2293
التفسير المختصر - سورة النور (24) - الدرس (06-10) : تفسير تتمة الآية 32
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1995-06-18
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيُّها الأخوة الكرام، فالآية الثانيةُ و الثلاثون من سورة النور، وهي قوله تعالى:

﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)﴾

[سورة النور]

 سألني أحدُ الإخوة البارحة بعد نِهايَةِ الدَّرس عن معنى كلمة الأيامى ومِن أدَقِّ معاني هذه الكلمة، وهي أنَّ الأيامى جَمْعُ أيِّم، والأيِّمُ هو الشَّخْص - ذَكَرتُ شَخْصًا لأنَّه يعني ذَكَرًا أو أُنثى - الذي لا طرف آخر له أعْزَبَ كان أو مُتَزَوِّجًا، أي فتاةً غير مُتَزَوِّجة أو فتاةً مُتَزَوِّجة ثمَّ طُلِّقَت، ولا زوْجَ لها، أو شابٌّ أعزبُ غير مُتَزَوِّج أو رجلٌ تزوَّج ثمَّ أصبَحَ دون تلك الزَّوجة، فأيُّ شَخْصٍ ليس له طرفٌ آخر وليس له نِصْف آخر، فهو أيِّم، فهذه الآية شامِلَة جدًّا:

﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)﴾

[سورة النور]

 بعض الأدْيان ابْتَدَعَ رِجالها الرَّهْبَنَة، وترْكَ الزَّواج، قال تعالى:

﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَامَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا﴾

[سورة الحديد]

 هم حينما كَتَبوها على أنفسِهِم أرادوا منها إرْضاء الله عز وجل، فالله هو الخالق، وهو الذي جَعَلَ هذا الدافِعَ مُتَغَلْغِلاً في أعْمَقِ قِيَمِ الإنسان وهذا لا يتناقَض مع أن تكون إنسانًا عظيمًا أو مُخْلِصًا أو مؤمنًا فالحاجة إلى الطَّرَف الآخر أودِعَت في أعْمَق أعماق كِيان الإنسان فالأنبياء تَزَوَّجوا، وكذا الصَّحابة الكِرام وهذا شيءٌ مِن سُنَّة الله تعالى في خلْقهِ، لذلك أشغاله فلابدّ مِن أن ينْصَرِف إلى طريق آخر غير مَشْروع، فدائِمًا إذا اتَّسَعت مساحة الزَّواج المَشْروع تضاءَلَتْ مساحة الزِّنا، وإذا ضاقَتْ مساحة الزواج المَشْروع تواسَعَت مساحة الزِّنا ولا سيما في عصْر الفتنة، والتَّفلُّت، ولا سيَما في زَمَن ضَعْف الإيمان وشَهَوات مُسْتَعِرَة، وكلّ شيءٍ يتحدَّث عن الجِنْس، الأزياء الفاضِحَة التي يُصَمِّمُها اليهود لِكَي يُفْسِدوا بناتِنا، ولذا كان للفقهاء حُكْمٌ في الزَّواج، فقالوا: مَن تاقَتْ نفْسُهُ للزَّواج وخَشِيَ على نفْسِهِ العنت فالزَّواجُ بِحَقِّهِ فرْضٌ كالصلاة، بل هو مُقَدَّم على فريضة الحج، ومن كانتْ حالتُهُ من دون الزَّواج مُتوازِنَة فهو في حقّهِ مُباح ومن لم يكن مُؤمنًا، وكان ممكنًا أن يظلِمَ زوْجتَهُ، أو أن يُفْسِدَها فهو في حقِّهِ مَكروه، أما السفيه فَزَواجُهُ مُحَرَّم لأنَّه سفيهٌ لِوَحْدِهِ فإذا تزوَّجَ أجْرَمَ بِحَقِّ الطَّرف الآخر.
 الآية التي بعدها، وهي قوله تعالى:

﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾

[سورة النور]

 كنتُ أضْربُ مثلاً في باب الرِّزق، تُفاحةٌ نَمَتْ في غصْنٍ في أحَدِ البساتين، ففي علم الرِّزق هذه التُّفاحة لِفُلان، قال تعالى:

﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ(23)﴾

[سورة الذاريات]

 فمادام هذا الفم مَفتوح له عند الله تعالى رِزْق ولكنَّ هذه التُّفاحة طريق الوُصول إليها مُتَعَدِّد بِحَسَب اخْتِيار الإنسان، فلَكَ أن تَصِل إليها شِراءً ولك أن تصِل إليها هَدِيَّةً، أو سرِقَةً، أو ضِيافةً، أو تسوُّلاً، لذلك الدُّعاء الشريف:
 عَنْ عَلِيٍّ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّ مُكَاتَبًا جَاءَهُ فَقَالَ إِنِّي قَدْ عَجَزْتُ عَنْ كِتَابَتِي فَأَعِنِّي قَالَ أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ عَلَّمَنِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلِ صِيرٍ دَيْنًا أَدَّاهُ اللَّهُ عَنْكَ قَالَ قُلِ:

(( اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ))

[رواه الترمذي]

 وما مِن شَهْوةٍ على الإطلاق أوْدَعَها الله في الإنسان إلا وَجَعَلَ لها قناةً نظيفةً ومُريحَة، تفْعَلُها وأنت في أعلى درَجَات القُرْب وتفْعَلُها وأنت في أعلى درجاتِ التَّألُّق ؛ لأنَّها وِفْق المنْهَج، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ(5)إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِي﴾

[سورة المؤمنون]

 وقد ورَدَت في بعض الآيات كلمةٌ رائِعَة، قال تعالى:

﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ(86)﴾

[سورة هود]

 فما معنى بَقِيَّة الله ؟ هناك نساءٌ على عرْض الطريق، مَن بقِيَ لك منهنّ تَحِلُّ لك ؟ زوْجَتُكَ ؛ هذه بَقِيَّة الله، وهناك أموال لا تُعَدُّ ولا تُحْصى، فأيُّ الأموال المَشْروعَة التي بَقِيَتْ لك ؟ هي الأموال التي تكْسِبُها عن طريق مَشْروع، بَقِيَ لك مِن أنواع المال ؛ المالُ الحلال ومِن النِّساء الزَّوْجة، ومِن العُلُوّ في الأرض أن تكون طائِعا لله، فهو تعالى يرْفَعُ قدْرَكَ وذِكْرَك، فالذي بَقِيَ لك هو الذي شَرَعَهُ لك.
 الآن قوله تعالى:

﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾

[سورة النور]

 فالإنسان إذا صَبَر، ولِكُلّ شيءٍ أوان، فَمَن تعجَّل الشيء قبل أوانِهِ جوزِيَ بِحِرْمانِهِ فما أجْمل في الإنسان أن يقْضِيَ حاجاتِهِ التي أوْدَعَها الله فيه وِفْق ما يُرْضي الله، وما أحْمَقَ الإنسان حينما يتعجَّل فيقْضي حاجاتِهِ فيما يُغْضِبُ الله، لذلك قال تعالى:

﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33)﴾

[سورة النور]

 سأسْألكم هذا السُّؤال: لو أنَّ بالأرض هناك مليار ومائتان مسلْمٍ، فهل تُصَدِّقون أنَّ مُسْلِمًا واحِدًا يُكْرِهُ فتاتَهُ على البِغاء ويأكُلَ مِن زِناها ؟! فما معنى الآية؟ هذه الآية مُوَجَّه إلى المؤمنين، أَيُعْقل أن تقول لإنسانٍ وعالِمٍ جليل: إيَّاك أن تُكْرِه فتاتَكَ على البِغاء ؟! هذا لا يدْخُل في حِساباتِهِ كَمُسْلِم ! ولكنّ العلماء حَمَلوا هذه الآية على المعنى التالي: حملوا هذه الآية أنَّ الإنسان إذا تقَدَّم لابْنَتِهِ خاطِب، ولم يُوافِق الأب تَعَنُّتًا أو كِبْرًا أو ينتظِرُ مَن هو أفْضَل، أو مَن هو أغْنى، فَمَن فعَلَ هذا فكأنَّهُ قوَّى عُنْصر الشَّهْوة في ابنِهِ، فإذا زلَّتْ قَدَمُها فَهُوَ السَّبب، فَهُوَ ما أراد ذلك ولكنَّه أرْغَمَها على الزِّنا بِطَريقة أخرى، فلو أنَّ لك ابنًا يعْمل في مَحَلِّك، ولا تُعْطيهِ ولا دِرْهَمًا، وتقول له: لا تأخذ شيئًا فأنت تأكل في المنزل ما تريد !! فأنت حينما تحْرِمُهُ أن يسْحَب مِن الصُّندوق دخْلاً مَشْروعًا سوف يُفَكِّر مِن وراءِ ظَهْرِك، فَكُلّ مَن يُحْرم بعد الحِرمان فالذي حرمهُ له إسْهام كبير في ذلك، والآية عميقة جدًّا ولها مَدْلول بعيد، فلا يوجَد أبٌ على وَجْه الأرض يُكْرِهُ فتاتَهُ على الزِّنا ! ونحن نقول: مسْلم والحالات الشاذَّة هذه تخرج عن النِّطاق فالأب المُسْلِم مُسْتحيل أن يُكْرِهَ فتاتَهُ على الزِّنا، أما حينما يتعنَّت الأب ويرْفض عَشَرات الخُطَّاب الصالحين المؤمنين لِغايَةٍ في نفْسِ يعْقوب فإذا زلَّت قدمُ إحْدى فتياتِهِ فهو السَّبَب، فالابن الذي يقول لأهْلِهِ زوِّجوني، ثمَّ يرى إعراض أهلهِ عنه، ويقولون له: لا تزال صغيرًا أو دَعْكَ مِن هذا الأمر الآن !! فهؤلاء إن ارْتَكَب ابنهم شيئًا فهُم السَّبب ! كَمَن يشْتغل عندك وتُعطيه ألف وخمسمائة شهْريًا في هذا العَصر وأنت ترْبح عشرة آلاف باليوم، فإذا سرقَكَ فأنت السَّبب لأنَّك قوَّيْتَ فيه عُنْصر أكل المال الحرام، ففي الآية تَوْجيه للأباء لطيف جدًّا فيَجِبُ أن تشْعُر بِحاجَة ابْنِكَ وابْنَتِكَ.
 أعرفُ رجلاً تَقَدَّم لِخِطْبة ابنِهِ عشرة خُطاب مِن أعلى مُسْتوى فكان الجواب الرَّفض، وفجْأةً هرَبَتْ ابنَتُهُ مِن البيت مع شاب أقلّ مِن هؤلاء الخُطَّاب بمائة مرَّة !! واخْتَفَت، ثمَّ جاءَتْهُ مُخابرة من والدِه ووضَعَهُ تحت الأمر الواقِع ! لماذا هرَبَتْ ؟! لذلك الآية الكريمة:

﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33)﴾

[سورة النور]

 حينما يتعنَّتُ الأب فإنَّهُ يُقَوِّي عُنْصر الشَّهوة في البنت أو الابن، فهذه الآية مِن أدقِّ الآيات المُتَعَلِّقة بالزَّواج، والإنسان ليس له الحق أن يُقَوِّي عُنْصر الشَّهوة في ابنِهِ ولا في ابْنَتِهِ حينما يقِفُ مُتَعَنِّتًا، ويَضَعُ شرْطًا تَعْجيزيًّا في تزْويج ذُرِيَّتِهِ وطبْعًا هذا المعنى المُوَسَّع.
 قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (34)﴾

[سورة النور]

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS