15111
خطبه الجمعة - الخطبة 0283 : خ1 - العلم2- علاقة العلم بالإيمان ، خ2 - الطائر المخلوق العجيب.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1989-12-22
بسم الله الرحمن الرحيم

 الخطبة الأولى
 الحمد لله، ثمّ الحمد لله، الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله، وما توفيقي، ولا اعتصامي، ولا توكّلي إلا على الله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقرارًا برُبوبيَّته، وإرغامًا لمن جحد به وكفر، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر، ما اتَّصَلَت عين بنظر، وما سمعت أذنٌ بِخَبر، اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، لازلنا في موضوع العلم، وموضوع العلم من أهم الموضوعات التي يجبُ أن يتّجه إليها المسلم.
 أيها الإخوة الأكارم، في الدّيانات المنحرفة، أو الدّيانات غير السماويّة لا علاقة للإيمان بالعلم، بل إنّ الإيمان والعلم في مثل هذه الديانات متناقضان، فالإيمان فوق العقل، يقولون: آمِنْ ثمّ اعْلم ! اِعْتقِد وأنت أعمى، أغمِض عينيك واتَّبِعني، لكنّ الإسلام أيها الإخوة، لا يعرف هذا التناقض بين العلم والإيمان، العلم والإيمان أخوان، أحدهما يدْعم الآخر، لماذا ؟ لأنّ حقائق العلم هي استقراء لِقَوانين الكون، من الذي قنَّنها ؟ هو الله سبحانه وتعالى، وحقائق الدِّين نقْلٌ صحيح عن الله عز وجل، من جاء بها ؟ نبيّه عليه الصلاة والسلام، فإذا كان هذا الكون خلقه، وهذا الكلام كلامهُ، أيُعْقلُ أن يكون هناك تناقضٌ بين العلم والدّين ؟
 أيها الإخوة الأكارم، يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾

[سورة يوسف: 108]

 علامة أهل الحقّ أنّهم يدعون إلى الله على بصيرة، لأنّهم متبعون لرسول الله صلى الله عليه وسلّم،

((تركتكم على بيضاء نقيّة ليلها كنهارها لا يزيغُ عنه إلا ضالّ ))

 أيها الإخوة الأكارم، من هنا يرفض الإسلام التقليد في العقيدة أشدّ الرّفض منهم من يعدّ المقلّد في العقيدة فاسقًا، ومنهم من لا يقبلُ عقيدة المقلّد في الأصل، لأنّ الدِّين الصحيح يجبُ أن يُبنى على يقين قاطع، ولا يقين في التقليد.
 أيها الإخوة الأكارم، الله سبحانه وتعالى يصفُ أولئك الذين اتّبعوا آباءهم من دون علمٍ، ومن دون تبصّر، وصفهم بأنّهم قومٌ لا يفقهون، حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا، الإسلام مرَّةً ثانية يرفض أشد الرّفض أن تبنى عقيدة المسلم على التقليد، تقليد الآباء، تقليد الكبراء، بل إنّ الإسلام أيّها الإخوة يرفض ثانيةً أشدّ الرّفض التبَعِيَّة، لأنّ التبعيّة تتناقض مع العلم، والتقليد يتناقض مع العلم، والإسلام يبنى على العلم، قال تعالى:

﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾

[سورة الأحزاب]

 هذا موقفهم يوم القيامة.
 شيءٌ آخر، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: لا يكن أحدكم إمّعة، من هو الإمّعة ؟ الذي يقول: أنا مع الناس ؛ إن أحسنوا أحسنْت، وإن أساؤوا أسأتُ ! ليس هذا بِمُسلم، لو أنّ الناس جميعًا أساؤوا يجبُ أن تُحسن لأنّ إحسانك ينطلقُ منت عقيدة صحيحة، لو أنّ الناس جميعًا أساؤوا يجبُ أن تحسن وحدك، هذا الذي يقول: أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساؤوا أسأت، هذا ليس مسلمًا صحيحًا، لذلك أن يقول الإنسان الناس كلّهم هكذا، أنا معهم، هكذا التيار العام، الناس كلّهم فعلوا كذا، الناس كلّهم يتعاملون بهذه الطريقة، ما ذنبي أنا وحدي، هذا كلامٌ مرفوض، لأنّ الإسلام يرفضُ أشدّ الرّفْض التبعيّة في الاعتقاد والعمل، ويرفض أشدّ الرّفض التقليد في العقيدة والعمل.
 أيها الإخوة الأكارم، شيءٌ ثالث، الإسلام يرفض أشدّ الرّفض أن تبني عقيدتك على الظنّ، قال:

زعم الطبيب والمنجّم كلاهما  لا تبعث الأموات قلت إليكـما
إن صحّ قولكما فلسْتُ بِخاسرٍ  أو صحّ قولي فالخسار عليكما

 ربّنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾

[سورة الحجرات: 15]

 هذا رَيب، يجبُ أن تؤمن إيمانًا قطعيًّا يقينيًّا، كما لو أنّك ترى الشمس في رابعة النهار، هذا هو الإيمان، المؤمن يطمئنّ قلبه بالإيمان، ألا بذِكر الله تطمئنّ القلوب، فالظنّ أيّها الإخوة اعتقادٌ ليس يقينيًّا، تقول: هكذا أرى، ولكن قد يكون الشيء الذي أعتقده في وَضْعٍ آخر ! ليس هذا هو الإيمان، وليس هذا هو اليقين، ماذا قال الله عن هؤلاء ؟ قال الله عز وجل:

﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾

[سورة النجم: 28]

 قال تعالى:

﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾

[سورة النجم: 23]

 وكأنّ في هاتين الكلمتين الموجَزَتَين، كأنّ في هاتين الكلمتين وصفًا، دقيقًا لما هم عليه البشر في عصور التخلّف الدِّيني، يتَّبعون الظنّ، ويتّبعون الهوى، هواهم يقودهم إلى المهالك، والظنّ يقودهم إلى المهالك، وإنّ هذا العلم دين فلينظر أحدكم عمّن يأخذ دينه، ابن عمر دينك دينك، إنّه لحْمك ودمك، خُذْ عن الذين استقاموا، ولا تأخذ عن الذين مالوا، الوَهْم مرفوض، وهو القول المرجوح، والشكّ مرفوض، والظنّ مرفوض، ولا يُقبل في عقيدة الإنسان إلا اليقين القطعيّ.
 يا أيها الإخوة المؤمنون، الله سبحانه وتعالى يأبى إلا أن يكون إيمان المؤمن مبنيًا على البرهان، على البرهان القطعي، قال تعالى:

﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾

[سورة محمد: 19]

 قال تعالى:

﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾

[سورة البقرة: 111]

 قال تعالى:

﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾

[سورة المؤمنون]

 آيات أفلا يعقلون، أفلا يتفكّرون، أفلا ينظرون لا تُعدّ ولا تحصى، لذلك قال بعضهم: العقل أداة معرفة الله عز وجل، والدّين بالنّقل، والعقل لِفَهم النّقل.
 يا أيها الإخوة الأكارم، يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾

[سورة سبأ: 46]

 يعني هذه الدعوة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلّم تفكروا فيها، تأملوا فيها، قلّبوها على وُجوهها دقّقوا فيها، محّصوا فيها، تبيّنوها، أما أن نفهم الأُمور هكذا، هذا ليس من شأن المسلم، وليس من شأن المؤمن، قال تعالى:

﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾

[سورة سبأ: 46]

 أما أن يكون الإنسان في الحياة مستهلكًا، تستهلكه الحياة والمشاغل، يفعل أعمالاً لا يدري ماذا يفعل، لماذا هو في هذا المكان ؟ لماذا هو في هذا الحفل ؟ لماذا هو مع فلان ؟ لماذا يقول هذا الكلام ؟ هذا ليس من شأن المؤمن العاقل، الذي يأبى أن يكون تبعًا لأحدٍ، ويأبى أن يكون إمّعة، ويأبى أن يعيش على هامش الحياة، قال تعالى:

﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾

[سورة سبأ: 46]

 يا أيها الإخوة المؤمنون، ما دام الله سبحانه وتعالى يَدعونا إلى التفكّر فلأنّ الحق لا يخشى البحث، اِبْحَث ما شئت، لن تصل إلا إلى الحق، الذي جاء به القرآن الكريم، الحق لا يخشى البحث، والحق لا يقوم على الكذب، والحق لا يقوم على المبالغة، والحق لا يقوم على طمس الحقائق لذلك عدَّ بعضهم التفكير فريضة إسلاميّة، بل عدَّ بعضهم التفكير عبادةً من أرقى العبادات.
 أيها الإخوة المؤمنون، العقيدة يجب أن تقوم على العلم، لا على التسليم الأعمى، الدليل قوله تعالى:

﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾

[سورة محمد: 19]

 واعلموا أن الله شديد العقاب، وأنّه غفور رحيم، واعلموا أنّ الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه، واعلموا أنّ الله غفور حليم، قال تعالى

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾

[سورة الطلاق]

 لا لِتقولوا، لا لِتُقلّدوا، لا تتّبعوا، لِتَعلموا.
 يا أيها الإخوة الأكارم، لذلك لمْ يخش القرآن الكريم عواقب النّظر، والتفكّر، والعلم، لماذا ؟ لأنّ القرآن الكريم كلام الله عز وجل، وكلامه حقّ لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه.
 يا أيها الإخوة الأكارم، الحق لا ينقض الحقّ، واليقين لا يعارض اليقين، وصحيح المنقول، لا يمكن أن يعارض صريح المعقول، والمعقول غير الصحيح قد يناقض المنقول الصحيح، والمنقول غير الصحيح قد يناقض المعقول.
 يا أيها الإخوة الأكارم، قد يظنّ، أو قد يُظَنّ ما ليس من الدِّين دينًا، وقد يُظَنّ ما ليس من العِلْم علمًا، ليس كلّ أفهام أهل الدِّين دينًا، وليْسَت كلّ نظريات أهل العلم علمًا، تطابق عجيب، وتطابق تامّ، مئة بالمئة بين الحقائق القطعية في العلم، وبين الحقائق التي جاء بها الدِّين، هذا الذي يقول: العلم شيء، والدِّين شيء، هو إنسانٌ جاهل، هذا الذي يقيم ازدواجيّة في الحياة، هذا ما يقوله الدِّين، وهذا ما يقوله العلم، كلامٌ لا معنى له، العلم مجموعةٌ من القواعد، من العلاقات الثابتة بين الأشياء هذا تعريف القانون، المقطوع بصحّتها، التي يؤكّدها، والتي عليها دليل، العلم إدراك الشيء على ما هو عليه بدليل، والدّين كذلك، الدِّين جاء من عند الله مقنّن قوانين الكون، خالق الكون هو الذي أنزل هذا الكتاب، لذلك لا يمكن أن يتناقض صريح المعقول، مه صحيح المنقول، مستحيل ‍، ولكن كما قلت قبل قليل، ليس كلّ أفهام أهل الدِّين دينًا، هناك الانحرافات وهناك الخزعبلات، وهناك الأوهام، وهناك الأحاديث الموضوعة، والأحاديث الضعيفة، ليس كلّ أفهام أهل الدِّين دينًا، وليست كلّ نظريّات أهل العلم علمًا، الدِّين الحقّ لا يناقض العلم الصحيح.
 أيها الإخوة الأكارم، ليس هناك تناقض بين العلم والدِّين، العلم في خِدمة الدِّين، والدِّين يُفسحُ مجالاً للعلم، إنَّهما أخوان متعاونان.
 أيها الإخوة الأكارم، بل غير ذلك، القرآن يعدّ العلم سبيلاً إلى الإيمان، ودليلاً عليه، قال تعالى:

﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾

[سورة الحج: 54]

 متى آمنوا به ؟ بعد أن علموا أنّه الحقّ من ربّه، قال تعالى:

﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾

[سورة الحج: 54]

 إخبات القلب خشوعه، فتُؤمن فتخشَع، تفكّر فتؤمن فترضى، تفكّر فتؤمن فتسعد، قال تعالى:

﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾

[سورة الروم: 56]

 ولكن أيّها الإخوة الأكارم، هناك علمٌ بالله، وهناك علمٌ بأمره، وهناك علمٌ بِخَلقه، هناك علم الحقيقة، وهناك علم الشريعة وهناك علم الخليقة، أما العلم الذي تعارف الناس عليه اليوم علمُ الخليقة العلم بِمَخلوقات الله عز وجل، هذا العلم يُعينُ الإنسان على الحياة، يُيَسّر له سبلها، يختصرُ له الزمان، ويطوي له المكان، يقرّب له البعيد، يليّن له الحديد، لكنّ هذا العلم المادّي، العلم بالخليقة، العلم بالحوادث، بالظواهر الماديّة، لكنّ هذا العلم وحدهُ، دقّقوا في ما أقول: لا يستطيعُ إسعاد البشر، كما لا يمكن وحدهُ أن يضبط سيْر البشر، لا يُسعد البشر، ولا يستطيع أن يضبط سُلوكهم، ولا يستطيع هذا العلم المادّي أن يقاوِمَ أنانيّة الإنسان، ونزعات نفسه الأمارة بالسوء، لهذا كان لا بدّ للإنسان من العلم بالله، والعلم بأمره، لا بدّ من أن يعرف الله، ولا بدّ من أن يعرف أمره، لا بدّ من العلم بالله وبأمره، ولا بدّ من علم الحقيقة، وعلم الشريعة، علمُ الحقيقة أصلٌ في معرفة الله تعالى، وعلم الشريعة أصلٌ في عبادته، العلم بالله، والعلم بأمره، أُسّ الفضائل، أساس الفضائل، لِجام الرذائل، قِوام الضمائر، سنَد العزائم في الشدائد، بلْسَمُ الصّبر عند المصائب، عماد الرّضى والقناعة، نور الأمل في الصّدور، سكَن النّفس إذا أوْحشتْها الحياة، عزاء القلوب، إذا نزل الموت، أو قربَتْ أيّامه، العروة الوثقى بين الإنسانيّة، وبين مُثلها، هذا هو العلم بالله، وهذا هو العلم بأمره، قد تنالُ أعلى الدرجات العلميّة من العلم المادّي، وتبقى النفس هي هيَ، لا تسمو، أما إذا عرفت الله تعالى، وعرفْتَ أمرهُ فعبدتهُ تسْمو نفسك.
يا أيها الإخوة المؤمنون، العلم الحقّ هو الذي يهدي إلى الإيمان، العلم إذا وصلَ بك إلى الإيمان فهو علمٌ صحيح ؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى جعَلَ العقل ميزانًا، وجعل الشّرع ميزانًا على الميزان، فإذا أعْملت عقلك، وانتهى عقلك إلى أن تؤمن بالله، فميزانك صحيح، لأنّ ميزانك طابق ميزان الشريعة، فكلّ من ألقى من يده لحظةً ميزان الشريعة هلَكَ، قال:
أحبابنا اختاروا المحبّة مذهبًا وما  خالفوا في مذهب الحبّ شرعًا
 فالعلم الحقّ هو الذي يهدي إلى الإيمان، والإيمان الحقّ هو الذي يفسحُ مجالاً في العلم، إنّهما شريكان متفاهمان، وأخوان متعاوِنان.
 أيها الإخوة المؤمنون، هذا هو العلم الذي يريده الإنسان، علمٌ في ظلّ الإيمان، علمٌ في خدمة المثل العليا، والدليل على ذلك قوله تعالى:

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾

[سورة العلق]

 أوّل آيةٍ نزلت في القرآن الكريم، القراءة عنوان العلم، القراءة مفتاح العلم، القراءة مصباح العلم، الأمرُ اقرأ باسم ربّك الذي خلق، ليسَت القراءة مطلقةً،

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾

 يا أيها الإخوة المؤمنون، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((المؤمنُ القويّ خير من المؤمن الضعيف...))

 القوّة أضافها النبي إلى المؤمن، فإن كانت مطلقةً فهي شرّ خطير، وشرّ مستطير، من يلجمها ؟ من يضبطها ؟
 أيها الإخوة الأكارم، حينما يستخدم العقل لِصُنْع شيءٍ يُدَمِّر الإنسان، يدمّر إنسانيّته، يدمّر أخلاقه، يدمّر وُجودهُ، أهذا هو العلم ؟ يجبُ أن يكون العلم في خدمة الإيمان، النبي عليه الصلاة والسلام دعا ربّه فقال:

((اللهمّ إني أعوذ بك من علمٍ لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن عين لا تدمع، ومن أذن لا تسمع، وأعوذ بك من هؤلاء الأربع))

 أيها الإخوة الأكارم، أحد العلماء ألّف كتابًا، يظنّه كتابًا عظيمًا، قال: ألَّفْتهُ وأُعْجبتُ فيه، فينما أنا ذات يومٍ أنظرُ فيه مستحسِنًا، إذْ دخل عليّ شاب، هذه اللّقطة من أجل أن تؤكّد أنّ فوق كلّ ذي علمٍ عليم، دخل عليّ شابّ عليه ثيابٌ رثّة فسلَّم عليّ وقال: يا أبا عبد الله، المعرفة حقٌّ للحقّ على الخلق أو حقّ للخلق على الحقّ ؟! فقلتُ له: الحقّ الخلق للحقّ، فقال: هو أولى أن يكشفها لِمُستحقّها، فقلت: إذًا حقّ للحق على الخلق، فقال: هو أعدل من أن يظلمهم، فقال: هذا الشاب ألجمني وأوقعني في حَيرة ! يعني العلم له بداية، ولكن ليس له نهاية، والعلم هو الذي يرفع الإنسان وحده، القيمة المرجّحة الوحيدة التي اعتمدها القرآن للترجيح بين خلقه هي العلم فقط، هناك قِيَم تواضع الناس على أنّها أساس التفاضل ؛ المال، الذكاء، القوّة، الوسامة، الصحّة، هذه القيَم تعارف الناس على أنّها قيمُ التفاضل بين الخلق، ولكنّ القرآن الكريم لمْ يعتمد إلا قيمةً واحدة ليس غير ؛ إنّها قيمة العلم، قال تعالى:

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾

[سورة الزمر]

 أيها الإخوة المؤمنون، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطّى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذرنا، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

***

 الخطبة الثانية

 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليّ الصالحين، وأشهد أنّ سيّدنا محمَّدًا عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 أيها الإخوة الأكارم، أُذكّركم بما قلته في الخطبة الثانية في الأسبوع الماضي من أنّ الله سبحانه وتعالى قال:

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾

[سورة الملك: 19]

 فالطير في السماء آيةٌ دالة على عظمة الله سبحانه وتعالى، والقرآن الكريم يأمرنا أن نفكّر في هذه الآية، وقد حدّثتكم في المرة الماضية عن ريش الطائر، وكيف أنّ هذا الرّيش يُعدّ معجزة، وهو أساس طيران الطائر، واليوم أُضيف إلى ذلك أنّ هذا الطائر الذي يطيرُ ساعات طويلة، بعض الطيور يطيرُ ستًّا وثمانين ساعة من دون توقّف، هذا الجُهد العالي يحتاج إلى تدريبٍ فعّال، الطائر لا يتعرّق، يبذل جهدًا عاليًا في الطيران، هذا الجهد العالي يحتاج إلى تبريد، لذلك الله سبحانه وتعالى خصَّ الطائر برِئَتين صغيرتين، لكنّ معهما أكياسٌ هوائيّة موزَّعةٌ في كلّ جسم الطائر، بل إنّ أكياس الهواء تتخلخلُ في عِظامه، بل إنّ أكياس الهواء تصل إلى أظلافه، من أجل تبريد فعال لهذا الجهد العالي، هذا ممَّا خصّ الله به الطائر.
 شيءٌ آخر، هذا الطائر أين رزقهُ ؟ رزقه في الأرض، فهو يطيرُ في أعلي الجوّ، فإذا كان بصرهُ ضعيفًا لا بدّ من أن ينزل إلى الأرض، إما أن يرى رزقهُ، وإما أن لا يراه، فيعود للطيران ثانيةً، إذًا هو بحاجةٍ إلى بصر حادّ، وهو في أعلي الجوّ يرى رزقهُ على الأرض، لذلك من الشيء الذي يلفت النّظر أنّ الطيور أقوى قدرةً على الإبصار من الإنسان، إنّ الطيور تملكُ عيونًا حادّة، فاعليّة رؤيتها تزيدُ عن فاعليّة رؤية الإنسان ثماني مرّات، فبعضُ أنواع الطيور، يرى الجيفة على ارتفاع ألفي متر اثنان كيلو متر، يراها واضحةً، بعض أنواع الطيور يرى البيضة على الأشجار تحت الأوراق، بعض أنواع الطيور يرى السمكة في الماء، وهو في أعالي الجوّ ؛ الغطاسّ.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS