7089
ندوات تلفزيونية – قناة سوريا الفضائية – الايمان هو الخلق – الدرس (84-95) - مقومات التكليف : الأسرة ـ أسباب الشقاق الزوجي ـ حرمان المرأة من الميراث
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2007-10-29
بسم الله الرحمن الرحيم

الأستاذ علاء :

ترحيب :

الإيمان هو الخلق ، يسعدنا أن نكون بمعية فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة ، أهلاً سيدي الأستاذ .
الدكتور راتب :

أهلا بكم أستاذ علاء ، جزاك الله خيراً .
الأستاذ علاء :

تذكير :

وإياكم ، سيدي الكريم ، في حلقات سابقة تحدثنا عن موضوع هام ، وعن موضوع يعتبر من آفات المجتمع ، هذا الموضوع يتعلق بالكيان الصغير للمجتمع الذي يتشكل المجتمع من خلال تكراره ، هذا الكيان هو الأسرة .
الدكتور راتب :

وفي سلامته سلامة المجتمع .
الأستاذ علاء :

وجعل بينكم مودة ورحمة
وفي اهتزازه يهتز المجتمع ، تحدثنا عن الشقاق الزوجي ، وأسباب الشقاق الزوجي ، ومررنا على مجمل الموضوعات التي كانت من أسباب الشقاق الزوجي ، منها الجهل ، ومنها ضعف الإيمان ، ومنها التعالي ، ومنها سوء التصرف ، ومنها عدم الكفاءة بين الزوجين ، الله عز وجل يقول :

﴿ وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾

(سورة الروم)

لتحقيق هذه الآية ، ومعاني هذه الآية لا بد من حاضنة ، هذه الحاضنة تستوعب الأسرة المكينة ، والأسرة التي فيها المودة والرحمة ، وكنت قد تحدثت عن هذه المسائل في حلقات سابقة ، نود أن نكمل في أسباب الشقاق الزوجي ، كل ذلك تبيانا للأزواج كي يحيدوا عن هذه الأخطاء التي تعصف بكيان الأسرة .
الدكتور راتب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين .

لابد من النجاح الشامل لجميع نواحي الحياة :

النجاح الحقيقي هو نجاح متكامل
أستاذ علاء ، جزاك الله خيراً ، لا بد من تاج تنضوي فقرات هذا اللقاء الطيب تحته ، وهو أنه ليس في العلم الاجتماعي ولا علم النفس ما يسمى بالنجاح الجزئي ، هو ليس نجاحاً ، فما لم تنجح في علاقتك بالله أولاً ، وفي علاقتك بزوجتك وأولادك ثانياً ، وفي علاقتك بعملك ثالثاً ، وفي علاقتك بصحتك رابعاً فإن أي خلل في هذه البنود الأربعة ينسحب على البنود الثلاثة ، فلا يمكن أن يكون هناك خلل في أحد هذه البنود إلا وينسحب على بقية البنود ، فذلك أنا أريد أن أؤكد للإخوة المشاهدين أنه لا يمكن أن تكون ناجحاً إذا كنت متألقا في عملك ، ولست ناجحاً في بيتك ، أو أنك ناجح في البيت وفي عملك ضعيف ، أو ناجح في البيت والعمل ، وعلاقتك مع الله ليست كما ينبغي ، أو ناجح في الثلاثة وتهمل صحتك .
الأستاذ علاء :

إذاً هي أربعة بنود للنجاح .
الدكتور راتب :

لا بد من نجاح شمولي ، بل إن النجاح الجزئي لا يسمى نجاحاً ، فقد يذهب إنسان إلى بلد بعيد ليجمع أموال طائلة ، ويهمل زوجته وأولاده ، فالابن يربى في الطريق ، والزوجة من بيت إلى بيت ، يعود وقد رأى أسرة مهدمة ، إذاً : لم ينجح ، ولو جاء معه بالأموال الطائلة .
أريد أن أبين أن النجاح لا يتجزأ ، النجاح شمولي ، لذلك قضية الأسرة أحد أركان النجاح العام من النجاح أن يكون بيت المؤمن فيه راحة وسكينة
ولأن البيت مكان فيه سكينة ، فيه راحة ، كل ضغوط الحياة ، كل متاعب الحياة ، كل إشكالات الحياة ، كل المشكلات التي يئنّ منها الإنسان خارج البيت إذا دخل إلي بيته ، وكان مرتاحاً مع زوجته فهذه الراحة تمتص كل هذه الهموم ، أما إذا جاء إلى البيت ، وبدأت المشكلات ، وخرج من البيت ، وبدأ المشكلات فهذه الحياة لا تطاق ، هي جحيم لا يطاق ، لذلك سمى الله عز وجل الزوجة سكناً ، قال تعالى :

﴿ وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا ﴾

(سورة الروم)

الحقيقة الأولى : ليس هناك نجاح جزئي ، الإنسان لا يتبجح بنجاحه في عمله ، وبينه وبين زوجته ما صنع الحداد ، لا يتبجح أنه نجح في عمله ، وأولاده ليسوا كما ينبغي ، لا يتبجح بنجاحه في عمله ، وعلاقته مع الله ليست كما ينبغي ، لا يتبجح بنجاحه في عمله ، وصحته تعاني ما تعاني .
أنا أتمنى أن نقتنع أنه لا بد من نجاح شمولي ، والأسرة أحد أركان هذا النجاح ، هذا تاج تحته بنود .
لابد من مقدمة ، الإله العظيم خالق السماوات والأرض والخبير ، العليم ، الرحيم ، الحكيم :

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

( سورة فاطر )

الحرمان من الميراث سبب من أسباب الشقاق الزوجي :

حرمان البنات من الإرث تصرف جاهلي ويدل على أفق ضيق
والإنسان أعقد آلة في الكون ، ولهذه الآلة المعقدة تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز صانع حكيم ، له تعليمات التشغيل والصيانة ، فالجهة الوحيدة التي ينبغي أو يجب أن نأخذ بتعليماتها هي الجهة الصانعة ، لأنها الخبيرة ، فالخبير تولى بذاته العلية توزيع الميراث ، ولم يسمح لنبيه المعصوم المخلوق المكرَّم أن يوزع الميراث ، فهناك أسر لا تعد ولا تحصى تريد أن تحرم البنات ، بسلوك جاهلي ، بسلوك ينمّ عن أفق ضيق ، أن الثروة تذهب إلى الأصهار ، هذا الصهر زوج ابنتك ، هو أقرب الناس إليها ، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم حينما سئل : مَن أعظم الرجال حقاً على المرأة ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم : زوجها ، فلما سئل : من أشد النساء حقاً على الرجل قال : أمه .
إن الأسر التي تريد أن تحرم البنات الميراث بطريقة أو بأخرى ، بوكالة ، بتفويض ... والزوج الذي يرى أن امرأته التي هو وهبها كل شيء لا تهبه شيئاً ، وأهلها حرموه من كل شيء ، هنا تبدأ المشكلة ، هي تبدأ أولاً من أهل الزوجة ، وهناك أزواج آفاقهم ضيقة ، وقد يكونون في ضعف مادي شديد .
الأستاذ علاء :

تسمح لي خاصة في بعض القرى حيث الميراث يكون أرضاً زراعية ، ويخشى أن تذهب هذه الأرض إلى الغريب ، إلى عائلة الصهر ، وتحرم البنت من حقها ، وبالتالي هذا تعدٍّ على حق الله ، هنالك بعض المناطق تقوم بهذه الأفعال جهلاً وتعدياً على حق الله عز وجل .
الدكتور راتب :

حرمان البنات من الميراث عنصرية مقيتةٌ :

كل إنسان يضع نفسه فوق الآخرين عنصري
أستاذ علاء ، أنا لي رأي دقيق : أن البشر جميعاً على أعلى مستوى ، على مستوى دول عظمى ، وعلى مستوى أفراد ، إما أن يكونوا إنسانيين أو عنصريين ، فالرجل الذي يرى أن أصهاره دونه ينبغي ألا يأخذوا شيئاً عنصري ، والزوج الذي يرى له ما ليس لزوجته عنصري ، وكل إنسان يضع نفسه فوق الآخرين فهو عنصري ، بل إن دولاً عظمى حينما تخص نفسها بميزات ولا تسمح لأحد أن ينالها فهي جهة عنصرية ، بل إن كل جهة تعامل الآخر بخلاف ما تعامل الأقرب هي عنصرية ، فلذلك حينما الأب يحرم بناته من حقهن في الميراث فهو أب عنصري ، لا ينتمي إلى منهج ، ولا إلى قيمة ، ولا إلى تشريع سماوي ، ولا إلى وحي سماوي ، ينتمي إلى مزاجه الشخصي ، فلذلك القضية تبدأ من أولياء الزوجات ، وتنتهي شقاقاً ، وقد يودي إلى الطلاق ، وأنا عندي مئات القصص التي رفعت إلي لحل هذه المشكلة ، سببها أن أهل الزوجة يريدون ألا يعطوا صهرهم شيئاً ، فبأسلوب أو بآخر يحتالون ، أما الحديث الذي يقصم الظهر :

(( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ وَالْمَرْأَةُ بِطَاعَةِ اللَّهِ سِتِّينَ سَنَةً ، ثُمَّ يَحْضُرُهُمَا الْمَوْتُ ، فَيُضَارَّانِ فِي الْوَصِيَّةِ ، فَتَجِبُ لَهُمَا النَّارُ ))

[ الترمذي ]

هذا العمل يحبط أعمال الإنسان كلها .
أستاذ علاء ، هنا ملمح دقيق جداً قالته السيدة عائشة لرجلٍ ممن عاصرها من أصحاب رسول الله بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، قالت : << قولوا لفلان أنه أبطل جهاده مع رسول الله >> .
وأنا أقول الآن ، وأنا أعني ما أقول ولا أبالغ فيما أقول : هناك أعمال يقترفها الإنسان فيها ظلم ، والله تلغي صلاته وصيامه وحجه وزكاته وإيمانه بالله .

كلمة ( الله أكبر )وكلمة التوحيد بين لسان الحال ولسان المقال :

المشكلة أستاذ علاء أن الإنسان له لسان قال ، وله لسان حال ، نحن قريبو عهد من عيد الفطر السعيد ، ومن السنة وفي القرآن الكريم :

﴿ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)﴾

( سورة البقرة )

فكلمة ( الله أكبر )يلفظها مليار وخمسمئة مليون صبيحة أحد العيدين ، اللسان يقول : الله أكبر ، الآن الذي يغش الناس ، ويحقق ربحاً كبيراً ، غشهم قد تكون مادة غذائية مسرطنة ، قد تكون مادة غذائية انتهت صلاحيتها ، قد تكون مادة لا تصلح للاستخدام البشري ، قد تكون مادة لها مشكلات كبيرة ، سمون غير مهدرجة ، غير مشبعة ، أو مشبعة .
الأستاذ علاء :
أو يريد أن يحتكر ليزيد في السعر .
الدكتور راتب :
من يبني ثروته على إضرار الناس كأنه ما قال: الله أكبر
أنا أقول ولا أبالغ ، وأعد هذا جزءًا من الدين : الذي يبني ثروة على أنقاض الناس ، على أنقاض صحتهم ، والله ما قال : الله أكبر ، ولا مرة ، ولو رددها بلسانه ألف مرة ، لسان حاله يرى أن هذا المال الذي كسبه من هذا الغش أكبر من الله ، هذا لسان الحال ، رأى أن هذا المبلغ إذا حققه ، وأساء إلى صحة الناس أكبر من الله ، ولما يبيع إنسان دواء انتهى مفعوله ، ويحك مكان التاريخ ، والدواء يؤذي تفكك فهذا يبني ربحاً على مضرة الآخرين ، والله ألغى صلاته وصيامه وحجه وزكاته ، والله ألغى كل كلمات الإسلام ، ألغى كلمة : الله أكبر ، هذا الذي يطيع زوجته في معصية كبيرة ، لسان قالِه يوم العيد يقول : الله أكبر ، مع المصلين ، أما لسان حاله يرى أن إرضاء زوجته أكبر من إرضاء الله عز وجل ، ما قال : الله أكبر ، ولا مرة ، ولو رددها بلسانه ألف مرة .
مشكلتنا مع هذه الكلمات الكبرى في الإسلام ، لا إله إلا الله ، وتعني لا معطي ولا مانع ، ولا معز ولا مذل ، ولا ناصر ولا حافظ ، ولا مؤيد إلا الله ، فإذا توجه الإنسان إلى غير الله ، ونسي الله ، وأرضى غير الله بمعصية الله فما قال : لا إله إلا الله ، ولا مرة ، ولو رددها بلسانه ألف مرة ، هذه الكلمات الكبرى فرغت من مضمونها ، وأصبحت كلاما يردَّد لا معنى له ، فلذلك هذا الكمّ الكبير من المسلمين ، مليار وخمسمئة مليون ليسوا كما ينبغي ، ليس أمرهم بيدهم ، وللطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل ، هذا شيء مؤلم جداً ، .

وعودُ الله وشرط تحقُّقها :

إليكم الحقيقة المُرّة التي هي أفضل ألف مَرّة من الوهم المريح : والله إنه من سابع المستحيلات ، و والله لزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين ، فإذا قال الله عز وجل :

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي (55)﴾

( سورة النور)

الشرط : يعبدونني ، فإذا أخل الطرف الآخر فيما عليه من واجبات فالله عز وجل في حل من وعوده الثلاثة ، فلذلك يجب أن نصطلح مع الله ، والكرة في ملعبنا ، وأسباب سلامتنا وسعادتنا وانتصارنا على أقوى أقوياء الأرض بيدنا ، وكل هذا التفوق ألغاه الله عز وجل بآية واحدة :

﴿ وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾

( سورة آل عمران الآية : 120 )

حين يصطلح المسلمون مع الله سيهزموا أعتى العتاة
أساطيل ، بوارج ، صواريخ عابرة للقارات ، درع صاروخي ، حاملات طائرات ، أقمار الصناعية ، الإعلام بيدهم ، الأموال بيدهم ، التحالفات بيدهم ، والله لو اصطلح المسلمون مع الله لألغيت كل هذه رموز القوة :

﴿ وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾

( سورة آل عمران الآية : 120 )

فالإسلام كلٌّ متكامل ، الإسلام نهج ، ولن نقطف ثماره إلا إذا طبقناه كلَّه .
أستاذ علاء ، متى تمشي السيارة ؟ تحتاج إلى محرك ، وبنزين ، وعجلات ، ومقود ، وكهرباء ، لها شروط من أجل أن تمشي ، الذي عنده رفراف فقط فهذه ليس سيارة ، هذه اسمها سيكراب ، نحن عندنا دين سيكراب ، وما عندنا دين كامل ، لو كان كاملا لكانت النتائج مئة بالمئة ، وزوال الكون أهون على الله مِن ألاّ يحقق وعوده للمؤمنين ، فالكرة في ملعبنا ، أريد ألا نيئس ، ألا نحبط ، ألا نحسّ أن القضية انتهت ، الأمل كبير عند الله عز وجل ، وأنا أقول : أخطر شيء أن نهزم من الداخل :

﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ (12)﴾

( سورة المائدة)

إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟
انتقلت من قضية أسرية حينما تحرم الفتاة من حظها من ميراث أبيها ، ويغضب الزوج الفقير ، ويتألم لهذا التصرف العنصري ، لا نسمح لهذا المال أن ينتقل من بيت فلان إلى بيت فلان ، نعطي الابن كل شيء ، مع أنه والله هناك فتيات فيهن خير لآبائهن لا يعلمه إلا الله ، فالتفرقة بين الذكور والإناث جاهلية ، كان عليه الصلاة والسلام حينما تأتيه بنت يضمها ، ويشمها ، ويقول : ريحانة أشمها ، وعلى الله رزقها .
أُثر على النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقف لابنته فاطمة ، يقف ترحيباً بها ، فأنا أرى أننا عندنا جاهلية كبيرة ، مع أن الإطار إسلامي .
الأستاذ علاء :

كما تفضلت من خلال المظلة نأخذ جزءا ، ونترك أجزاء ، هذا ليس تطبيقا ، فطمع أو عنصرية الآباء في حرمان الفتيات ، وتألم زوج الفتاة يبدأ هذا الشيء عصفاً بكيان الأسرة ، وتبدأ المشاكل ، ومن هنا تهتز هذه الأسرة ، وتنتهي إلي الطلاق .
الدكتور راتب :

لابد من وعيِ الزوج في حال حرمان زوجته من ميراث أبيها :

لكن كتحفظ ، قد يكون الزوج واعيا جداً ، ودخله جيد ، وليس بحاجة ، فلا يعلق أهمية ، هذه حالات نادرة ، زوج واعٍ ، وإيمانه بالله قوي ، ودخله جيد ، وما له بحاجة لزوجته ، فما سأل ، وما علق أيَّ تعليق ، لكن يتألم لهذا الموقف العنصري ، أحياناً يكون نصيبها من الميراث يقابل ثمن سيارة ، والسيارة تحل مليون مشكلة ، السيارة مسعدة للأسرة ، تحل مشكلات المواصلات العامة والتأخير ، فلو أن هذه البنت أخذت هذا المبلغ ، وتسجله باسم ابنتك ، هذا البيت سجله باسم ابنتك ، فقويتَ لها مركزها ، وأعانت زوجها ، الزوج وجد قسما من المال لزوجته انضم إلى الأسرة ، انضم إلى الأولاد ، لذلك حينما أقول : لم يسمح الله لسيد الخلق وحبيب الحق أن يوزع الميراث ، بل تولاه بذاته في القرآن الكريم ، معنى هذا أن الذي يضر في الوصية كما قال النبي صلى الله عليه وسلم تجب له النار .
الأستاذ علاء :

سيدي هذا ، البند في أسباب الشقاق الزوجي أصبح واضحاً وضوح الشمس بكل معنى الكلمة ، الآن ننتقل إلى سبب آخر .
تسمح لي : الإنسان يضطر لجلب الرزق ، ضاق رزقه في بلده ، انتقل إلى بلد آخر ، وترك زوجته وأولاده طلباً للرزق ، هذا الغياب من الناحية الشرعية هل هو مؤسّس لحالة ضياع ، وشقاق بين الزوجين ، أم أن هذا الأمر يمكن أن يكون بين الطرفين ليصبح داعماً لهذه الأسرة ؟
الدكتور راتب :

الغياب الطويل للأب من أسباب الشقاق الزوجي :

1 – الغياب الطويل ضمن المدينة :

بادئ ذي بدء ، أستاذ علاء ، قد يكون الغياب ضمن المدينة ، يخرج الرجل الساعة السادسة ، ويأتي الساعة الواحدة في الليل ، يأتي ليأكل وينام ، وهذه الزوجة التي حبستها من أجلك مَن يحادثها ؟ مَن يؤنسها ؟ مًن يهتم بها ؟ مَن يبتسم في وجهها ؟ مَن يثني عليها ؟ بحاجة إلى من يثني عليها ، ومن يؤلّف قلبها ، مَن يصغي إليها ، فإذا ذهب الزوج قبل ذهاب الأولاد إلى المدرسة ، ويعود بعد نومهم لم يصبح أبًا ، مَن يربي هذا الولد ؟ مَن يستمع إليه ؟ مَن يرشده ؟ مَن يعلِّمه ؟ مَن يربي أخلاقه ؟ لا أحد ، لم يصبح الأب أبا الزوج ولا الابن ابنا ، الشاشة تربي فقط .

2 – العمل الذي يمتصّ كل وقت الإنسان خسارةٌ :

الغياب الطويل في العمل يلغي وجودك ويجعل من حولك يفتقدك
أضرب مثلا تركيبيًّا لقضية الغياب الطويل : لو أن إنسانا عرضوا عليه لو جئت بدكتوراه في الطب تكون وزير الصحة ، هو لا يملك شيئا من حطام الدنيا ، على أن يعمل في بلد الدراسة ويأكل ، ذهب إلى باريس ، اضطر أن يعمل بمطعم ساعتين ليكفي مصروفه ، لكن مهمته كبيرة جداً ، أن ينال دكتوراه ، ويعود بأعلى منصب في بلده ، ومع أعلى منصب بيت فخم وزوجة جميلة ومركبة ، إلى آخره ، هذا طمع بعمل إضافي ، فضاعف ساعات عمله في المطعم ، فضعفت دراسته ، فجاءه عرض ثالث فضاعفه ثلاثة أضعاف ، بعد هذا عمل كل وقته في المطعم فألغى مهمته الأساسية ، لذلك العمل الذي يمتص كل وقتك هو خسارة ، لأنه ألغى وجودك .
بعض العلماء لهم كلمة : الإنسان الذي ما عنده وقت فراغ ليس إنساناً :

﴿ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ(50)فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ(51)﴾

(سورة المدثر)

العمل الذي يمتص كل وقتك هو أكبر خسارة لك ، لأنه ألغى وجودك ، ألغاك كأب ، ألغاك كزوج ، الإنسان بحاجة إلى أن يمضي وقتاً مع من يحب ، مع أصدقائه ، بمسجد ، بلقاء مع عالم ، بلقاء مع صديق ، بسهرة لطيفه ، بسفر ، بنزهة ، وحينما يلغى وقت الفراغ يلغى وجود الإنسان .

3 – مجتمع التسوُّق والاستهلاك :

مجتمعنا يتحول إلى مجتمع تسوق واستهلاك
إنّ هذا الأسلوب المعاصر بعرض السلع في كل مكان في الطرقات ، وفي الشاشات ، وفي الصحف ، المكيفات ، والمركبات ، يخلق حاجة استهلاكية كبيرة جداً ، والناس حيال هذه الحاجة الضاغطة ثلاثة أنواع ، النوع الأول : شخص ألغى وقت فراغه ، فألغى وجوده كأب ، وكزوج ، وكإنسان ، وعمل ليلاً ونهاراً ليؤمّن هذا المكيف ، وهذه المركبة ، فهذا إنسان شريف ، ما مدّ يده للحرام ، ولكن ألغى وقت فراغه ، وضيع زوجته وأولاده ، وفقَد أبوَّته ، وتحول إلى آلة .
النوع الثاني : يعيش بالحرمان المستمر ، ما عنده شيء .
النوع الثالث : مد يده للحرام ، فسقط من عين الله ، ومن عين الناس ، هذا مجتمع الاستهلاك .
دخلت امرأة إلى سوبر ماركت ، قالت : يا إلهي ، ما أكثر الحاجات التي لا يحتاجها الإنسان !!! نحن عندنا حمى استهلاك ، التسوق متعة ، هؤلاء الغربيون أرادوا لنا أن نكون متسوقين فقط لا منتجين .
الأستاذ علاء :

الترف الزائد يعيق تقدم الأمم
وحولوا لنا الحاجات الأساسية إلى حاجات وهمية ، والإنسان بحاجة إلى ملبس ، إلى حذاء ، ولكن لسنا بحاجة إلى نوع معين ثمنه اثنا عشر ألف ليرة ، حذاء رياضة ، مثلاً .
الدكتور راتب :
مثلاً : سجادة وطنية صوف مئة بالمئة ، جميلة تقوم بالوظيفة التامة مئة بالمئة ، عزل ، ومنظر ، وصوف ، هذه ثمنها خمسة آلاف ، وسجادة ثمنها ثمانمئة ألف ، الفرق في الاستعمال بالمئة خمسة ، أما بالسعر فثمانمئة ضعف ، فحينما نسعى إلى الرفاه ، أو إلى الترف فهذا يعيق تقدم الأمة ، والإنسان له مصاريف ينبغي أن توفَّر .
الأستاذ علاء :

لذلك قالوا : الحاجة الوهمية التي لا يحتاجها الإنسان في المجتمع الاستهلاكي تتحوّل إلى حاجة أساسية ، هو ليس بحاجة لها ، الإنسان بحاجة إلى التعليم ، الطعام ، الشراب ، الصحة ، الكسوة ، ولكن هذه الكسوة كمثال السجادة تفي الغرض ، ولكن للزهو والكبر نبحث عن أنواع معينة فخمة .
الدكتور راتب :

فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا :

فلذلك النبي صل الله عليه وسلم قال :

(( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا ))

[ أخرجه البخاري والترمذي وابن ماجة عن عبد الله بن محصن ]

أمن المؤمن يأتي من طاعته لله
هو أمن الإيمان ، فإذا أطعت الواحد الديان ألقى الله في قلبك الأمن :

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81)الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)﴾

( سورة الأنعام )

(( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا ))

والله ما فاته من الدنيا شيء ، وخذ من الدنيا ما شئت ، وخذ بقدرها هماً ، ومَن أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ من حتفه ، وهو لا يشعر .
الأستاذ علاء :
الغياب الطويل عن البيت سواء للعمل أو غير ذلك .
الدكتور راتب :

4 – الغياب الطويل خارج البلد :

للعمل في بلده ، وقد يسافر إلى بلد بعيد ، إذا كان هناك تواصل في الهاتف ، ومتابعة الأخبار ، وإرسال أشياء ، وزوجة صارمة جيدة ، وأهل مربَّون كبار ، يمكن أن يخفف من أخطار الغياب الطويل ، أما الغياب لسنة بكاملها ، وهو لا يعلم عن أولاده شيئا ، ولا عن دراستهم ، ولا عن أوقات فراغهم ، ولا عن علاقتهم بأصدقائهم ، ولا عن زوجته شيئاً ، هذا شيء يحتاج إلى دراسة مطولة وتدقيق .
الأستاذ علاء :
لذلك سيدنا عمر في الغياب بعد انقطاع الأخبار طلق بعد فترة طويلة ، استشار أم المؤمنين السيدة حفصة ، كم تستطيع المرأة أن تصبر على غياب الزوج ؟ فأخذ بهذا الحكم ، وإذا انقطع الخبر لمدة طويلة يفرِّق القاضي بين الزوجين .
الدكتور راتب :

الغياب الطويل إلغاءٌ للمساكنة الزوجية :

الغياب الطويل ألغى المساكنة ، ألغى أحد مقاصد الزواج ، وهناك زواج المسيار ، أنا لا أدخل في تفاصيل الحلال والحرام ، كمقيم في بلد إسلامي ، وله زوجة في بلد ثانٍ ، يمكن في سنة ما يزور هذا البلد ، أنت سميتها زوجة ، وصنفتها مع الزوجات ، وألغيت العنوسة منها ، وهي بقيت عانسا سنة ما نظرت إليها ، هي من شدة رغبتها بإنجاب ولد قبلت بهذا الزواج ، والزواج أكبر مقوم من مقوماته وهو المساكنة ، كما أن الرجل بحاجة إلى امرأة هي بحاجة إلى رجل ، الإنسان ليس مفتقر إلى الله وحده ، مفتقر على زوجة ، الزواج نعمة كبيرة ، بحاجة له ، أنا لا أرى من عمل أعظم من تيسير الزواج .
الأستاذ علاء :
إذاً في وجوده في المنزل عليه أن يصغي إلى زوجته ، وأن يستمع إليها .
الدكتور راتب :
المرأة تأنس بوجود الزوج وتفتقده عند غيابه
وأن يؤنسها ، بتعبير أو بآخر جنس الرجل حسي ، تثيره منظر امرأة ، وهي جنسها اجتماعي ، يثيرها كلام طيب ، هذا شيء ثابت ، طبيعة الجنس عند المرأة طبيعة اجتماعية ، لذلك قال تعالى :

﴿ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ (32)﴾

(سورة الأحزاب)

نقطة ضعفها القول المعسول ، أما الرجل فقال له : غض بصرك ، الجنس الحسي غير الجنس الاجتماعي ، المرأة تحتاج إلى من يؤنسها ، من يلاطفها ، من يثني عليها ، من يثني على عملها ، على بيتها ، على أناقة أولادها ، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال :

(( تَزَوَّجُوا الْوَلُودَ الْوَدُودَ))

[ النسائي ، أبو داود ]

الزوجة الصالحة تسرك إذا نظرت إليها ، لكن في رواية عجيبة ، تسرك إذا نظرت ، ليس إليها ، إلى غرفة النوم ، إلى المطبخ ، إلى ثياب أولادك ، مرتبة ، نظيفة ، إذا بذلت زوجة جهدا كبيرا فالمفروض أن تسمع ثناء من زوجها ، وأحيانا الزوج أربعين سنة لا يتذكر ولا يثني عليها بكلمة ، الأكل ، الطبخ ، النظافة ، الأوامر ، والمحاسبة .
الهدف من هذه اللقاءات التوفيق بين الزوجين .
الأستاذ علاء :
والحرص على هذه اللبنة التي تبني المجتمع بشكل كامل .

خاتمة وتوديع :

كنا نود أن نستمر سيدي الأستاذ ، لكن في الحقيقة الوقت أدركنا ، باسمكم جميعاً أيها الإخوة المشاهدون نشكر فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة على كل ما قدم ، ونعدكم إن شاء الله في حلقة قادمة في برنامجنا الإيمان هو الخلق أن نكمل أسباب الشقاق الزوجي ، حتى نبتعد عنه ، وحتى نتجنبه ، وحتى تسلم أسرنا إن شاء الله ، ويكون مجتمعنا مجتمع هادئاً ، مجتمعاً فيه الحب ، كما عودنا على ذلك أهلونا ، وكما عودنا على ذلك ديننا وإسلامنا ، شكراً سيدي الأستاذ .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS