحصيل من مستوىً رفيع ؟
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ في الإسلام عبادات شعائرية ، وفي الإسلام عبادات تعامُلية ، ما لم يُتقن المسلم عباداته التعاملية فلا جدوى من عباداته الشعائرية . .

(( قم فصلِّ إنك لم تصلِّ))

[الترمذي عن رفاعة بن رافع]

((من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً))

[الجامع لأحكام القرآن عن ابن مسعود وابن عباس]

(( مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعمَلَ بِهِ، فَليسَ للهِ حاجة فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ))

[البخاري وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]

(( حجوا قبل ألا تحجوا ))

[ من الجامع الصغير عن أبي هريرة]

 فأحاديث كثيرة تبين أن هذه العبادات لا جدوى منها إلا إذا استندت إلى مكارم الأخلاق ، وما فتح أجدادنا الكرام أقطار الدنيا إلا بمكارم أخلاقهم ، وما جوْهر الدين إلا مكارم الأخلاق ، ماذا قال سيدنا جعفر للنجاشي ؟ قال له :

(( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف ، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا ، نعرف نسبه ، وصدقه ، وأمانته ، وعفافه ، فدعانا إلى الله عز وجل لنوحده ، ونعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دون الله من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء))

[أحمد عن أم سلمة أم المؤمنين ]

أفضل ثروةٍ تقدِّمها لابنك أن تُخَلِّقَهُ بالأخلاق الحسنة :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ حقيقةٌ دقيقةٌ جداً هي أن الأخلاق الصحيحة الأصيلة التي تسمو بصاحبها لا تكون إلا مِن طريق الدين ، لأن الله سبحانه وتعالى عنده مكارم الأخلاق، فإذا أحبَّ الله عبداً مَنحه خُلُقاً حسناً كما ورد في بعض الأحاديث ، إن مكارم الأخلاق مخزونةٌ عند الله تعالى ، فإذا أحب الله عبداً منحه خلقاً حسناً . بعض المفكرين الذين يعتدُّ بنظرياتهم الفلسفية يقول : الأخلاق من غير دينٍ عَبَث .
 بعضهم الآخر يقول : إن الدين ومكارم الأخلاق هما شيءٌ واحد لا يقبل أحدهما الانفصال عن الآخر .
 مفكر آخر يقول : من دون دين لا يمكن أن تكون هناك أخلاق .
 مفكر رابع يقول : لا يمكن أن تكون هناك أخلاقٌ إلا عن طريق الإيمان بالله أولاً، والإيمان بخلود النفس ثانياً ، والإيمان بالحساب بعد البعث ثالثاً .

توجيهات النبي في ترسيخ مكارم الأخلاق عند الصغار :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ يقول عليه الصلاة والسلام في توجيهاته السامية ، في حديثٍ شريف صحيح رواه الإمام الترمذي :

((ما نحل - أي ما أعطى - والدٌ ولداً مِن نُحْلٍ أفضل من أدبٍ حسن))

[الترمذي عن سعيد بن العاص]

 أي أفضل ثروةٍ تقدِّمها لابنك أن تُخَلِّقَهُ بالأخلاق الحسنة . وفي حديثٍ آخر رواه ابن ماجه عن ابن عباس ، أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

((أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم))

[ابن ماجه عن ابن عباس]

 وفي حديثٍ مَرْويٍ عن سيدنا علي بن أبي طالب يقول عليه الصلاة والسلام :

((علموا أولادكم وأهليكم الخير وأدبوهم ))

 وكلكم يعلم أنه يجب على الوالد أن يحسن أدب ابنه ، وأن يحسن اسمه .
 وروى ابن حبانٍ عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

((الغلام يعـقُّ عند يومه السابع - أي تذبح له العقيقة - ويسمى ، ويماط عنه الأذى ، فإذا بلغ ستَ سنين أُدِّب ، فإذا بلــغ تسع سنين عُزل عن فراشه - مع أخوته - فإذا بلغ ثلاث عشرة سنة ضُرب على الصلاة والصــوم ، فإذا بلغ مبلغ الرجال زوّجه أبوه ، ثم أخذه بيده وقال : يا بني قد أدبتك ، وعلمتك ، وأنكحتك ، أعوذ بالله من فتنتك في الدنيا وعذابك في الآخرة ))

[ابن حبان عن أنس بن مالك]

 وقد جاء في الخبر :

((لاعـب ولدك سبعاً ، وأدبه سبعاً ، وراقبه سبعاً ، ثم اترك حبله على غاربه))

[ ورد في الأثر ]

 هذه بعض توجيهات النبي عليه الصلاة والسلام في ترسيخ مكارم الأخلاق عند الصغار .

ظاهرة الكذب من أخطر الظواهر في المجتمعات :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ ما الذي نجده في مجتمعاتنا اليوم ؟ نجد ظواهر صغيرة عند الصغار ، من هذه الظواهر ظاهرة الكذب ، فالصغار يكذبون كلما تنفّسوا . الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما رويا عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

((أربعٌ من كن فيه كان منافقاً خالصاً ، ومن كان فيه خصلةٌ منهن كان فيه خصلةٌ من النفاق حتى يدعهـا ؛ إذا اؤتمن خان ، وإذا حدَّث كـذب ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر))

[متفق عليه عن عبد الله بن عمرو بن العاص]

 فمن كان فيه خصلة الكذب كانت فيه خصلة النفاق ، والآن في بعض العلوم الحديثة علمٌ جديد اسمه " عِلْم الطباع " ، وقد أشار النبي عليه الصلاة والسلام إلى هذا العِلم إشارةً لطيفة ، فقال عليه الصلاة والسلام :

((يطبع المؤمن على الخلال كلها . . .))

[ أحمد عن أبي أمامة الباهلي ]

 قد تجد مؤمناً منفتحاً على المجتمع ، وقد تجد مؤمناً يحب الانطواء على نفسه ، وقد تجد مؤمناً كثير العناية بمظهره ، وقد تجد مؤمناً آخر أقل منه عنايةً ، إلى ما هنالك من طِباع ، ومن صفات ، ومن سِمات ، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

((يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب ))

[ أحمد عن أبي أمامة الباهلي ]

 بمجرد أن يخون أو يكذب ، فقد انسلخ منه إيمانه ، أو انسلخ من إيمانه ، كان هو في واد ، وإيمانه في وادٍ آخر . .

((يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب ))

[ أحمد عن أبي أمامة الباهلي ]

 ولو دققت ، وتأملت ، في أكثر ما يعاني منه المجتمع المسلم صغاراً وكباراً ، إنه الكذب ؛ كذبٌ في البيع والشراء ، كذبٌ في إلقاء الأفكار ، كذبٌ في مَدْح الآخرين ، ظاهرة الكذب ظاهرةٌ تُدَمِّر المجتمعات ، وما من فضيلةٍ ، وما من أساسٍ لبناء مجتمعٍ صحيح إلا أن يكون الصدق محور هذا المجتمع .
فيا أيها الأخوة المؤمنون ؛ يكفي أن يكذب الإنسان حتى ينسلخ من إيمانه ، ويكفي أن يكذب حتى يُعَدَّ من المنافقين . وقد روى الإمام مسلم عن أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام :

((ثلاثـةٌ لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذابٌ أليم ؛ شيخٌ زانٍ ، ورجلٌ كذَّاب ، وعائلٌ مُستكبر ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 تعرفون جميعاً الحديث القدسي :

(( أحب ثلاثاً وحبـي لثلاثٍ أشد ؛ أحب الطائعين ، وحبي للشاب الطائـع أشد، أحـب المتواضعين ، وحبي للغني المتواضع أشد ، أحب الكرماء ، وحبي للفقيـر الكريم أشد ، وأبغض ثلاثاً وبغضي لثلاثٍ أشد ؛ أبغض العصاة ، وبغضي للشيخ العاصي أشد ، أبغض المتكبريـن ، وبغضي للفقير المتكبر أشد ، أبغض البخلاء ، وبغضي للغني البخيل أشد ))

[ورد في الأثر]

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ الشيخان البخاري ومسلم رويا عن ابن مسعودٍ أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

((إياكم والكذب ، فإن الكذب يهدي إلى الفجور ، وإن الفجور يهدي إلى النار))

[متفق عليه عن ابن مسعودٍ]

 أي أن الكذب طريقٌ إلى النار ، لا تكذب ، إن لم تكذب تشعر بإحساس لا يعرفه إلا من فقده ، احترامك لذاتك ، تقدير الإنسان لذاته ، أحد أركان سعادته النفسية ، فإذا كذبت ؛ وفرضاً لم تُكشف هذه الكذبة ، احتقرت ذاتك ، وانهارت ثقتك بنفسك .

الكذب من أكبر أنواع الخيانة :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ يقول عليه الصلاة والسلام :

((إياكم الكذب ، فإن الكذب يهدي إلى الفجور ، وإن الفجور يهدي إلى النار ، وما يزال العبد يكذب ، ويتحرى الكذب ، حتى يكتب عند الله كذاباً))

[متفق عليه عن ابن مسعودٍ]

 أما ما يقوله عامة الناس ، جهلة الناس : من أنك إن لم تكذب لا تربح ، إن لم تكذب لا تُفْلِح ، إن لم تكذب لن تستطيع أن تقف على قدميك . هذا كلامٌ باطل ، هذا كلام الشيطان ، النجاةُ في الصدق ، قد يتراءى لك أن الكذب يريحك من أعباء كثيرة ، قد تتوهَّم أنك إذا كذبت أنفقت هذه السلعة ، اليمين الفاجرة منفقةٌ للسلعة ممحقةٌ للبركة ، لا تكذب ؛ لا في تجارتك ، ولا في صناعتك ، ولا في وظيفتك ، ولا في مهنتك ، ولا في بَيعك ، ولا في شرائك ، ولا في أهلك ، ولا مع أولادك ، ولا مع أصدقائك ، كن صادقاً .
 النبي عليه الصلاة والسلام يعد الكذب من أكبر أنواع الخيانة ، لم يقل : هو خيانة بل قال :

((كبرتٌ خيانةً أن تحدث أخاك حديثاً هو لك مصدق ، وأنت به كاذب))

[أحمد وابن عدي والبيهقي عن النواس بن سمعان]

 خيانةٌ وأية خيانة أن تحدث أخاك المسلم بحديث في البيع والشراء ، في كل شيء، في أي موضوع ، أن تحدثه بحديث هو لك به مصدق وأنت له به كاذب .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ ألف محاضرةٍ في الصِدق يُسقطها كذبةً واحدة ، ألف توجيهٍ لأولادك في الصدق يسقطها ويلغيها أن يضبطك ابنك وأنت تكذب ، فلذلك قبل أن تُعَلِّم الناس الصدق كن صادقاً ، التعليم بالقدوة من أجدى أنواع التعليم . كان النبي عليه الصلاة والسلام في بيت أحد أصحابه ، قالت امرأةٌ لابنها : تعال أعطك ، فقال عليه الصلاة والسلام :

((ما أردت أن تعطيه ؟ قالت : أردت أن أعطيه تمراً ، قال : أما إنك لو لم تعطه شيئاً كتب عليكِ كذبة))

[ من تخريج أحاديث الإحياء ]

 فهذه المرأة التي تريد أن تجلب ابنها الصغير ، في عمرٍ صغير ، إن قالت له : تعال أعطك من أجل أن تجلبه إليها . النبي عليه الصلاة والسلام عَدَّ هذا كذباً . بل إن علماء الحديث يعدّون إذا كذبت على حيوان فهذا يسقط العدالة . على حيوان ، كلكم يعلم قصة عالم الحديث الذي جاء من المدينة إلى البصرة ، ليتلقى حديثاً عن أحد الرجال ، فإذا بهذا الرجل يجمع ثوبه ليوهم فرسه أن في هذا الثوب شعيراً ، كي تُقبل عليه ، فلما اقترب منه لم يجد في ثوبه شيئاً ، فعاد أدراجه إلى المدينة ، ولم يكلمه كلمةً واحدة ، فهذا الذي يكذب على حيوان ، ليس أهلاً أن يَحمل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .
يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ الإمام الشهير ، الإمام عبد القادر الجيلاني ، من كبار العلماء ، ومن العارفين بالله ، حينما كان طفلاً صغيراً ، أرسلته أمه إلى البصرة ليَطْلُب العِلم ، مع قافلةً من قوافل المسافرين ، وأعطته أربعين ديناراً ، وأخذت منه عهداً مُغَلَّظَاً على ألا يكذب، وكان طفلاً صغيراً حديث السِن ، إذا بالطريق لصوصٌ يسلبون المسافرين ، فسأله أحد قطاع الطريق ، وقد احتجزوا القافلة : ما معك يا غلام ؟ قال : معي أربعون ديناراً ، فظن هذا اللص أن هذا الغلام يسخر منه ، تركه وشأنه ، سأله لصٌ آخر : ما معك يا غلام ؟
 فقال : معي أربعون ديناراً . فأخذه إلى كبير اللصوص ، وقال : ما معك يا غلام ؟ قال : معي أربعون ديناراً . قال : أين هي ؟ أخرجها له . فقال : يا غلام ما حملك على أن تَصْدُق ؟ قال : والله عاهدت أمي على ألا أكذب ، فإني أكره أن أخون عهدها ، فأطرق كبير اللصوص ملياً ، وقال : يا غلام تخاف أن تخون عهد أمك ولا أخاف أنا أخون عهد الله ؟! وانهمرت الدموع من عيونه وقال : يا أيها الغلام أشهدك أني تبت على يديك ، ورد الأموال كلها إلى القافلة ، وجمع جماعته اللصوص ، وقال : إني أشهدكم أنني تبت على يد هذا الغلام ، فقال أحدهم : أنت كبيرنا في قَطْع الطريق ، وسوف تكون كبيرنا في سلوك الطريق إلى الله ، وتاب جماعته معه بفضل الصدق .

مراقبة الابن و متابعته و توجيهه يحتاج إلى جهد كبير :

 مهما تراءى لك أن الكذب ينجي فالصدق أنجى ، مهما بدا لك في بيعك وشرائك أنك إذا كذبت تبيع هذه السلعة ، لا ، كن صادقاً ؛ في نوعها ، وجنسها ، وتاريخ صنعها ، ومواصفاتها ، ووزنها ، ونوع خيوطها ، وكل ما فيها ، كن صادقاً ولا تكذب ، يبدو لك من قواعد خاطئة مُستنبطة من تعامل الناس مع بعضهم بعضاً أن الكذب طريقٌ سهلٌ . لكن الإنسان إذا كشف كذبه يسقط من عين الناس ، بل هو يسقط من عين الله ، ولأن يسقط الإنسان من السماء إلى الأرض فتَنْحَطِم أضلاعه أهون من أن يسقط من عين الله . لا تقبل كل كلامٍ يقوله لك ابنك ، دقق ، حقق ، طالبه بالدليل ، اذهب معه إلى المكان ، تحقق ، إلى أن يشعر الابن أن كل كِذبةٍ لابد مِن أن تُكشف ، أما إذا روى لك روايةً ، وقبلتها واسترحت ، وهي رواية كاذبة ، ورأى هذا الطفل الصغير أن الكذب قد مشى عليك ، وانطلى عليك ، يتَّخذ الكذب وسيلةً مُريحةً سريعةً لحل مشكلاته معك .
 فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ التدقيق ، والتحقيق ، والمُتابعة ، والزجر ، والمُراقبة، والتوجيه يحتاج إلى جهد كبير ، أما أن تكتفي بأن يقول لك : وجدت هذه في الطريق فأخذتها، أو : هذا القلم أعارني إياه صديقي ، وقد يكون هذا الصديق موهوماً .

عدم التساهل مع الطفل الذي يأخذ ما ليس له :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ هكذا قال عليه الصلاة والسلام . شيءٌ آخر ، ظاهرةٌ أخرى من الظواهر التي تلفت النظر ، وهي ظاهرةٌ تتصل بالأولى : أن يأخذ الطفل ما ليس له ، لم أسمها سرقةً ، لأن هذا الطفل أصغر من أن يعي حدود السرقة ، ولكن أن يأخذ الطفل ما ليس له ، وأن يرى تساهلاً من أهله وذويه ، وأن يروي روايةً كاذبة ، وأن يُصَدَّق بهذه الرواية ، عندئذٍ تتفاقم الأمور ، قد يأخذ قلماً صغيراً ، وقد يأخذ مِمْحَاةً ، ثم يأخذ المبالغ الكبيرة .
 فيا أيها الأخوة المؤمنون ؛ يروى أن طفلاً شبَّ على السرقة ، إلى أن ارتكب مع السرقة جريمةً استحق عليها القتل ، قبل تنفيذ حكم الإعدام قال : ائتوا لي بأمي ، أريد أن أشاهدها . فلما جيء له بأمه ، قال : يا أمي مدي لسانكِ كيّ أقبله ، فلما مدَّت لسانها قضمه بأسنانه وقطعه ، وقال : لو لم يكن هذا اللسان مُشَجِّعاً لي في الجرائم ما فقدت حياتي .
 فخطرٌ كبير أن ترى حاجةً مع ابنك ليست له ، ثم تسكت ، ثم تنطلي عليه ، ثم تقبل رواية ليست صحيحة ، الأمر بعدئذٍ يتفاقم .

جوهر الدين أن ترى أن الله معك و يراقبك :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ كلكم يعلم أن المرأة التي كانت تمزج الحليب باللبن في عهد عمر ، قالت لها ابنتها : يا أمي إن عمر نهانا عن ذلك . فقالت الأم الكبيرة في السن : وهل يرانا عمر الآن ؟ فماذا قالت البنت ؟ قالت : يا أمي إن كان عمر لا يرانا فإن رب عمر يرانا . إذا نَمَّيْتَ في ابنك حس مراقبة الله عز وجل ، هذا البدوي الذي قال له سيدنا عبد الله بن عمر : بعني هذه الشاة وخذ ثمنها . فقال : ليست لي . قال : قل لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب . قال : والله لو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدقني ، فإني عنده صادقٌ أمين ، ولكن أين الله ؟ هذا هو الدين كله ؟ إذا قلت أين الله ؟ فقد وضعت يدك على جَوْهَر الدين ، هذا جوهر الدين ؛ أن تشعر أن الله معك ، يراقبك ، في كل أقوالك ، حينما كان الراعي يقول : أين الله ؟ رفرفت رايات المُسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، وحينما تظن أن الله لا يراك ، وأن الذكاء والحنكة في كسب المال الحرام ، وأن تجميع المال من أي طريقٍ يُعَدُّ مفخرةً وذكاءً هذا هو طريق الهلاك وطريق الهاوية . .

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت  فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
* * *

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ شيءٌ آخر أُرجئه إلى خطبةٍ أخرى إن شاء الله تعالى، هناك ظواهر كثيرة متفشية بين أبناء المسلمين ، ظاهرة الكذب ، وظاهرة أن يأخذ هذا الطفل ما ليس له ، ومن لهذا الطفل غير أبيه وأمه ؟ إذا فَقَدَ الطفل التوجيه الصحيح في البيت ، وقع في شَرِّ أعماله ، ونشأ على الانحراف .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن مَلَكَ الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز مـن أتبع نفسه هواها ، وتمنَّى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

العمل الصالح جوهر الحياة الدنيا :

 وبعد ؛ فيا أيها الأخوة ؛ الحقيقة أن العمل الصالح هو جوهر الحياة الدنيا ، والدليل : حينما يأتي مَلَك الموت ماذا يقول هذا الإنسان ؟

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾

[ سورة المؤمنون : 99-100]

 العمل الصالح جوهر الحياة الدنيا . .

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾

[ سورة الكهف : 110 ]

 حجمك عند الله بحجم عملك الصالح . .

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾

[ سورة الأنعام : 132 ]

 الإيمان في القرآن الكريم كُلِّه مقترنٌ بالعمل الصالح . .

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾

[ سورة البينة : 7]

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ أين هو العمل الصالح ؟ تعقيباً على موضوع الخطبة الأولى : بيتك ، زوجتك ، أولادك ، بناتك ، حقلٌ كبيرٌ جداً خصْبٌ للعمل الصالح ، لأنك إذا رَبَّيْتَ ابنك كما يرضي الله عز وجل ، فقد قدَّمت للمجتمع عُنصراً صالحاً ، طرحت للمجتمع عنصراً صالحاً ، فكل خيرٍ يصدر منه ،  كل معروفٍ ، كل استقامةٍ ، كل ورعٍ ، كل إحسانٍ ، كل خدمةٍ ، في صحيفة الأب ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام عَدَّ الولدَ الصالح صدقةً جارية:

(( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة صدقة جارية ، أو علم يُنْتَفَعُ به ، أو ولد صالح يدعو له ))

[مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]

 فالأعمال إذا كانت مشروعةً في الأصل ، وإذا مارستها بطريقة مشروعة ؛ لم تكذب فيها ، لم تُدَلِّس ، لم تَغُش ، لم تبع بسعرين ، لم تقبل الربا في البيع والشراء ، الآن إذا ابتغيت منها أن تكفي نفسك وأهلك وأولادك ، إذا ابتغيت منها أن تكسب مالاً تنفع به المسلمين، إذا ابتغيت منها نفع المسلمين ، إذا لم تُلْهِكَ عن صلاةٍ أو ذِكرٍ أو مجلس علم ، حرفتك ، مهنتك ، دكانك ، تجارتك ، وظيفتك ، حقلٌ خصيبٌ آخر للعمل الصالح ، من أنت بلا عمل صالح ؟ عندما سقى سيدنا موسى للمرأتين قال :

﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾

[ سورة القصص : 24]

 استنبـط العلماء أن الغنى هو غنى العمل الصالح ، وأن الفقر هو فقر العمل الصالح ، قال سيدنا علي : "الغنى والفقر بعد العرض على الله" .
 قبل أن تنام ، بعد أن تستيقظ اسأل نفسك : ماذا فعلت في اليوم الماضي ؟ يومٌ يمضي بلا عملٍ صالح خسارةٌ كبيرة ، مهما استمتعت فيه ، لأن الآخرة لا تقبل في نقدها إلا العمل الصالح .
 فيا أيها الأخوة المؤمنون ؛ تعقيبٌ على موضوع الخطبة الأولى : بيتك وحرفتك ، بيتك وعملك ، حقـلٌ خصيبٌ خصيب للعمل الصالح ، يمكن أن تَرقى إلى الله بتربيتك لأولادك ، يكفي أن تلقى الله بهذا العمل ، يكفي أن تكون مع المسلمين صادقاً في بيعك وشرائك ، مُخلصاً لهم ، يكفي أن تُتْقِن صنعتك ، وأن تبع سلعتك بسعرٍ معقول ، وأن تَجْتَنِب كل ما نهى النبي عليه الصلاة والسلام عنه ، حتى تكون حرفتك ؛ عملك الصالح الذي يصلح للعرض على الله عز وجل .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS

     
جديد الموقع