16255
السيرة - سيرة التابعين الأجلاء - الدرس 19-20 : التابعي عمر بن عبد العزيز
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1994-09-26
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

استعبر هذا الكلام :

 أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس التاسع عشر من سِيَر التابعين رِضْوان الله تعالى عليهم أجمعين، وتابعيّ اليوم هو سيّدنا عمر بن عبد العزيز، ولعلَّه الموضوع الثاني عن هذا الخليفة، الذي عُدَّ بحَقٍّ خامس الخلفاء الراشدين، فالحديث عن هذا التابعيّ الجليل عمر بن عبد العزيز حديث ذو شُجون، فأنت لا تكاد تُلِمّ بِصُورة من صُوَر حياته الفذَّة, حتى تُسْلمك إلى أخرى أكثر بهاءً .
 مرَّةً كنتُ في تَشْيِيع جنازة، دخلنا إلى المسجد, لِنُصلِّي على الجنازة، وقام أحد العلماء يريد أن يؤبِّن المُتَوفَّى، الذي لا أنساهُ أبدًا, قال: كان أخوكم مؤذِّنًا, ترحَّموا عليه، وانتهى التَّأْبين, وأنا أعرف المُتوفَّى رحمه الله تعالى إنسانًا حياتهُ غنِيَّة مُتْرفةٌ، وفي بيته ما لذَّ وطاب، له دخْلٌ كبير، وجالَ في أوروبا كلَّها، مُتمتِّع بالحياة في أعلى درجة، ولكن اسْتوْقفَتْني كلمة المؤبِّن, أنَّه ما استطاع أن يقول إلا كلمتين: كان أخوكم مؤذِّنًا، ترحَّموا عليه, فقلتُ في نفسي: الإنسان عليه أن يدَعَ أعمالاً صالحةً, يتحدَّث الناس عنه خمس دقائق أقلّ شيء، عشر دقائق، فكلَّما عظم الإنسان يصبح الحديــث عنه ذا شُجون، يمكن أن نتحدَّث عن الصحابة الكرام سنوات، وعن التابعين سنوات، وتؤلَّف الكتب والمجلَّدات، وتُحلَّلُ الشَّخصِيات، تُدْرس المواقف، وتوصف الملامح، فالإنسانُ العظيم هناك مَن يتحدّث عنه إلى أمدٍ طويل .
 فهذا الخليفة الراشد، كتُبٌ مؤلَّفة عن حياته، وتحليلات لِشَخصِيَّاته، ووصْفٌ لبيانه، فالإنسان سيَمْضي، بقيَت بطولته أن يدعَ أثرًا في الحياة، والدليل قول الله عز وجل:

﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾

[ سورة يس الآية: 12]

 أيها الأخ الكريم، دقِّقْ في حياتك الدنيا، الحديث عن بيْتك, لا يُقال عند الموت؛ عن مساحته, وتَزْييناته، الحديث عن دَخلَك، والحديث عن ملاذَّك، وهذا كلّه لا يمكن يُقال عند الموت، لا يُقال عند الموت إلا الأعمال الطيّبة التي تركتها، الآثار الإيجابيّة التي حقَّقْتها، الخدمات الجلّة التي قدَّمتها للإنسانيَّة، وهذا ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام:

((إذا مات ابن آدم, انقطع عمله إلا من ثلاث؛ صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له))

[أخرجه مسلم في الصحيح]

 فالمؤمن العاقل يبحث ويسعى, لِتَرْك أثرٍ يُخلِّدُه بعد الموت، ومَن ترك أثرًا طيِّبًا إيجابيًّا, كأّنه ما مات .
 قبل حين؛ تُوفِّيَ أحد علماء دمشق، وكانت التَّعزيَة في الجامع الأموي، وأذكر أنَّ وزير الأوقاف وقتها قدَّمَ بِشارة للمُعزِّين، أنَّ ابن هذا العالم عُيِّن خطيبًا لهذا المسجد، فلمّا ألقى ابنهُ كلمةً، قلتُ: واللهِ، الأب ما مات, ما دام قد تركَ عالمًا، وخطيبًا، وداعِيَةً إلى الله عز وجل ، معنى ذلك أنّ الأب لم يمُت .
 فأنت أيها الأخ الكريم, إذا تركْت عملاً طيِّبًا فما مِتَّ، ولا تموت، يقول سيّدنا عليّ كرَّم الله وجهه: (يا بنيّ, ماتَ خزان المال, وهم أحياء, -التخطيط جيّد، والقلب جيّد، والنِّسَب من أعلى النِّسَب- قال: مات خزَّان المال، وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقيَ الدَّهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة) معنى ذلك أنَّ الإنسان عليه أن يدَعَ أثرًا في حياته .
 نحن بعد أربعةً عشرة قرْنًا, نتحدَّث عن هذا الخليفة العظيم بكلّ طيبٍ، إذًا: هو لمْ يمُتْ.
 مرَّةً سألتُ طُلاَّبي عن اسم تاجر, عاش سنة ألف وثمانمئة وثلاثة وثمانين في دمشق ، وله عندي علامة تامَّة, فما تذكَّر أحد إطلاقًا, فقلت لهم: وأنا معكم لا أعرف, العلماء باقون ما بقي الدَّهر، القوَّاد العظام، والفاتحون، والذين تركوا بصماتٍ على الإنسانيّة، هؤلاء ما ماتوا ، لذلك اِجْهَدوا أن تعملوا عملاً, يُخلِّدُكم إلى أبد الآبدين، وما من عملٍ أعظم من أن تضع؛ علمًا نافعًا، أو ولدًا صالحًا، أو صدقةً جاريَة .

إليكم هذه الصور الثلاث الأخرى التي يرويها لنا الرواة عن الخليفة عمر بن عبد العزيز :

1- ما رواه دكين بن سعيد الدارمي :

هناك ثلاث صُوَرٍ عن هذا الخليفة العظيم؛ الأولى يَرْويها دُكَيْن بن سعيد الدارمي, أحد الشعراء الرجاز البداة، وهذا شاعر تعامل مع هذا الخليفة, يروي هذه القصَّة، قال: (امْتدَحْتُ عمر بن عبد العزيز, يوم كان واليًا على المدينة، فأمر لي بِخَمس عشرة ناقةً من كرائم الإبل ، فلمَّا صِرْن في يدي, تأمَّلْتهنّ فراعني منظرهنّ، وكرهْتُ أن أمْضي بهنّ وحدي في فِجاج الأرض, خوْفًا عليهِنّ، ولم تَطِبْ نفسي بِبَيْعِهِنّ، وفيما أنا كذلك, قدِمَت علينا رُفْقةٌ تبتغي السَّفر نحْوَ دِيارنا في نَجد، فسألتهم صحبةً، فقالوا: مرحبًا بك، ونحن نخرج الليلة, فأعِدَّ نفسك للخروج معنا، فمَضَيْت إلى عمر بن عبد العزيز مُوَدِّعًا، فألْفَيْتُ في مجلسهِ شيخَين لا أعرفهما ، فلمَّا هَمَمْتُ بالانصراف، الْتفتَ إليّ، وقال: يا دُكَين, إنَّ لِيَ نفسًا توَّاقة، فإذا عرفْت أنِّي بلغت أكثر مِمَّا أنا فيه الآن فأْتِني، ولك منِّي البرّ والإحسان .
 -أيها الأخوة الكرام، أتظنّ أنّ المؤمن غير طَموح؟ والله الذي لا إله إلا هو لطموح المؤمن الواحد يعْدل طموح ملايين من أهل الدنيا، لأنَّ أهل الدنيا يطْمحون إلى الدنيا، والدنيا زائلة، ولكنَّ المؤمن يطْمحُ لِحَياةٍ أبدِيَّة بعد الموت، فأيُّهما أشدُّ طموحًا؟ المؤمن نفسهُ توَّاقة وطموحة، وهِمَّتُهُ عالِيَة، وعزيمتهُ صلبة، المؤمن لا يشيخُ أبدًا، ولو بلغَ من الكِبَر عِتِيًّا، نفسهُ شابَّة؛ لأنَّ هدفهُ كبير، وطموحهُ كبير، ونفسيَّتُهُ عالِيَة جدًّا، لِدَرجة أنَّه لا يرضى بالأكل والشرب فقط كعامَّة الناس، يريد أن يُحقِّق مبدأً، ويعيشُ لِهَدفٍ نبيل- .
 فقلتُ: أشْهِدْ لي بذلك أيها الأمير؟ فقال: أُشْهِدُ الله تعالى على ذلك، أيْ إذا أتَيْتني, وأنا في مرتبةٍ أعلى من هذه المرتبة, لك مِنِّي البرّ والإحسان، -هذا الكلام كان لمَّا كان واليًا- فقلتُ: من خلقهِ؟ -أيْ أريد شاهدًا من خلْقه- فقال: هذين الشَّيْخَين، فأقْبلْتُ على أحدهما، وقلتُ: بأبي أنت وأمِّي, قلْ لي: ما اسْمك حتى أعْرفك؟ فقال: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب, فالْتَفَتُّ إلى الأميــر، وقلتُ: لقد اسْتسْمَنْتُ الشاهد, -أي هذا الشاهد جيّد- ثمَّ نظرْتُ إلى الشيخ الآخر, وقلتُ: ومن أنت جُعِلْتُ فداك؟ فقال: أبو يحيى مولى الأمير، فقلْت: وهذا شاهدٌ من أهله، كان شاعرًا ذو دعابة .
 قال: ثمَّ حيَّيْت, وانْصرفْتُ بالنُّوق إلى ديار قومي في نَجْد، قال : فرمى الله فيهنّ البرَكة, حتى اقْتَنَيْتُ من نِتاجهنّ الإبل والعبيد، -أي هذه الخمس عشرة ناقة طرحَ الله فيهنّ البرَكة- ثمَّ دارَت الأيَّام دوْرتها، فبَين أنا بِصَحراء ثلجٍ من أرض اليَمامة في نجْد، إذْ ناعٍ ينعي أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك, فقلْتُ للناعي: ومَن الخليفة الذي قام بعدَهُ؟ فقال: عمر بن عبد العزيز، فما إن سمعْتُ مقالتهُ, حتَّى شدَدْتُ رحالي نحو بلاد الشام، فلمَّا بلغْتُ دمشق, لقيتُ جريرًا منْصرفًا عند الخليفة فحيَّيْتُهُ, وقلــتُ: من أين يا أبا حمزة؟ فقال: من عند خليفة يعطي الفقراء، ويمنعُ الشعراء, اِرْجِعْ من حيث أتَيْتَ, فذلك خير لك، فقلتُ: ليَ شأنٌ غير شأنِكم، أنا لي وضْع خاصّ، لي معه شاهدين وعهْد، فقال: أنت وما تريد, فانطلقتُ حتى بلغتُ دار الخليفة، فإذا هو في باحة الدار، وقد أحاط به اليتامى, والأرامل, وأصحاب الظلمات، فلم أجِد سبيلاً إليه من تزاحمهم عليه, فرفعْتُ صوتي مرتفعًا:

يا عمر الخيرات والمكارم  وعمر الدسائع العظائم

 -الدسائع جمعُ دسيعة، وهي الجفنة العظيمة، والقدر الذي يُقدَّم فيه الطعام- .
 قال:

إنِّي امرؤٌ من قطنٍ من دارم  طلبْتُ دَيني من أخي المكارم

 فنَظَرَ إليّ مَولاه أبو يَحيى نظْرة طويلة، ثمَّ الْتفتَ إليه, وقال: يا أمير المؤمنين, إنَّ عندي لهذا البدويّ شهادةً عليك, كان أحد شهوده مولاه أبو يحيى، فقال: أعرفها, ثمَّ الْتفتَ إليّ وقال: اُدْنُ مِنِّي يا دُكَين، فلمّا صِرْت بين يديه مال عليّ, وقال: أتَذْكرُ ما قلتهُ لك في المدينة: من أنَّ نفسي ما نالَت شيئًا قطّ، إلا أنَّها تاقَتْ إلى ما هو أعلى منه؟ فقلتُ: نعم، يا أمير المؤمنين, فقال: وهذا أنا ذا نِلْتُ غايَةَ ما في الدنيا، وهو المُلك، فنَفْسي الآن تتُوقُ إلى غايَة ما في الآخرة، وهي الجنَّة .
 -ومرَّةً قال: (تاقَت نفسي إلى الإمارة, فلمَّا بلغْتُها, تاقَت نفسي إلى الخلافة، فلمَّا بلغتها, تاقَت نفسي إلى الجنَّة، ولئن كان الملوكُ يجعلون الملك سبيلاً لِبُلوغ عزِّ الدنيا، فلأجْعلنَّهُ سبيلاً إلى بلوغ عزّ الآخرة) هؤلاء حجَّة على من سِواهم، يمكن أن تكون ملكًا، ويمكنُ أن ترقى إلى الجنَّة، الجنَّة لا تغلقُ أمام أحد، ولو كان ملكًا-.
 ثمَّ قال: يا دُكَين، إنّي والله ما رزأْتُ - أخذْتُ - المسلمين في أموالهم درهمًا ولا دينارًا منذ وُليتُ هذا الأمر، وإنِّي لا أملكُ إلا ألف درهمٍ, فَخُذْ نصفها، واتْرُك ليَ نصْفها, فأخذْتُ المال الذي أعْطانيه، فو الله ما رأيْتُ أعظمَ منه بركةً) .
 هذه أوَّل صورة، شاعر أعْطاه يوم كان أميرًا خمس عشرة ناقة، فلمَّا صار خليفة, أعطاه خمسمئة دينار من ماله الشَّخصي، وهو يُقسمُ أنَّه ما أخذ دينارًا واحدًا من مسلمٍ من رعِيَّتِهِ .
 سيّدنا عمر بن الخطّاب قال هذا، قال: (أيّها الناس، لكم عليّ خمسُ خِصال, خُذوني بهنّ؛ لكم عليّ أن لا آخذ من أموالكم شيئًا إلا بِحَقِّها، ولكم عليّ أن لا أنفقَ هذا المال إلا بِحَقِّه ، وإذا غِبْتُ في البعوث، فأنا أبو العيال حتى ترجعوا، ولكم عليَّ أن أزيد عطاياكم إن شاء الله تعالى، ولكم عليَّ أن لا أُجمِّركم في البعوث) .

2- ما رواه قاضي الموصل يحيى بن يحيى الغساني :

 الصورة الثانيَة: يرْويها قاضي الموصِل يحيى بن يحيى الغسَّاني، يقول: (بينما عمر يطوف ذات يومٍ في أسواق حمص, يتفقَّد الباعة، ولِيَتَعَرَّف على الأسعار, إذْ قام إليه رجلٌ, عليه برْدان أحمران قطريَّان, وقال: يا أمير المؤمنين، لقد سمعتُ أنَّك أمرْت من كان مظلومًا أن يأتِيَك, فقال: نعم، وها أنا قد أتَيْتُكَ، وها قد أتاك رجل مظلومٌ بعيد الدار، فقال عمر: وأين أهلك؟ فقال: في عَدَن، فقال عمر: إنَّ مكانك من مكان عمر لبعيدٌ، ثمَّ نزل عن دابَّتِهِ, ووقفَ أمامه, وقال: وما ظلامتُكَ؟ فقال: ضَيْعَةٌ لي - بستان - وثَبَ عليها رجل مِمَّن يلوذون بك، وانْتَزَعَها مِنِّي، فكتَبَ عمر كتبًا إلى عروة بن محمَّد واليه على عَدَن, يقول فيه:
 أما بعد، فإذا جاءك كتابي هذا, فاسْمَع بيِّنَة حامِلِه, فإن ثبتَ له حقّ, فادْفَعْ له حقَّه، ثمَّ ختَمَ الكتاب، وناولَهُ الرجل، فلمَّا همَّ الرَّجل بالانصراف, قال له عمر: على رِسْلِك، إنَّك قد أتَيْتنا من بلدٍ بعيد، ولا ريْبَ في أنَّك اسْتنفذْتَ في رحلتك هذه زادًا كثيرًا، وأخلقْتَ ثيابًا جديدة، ولعلَّه نفقَت لك الدابة، ثمَّ حسب ذلك كلَّه, فبلغَ ذلك أحدَ عشر دينارًا, فدَفَعَها إليه، وقال: أَشِعْ هذا في الناس، قلْ للناس: إنّ عمر أعطاني نفقة السَّفَر، حتى لا يتثاقلَ مظلومٌ عن رفْعِ ظُلامتِهِ بعد اليوم, مهما كان بعيد الدار) .

3- ما رواه زياد بن ميسرة المخزومي :

 وأما الصورة الثالثة: هذه الصـورة يرويها العابد الزاهد زِياد بن ميْسَرَة المخزومي, بِالولاء، فيقول: (أرسلني موْلاي عبد الله بن عياش من المدينة إلى دمشق للِقاء أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز في حوائج له، وكانت بيني وبين عمر صِلَةٌ قديمة, ترجعُ إلى عهْد ولايتِهِ على المدينة، فدخلْت عليه, فإذا عندهُ كاتبٌ يكتب له، فلمَّا صرْتُ في عتبة الحجرة, قلْتُ: السلام عليكم، فقال: وعليكــم السلام ورحمة الله يا زِياد, ثمَّ مضَيْتُ نحْوهُ خَجِلاً، لأنّي لم أُسلِّمْ عليه بإمرة المؤمنين، فلمَّا انْتَهيْتُ إليه قلتُ: السَّلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله تعالى وبركاته، عدَّلَ, فقال: يا زِياد, إنَّني لمْ أُنْكرْ عليك السَّلام الأوّل، فما الحاجة إلى الثاني؟ -المؤمن يتعلَّق بالحقائق، وبِجَوْهر الحياة .
 أيها الأخوة الكرام، المؤمن إذا أحْكم اتِّصالهُ بالله عز وجل يسْتغني عن ثناء الناس، وعن تعظيمهم، وعن تبْجيلهم، وعن توْقيرهم، لا يتعلَّق بهذا إلا من أقصى قلبه من الاتّصال بالله عز وجل، وأساسًا أكبر نقطة ضَعْف في الإنسان اسْتِجداء المديح، طبْعًا فقْرُهُ الداخلي يحملُهُ على اسْتِجداء المديح، لو أنَّه وصلَ إلى شيءٍ من الله عز وجل، إلى السكينة التي أخبر الله عنها، إلى الصَّلوات التي ذكرها الله تعالى في القرآن الكريم، قال تعالى:

﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾

[ سورة التوبة الآية: 103 ]

 لو أنَّ الإنسان أشْرقَت نفسهُ بِنُور الله عز وجل, لا يهتمّ بهذه الشَّكْليَّات، ولا بهذه العبارات، فهي عندهُ لا تقدِّم ولا تؤخِّر- .
 فقال: يا زِياد, إنَّني لمْ أُنْكرْ عليك السَّلام الأوّل، فما الحاجة إلى الثاني؟ فكان كاتبُهُ إذْ ذاك يقرأُ عليه مظالمَ جاءتْهُ من البصرة مع البريد، فقال لي: اِجْلسْ يا زياد حتَّى نفْرغَ لك، فجلسْتُ على خشبة الباب .
 -بالمناسبة الإنسان العظيم طبيعي، والإنسان الصغير إذا عظُمَ فجأةً يتكلَّف, فلو جلسْت مع النبي صلى الله عليه وسلَّم، دخل عليه أحدهم, فأصابتْه رعدة, فقال:

((إنما أنا ابن امرأة, كانت تأكل القديد بمكة))

 كلَّما الْتقيْت مع العظماء رأيتهم قريبين منك، حتى إنَّه قيل: ما من أحدٍ خالَطَ النبي صلى الله عليه وسلَّم, إلا ظنَّ أنَّهُ أقربُ الناس إليه, وهذه من عظمة النبي عليه الصلاة والسلام، وقيل عنه: ما رآهُ أحدٌ بديهةً إلا هابهُ، وما خالطهُ إلا أحبَّه، لكنَّك إذا خالطتَهُ, ترى نفسكَ قريبةً منه جدًّا، وتراه قريبًا منك، فالتَّكَلُّف ليس من صفات المؤمنين، لا تتكلَّف التَّصنّع والكهنوت, هذا ليس من صفات المؤمنين، ويتناقض مع الفطرة السليمة، فأنت عظيمٌ جدًّا, إذا كنت طبيعيًّا- .
 فقال لي: اِجْلسْ يا زياد حتَّى نفْرغَ لك، فجلسْتُ على خشبة الباب, والكاتب يقرأ عليه ، وعمر يتنفَّس الصُّعداء من الهمّ، فلمَّا فرغَ كاتبهُ من قراءة الرِّقاع التي معه، وانطلقَ إلى شأنه، قام عمر من مجلسِهِ, ومشى إليه، حتى جلسَ بين يديّ عند الباب، ووضعَ يديْه على ركبتي، ثمَّ يقوم سيّدنا عمر بن عبد العزيز بنفسه عند هذا المولى الذي جاءهُ من المدينة، وقد أرجأهُ قليلاً, لِيَحلّ قضايا المظالم، يبدو أنَّه غفل، فقال لِزِياد: هنيئًا لك يا زياد، لقد اسْتدفأْتَ بِمَدْرعتِكَ، واسْترحْتَ مِمَّا نحن فيه, الخلافة كانتْ عبئًا .
 -سيّدنا عمر قال: (لسْتُ خيرًا من أحدكم، ولكنَّني أثقلكم حِمْلاً، والله لو تعثَّرَتْ بغلةٌ في العراق, لحاسبني الله عنها، لِمَ لمْ تفْسِح لها الطريق ياعمر؟!) .
 مرَّةً حرمَ نفسهُ أكلَ اللَّحْم مدّةً طويلة، فأصبحَ في بطنهِ صوتًا، فقال: (قَرْقِرْ أيُّها البطْن أو لا تُقَرْقِرْ، فو الله لن تذوق اللَّحْم, حتى يشبعَ منه صِبْيَة المؤمنين) .
 مرَّةً دخلتْ عليه زوجتهُ فاطمة، فرأتْهُ يبكي في مُصلاَّه، قالتْ له: (ما لكَ تبكي؟ فقال : دعيني وشأني، فلمَّا ألحَّتْ عليه، قال: إنِّي وُلِّيتُ هذا الأمْر، فذكَرْتُ الفقير الجائع، والضَّعيف ، وذو الحاجة، والأسير، والمظلوم، وذا العِيال, فعَلِمْتُ أنَّ الله سيُحاسبني عن هؤلاء جميعًا، وأنّ حجيجَهـم دوني رسولُ الله، فلهذا أبكي، دعيني وشأني)- .
 وكانت عليَّ مدْرعة صوف، ثمَّ طفقَ يسألني عن صُلَحاء أهل المدينة؛ رِجالهم ونسائهم واحدًا واحدًا، فما ترك منهم واحدًا إلا وسألني عنه، ثمّ سألني عن أشياء كان أمرَ بها في المدينة, حينما كان واليًا عليها، فأخبرتهُ عن كلّ ما سأل، ثمَّ تنهَّد وقال: يا زياد, ألا ترى إلى ما وقع فيه عمر؟ فقلتُ: إنِّي أرجو لك في ذلك خيرًا ‍وأجْرًا، فقال: هيهات, ثمَّ بكى, حتى رثَيْتُ له، وقلتُ: اِرْفِق بِنَفسك يا أمير المؤمنين, فإنِّي لأرجو لك خيرًا كثيرًا, فقال: ما أبْعَدَ ما ترْجوهُ يا زياد!.
 قال: لقد أصْبح في وُسعي أن أشْتِمَ ولا أُشْتَم، وأن أضْربَ ولا أُضرَب، وأن أوذِيَ الناس, ولا يؤذيني أحد، -مَن بإمكان مجابهة الملك؟ ومن بإمكانه أن يضربهُ؟ منْصب الملك أعلى منصب- ثمَّ بكى كرَّةً أخرى حتى جعلتُ أرثي له، ولقد أقمْت عندهُ أيامًا ثلاثة, حتى قضى ما أرسلني به مولاي، فلمَّا هممْتُ بالانصراف, زوَّدني بِكتابٍ إلى سيّدي يسألهُ فيه: أن يبيعني منه، ثمَّ أخرج من تحت فراشه عشرين دينارًا، وقال: اسْتَعِن بهذا المال على دنياك، ولو كان لك حقّ في الفيء لأعْطَيناك، فأبيْتُ أن آخذ المال منه، فقال: خُذْهُ فما هو من مال المسلمين, إنَّما هو من نفقتي، فامْتنعْتُ عن أخذه، ولكنَّه ما زال بي حتى أخذتهُ منه, ومضَيْتُ، فلمَّا بلغْت المدينة, دفعْت بكتاب أمير المؤمنين إلى مولاي، ففضَّه، وقال: إنَّما سألني أن أبيعك له لِيُعْتِقَكَ, فلِمَ لا أكون أنا المُعْتِقُ لك؟ ثمّ أعْتقَهُ) .

كيف يصل الإنسان بعمله إلى الجنة, وكيف تتحول العادات إلى عبادات ؟

 أيها الأخوة الكرام، هذا نموذج, وهو أنَّه ما من عملٍ على وجه الأرض, إلا ويمكن أن يكون طريقًا إلى الجنَّة، وهذه عظمة الإسلام .
 وقد قلتُ لكم سابقًا: الإنسان في عمله, ومهنته، وحرفته، ووظيفته، ومنصبهُ، كرسيّه في الجامعة، منصبه في الطب، تجارته، صناعته، العمل الذي ترتزق منه, إذا كان في الأصل مشروعًا، وسلكْت به الأساليب المشروعة التي بيَّنها الله، أيْ لم تكذب، ولم تغشّ، ولم تُدلِّسْ، ولم تظلِم، ولم تحْتكِر، ولم تستغلّ، إذا كان العمل في الأصل مشروعًا, وسلكْت به الأساليب المشروعة، ولم يشْغلْك عن فريضة, أو واجبٍ, أو طلب علْم، وأردْت به كفاية نفسك, وأهلك، وخدمة المسلمين, انقلب العمل إلى عبادة .
 فهذا الخليفة العظيم, جعل من هذا المنصب العالي, طريقًا إلى الجنَّة، وكلّ واحد يستطيع أن يجعل, ممَّا أقامه الله فيه، طريقاً إلى الجنة, الله أقامك تاجرًا, أو موظَّفًا، مدرِّسًا، طبيبًا، بائعًا، أيّ عملٍ أقامك الله به, بإمكانك أن تجعلهُ طريقًا إلى الجنَّة، والحياة محدودة وقصيرة، وهذه الحياة مزرعة الآخرة, فانتَبِهوا أيّها الأخوة .
 أيها الأخوة، العادات إذا رافقتْها النوايا الطَّيِّبَة, انقلبَت إلى عبادات، فكلّنا نأكل، ونشرب، وننام، ونسكن في بيت، ولنا عمل، ونتنزَّه أحيانًا، يمكن أن تكون نزهتك مع أولادك عبادة، إذا نوَيْتَ أن تُكْرمهم، وأن تمكِّن علاقتهم بك، وأن تضعَ اللّقمة في فم زوجتك, هي لك صدقة، أن تجلس مع أهلك, تؤْنسهم بِحَديثك, هو لك صدقة .
 فالإنسان إذا عرف الله عز وجل, فكلّ ذلك محْسوم، كلّ شيءٌ يعمله, هو عملٌ صالح يرقى به، فالعِبرة أن تعرف الله تعالى أوَّلاً، وأن تعرف سرّ وجودك ثانيًا، وغاية وجودك، الآن كلّ حركاتك وسكناتك أعمال صالحة، حتى الأعمال التي تظنّها عاديّة، أن تشتري بيتًا لابنك، أطْعم أهله، ودعا أخوانه إلى طعام، أخذ أهله إلى نزهة، ارتدى ثيابًا جديدة، بصفته مسلمًا، فالظهور بمظهر أنيق واجب، فالأعمال العاديّة بالنوايا الطَّيّبة تنتقل إلى عبادات، والأعمال الجليلة تنقلب إلى عبادات .
 خليفة المسلمين قال: (الناس يتَّخذون الملك ليكون طريقًا إلى الدنيا، وأنا أتَّخذه طريقًا إلى الآخرة))

 فيمكن لأيّ عملٍ على الإطلاق، طبعًا إذا كان مشروعًا، أن يكون لك طريقًا إلى الجنَّة ، فعلى الإنسان مراجعة حساباته، ويجتهد في معرفة الله، ومعرفة كتابه ومنهجه، حتَّى تنقلب حياته إلى مغانمَ, لا إلى مغارم، فهناك مَن يموت، قال تعالى:

﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾

[ سورة الكهف الآية: 105]

 العبرة أن تعرف ربّك، وأن تعرف منهجه، وبها تصير حركاتك كلّها صالحة، عملك، وبيتك، وتربية أولادك، إطعامك لأهلك، نشاطك الاجتماعي, كلّه في سجلاّت الأعمال الصالحة.

ما هي العبرة التي نستفيدها من قصة سيدنا عمر بن عبد العزيز ؟

 أيها الأخوة, فهذا الدرس عن سيّدنا عمر بن عبد العزيز, تؤكِّد قصته: أن المؤمن طموح لأعلى درجة، ولكن طموح المؤمن لا ينتهي عند الدنيا، بل ينتهي إلى الآخرة، فالدنيا مَطِيَّة، والحياة جميلة، لكن لمَن عرف الله .
يقول أحد العارفين بالله : (مساكين أهل الدنيا، جاؤوا إلى الدنيا، وغادروها، ولم يعرفوا أجْمل ما فيها) .
 يقول أحد العارفين بالله: (ماذا يفعل أعدائي بي؟ بستاني في صدري؛ إن حبسوني فحَبسي خَلوَة، وإن أبعدوني فإبعادي سِياحة، وإن قتلوني فقتْلي شهادة) وهذه دعوة لطيفة من الله عز وجل، قال تعالى:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾

[ سورة النحل الآية: 97]

 أنت بِمَعرفة الله تجعل حياتك ذات معنى، لذلك حياة العظماء عظيمة جدًّا، هل تصدِّقون أنَّ الله سبحانه وتعالى أقْسمَ بماذا؟ بِعُمُر النبي, قال تعالى:

﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾

[سورة الحجر الآية: 72]

 خالق الكون يُقْسمُ بِعُمُر النبي، فالعُمْر قد يكون قصيرًا جدًّا، فالنبي عليه الصلاة والسلام جاء إلى الدنيا، وعاش فيها ثلاث وستِّين سنة، قلبَ وجْه الأرض، وعمَّت الفضيلة في القارَّات الخمْس .
 لذلك الإنسان إذا أراد أن يتْرك شيئًا في الحياة, الله عز وجل يعينه على ذلك، ويكرمه، فما علينا إلا أن نتحرَّك، والله معنا .
 أنت تحرَّك؛ اُتْرك عملاً صالحًا، اُدْعُ إلى الله، دُلَّ الناس على الله، أتْقِن عملك، وانْصح المسلمين، أما الإنسان الذي لا عمل له، فلا شيء له عند الله تعالى، فحجْم الإنسان عند الله بِحَجم عمله الصالح .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS

     
جديد الموقع