58206
خطبة الجمعة - الخطبة 0363 : خ1 - حديث شريف (ياعبادي إني حرمت الظلم على نفسي2...) ، خ2 - العظام وتركيبها.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1991-10-04
بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا لرُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله ، سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر ، اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ، ومن تبعه إلى يوم الدّين ، اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ، ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الله سبحانه وتعالى غنيّ حميد لا حاجة له بطاعة عباده :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ في الخطبة السابقة بدأْنا بِشَرح الحديث القدسي المروي عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ :

((يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ ، يَا عِبـَادِي كُلُّكـُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُـهُ فَاسْتَكْسُونِـي أَكْسُكُمْ ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ ))

[مسلم عَنْ أَبِي ذَرٍّ]

 أيها الأخوة الأكارم ؛ هذه الفقرات من الحديث القدسي تمّ شرحها في الخطبة السابقة ، وتتِمَّة الحديث القدسي :

((يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي ، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِــي شَيْئًا ، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مـِنْ مُلْكِي شَيْئًا ، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُــلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِـيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ))

[ مسلم عن أبي ذر]

(( يـَا عِبَادِي إِنَّكُــمْ لـَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَـنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي ))

 الله سبحانه وتعالى غنيّ حميد ، لا حاجة له بطاعة عباده ، وطاعة عباده جميعًا لا تنفعُه ، ومعصِيَةُ عباده جميعًا لا تضرُّه ، إنّما الذي ينتفعُ بالطاعة هم العباد أنفسهم ، وإنّما الذي يتضرّر بالمعصِيَة هو العبد نفسه ، فطاعة العباد جميعًا لا تنفعُ الله عز وجل ، ولا تزيدُ في ملْكِهِ ، ومعصيَة العباد جميعًا لا تضرّ الله عز وجل ، ولا تنقص في مُلكِهِ . يقول ربّنا سبحانه وتعالى:

﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً﴾

[ سورة آل عمران : 176]

 هذا مِصداق هذا الحديث من كتاب الله تعالى ، وفي آية أخرى :

﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً﴾

[ سورة آل عمران : 144]

 أحيانًا يسلك المرء في طريق الإيمان ، وفي ساعةٍ غضبٍ ، أو ساعة شهْوةٍ ، أو ساعة ضَعْفٍ ، يتفلَّتُ من اسْتِقامته ، وينطلق إلى المعاصي ظانًّا أنَّه بهذه المعاصي يشْفي غليلهُ من القدَر! إنّه الحمْق بعَينِه ، إنّه الغباءُ بعَيْنِهِ ، إذا انْطلقَ الإنسان إلى المعصيَة لن يضرّ أحدًا إلا نفسهُ ، وإذا انْحرف عن الطريق المستقيم لن يدفعَ أحدٌ ثمَنَ انْحرافه إلا هو ، وإذا تجاوَزَ الحُدود أصبحَ من الحضْرة مَطرودًا .
 فيا أيها الأخوة المؤمنون ، حينما قال الله سبحانه وتعالى :

﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾

[ سورة الروم : 44]

 وقال تعالى :

﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾

[ سورة إبراهيم : 8]

 لن تنفعُه طاعتكم ، ولا تضرُّه معْصِيَتُكم ، وفي آية رابعة قال تعالى :

﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾

[ سورة الحجّ : 37]

 ربّنا عز وجل صاحِبُ الأسماء الحُسنى ، كاملٌ كمالاً مُطلقًا ، ومن خصائص الكمال المُطلق أنّ الله سبحانه وتعالى يُحبّ لعباده الخير ، فإن تابوا أحبَّهُم ، لا لأنّهم نفعُوه ، ولا لأنهم زادوا في مُلكِهِ ، بل لأنّهم نفعوا أنفسهم ، واسْتفادوا من عطاء الله عز وجل .

من انحرف و تجاوز الحدود يضرّ نفسه و لا يضرّ الله شيئاً :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ يقول عليه الصلاة والسلام :

((من يعص الله ورسوله فقد غوى ، ولا يضرّ إلا نفسهُ ، ولا يضرّ الله شيئًا..))

 خمسُ آيات ، وحديث شريفٌ يؤكّد أنّ الإنسان إذا انْحرفَ ، أو تجاوَزَ الحُدود، أو زاغَ عن طريق الحقّ ، انْتكسَ ، أو رجَعَ القهقرى ، إنّ هذه الأفعال لن تضرّ الله شيئًا ، إنما يحْفرُ قبرهُ بيَدِهِ كما يُقال ، أو يحْفرُ حفرةً ليَقَع فيها .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ الشيطانُ أحيانًا يدفعُ الإنسان إلى المعصِيَة لِيَشْفي غليلهُ حينما تتعاكسُ الأمور ، من كان يظنّ أنّه لن ينصرهُ الله في الدنيا والآخرة ، أحيانًا يُضيّقُ على الإنسان ، أحيانًا تُغلق في وَجه الإنسانِ كلّ الأبواب ، أحيانًا أبواب الأرض كلّها مغلّقة ، من أجل ماذا ؟ من أجل أن يتطلّع الإنسان إلى السماء ، من أجل أن ينطلقَ إلى باب الله تعالى ، من أجل أن يتوب ، من أجل أن يستقيم ، من أجل أن يصطلح مع الله تعالى ، فحينما تضيقُ الأمور بالإنسان ، وتغلقُ الأبواب ، بدَلَ أن يكون هذا الإغلاق ، وذاك التّضييق دفعًا له إلى باب الله ، ودفْعًا له إلى باب التوبة قدْ ييْئَسُ الإنسان ، فإذا انْتكسَ إلى معْصِيَةٍ ، وانْكبّ على مخالفةٍ من أجل أن يشفيَ غليلهُ هذا هو الحُمْق بِعَينِهِ ، وهذا هو الضلال بِعَينه ، وهذا هو الغباءُ بِعَينِهِ ، يقول :

﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً﴾

[ سورة آل عمران : 176]

 وقال تعالى :

﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً﴾

[ سورة آل عمران : 144]

 وقال تعالى :

﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾

[ سورة إبراهيم : 8]

 لن تنفعُه . وقال عليه الصلاة والسلام :

((من يعص الله ورسوله فقد غوى ، ولا يضرّ إلا نفسهُ ، ولا يضرّ الله شيئًا..))

شرْط قَبُول الِاسْتِغْفَار أَنْ يُقْلِع الْمُسْتغفر عَن الذَّنب :

 وفي آية أخيرة قال تعالى :

﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾

[ سورة الحجّ : 37]

 أي إذا رجعْتم إلى الله ، وسعِدْتُم بقُربِهِ ، وحُفِظْتم من قبَل الله عز وجل ، هذا الذي يُفرح الله عز وجل ، لذلك ورد في الحديث :

((للَّه أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عبَدْهِ مِن العَقِيمِ الوَالِدِ ، ومِنَ الضَّالِ الوَاجِدِ ، ومِنَ الظَّمْآنِ الوَاِرِدِ))

[رواه ابن عساكر عن أبي هريرة]

 والقصّة التي تعرفونها ، والتي رواها النبي عليه الصلاة والسلام حيثُ أنّ أعرابيًّا ضلّ الطريق ، وضاعَتْ منه ناقَتُهُ التي عليها طعامُه وشرابُه ، فجلسَ يبكي حتى أدْركَهُ التَّعَب فنام فاسْتَيقَظَ فرأى الناقة أمامهُ ، فَمِنْ شدّة الفرَح اخْتَلَّ توازُنُهُ ، وقال : يا ربّ أنا ربّك ، وأنت عبدي ، يقول النبي عليه الصلاة : " لله أفرحُ بِتَوبة عبده المؤمن من ذلك البدَوِيّ بِناقَتِهِ " وهذا معنى قول الله عز وجل :

﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾

[ سورة الحجّ : 37]

 وقد ورَدَ في الحديث القدسي أنَّهُ من علِمَ منكم أنِّي ذو قدرة على المغفرة ، ثمَّ اسْتغفرني غفرْتُ له ولا أُبالي . روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

((إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا فَقَالَ : يَا رَبِّ إِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ لِي ، فَقَالَ رَبُّهُ : عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ ، فَغَفَرَ لَهُ ، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا آخَرَ، وَرُبَّمَا قَالَ : ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ ، فَقَالَ : يَا رَبِّ إِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْبًا آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي ، فَقَالَ رَبُّهُ : عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ ، فَغَفَرَ لَهُ ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا آخَرَ وَرُبَّمَا قَالَ : ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ ، فَقَالَ : يَا رَبِّ إِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْبًا آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي ، فَقَالَ رَبُّهُ : عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ فَقَالَ رَبُّهُ : غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

من كان مع الله كان الله معه :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ أحَدُ العارفين بالله ذو النون المصريّ ، قال مرَّةً : أيْنَ قلبي ؟ أين أجِدُ قلبي ؟ ويقْصِدُ بهذا الكلام أنّ الإنسان أحيانًا يقَعُ في حَيْرة ، تلْتَبِسُ عليه الأمور، ويشعرُ بالضِّيق ، ولا يدري لهذا الضّيق من سبب ، قال هذا العارف بالله : أين قلبي؟ ومن وجد لي قلبي فلْيُخْبرني أيْنَ أجِدُ قلبي ؟ دَخَلَ في بعض السِّكَك ، وفي بعض الأزِقّة ، فوَجَدَ صَبِيًّا يبكي ، وأُمُه تضربه ، ثمّ تخرجُهُ من الدار ، وتغلقُ الباب دونهُ ، فَجَعَلَ الصبيّ يتلفّتُ يمينًا ، وشمالاً ، لا يدري أين يذهـب ، ولا أين يقصِد ، فجعلَ يبكي ، ويقول : يا أُمّاه مَن يفتحُ عليّ الباب إنْ أنتِ أغْلقْتِ عليّ البـاب ؟! مَنْ يُدْنيني إن أنـتِ طردْتني ؟ مَنْ يُدْنيني إن أنتِ غضبت عليّ ؟ فرَحِمَتْهُ أُمُّه ونظرَتْ إليهِ مِنْ خلَل الباب تجْري دُموعُه على خدَّيْه مُتَمَعِّكًا في التُّراب ففَتَحَتْ له الباب ، وضمَّتْهُ إلى حِجْرها ، وجعَلَتْ تُقبِّلُهُ وتقول : يا قُرَّة عيْني ، يا عزيز نفسي ، أنت الذي حَمَلْتني على نفْسِك ، أنت الذي تعرَّضْتَ لِمَا حلَّ بك ، لو كنتَ أطَعْتَني لم ْتلْقَ مِنِّي مكروهًا ، فتواجَدَ الصبيّ ثمّ قامَ ، ودخَلَ إلى بيتِهِ ، فصاحَ ذو النون وقد رأى هذا المنْظَر ؛ وَجَدْتُ قلبي وَجَدْتُ قلبي وَجَدْتُ قلبي ، أيْ وَجَدْتُ أنّ القلب لا يُطَمْئِنُهُ إلا أنْ تعود إلى الله تعالى ، لا يُطَمْئِنُ القلب إلا أن تُنيب إليه ، لا يُطَمْئِنُ القلب إلا أن تتوبَ له ، لا يُطَمْئِنُ القلب إلا أن تُقْبِلَ عليه ، لا يُطَمْئِنُ القلب إلا أن تتَّكِلَ عليه ، لا يُطَمْئِنُ القلب إلا أن تزورَهُ في بيوتِهِ ، وإنّ بيوتي في الأرض المساجِد ، وإنّ زوّارها هم عُمّارها ، فَطُوبى لِعَبْدٍ تطهَّر في بيتِهِ ثمّ زارني وحُقّ على المزور أن يُكرِمَ الزائر .
 أيها الأخوة المؤمنون ، يقول الله عز وجل :

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾

[ سورة الرعد : 28]

 أي لو أنَّك مُذْنِب ، لو أنّك مخطئ ، لو أنّ القدَمَ زلَّتْ بِكَ ، مَنْ لك غير الله؟ من لكَ ملجأ غير الله ؟ هل لك مُعينٌ إلا الله ؟ هل لك ملجأٌ غير الله ؟ هل لك مرْجِعٌ إلا الله ؟ هل لك غافرٌ إلا الله ؟ هل لك قابضٌ غير الله ؟ هذه القصّة على بساطَتِها ، وعلى أنَّها مألوفة لكِنَّها أعْطَتْ هذا العارف بالله درسًا لا يُنسى ، قال : يا أُمّاه مَن يفتحُ عليّ الباب إنْ أنتِ أغْلقْتِ عليّ الباب ؟! مَنْ يُدْنيني إن أنتِ طردْتني ؟ مَنْ يُدْنيني إن أنتِ غضبت عليّ ؟ فرَحِمَتْهُ أُمُّه ، ونظرَتْ إليهِ مِنْ خلَلِ الباب تجْري دُموعُه على خدَّيْه مُتَمَعِّكًا في التُّراب ففَتَحَتْ له الباب ، وضمَّتْهُ إلى حِجْرها ، وجعَلَتْ تُقبِّلُهُ وتقول : يا قُرَّة عيْني ، يا عزيز نفسي ، أنت الذي حَمَلْتني على نفْسِك ، أنت الذي تعرَّضْتَ لِمَا حلَّ بك ، لو كنتَ أطَعْتَني لم تلْقَ مِنِّي مكروهًا ، عندئذٍ صاح ذو النون المصري ، كما صاح أرخميدس ، قال : وَجَدْتها وَجَدْتُها وَجَدْتها ، ولكنّ هذه الصَّيْحَة غير تِلْك الصَّيْحة ، صاح ذو النون المصري : لقد وَجَدتُ قلبي ، أي وَجَدْتُ مأوى قلبي، وجَدْتُ راحة قلبي ، وجَدْتُ سعادة قلبي ، السعادة كلّ السّعادة ، والراحة كلّ الراحة ، والطمأنينة كلّ الطمأنينة ، والرضا كلّ الرّضا ، أن تكون مع الله عز وجل ، قال :

كُنْ مع الله تر الله معك  واتْرُكِ الكُلَّ وحاذِرْ طَمَعَــك
وإذا أعطاك مَنْ يمْنَـعُــهُ  ثمّ مَنْ يُعطي إذا ما منعَـكَ
***

 هذا يُؤكِّدُهُ قول الله عز وجل :

﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾

[ سورة آل عمران: 135]

 هذا الذي يُصدِّقُهُ قَوْل الله تعالى :

﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾

[ سورة التوبة : 118]

الله تعالى ولي نصير و شفيع ناصر :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ مِن طَبيعة الحياة أنَّ العبْد إذا خافَ من عبْد هربَ إلى غيره، ولكنّه إذا خاف من الربّ إلى مَنْ يهْرُب ؟ إلى مَنْ يلتجئ ؟ والله محيط بكلّ شيء ، لذلك وردَ في الدعاء الشريف :" أعوذُ برِضاكَ مِن سخَطِكَ ، وبِعَفْوِكَ مِنْ عُقوبَتِكَ ، وبِكَ مِنْك " ووردَ في حديث آخر : " لا ملجأ لي منك إلا إليك " فِرَّ مِنَ الله إلى الله ، الْجأ من الله إلى الله ، أي الْجَأ مِن عُقوبتِهِ إلى عَفْوِهِ ، اِسْتَعِذْ بِرِضاهُ مِن سَخَطِهِ ، وبِعَفْوِهِ مِن عُقوبتِهِ ، أطِعْهُ حتى تنْجُوَ مِن عُقوبتِهِ ، عُدْ إليه حتى تنْجُوَ مِن عِقابِهِ ، اِلْزَمْ بابهُ حتى تنْجُوَ مِن الوَحْشَة .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ قال أحَدُ العارفين بالله ، وهو الفُضَيْل بن عِياض : ما مِن ليلةٍ إلا ويُنادي الجليل ؛ مَن أعْظَمُ مِنِّي جودًا ؟ والخلائق لي عاصون ، وأنا لهم مُراقبٌ ، أكْلؤُهم في مضاجِعِهم ، كأنَّهم لمْ يعصوني ، وأتولّى حِفْظهم كأنّهم لم يُذنبوا فيما بيني وبينهم ، أجودُ بالفَضْل على العاصي وعلى المُسيء ، مَنْ ذا الذي دعاني فلمْ أسْتَجِبْ له ؟ منْ ذا الذي سألني فلَمْ أُعْطِهِ ؟ منْ ذا الذي أناخَ بِبَابي فنحَّيْتُهُ ؟ أنا الفضْلُ ومِنِّي الفضْلُ ، أنا الجوادُ ومِنِّي الجودُ ، أنا الكريم ومِنِّي الكرم ، من كرمي أن أُعْطي العبْد ما سألني وما لم يسألني ، من كرمي أن أُعْطِيَ التائب كلّ سُؤْلَهُ .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ ذلكم الله ربّ العالمين ، ما لكم من دونه مِن وَليّ ، ما لكم من دونِهِ مِن نصير ، ما لكم من دونِهِ مِن شفيع ، ما لكم من دونه من ناصِر ، ما لكم من دونِهِ من حافِظ ، ما لكم من دونِهِ من مؤيِّد .

انعدام الشرّ المطلق في مُلك الله عز وجل :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ قال عليه الصلاة والسلام في فقرة مِن حديثٍ طويل :

(( والشَّرُّ لَيسَ إليكَ ))

[مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن علي بن أبي طالب]

 وقد فسّرَ العلماء هـذه الفقْرة بأنّ الشرّ المُطلق ، أو الشرّ المحْض المَقصودُ لذاتِهِ لا وُجود له في ملْكِ الله عز وجل ، لكنْ هناك ما هو في عُرْف الناس ما هو شرّ ، في مقاييسِهم ، فالفقر في مِقياس الناس شرّ ، والمرَضُ شرّ ، ولكن إذا نَقَلَكَ المرضُ من حال إلى حال ، ومن منزلةٍ إلى منزلة ، ومن وَضْع إلى وَضْع ، إذا نقلكَ الخوف من تفلُّتٍ إلى استقامة، إذا نقلكَ الحُزْن من ضَياعٍ إلى وِجدان ، فهل هذا شرّ مطلق ؟ لا والله ، هو خَيرٌ مَحْض ، ولكن في صورة شرّ ، كالدواء تمامًا ؛ مُرّ المذاق لكِنّ عاقِبَتَهُ مُريحَة ، مُرّ المَذاق ، ولكن عاقبتَهُ مرضيّة ، مُرّ المذاق ، لكنّ عاقبتهُ مسْتحبّة عند الإنسان ، يجبُ أن تعلموا علْم اليقين أنّ الشرّ المطلق ، ومعنى الشرّ المطلق أيْ الشرّ المقصود لذاته ، لا وُجود له في مُلك الله عز وجل ، إنَّما الشرّ سُمِّيَ شرًّا بالنّسبة للناس ، بِحَسَبِ مقاييسِهم ، بِحَسب قِيَمِهم ، وبِحَسبِ ما ألفوه ، فلذلك قال تعالى :

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾

[ سورة آل عمران: 26 ]

 لمْ يقُل بيَدِكَ الخير والشرّ ، بيدِكَ الخير ، لأنّ العطاء خير ، والأخذ خير ، الإعزاز خير ، والإذلال خير ، ولكن في حساب العواقب ، لا في حِساب الأحوال الراهنة ، في حِساب المآل ، لا في حِساب الحال ، في حِساب النتيجة ، لا في حساب المقدّمة ، في حِساب الآخرة ، لا في حساب الدنيا .

الصلاح والتقوى أساسهُ قلبٌ بارّ والفُجور والانحراف أساسهُ قلبٌ فاجر :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ ويقول الله عز وجل متابعةً للحديث القدسي :

((يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا ، يَا عِبَادِي لـَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانـُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا))

[ مسلم عن أبي ذر]

 يُستفاد من هذه الفقرة أنّ القلب إذا كان بارًّا برَّت الجوارح ، وأنّ القلب إذا كان فاجرًا فجرَت الجوارح ، وأنّ أصْل الشرّ هو انْحراف القلب ، ويقول الله عز وجل في بعض الأحاديث القدسيّة : " عبدي طهَّرْت مَنْظر الخلق سنين أفلا طهَّرْتَ منْظري ساعة ؟ " ويقول عليه الصلاة والسلام :

((ألا وَإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ ألاَ وَهِيَ القَلْبُ ))

[ البخاري عن النعمان بن بشير]

(( يَا عِبَادِي لــَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانـُوا عَلَـى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ ))

[ مسلم عن أبي ذر]

 إذًا الصلاح والتقوى والخير والمعروف والإحسان أساسهُ قلبٌ بارّ ، والفُجور والانحراف والإساءة والطّغيان أساسهُ قلبٌ فاجر .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ يقول عليه الصلاة والسلام :

((التقوى هاهنا التقوى ها هنا مرتين أو ثلاثاً وأشار بيده إلى صدره))

[مسلم عن أبي هريرة ]

 عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :

((إنَّما الأعْمـالُ بالنِّيَّاتِ وإنَّمَا لِكُلّ امرئ مَا نَوَى ، فَمَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللّه وَرَسولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى اللّه وَرَسولِهِ ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيا يُصِيبُها أَوِ امْرأةٍ يَنْكِحُها فَهِجْرَتُه إلى ما هَاجَرَ إلَيْهِ ))

[ البخاري عن عمر ]

تَقنين الله ليس تقنين عجْز بل تَقْنين تأديب :

 شيءٌ آخر أيها الأخوة متعلّق بهذا الحديث الشريف ، هو أنّ الله سبحانه وتعالى حينما قال :

((يَا عِبَادِي لَـوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامـُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ))

[ مسلم عن أبي ذر]

 ماذا أراد الله بهذا الكلام ؟ أراد الله بهذا الكلام أن يدْفعَنا إلى سُؤاله ، لأنّه الكريم ، وكاملُ في غِناه ، كاملٌ في قدرته ، لذلك قال عليه الصلاة و السلام

((يَمِينُ اللَّهِ مَلأَى لا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَحَّاءُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ ))

[ ابن خزيمة عن أبي هريرة]

 أيها الأخوة ، الآن أقول لكم كلمة دقيقة ، إذا رأيْتُمْ تقْنينًا من قِبَل الله للأمطار ، أو بالمواد ، أو بالحاجات ، يجبُ أن توقِنوا يقينًا قطْعِيًّا أنّ تَقنين الله ليس تقنين عجْز ، بل تَقْنينُ تأديب ، قال تعالى :

﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾

[ سورة الشورى : 27]

 حينما تَشِحّ أمطار السماء ، فلِكَي ننْظُر إلى السماء ، فلِكَي نتطلّع إلى ربّ السماء ، إذا نقصَتْ المواد بين أيدينا ، فَلِكَي نصْحُوَ مِن غفْلتنا ، فلِكَي نعود إلى رُشدنا ، قال تعالى :

﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾

[ سورة السجدة : 21]

 ما دام الأمْرُ كذلك ، فقد وردَ عن النبي صلى الله عليه وسلّم عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

((لا يقل أحدكم اغفر لي إن شئت ، وليعزم في المسألة فإنه لا مكره له))

[النسائي عن أنس]

 أنت إذا دَخَلْت على إنسان وسألْتَهُ أن يوظّفك تقول له : إذا أمكنَك ، إذا كان هناك شواغر ، إذا استطعْت ، إذا كان هذا الأمر بيَدِك فأنا أرْجوك ، لكنَّكَ تعلمُ أنّ هناك أمورًا ليسَتْ بيَدِهِ ، أو هناك شواغِر ليس ملؤُها بيَدِهِ ، فأنت إذا سألْتَ إنسانًا تعرفُ أنّ قدرتهُ محدودة ، تعْذُرهُ ، لكنّك إذا سألت الله أَيُعْقَلُ أن تقول له : إذا شئْتَ ، بِحَسب الشواغر يا ربّ ! وبِحَسب إمكانيّاتك !!! هذا كلام فيه كُفْر ، لذلك قال صلى الله عليه وسلم :

((لا يقل أحدكم اغفر لي إن شئت ، وليعزم في المسألة فإنه لا مكره له))

[النسائي عن أنس]

 اُطْلُب من الله تعالى بيتًا ، وإن كان شراءُ البيت في نَظَرِكَ حُلمًا لا يتحقّق ، وكم من إنسانٍ يسَّر الله له شراء بيتٍ بعدَ يئسٍ مرير ، اُطلُب من الله زوجةً صالحةً تُعينُك على أمْر دينِكَ ، وإن رأيْتَ النّساء في أغْلبهِنّ كاسِياتٍ عاريات ، اُطلب من الله عملاً يُدرّ عليك رزْقًا حلالاً طيِّبًا مباركًا وإن كانت الأرزاق في معظمها مَشْبوهة ، اُطلب من الله ، واعْزِم المسألة ، ولا تقُل إن شئْت ، أو إن أردْتَ .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ وردَ في بعض الأثَر : " أيؤمل في الشدائد غيري وأنا الحي؟ ويرجى غيري وبيدي مفاتيح الأبواب ؟ " ، يقول لك الإنسان : هذا المال أدَّخِرُه لِوَقْت الشِدّة ، الشدّة بيَدِ مَن ؟ " أيؤمل عبدي غيري في الشدائد والشدائد بيدي وأنا الحي الكريم ! ويرجو غيري وبيدي مفاتيح الأبواب وبابي مفتوح لمن دعاني ! من ذا الذي أملني لعظيم نوائبه فقطعت به دونهـا ! أم من ذا الذي رجاني لعظيم جرمه فقطعت رجاؤه مني ، جعلت آمال عبادي متصلة بي ، وملأت سماواتي من لا يمل تسبيحي ، فيا بؤساً للقانطين من رحمتي ! ويا شقوة لمن عصاني ولم يراقبني " .

لا تخضعن لمخلوق على طمع  فان ذلك نقص منك في الديــن
واسترزق الله مما في خزائنــه  فإنما الرزق بين الكاف والنون
* * *

كلّ شيء مسجل على الإنسان بالمكان و الزمان و الأدلة :

 أيها الأخوة المؤمنون ، آخر فقرةٍ في الحديث :

((يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ))

[ مسلم عن أبي ذر]

 اعْمَل ما شئْت فالكلّ مُسَجَّل ، كلّ شيءٍ تعملُه مُسجَّلٌ عليك في الزمان والمكان والأدلّة ، قال تعالى :

﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾

[ سورة فصّلت : 21]

 قال تعالى :

﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾

[ سورة الكهف : 49]

 قال تعالى :

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

[ سورة الزلزلة:7-8 ]

 أيها الأخوة المؤمنون ، آخرُ فقْرةٍ في الحديث :

((يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ))

[ مسلم عن أبي ذر]

 بعضهم قال : يُوَفِّينا إيّاها في الدنيا ، وفي الآخرة ، وقد يُوَفِّينا بعضها في الدنيا، ويُوَفِّينا إيّاها كاملةً في الآخرة ، لكنّ النبي عليه الصلاة والسلام قال في بعض ما قال : المؤمن يُحاسبُ على سيّئاته في الدنيا ، وتُدَّخَرُ أعماله الصالحة للآخرة ، وأما الكافر فيُعطى أجْرَ حسناته في الدنيا ، وتُدَّخرُ سيّئاته في الآخرة ، على كُلٍّ إنّ الله ليَحْمي صَفِيّهُ من الدنيا كما يحمي أحدكم مريضهُ من الطّعام .

المصيبة كفارة لذنب ارتكبه العبد :

 وقد رُوِيَ عن النبي صلى الله عليه وسلّم :

((لا يخافنّ العبد إلا ذنبَهُ ، ولا يرْجُونّ إلا ربّه))

[ ورد في الأثر ]

 ومن زلَّت قدمه في أمر ثمّ عافاه الله منه ، كان كفَّارةً لما مضى من ذُنوبِهِ وموعظةً له فيما يستقبلُ من عُمُره ، أي زلَّتْ قدمهُ في هذا الموضوع فدَفَعَ الثَّمَن باهظًا ، أوَّلاً ؛ هذا الثّمَن ، هذا العِقاب ، هذه المشكلة ، هذا المرَض ، هذا الضّيق ، هذا الهمّ ، هذه الإهانة ، هذه الحَيْرة ، هذا العِقاب الذي عاقَب الله به المؤمن على ذنبٍ ارتَكَبهُ ، له وظيفتان ؛ الوظيفة الأولى أنّه كفَّر له ذلك الذّنْب ، والوظيفة الثانيَة أنَّه موعظةٌ له فيما يستقبلُ من عُمُره ، أي إيّاك أن تعود لِمِثلها يا عبدي ، فالعقاب جاهز ، إيّاك أن تعود لِمِثلها فالغرامة مُحقّقة ، من لمْ يتَّعِظ بما وقعَ له فهو مُعطَّل العقل ، فإذا أصاب العبد مصيبةً كانت كفّارة لِذَنبٍ ارْتَكَبهُ ، وموعظةً مما يستقبل من عمره . قال : وإنّ المنافق إذا مرض ، وعوفي كان كالبعير عَقَلَهُ أهلهُ ثمّ أطْلقوه ، لا يدري لا لِم عُقِل ؟ ولا لم أُطلق ؟ تأتيهِ مصيبةٌ يفْهمها فهْمًا ساذجًا ، يفهمها فهْمًا أرضيًا ، يفهمها فهمًا شركِيًّا ، يقول لك : ليس لي حظّ بالدنيا ، يعْزو هذا إلى حظّه ، أو إلى أنّ الدّهْر يومٌ لك ، ويومٌ عليك ، أو أنّ الدَّهْر قلبَ له ظهْر المِجَنّ ، أو أنّ الناس هكذا ليس فيهم خَيْر فإذا أصابتْهُ مصيبةٌ فرَّغها تفريغًا غير صحيح ، أعيد عليكم نصّ الحديث :

((إن العبد المؤمن إذا أصابه سقم ثم عافاه الله كان كفـارة لمـا مضى من ذنوبه، وموعظـة له فيما يستقبل من عمره ، وإن المنافق إذا مرض ، وعوفي كان كالبعير عقله أهله ثم أطلقوه ، لا يدري فيما عقلوه ولا فيما أطلقوه ، فقال رجل : يا رسول الله ما الأسقام ؟ قال : أو ما سقمت قط ؟! قال : لا . قال : فقم عنا فلست منا))

[ الدر المنثور عن عامر أخي الخضر]

 أيها الأخوة الأكارم ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطّى غيرنا إلينا ، فلْنَتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها ، وتمنّى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

العظام و تركيبها :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ ربّنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً﴾

[ سورة البقرة : 259]

 العلماء قالوا : العِظام في مُجملها مُركّبةٌ من مادّة أساسيّة هي الكالسيوم ، ولكن توزيع هذه المادّة مع مُتَمِّماتها على شكلٍ آخر ، فخَمْسةٌ وثمانون بالمئة من العِظام كالسيوم وفوسفات ، وعشرة بالمئة كالسيوم الكربونات وثلاثة بالألف كالسيوم الكلوريد ، وواحد بالمئة فوسفات المغنزيوم ، هذه نِسَب الكالسيوم مع المُتمِّمات في العِظام ، وتِسْعةٌ وتسعون بالمئة من كالسيوم الجِسْم مُتَوَضِّعٌ في العِظام ، ولكن اِمْتِصاص الكالسيوم من الأمعاء لا يتِم إلا بهرمون تفرِزُهُ غدَّة صغيرة جدًّا إلى جانب الغدّة الدرقيّة ، فلو تعطَّلَت هذه الغدَّة الصغيرة جدًّا التي اسْمها جِوار الغدّة الدرقيّة لما أمْكَنَ امْتِصاص الكالسيوم من أمعاء المخلوق .
 شيءٌ آخر : توضُّع الكالسيوم في العظام يحتاج إلى فيتامين (د) ، فإذا لمْ يتوافر هذه الفيتامين أُصيب الطّفل بهُشاشةٍ في عِظامِهِ ، أو بلينٍ في عِظامِهِ ، موْطِنُ الشاهد في الموضوع أنّ شكل العظام على شَكل شَوْكِيّات ، وهذه الشَّوْكِيّات تتداخل ، وإذا تداخلَت شكَّلَتْ جِسْمًا متينًا لِدَرجة متناهِيَة ، والحقيقة العظام ، عظْم عنق الفخِذ يتحمّل ضغط مئتين وخمسين كيلو تقريبًا ، ففي العظام خصائص المتانة والقوّة بشكلٍ لا يُصدّق ، فربّنا سبحانه وتعالى :

﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً﴾

[ سورة البقرة : 259]

 ننْشزها أي نجعلها على شكل شوكيّات متداخلة بحيث تبدو متينةً جدًّا ، وقاسيَةً جدًّا .
 أيها الأخوة المؤمنون ، لازلنا نصرّ على أنّ جسمَ كلٍّ منَّا فيه من الآيات الدالة على عظمة الله الشيء الكثير ، قال تعالى :

﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾

[ سورة الذاريات : 21]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS