7403
العقيدة - العقيدة الطحاوية - الدرس (13-20) : خلق الخلق بِعلْمه
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1995-05-20
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.

الترضي يكون إما من باب الدعاء أو الإقرار :

 أيها الأخوة المؤمنون، وصَلْنا في كتاب العقيدة الإسلاميَّة للإمام الطحاوي عند قَوْل الإمام الطَّحاوي رضي الله عنه، والتَّرَضي هنا من باب الدُّعاء لا الإقرار، فالصَّحابة نتَرَضَّى عنهم من باب الإقرار، والله تعالى قال:

﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ﴾

[سورة الفتح: 18]

 أما إن ذَكَرْنا رَجُلاً صالِحاً وتَرَضَّيْنا عليه فهذا تَرَضٍّ دُعائيٍّ لا تَرَضٍّ تَقْريري، كأن تقول لإنسانٍ فقير: أغْناك الله! أي أرْجو الله أن يُغْنِيَكَ، أما إذا قلْتَ لإنسانٍ غَنِيٍّ: لقد أغناك الله؛ كان هذا من باب التَّقرير، وإن كان أخوكم المُتَحَدِّث يميل إلى قول: رحمه الله تعالى عند ذِكْر الأئِمَّة، حتَّى يكون هناك فرْقٌ واضِح بين الصَّحابة الكِرام، والعلماء الذين جاؤوا بعدهم. خَلَقَ أي أنْشَأ وأبْدَعَ وأوْجَدَ، ويأتي خَلَقَ بِمَعنى قَدَّر، والخَلْق مَصْدر خَلَقَ الخَلْق بِعِلْمِه.
 أيها الأخوة، هذا موضوع دقيق دقيق، وحَسَّاسٌ حسَّاس، لأنَّ فِئاتٍ كثيرة ضَلَّت وأضَلَّتْ، وزَلَّتْ أقْدامُها في هذا الموضوع، فأرْجو الله سبحانه وتعالى أن تُعْطوني آذانكم وإصْغاءكم لِما سأقول قبل أنْ أقْرأ وأشْرَح.

العقل أداة مَعْرِفَة الحقائق ولكن له طاقَة مَحْدودة :

 كُلُّكم يَعْلم أنَّ العَقْل مَحْدود الإمْكانات وذلك لِحِكْمةٍ أرادها الله تعالى، فأَنْ تَعُدَّ عَقْلَكَ كُلَّ شيء، وأنَّهُ بِإمْكانه أن يفْعَلَ كلّ شيء؛ هذه فِكْرة ساذِجة، ويعتقِدُها الأطفال، فَعَقْلُكَ أداة مَعْرِفَة الحقائق، ولكن له طاقَة مَحْدودة فَحَيْثُما وَجَّهْتَهُ إلى المادَّة لِتَخْتَبِر مُنْشِأها، وإلى الخَلْق لِتَعْرِفَ خالِقَهُ، وإلى النِّظام لِتَعْرِفَ نِظامَهُ، وإلى الفِطْرة لِتَعْرِف من فْطَرَها فحَيْثُما تَوَجَّهْتَ إلى المادَّة بِعَقْلِكَ كَشَفَ لك ما وراء المادَّة، وهذه المُهِمَّة سَمَّاها العُلماء الاسْتِدْلال، وهذه هي صَلاَحِيَّة العَقْل؛ تنْظر في الكون فَتَرى المُكَوِّن، وتنظر في النِّظام فَتَرى المُنَظِّم، وتنظر في الإبداع فَتَرى المُبْدِع، وتنظر في الجمال فَتَرى الجميل، وتنظر في الحِكْمة فَتَرى الحكيم، وإيَّاكم ثمَّ إيَّاكم أن تُحَمِّلوه ما لا يُطيق، وأن تُقْحِموه في عالَم الغَيْب؛ عِنْدَئذٍ يأتيكم بِنَتائِج مُضْحِكَة، لذلك الذين ضَلُّوا وأضَلُّوا ماذا فَعَلوا؟ سَلَّطوا عُقولهم على موضوعات غايتها في الدِّين الإخْبار، فأنت في حلَقَة الإحْساس، أو حَلَقَة العَقْل، أو حَلَقَة الإخْبار: ذاتُ الله عز َّوجل وأسْماؤُه وصِفاتُه، الماضي السَّحيق والمستقبل البعيد، عالَمُ الغَيْب وعالَم الملائكة وعالَم الجنّ؛ هذه مَوْضوعات إخْبارِيَّة لا نَمْلِك فيها إلا الخَبَر الصادِق، وأيَّةُ زِيادَةٌ على الخَبَر الصادِق هي زِيادَة وَهْمِيَّة وظَنِيَّة، وليْسَت قَطْعِيَّة، لذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام قال:

((تَفَكَّرُوا فِي خَلْقِ اللَّهِ وَلا تَفَكَّرُوا فِي اللَّهِ ))

[ الكشاف عن عبد الله بن عباس]

 لذا وَطِّن نَفْسَك على أن تَخوض في آيات الله التي تتحدث عن خَلْقِه، وأن تُمْضي حياتَكَ كُلَّها في التأمُّل في مَخْلوقات الله وعَظَمَتِها، وكُلَّما زِدْت في الكَون تَفَكُّراً كلَّما زِدْت بالله تعالى مَعْرِفَة بأسمائِه وصِفاته الفضلى، أما إذا زَلَّتْ قَدَمُك وسَلَّطْتَ عَقْلَك على معْرِفَة ذات الله، فَهُنا المشكلة، ومِن هنا أخطأ المعتَزِلة، وزلَّتْ أقْدامهم؛ حينما جَعَلوا عَقْلَهم حَكَماً على الغَيْبِيَّات، فَكَّروا في ذات الله بِهذا العَقْل المَحدود، وأرادوا به أنْ يسْتَوْعِبوا هذا الخالق القديم، فَلِذلك هنا المُنْزَلَق؛ موضوع عِلْمُ الله عز وجل، فالإنسان بِمُحاكَمَة ساذِجَة يقول لك: الله تعالى لا يعْلَم، ولو عَلِمَ لكانَ ظالِماً إذاً هو لا يعْلَم؛ أرَدْنا أنْ نُبَرِّئَهُ من الظُّلْم فأوْقَعْناهُ في الجَهْل، والله تعالى ما كَلَّفَكَ أن تُدافع عنه بِهذه الطريقة، فالله عز وجل قال:

﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

[سورة التغابن: 11]

 وسَنَرى بعد قليل تَفاصيل هذه الآية.

الزَّمَن مِن خَلْق الله والله عزَّ وجل مُحيط بالخَلْق :

 لكن؛ سبحان الله!‍ هناك باب واسع يُمْكِن أن يرْقى بِكَ إلى أعلى عِلِيِّين، فلو تأمَّلْتَ حِكْمَة الخالِق فيما خَلَق لرأَيتَ عِلْماً ما بعْدَهُ عِلْم، فأنا لا أُريد أن أُبْعِدَكم عن موضوع حسَّاسٍ جداً؛ ولكني أضرب مثلاً، لو رَكِبْتَ سيَّارةً حديثة سَتَكْشِف أنَّ وراء هذه السيَّارة عقولاً لمُهَنْدِسين، وخُبَراء، وأذْكِياء، وكُلّ شيء في المَرْكَبَة يدُلّ على أنّ الذي صَمَّمَها وقفَ أمام مُشْكلة، وحَلَّها، فالإنسان ينزِل بمُنْزَلق مُنْحَدِر جداً، فَيَضَعُ رِجْلَهُ على المِكْبَح سهواً، فَيُمْكِن لِهذا المِكْبَح أن يحْتَرِق، إلا أنَّ المِكْبح الحديث فيه بَخَّاخ يحوي هواء بارداً، معنى ذلك أنّ الإنسان حلَّ مشكلة، لأنّك تضْطرّ إلى اسْتِعْمال المِكبح بِصورة مسْتَمِرَّة، وأحْياناً يتَعَطَّل شريط مهمّ في السيَّارة، أما الآن فهناك شريط مزْدَوِج، إذا انْقطَعَ الأوَّل بقيَ الثاني ساري المَفْعول، كلَّما أمْعَنْتَ النَّظر في السيارة تجد أنَّ الذي صَمَّمَها على دِرايَة، وعلى عِلْمٍ شديد، ولو فَكَّرْنا في عِلْم الله تعالى بِهذه الطريقة، ودَقَّقْنا في خَلْق الله تعالى، وفي النبات، والحيوان، والإنسان، وفي عِلْم الأجِنَّة، وفي الكَوْن، لَوَجَدْنا في عِلْم الله تعالى الشيء الذي لا يُصَدَّق! ألَيْس هذا الموضوع أجْدى وأوْلى مِن أن نقول يَعْلَم أو لا يعْلَم، وهل الزَّمَن يُحيط بالله عز وجل؟ أم أنَّ الله عز وجل مُحيطٌ بالزَّمَن؟ الزَّمَن مِن خَلْق الله، فَنَحن كَبَشَر مَحْدودون، نقول: اليوم السَّبت، وغداً الأحد، ونقول: هناك شَهْر كذا وكذا، ونقول في عام ألْفَيْن! فنحن لأنَّنا ضِمْنَ الزَّمَن نقول هكذا، لكنَّ الله سبحانه وتعالى هو الذي خلَقَ الزَّمَن وهو من بعض خلقه، والعلماء قالوا: إنَّ الأجسام المادِيَّة لها طول، وعرْض، وارْتِفاع، وهي الأبعاد الثلاثة، أما إذا تَحَرَّكَت أصبَحَ هناك بُعْدٌ رابِع هو الزَّمَن، فالزَّمَن هو البُعْد الرابِع، وحَرَكَة الأفلاك هي سبب تَشَكُّل الزَّمَن، فالزَّمَن بُعْدٌ مِن أبعاد الخَلْق، والله عزَّ وجل مُحيط بالخَلْق، حتَّى إنَّ هناك أشياء كما تعلمون كشَفَها أينشتاين، نحن أجْسام عاكِسَة للضَّوء، فَكَيْف أنّ المُذيع أمام الكاميرا تَظْهر صورته على الشَّاشَة؟ يُسَلَّط عليه عشْرة آلاف شَمْعة من الكهرباء القَوِيَّة، ويُصْبِحُ جَسَدُه عاكِساً للضَّوء، وتخْرُج منه مَوْجات ضَوْئِيَّة، فَنَحن عندَنا مَنْبَع ضَوْئي وعاكِس ضَوْئي؛ فَهذا المِصْباح مَنْبَع ضَوْئي، وهذا الكتاب مثلاً عاكِس ضَوْئي، فالمَنْبَع الضَّوئي والعاكِس الضَّوْئي يُصْدِران أمْواجاً ضَوْئِيَّة، وهي تسير بِسُرْعَة ثلاثمئة وستُّين ألف كيلومتر في الثانِيَة! يقول أينشتاين: لو قُدِّرَ لإنْسانٍ أن يمْشي بِسُرْعَة الضَّوْء لما بَقِيَ هناك زَمَن!

عَيْنُ العِلْم بالله تعالى هي عَيْن الجَهْل به وعيْن الجهل به هي عين العِلْم به :

 لو فرضْنا أنَّهُ لا يوجد سَقْف، وكانت هناك إضاءة، ونحن أجسام عاكِسَة تَصْدر عنها أمواج ضَوْئِيَّة نحو الفضاء الخارجي سرعتها ثلاثمئة وستُّون ألف كيلومتر بالثانِيَة، فلو ركِب إنسانٌ مَرْكَبَةً وسار مع هذه الأمواج، ماذا يحْدُث؟ يرى هذه الجَلْسَة إلى أبَدِ الآبدين، معنى ذلك أنَّ الزَّمَن تَوَقَّف، ويكون أخواننا كَبروا، وجاءهم الأولاد، وأصبحوا دعاة، وأصْبَحوا أجداداً، وأخونا الذي يمْشي مع الضَّوْء يرى هذا المنظَر هو هُو! أما لو سَبَق الضَّوء لتراجَعَ الزَّمَن، والآن هناك دِراسات تقول: إنَّهُ يُمْكِن أن نرى معْرَكَة اليَرْموك! فلو أنَّ معركة مضى عليها مثلاً ألف سنة، فلو سَبَقْنا أمواج الضوء، واسْتَطَعْنا أن نُسَجِّل هذه الأمواج، فلو كان لنا جهاز يعْكس هذه الأشياء لرأيْناه، لذا كلّ شيءٍ يعمله الإنسان مُسَجَّل عليه، فأصْبح لدينا أنَّنا إن سبَقْنا الزَّمَن فإنَّه يتراجَع، أو إن نَسْبِقَ الضَّوء يَتَوَقَّف الزَّمَن، وإن نُقَصِّرَ عنه تَراخَى الزَّمن! فَمِنَ السَّذاجَة وضيقِ الأُفُق أن نَجْعَلَ الزَّمَن مُحيطاً بالله عز وجل، وأن تقول: الله لا يعلم ما سيَكون! هذا الكلام بالنِّسْبة لنا، أما بالنِّسْبة لله تعالى فلا حقيقة له؛ لا يعلم ما سيَكون! إنَّما قوله لشيء إذا أراده: كُن فَيَكون، والزَّمَن بعض خَلْقِه، فالذي أُريد أن أَصِل إليه أنَّهُ لا ينبغي أبَداً أن نُسَلِّطَ عُقولنا على موضوعات إخْبارِيَّة أخْبَرَنا الله بها؛ هذه بدايَة موضوعنا، فإذا دَعَوْتَ إلى الله فإيَّاك ثمَّ إيَّاك أن تَخُوض في موضوعات ذات الله عز وجل مُسْتَعيناً بِعَقْلِك، إذْ العَقْل هنا لا يُجْدي، ويجب أن تعرف حُدودك، فالعاقِل هو مَن يعرِف أين يقِف؟ ومتى ينبغي أن يقِفَ؟ لذلك عَيْنُ العِلْم بالله تعالى هي عَيْن الجَهْل به، وعيْن الجهل به هي عين العِلْم به، وكلمة لا أعلم في ذات الله تعالى هي قِمَّةُ العِلْم، فلو قال لك أحد: كم متراً بين البحر الفلاني والبحر الفلاني؟ فلو أجَبْتَهُ لكان هذا عَيْنَ الجَهْل، والعَجْز عن الإدراك إدراك، وهو كلام سيِّدنا الصِّدِّيق، فلِذلك أيها الأخوة، أنت تبقى في أعلى درجات العِلْم، والوَقَار، والهَيْبَة، والمكانة إذا قلتَ عن موضوع مُتَعَلِّقٍ بِذات الله تعالى: لا أعلم! أما أن تَجْعَلَ مِن عَقْلِكَ أداةً تحكم به على كلّ شيء، ولو كان مُتَعَلِّقاً بِذات الله وأسْمائِهِ وصِفاتِه، فهذا تطاوُلٌ وتَألٍّ على الله تعالى، ما أنزل الله به من سلطان.

عِلْمُ الله تعالى لازِمٌ :

 قوله: خلَقَ الخَلْقَ بعِلْمِه، أي أوْجَدَ، وأبْدع، وأنْشأ، ويأتي خلَقَ بِمَعنى قدَّرَ، والخَلْقُ مَصْدر، وهو هنا بِمَعنى المَخْلوق، خلَقَ يخْلِق خلْقاً؛ وبالمناسبَة ما هو المَصْدر؟ المَصْدر ما دلّ على حُدوث عَمَل؛ عَمَلِيَّة التَّمْزيق اسمُها شَقَّ يشُقّ شَقّاً، فالشَّق هو المَصْدر، فَحُدوث العَمَل مُجَرَّداً عن الزَّمن هو المَصْدر، والاسم شيء: فهو ما دَلَّ على إنسان، أو حيوان، أو نبات، أو جماد، أو أيّ شيء آخر، والفِعْل: ما دلّ على حُدوث عَمَل في زَمَن مُعَيَّن، فالاسم خالٍ من الحرَكَة، أما المصدر ففيه حركَة، والأمثلة في ذلك كثيرة، وهناك صِنْف رابِع، ولكنَّه بسيط؛ صِنْف يدلّ على زَمَن بلا حدوث عَمَل؛ الفِعْل الناقِص، الآن خَلَق يخْلق خلْقاً، عَمَلِيَّة الخَلْق بلا زَمَن، لكن أحْيَاناً يتطابق المصْدر مع الاسم، فالخَلْق اسم، وهو نفسه مَصْدر، لذلك (خَلَق) بمعنى أنْشأ، وأبدع، وأوْجدَ، ويأتي (خَلَقَ) بِمَعنى قَدَّر، والخَلْق هنا مَصْدر، وهو بِمَعنى المَخْلوق، فتأتي كلمة الخَلْق تارَةً مصْدَراً، وأخرى اسْماً، أما قولك: شَقَّ يَشُقّ شَقّاً وشِقّاً، وفرق بينهما، فالشَّق غير الشِّق، وتوضَّأ وُضوءاً ووَضوءاً، وأفعال كثيرة، فالوَضوء اسم، أما الوُضوء فهو مَصْدر، وكذا الماء الذي يُضاف للحليب اسمها عَمَلِيَّة (غِشّ)، أما فعلُ إضافة الماء للحليب اسمها (غَشّ)، وأن تسْتَيْقِظ لتأكل الطعام في رمضان اسمُها سَحُور، أما الطَّعام الذي أمامك اسمهُ سُحور، ففَرْقٌ كبير بين الاسم والمَصْدر، فاللُّغة دقيقة جداً.
 إذاً الخلْق هنا بمعنى المخلوق، وقوله: بِعِلْمِه: في مَحَل نَصْب على الحال، أي خَلَقَهم عالِماً بِهم، وقد ذَكَرْتُ لكم موضوعاً دقيقاً، وهو حينما يأتي أخٌ مِن أخواننا الكرام لِيُمْسِكَ هذا الكأس، ويَضَعه هنا، وأنا أعرف ماذا يفْعَل فهذا علمٌ، لكِنَّني إذا أمْسَكْتُهُ أنا، ونَقَلْتُه، فهذا فعلٌ لا علم، ومِن وراء الفعل علمٌ، هذا من باب أوْلى، وهو أبْلَغ، فالفِعْل فِعْلُ الله، فَكَيْف لا يعْلم مَن خلَق؟ ولا يمكن أن يكونَ شيء إلا بالله، وهو الحيّ القَيُّوم، فالحَرَكات، والسَّكنات، وكل شيء في الكون لا يقوم إلا بالله، فالإنسان إذا عَلِمَ فَهُوَ طرَفٌ مُتَفَرِّج، لكنَّ الله تعالى كيف يعْلَم؟ لأنَّه لا يقَعُ شيء إلا بِفِعْلِه، فَعِلْمُ الله تعالى إذاً لازِمٌ، فَمَعنى قول الإمام الطَّحاوي " خَلَق الخلْق بِعِلْمِه" أي خلَقَهُم عالِماً بهم، والدليل القرآني قوله تعالى:

﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾

[سورة الملك: 14]

الغَيْب لا يعْلمُهُ أحد إلا الله :

 لو أنَّ أحدكم فرشَ بيْتَهُ، واشْترى غرفة النَّوم، وغرفة الضُّيوف، وانتَقى، وبحث في المَحَلاَّت، فهل من المَعقول أن يقول أحَدٌ: هل يعلم ماذا اقْتنى؟! هو الذي اشْترى، وهو الذي نَقَلَ، ورَتَّب. قال تعالى:

﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾

[سورة الأنعام: 59]

 تعرفون جميعاً أنَّ كلمة: وعنده مفاتِحُ الغَيْب، تختَلِف عن قول: ومفاتِح الغَيْب عنده! فالثانِيَة تعني أنَّ مفاتِحَ الغيب عنده وعند غيرِه، أما الأولى فهِيَ حَصْراً له تعالى، لذا إيَّاك أن تتوَرَّط في حديث عن المستقبل، فإنّ الغَيْب لا يعْلمُهُ إلا الله، ولا النبيّ الكريم صلى الله عليه وسلَّم يعلمه، فإن عَلِمَ غيْباً فَمِن إعلام الله له، فقد حَدَّثنا النبي عليه الصلاة والسلام عن قِيام السَّاعة، وعلامات آخر الزَّمان، أما أن يعلم الغَيْب لذاته فهذا مُستحيل قال تعالى:

﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً ﴾

[سورة الجن: 26]

 فالله تعالى:

﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾

[سورة الأنعام: 59]

 يعلم دبيب النَّملة السَّمراء على الصَّخرة الصَّماء في الليلة الظَّلماء:

يا من ترى مدَّ البعوض جناحهــا  في ظلمة الليل البهيم الأليل
ويا من ترى نياط عروقها في نحرها  والمخّ في تلك العظام النُحَّل
***

 فَبَاب العِلْم يُعطيك راحة نَفْسِيَّة، والله عز وجل يعلم السرّ وأخفى.

على الخَلْق أن يُثْبتوا ما أثْبَتَهُ الله لِنَفْسِه وأن ينفوا ما نفاه وأن يُمْسِكوا عمَّا أمْسَك عنه:

 قال تعالى:

﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾

[سورة الأنعام: 59]

 في الآية ردّ على المعتزلة، لماذا؟ لأنَّهم يقولون: إنَّ الله لا يعْلم، ولا يعْلم الشيء إلا بعد أن يقَع! فَعِنْدَئِذٍ ما الفرق بينك وبين الله؟!! فأنتم تروْن أنَّني أتَكَلَّم الآن، فأنتم متى علِمْتُم ذلك؟ بعد أن تَكَلَّمْتُ، فإذا كان الله عز وجل لا يعْلم إلا بعد الوُقوع، فما الفرق بيننا وبينه تعالى؟! ليس كمثله شيء سبحانه، وكلّ شيء خطر بِبَالِك فهو تعالى خلاف ذلك.
 قال الإمام عبد العزيز المكِيّ صاحب الإمام الشافِعيّ رحمهما الله تعالى في كتاب الحَيْدَة، الذي حكى فيه مناظرتَهُ بِشْراً المَريسِيّ عند المأمون، حينما سأله عن عِلْمِه تعالى، فقال: بِشْر، أقول: لا يَجْهل تعالى، فَجَعَلَ يُقَرِّر السؤال عن صِفَة العِلْم تقْريراً له، وبِشْرٌ يقول: لا يَجْهَل، وهو لا يعْترِف له تعالى بالعِلْم، فقال الإمام عبد العزيز: نَفْيُ الجَهْل لا يكون صِفَة مَدْحٍ فإنَّ قَوْلي: هذه الأسْطوانة لا تَجْهل، وليس صِفَة مَدْحٍ لها، ولقد مَدَح الله تعالى الأنبياء والملائِكَة والمؤمنين بالعِلْم، وليس بِنَفْيِ الجَهْل، ومن أثْبَتَ العِلْم فقد نفى الجَهْل، ومن نَفى الجَهْل لم يُثْبِت العِلْم، وعلى الخَلْق أن يُثْبِتوا ما أثْبَتَهُ الله تعالى، وأن يُنْفوا ما نفاه الله تعالى، وأن يُمْسِكوا عمَّا أمْسَك الله عنه تعالى؛ يا الله! ما أجْمل هذا الكلام! ذَكَر لي أخ اليوم بالجامِع: ما اسم أولاد سيِّدنا فلان من الأنبياء؟ فقلْتُ: الله أعلم، ولا ينبغي لي أن أعرفها، فالله تعالى سَكَت عنها، فينبغي لي أن أسْكُتَ عنها، فأنا أضْرب مثلاً دائِماً: الكلام نموذجي عن ذاك الذي يبْحث عن تفاصيل وجُزئِيَّات لم تَرِد في كتاب الله، لأنَّه يريد أن يُفْسِدَ على الله تعالى حكْمته.

الحكمة من عدم ذكر الله تعالى للكثير من تفاصيل القصص :

 فأنا أضْرب مثلاً دائِماً: الكلام نموذجي عن ذاك الذي يبْحث عن تفاصيل وجُزئِيَّات لم تَرِد في كتاب الله، لأنَّه يريد أن يُفْسِدَ على الله تعالى حكْمته! لماذا المولى عزَّ وجل في أَكثر القِصص ما ذَكَر تفاصيلَها؟ وما ذَكَر الأسْماء، والبلاد، كأنْ يقول: في دمياط، أو الإسْكَنْدَرِيَّة، أو في دمشق مثلاً! قال: لأنَّ الله عز وجل ما أراد من هذه القِصص أن تكون تاريخاً، أرادَها أن تكون قانوناً فلو أنَّ الله سبحانه وتعالى أكْثَر من التَّفاصيل، والأسْماء والأمْكِنَة والأزْمِنَة توَهَّمْنا أنّ هذه قِصَّة وَقَعَت ولم تقَع مرَّة ثانِيَة! أرادها أن تكون نموذَجاً بَشَرِيّاً مُتَكَرِّراً، لذلك لا تسأل عن تفاصيل القِصص فإنَّك إنْ فَعَلْتَ هذا أفْسَدْتَ على الله تعالى حِكْمَتَهُ، فإنَّ الله تعالى أراد من تلك القِصص أن تكون نموذَجِيَّة لا تاريخِيَّة، ولذلك فالمولى عز وجل كثيراً ما يقول:

﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة الأنبياء: 88]

 وقال تعالى:

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾

[سورة القصص: 14]

 وقال تعالى:

﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾

[سورة الأنبياء: 87]

 الله تعالى قلب هذه المعاني إلى قانون، لذا على الخَلْق أن يُثْبتوا ما أثْبَتَهُ الله عز وجل لِنَفْسِه، وأن ينفوا ما نفاه، وأن يُمْسِكوا عمَّا أمْسَك عنه.

الدليل العقلي على عِلْمِه تعالى :

 هذا كله بالنسبة للدليل النَّقلي، أما العقْلي فسأضْرِبُ لكم مثلاً صارِخاً؛ مَرْكَبَة فضائِيَّة اسْتطاعَت أن تتخَلَّص من جاذِبِيَّة الأرض، هذا يعني أنَّ سرعتها فائقة وخيالية، أخواننا الرِّياضِيِّون يعلمون كيف تتفَلَّت المركبة من جاذِبِيَّة الأرض، فالطائرة العادِيَّة لا يمكن أن تخرق الغِلاف الجَوِّي فالأرض تجْذِبُها، أما مركبَة الفضاء التي تذهب للقَمَر فهذه انْدَفَعَت بِسُرْعَة، ولا أذْكر الآن بالضَّبْط التفاصيل إلا أنّ الأمْر على أساس الوَقُود السائل؛ أكسجين سائل يشْتَعِل فجْأةً فَتَنْدَفِع المركبة انْدِفاعاً مُذْهِلاً، ولا بدّ من سرعة حتَّى تتغَلَّب هذه المركبة على جاذِبِيَّتِها للأرض، فأنت لم تَلْتَقِ إطْلاقاً بِأُناسٍ صَمَّموا هذه المرْكَبَة إلا أنَّهُ ثبتَ لَدَيْك أنَّ هناك مرْكبة انْطَلَقَت من قاعِدَة إطْلاق الصَّواريخ بِأمْريكا، وسارَت باتِّجاه القَمَر، وتحتاج إلى ثلاثة أيَّام، هذا يعني أنَّ الذي وَجَّهها نحو القَمَر، أو إلى ما بعد القَمَر هذا يعني أنّه درَسَ سرعة الاتجاه نحو القَمر، ودرس السرعة التي تتفلَّت المركبة من الجاذِبِيَّة، وأثناء السَّير صار هناك تصحيح مسار، وهناك اتِّصال بين الأرض والمركبَة لا سِلْكي، ووصَلَت هذه المركبة إلى القَمَر، ومَشَت عليه، وتَجَوَّل الرُّواد عليه، فهل تَحْكم وأنت لم تَرَهم ولم تر خِبْراتِهم، هل تحكم بِعِلْمِهم أم بِجَهلهم؟ فأن تركب طائرة تَسَع لأربعمئة راكب، عقلك لا يستوعب أن تسع هؤلاء الركاب! تراها وكأنَّها مدينة، ويُقَدَّم لك الطعام والشراب، وتجلس بِمقاعِد مُريحة، وعلى ارْتِفاع أربعين ألف قَدَم؛ شيء غريب، فهل تَحْكم على مَن صَمَّم هذه الطائِرَة بالعِلْم أم بالجَهْل؟ هذا دليل عَقْلي فالذي صَمَّمها لم ترهُ، لكن ألا تحْكم له بالعِلْم وأنت تصعد الطائرة، وهناك بخار ماء، والحرارة فوق كَم؟ وقائد الطائرة قال لنا: الحرارة خمسون تحت الصِّفر! لذا بخار ماء وجليد يعني تجمّد الجهاز، وعلى هذا فهناك أجْهزة تَسْخين في الطائرة، فإذا رأى انخفاض الحرارة خمس درجات يسخِّن الأجهزة كلَّها، الأمر الثاني؛ هل يُعْقَل على ارْتِفاع خمسين ألف قَدَم أنْ يتنفَّس الإنسان، المفروض أنْ يخرج الدَّم مِن رِجْلَيْه ويخْتَنِق! لكنَّ الطائرة مَضْغوطة ثمانِيَة الأمْثال هواءً، حتى يتوافق الضَّغط على ارْتِفاع أربعين ألف قَدَم مع الضَّغط الذي على الأرض، ولو تَعَطَّل جِهاز الضَّغط على الطائِرَة لَوَجَب أن تَهْبِط اضْطِرارِيّاً، وقد جَلَسْتُ مرَّةً مع طيَّار، فذَكَر لي أشياء لا تُصَدَّق؛ فالآن هناك بعض الطائرات تنزِل بفعلٍ أوتوماتيكيٍّ، فهي تَصعد، وتَنزل على الرادار! فالقَصْد من كلامي أنَّ الذي صَمَّم هذه الطائرة ما رأَيْتَهُ، وما رأيْتَ شهاداته، أفلا تَحْكم عليه بأنَّه عالِم يقيناً! أفلا تقول: إنّ وراء هذه المهارات أدْمِغَة؟ قرأْتُ كتاباً مُتَرْجَماً عن الطُّيور، إلا أنَّه لفَتَ نظري فيه أوّل عبارة وهي: إنَّ أعْظَمَ طائِرَةٍ صنَعَها الإنسان تبْدو تافِهَةً أمام الطائِر، فالطائر يطير سبْع عشرة ساعَة من دون تَوَقُّف! ويرى ثمانية أمْثال الإنسان، يا ربّ لماذا خَصَصْتَ هذا الطائر بالبَصَر الحادّ؟ لأنَّه يلْزَمُه كي يأكل حين ينزل من السَّماء إلى الأرض، وربما لا يجد، ثمّ يُعيد الكرَّة فلا يَجِد مثلاً لكن لمَّا أوْدع الله تعالى فيه قُوَّة الإبْصار، فهذه تَجْعَلُه يرى الأكل من بعيد؛ هذه هي الحِكْمة! وله غِشاء شَفّاف مُقاِوم للهواء حينما يطير بِسُرعة هائِلَة، وما دام الطائر في حركة دائِمَة فهل تُصَدِّقون أنّ الهواء الذي يسْتَنشِقُه الطائِر يسْري إلى جِسْمِه كُلِّه، فالهواء المُسْتَنْشَق يجري في قَصبات هوائِيَّة تَصل لِجَميع الجسَد، وذلك من أجْل تَبْريد العَضَلات، والله أيها الأخوة، لو قرأتُم عن الطُّيور لَوَجَدْتُم شيئاً لا يُصَدَّق، وإنًّ الطائرة لتبْدو تافِهَة أمام هذا الطائِر، لذا عندما ترى طائرةً على متنها أربعمئة راكِب مثل المدينة، فَخالِقُ الطُّيور أبْدعَ أموراً وأشياء لا تُقاسُ بأيّ اخْتِراع.

الاتجاه إلى معْرِفة عِلْم الله من خِلال التَّفَكُّر فيه لا مِن خِلال تَسْليط العَقْل على ذاته :

 الدليل العَقْلي على عِلْمِه تعالى أنَّه يسْتحيل إيجادُه الأشياء مع الجَهْل! يسْتحيل أن يُصَنَّعُ دواء فعَّال جدّاً من قِبَلِ رجلٍ جاهِل! ولأنَّ إيجادهُ الأشياءَ بإرادَتِه، والإرادة تَسْتَّلْزِمُ تَصَوُّر المُراد، وتَصَوُّر المُراد هو العِلْم بالمُراد، فكأنَّ الإيجاد مُسْتَلْزِماً للإرادة، والإرادة مُسْتَلْزِمَةً للعِلْم، فأصْبَحَ الإيجاد مُسْتَلْزِمٌ للعِلْم، والعقل يقول هذا.
 هناك عالِم ألماني قال: هل تؤمن أنّ انْفِجاراً حصل بِمَطبعة فَصَدَر منه قاموس: لاروس، (LAROUSSE )‍! واللهِ، فالذي يؤمن أنّ هذا الكَوْن جاء بالصُّدْفة كمَن يؤمن أنّ هذه الكتب الآن جاءَت عن طريق انْفِجار مَطْبَعَة، فالفِكْرَة أنّ الوُجود يَقْتَضي العِلْم، وأنا بِحُكم تجوالي زرْت بعض بلاد الخليج، فهناك جُسور فيها منَبِّهات أجراس، إن زادَت الحُمولَة على الوزن المُقَرَّر فإنَّ رنيناً يُنَبِّهُك! هذا فِكْرٌ صَمَّم هذه التَّرْتيبات، فالإنسان إذا فَكَّر وجَدَ وراء هذا التَّصْميم عَقْلاً وعلماً.
 قلتُ لكم مرَّةً: أحْياناً الإنسان لا تكون له علاقة بالموضوع، ولكن تكون لك حاجَة عَقْلِيَّة، فأنا كنت أُلاحظ شاحنات فيها صهاريج؛ فيها وقود الطائرات، ووقودُ الطائرة يشْتعل بالحرارة، ففي أيَّام الصَّيْف الحارَّة هناك حوادِث اشْتِعال صهاريج الوقود، فأنت تَجِد سيَّارة تمْشي ووراءها قطعة حديد تضرب الأرض، فما هي؟ ولماذا؟ مِن أجل امْتِصاص الشحنات السَّاكنة، فالعَقْل البشري له مَبْدأ السَّبَبِيَّة، والغائِيَّة، وعدم التناقض، هذه مبادئ العَقْل وهي وَفْق مبادئ الكَوْن.
 ولأنَّ الفِعْلَ المُحْكَم المُتْقَن يَمْتَنِعُ صُدوره عن غير العالِم، ولأنَّ مِن المَخْلوقات ما هو عالِمٌ، ولأنّ العِلْمَ صِفَةٌ كمالٍ، ويَمْتَنِعُ ألاّ يكون الخالِق عالِماً، وهذا له طريقان، فهذا دليل عَقْلي، فَكُلّ شيءٍ مُتْقَن يَحْتاج إلى عِلْم، الطريق الأول: ما يُقال: نحن نعلم بالضرورة أنَّ الخالِق أعلم من المخلوق، وأنَّ الواجبَ ـ وهو الله ـ أكْمَل من المَخْلوق، ونَعْلَم ضَرورَةً أنَّنا لو فَرَضْنا شيئَين؛ أحدهما عالِم، والآخر غير عالِم كان العالِم هو الأكْمَل، فلو لم يكن الخالق عالِماً لَلَزِمَ أن يكون المُمْكِن أكْمل منه وهذا مُمْتَنِع. والطريق الثاني أن يُقال: كلُّ عِلْمٍ في المُمْكِنات التي هي المَخلوقات فهو منه، ومِن المُمْتَنِع أن يكون فاعِلُ الكمال ومُبْدِعُهُ عارِياً منه، بل هو أحَقُّ به، والله تعالى له المَثَل الأعلى، فلا يَسْتوي هو والمَخلوقات، لا في قياس تمثيل، ولا في قياس شُمول، بل كل ما ثَبَتَ في مَخلوق من كمال فالخالِقُ به أحَقّ، وكل نَقْصٍ تنزَّه عنه مَخلوق ما فَتَنْزيهُ الخالِقِ عنه أوْلى.
 درسنا اليوم هذه الفقْرة؛ خَلَقَ المخلوقات بِعِلْمِه، وأنا أرجو الله عز وجل أن تتَّجِهوا إلى معْرِفة عِلْم الله من خِلال التَّفَكُّر فيه لا مِن خِلال تَسْليط العَقْل على ذاته، ولتقولوا: الله يعْلم، فإنَّ هذا الموضوع لا يَعْنينا، والله تعالى أثْبَتَ العِلْم المُطلق لِذاته فقال:

﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

[سورة التغابن: 11]

 وطريق معرفة هذا العلم مخْلوقاته، وما سوى ذلك انْحِراف.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS