66728
الفقه الإسلامي - العبادات الشعائرية - الزكاة - الدرس 24: كيفية إخراج الزكاة عن العروض التجارية .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2002-01-20
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الحكمة من تحريك الله قضية الرزق و قضية الصحة :

 أيها الأخوة المؤمنون ، شاءت حكمة الله أن يثبت ملايين الأشياء على حالها في الحياة الدنيا - هذا ذكرته لكم كثيراً - كدورة الأفلاك ثابتة ، خصائص المواد ثابتة ، خصائص البذور ثابتة ، قوانين الفيزياء والكيمياء والرياضيات والفلك كلها ثابتة ، لكن شاءت حكمة الله أن يحرك قضية الرزق وقضية الصحة ، كان من الممكن أن يكون الرزق ثابتاً ووفيراً ، قال تعالى:

﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ ﴾

[ سورة الشورى: 27]

 حكمة الله أن يربينا ، أن يلفتنا إليه ، أن يسوقنا إلى بابه ، أن يحملنا على التوبة ، فكانت قضية الأرزاق المتفاوتة وقضية المرض أيضاً ، الإنسان حريص حرصاً لا حدود له على سلامته ، وعلى رزقه ، فسلامته ليست مضمونةً ، هناك أمراض لا تعد ولا تحصى وأي مرض يجعل حياة الإنسان جحيماً لا يطاق ، ونحن ننعم بنعم في صحتنا لا تعد ولا تحصى يكفي أنك تمشي ، تسمع ، تبصر ، تنطق ، يكفي أن عقلاً في رأسك ولولا هذا ، والله مرة كنا في حفل في غوطة دمشق حفل مولد ، حشر لهذا الحفل إمكانيات كبيرة جداً في أضخم ساحة ودعي جميع علماء دمشق والورود والزهور والمقدمون وعرفاء الحفل ، شخص مجنون أفسد على الناس هذا الحفل ، كلمات بذيئة جداً ، صوت عالٍ جداً ، وقوة عضلية والعياذ بالله ، بعد أن انتهى الحفل كأنني سألت نفسي يا رب لماذا هذا؟ شعرت أنه لولا بعض هؤلاء لما عرفنا نعمة العقل ، العاقل متوازن ، كلامه مضبوط ، حركاته مضبوطة ، يسكت في الوقت المناسب ، يتكلم في الوقت المناسب ، يعتذر أحياناً يدخل يخرج ، أما إذا لم يكن له عقل في رأسه فالعياذ بالله .
 فهناك أشياء ثابتة لا تعد ولا تحصى ، ولكن شاءت حكمة الله أن تكون الصحة متبدلة وأن يكون الرزق متبدلاً ، لكن هناك ملمحاً قد لا ننتبه إليه إطلاقاً التفاوت في الأرزاق يخلق مجالات للعمل الصالح لا تعد ولا تحصى ، تصور مجتمعاً كله أغنياء ، أحياناً تعيش في بلد غربي ترى الترف عام ، الغنى عام ، تقاطع اجتماعي لا يحتمل ، استعلاء لا يحتمل، لا يوجد أي عمل صالح بين هؤلاء ، فقير مؤمن أنت تعطيه فترقى إلى الله هو يأخذ فيشكر .
 أحياناً موضوع آخر تفاوت الأرزاق يعمل فرصاً للأعمال الصالحة لا تعد ولا تحصى ، غني له قريب فقير زاره وأكرمه وأعطاه زكاة ماله ، جاءه بهدايا ، ترى الغني عشرة أيام وهو غارق بسعادة ، والفقير يشكر الله عز وجل ، إذاً شاءت حكمة الله طبعاً هذا اجتهاد شخصي ، تفاوت الأرزاق يخلق فرصاً للعمل الصالح لا تعد ولا تحصى ، أيضاً تفاوت الصحة تخلق فرصاً للعمل الصالح ، من حوله يرعاه يخدمه يأتيه بالدواء أيضاً شيء رائع جداً .

نظام الزكاة حلّ تفاوت الأرزاق :

 تفاوت الأرزاق وتفاوت الصحة له حكمة بالغة لكن تفاوت الأرزاق كيف حل في الإسلام ؟ الحل كما يسمى الاقتصادي حل عن طريق الزكاة ، وهناك في بعض أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير إلى ذلك ، قال: " وما جاع فقير إلا بتقصير الغني " ، وقال:

(( تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم ))

[البخاري عن ابن عباس]

 وما افتقر فقير إلا بتقصير الغني ، نحن نعيش مع أهل الإيمان ، وأهل الإيمان كلهم يدفعون أموال زكاتهم ، ولكن معي معلومات دقيقة أن الذين يدفعون زكاة أموالهم من بين الأغنياء عامةً خمسة بالمئة فقط بينما لو دفع كل الأغنياء زكاة أموالهم وأنفقت على مشاريع وفرت فرص عمل لما وجدت فقيراً ، هناك مقولة رائعة أن الإسلام أغنى الفقراء ، هل تصدقون في عهد عمر بن عبد العزيز كان الرجل يحمل زكاة ماله ويمشي أياماً يبحث عمن يتفضل بأخذها عليه لا يجد ، هل هذا قليل أن إنساناً يطوف أياماً يبحث عن فقير يعطيه زكاة ماله فلا يجد !!
 الحل الإلهي ، النظام الاقتصادي في تغطية حاجة الفقراء من أموال الأغنياء نظام الزكاة .

صور تجارة العروض :

 في درس سابق تحدثت عن عروض التجارة ، وبينت الأدلة القرآنية والنبوية والقياسية والإجماعية على وجوب الزكاة في عروض التجارة ، الدرس الثاني هذا حول طريقة تزكية التاجر ثروته التجارية كيف ؟ قيل : الثروة التي يستغلها التاجر في تجارته لا تخلو عن أن تتخذ صوراً أو أكثر من هذه الصور ، إما أن تكون ثروته التجارية بضاعةً اشتراها ولم يبعها بعد وجاء رمضان ، هذه أول حالة ، هذا عنده ثلاثة آلاف قماش ، فلان عنده خمسة طن حديد ، فلان عنده مثلاً مئة متر مكعب خشب زان ، كل تاجر بحسب بضاعته ، قد يأتي رمضان يأتي موسم دفع الزكاة ويوجد بضاعة اشتراها ولم يبعها بعد ، هذه أول صورة .
 الصورة الثانية أن يفتح صندوقه الحديدي ، في هذا الصندوق مال سائل عملة قديماً ذهب وفضة وحديثاً ورق عملة سورية وغير سورية ، يوجد معه مال سائل ، هذا البند الثاني ، هذه الصورة الثانية من صور ثروته .
 البند الثالث له عند عملائه وزبائنه وتجاره الذين يتعاملون معه ديون ، لا يوجد تاجر ليس له في السوق ديون كثيرة جداً ، لكن بالمناسب هذه اسمها ديون تجارية ويوجد ديون أخرى ، الدين التجاري يدخل في عروض التجارة .
 بضاعة اشتريتها ولم تبعها ودخل موسم الزكاة ونقد سائل في الصندوق وديون لك عند بعض الناس ، هذه الديون التي عند بعض الناس على نوعين ؛ نوع مرجو التحصيل، ونوع ميئوس منه ، أي ميئوس أن تحصّل هذا الدين منه ، وقد قال بعضهم: الدين هالك إلا ما رده الله .
 يوجد بند رابع أن هذا التاجر قد يكون عليه دين لشركات أخرى ، فصار بضاعة ومالاً ، دين لي ، ودين عليّ ، هذه صور تجارة العروض ، كلمة يستخدمها الأخوة التجار ميزانية ، هذه الميزانية تقييم بضاعتك مع المال السائل الذي في حوزتك مضافاً إليه مالك عند الناس من ديون مطروح من هذا المجموع ما عليك للناس من ديون ، هذا الرقم هو رقم الميزانية ودخل في الميزانية رأس المال مع الربح ضمناً ، أنت عندك بضاعة وعندك مال ولك ديون هذا يشكل رأسمالك زائد الربح .

طريقة تزكية التاجر ثروته التجارية :

 فكيف يخرج المسلم زكاة عروضه التجارية أو زكاة تجارته ؟ أحد التابعين الأجلاء ميمون بن مهران يقول : إذا حلت عليك الزكاة فانظر ما كان عندك من نقد أو عرض فقومه قيمة النقد . فلان يملك عشرين متراً من الخشب الزان ، صمن المتر أربعون ألفاً ضرب عشرين ، ثمانمئة ألف ، يقيّم البضاعة بقيمتها يضيف إليها المال السائل يضيف إليها ماله عند الزبائن يطرح منها ما عليه لبعض الناس ، الرقم هذا اسمه الميزانية داخل في رأس المال والربح بآن واحد . فقال: إذا حلت عليك الزكاة فانظر ما كان عندك من نقد أو عرض فقومه قيمة النقد ، وما كان من دين في ملأ فاحسبه- ملأ أي غني باذل - ثم اطرح منه ما كان عليك من الدين ثم زكي الباقي زكاةً تشبه زكاة النقدين ، اثنان ونصف بالمئة بشرط أن يحول الحول ، وأن تخلو الذمة من الحاجات الأساسية التي تستخدمها .
 وقال الحسن البصري : إذا حضر الشهر الذي وقت الرجل أن يؤدي فيه زكاته أدى عن كل مال له ، أي من النقد ، وكل ما ابتاع من التجارة ، وكل دين إلا ما كان منه ضماراً لا يرجى . كلام الحسن البصري هذا سيد التابعين ، أي تجمع ما عندك من مال وما عندك من بضاعة ومالك من دين إلا الدين الذي لا ترجو أن تأخذه هذا لا تحسبه .
 وقال بعض العلماء : يقيّم الرجل متاعه إذا كان بالتجارة إذا حلت عليه الزكاة فيزكيه مع ماله ، يقيّم متاعه ، ويقيّم بضاعته ، يقيّم عروض التجارة . ومن أقوال هؤلاء الأئمة يتضح أن على التاجر المسلم إذا حلّ موعد الزكاة أن يضم ماله بعضه إلى بعض رأس المال والأرباح والمدخرات والديون المرجوة فيقوم بجرد تجارته .
 أخ سألني سؤالاً قال لي : يا أستاذ أنا والله لا يوجد عندي وقت لأعمل جرداً للبضاعة ، عندي بضاعة جردها يحتاج إلى أشهر ، أنا من فضل الله لا أضيع حق الفقير أقدرها تقديراً وأقدرها مرة ونصف عن قيمتها الحقيقية وهو بهذا يظن أنه نجح قلت له : لا يجوز ، قال: كيف ؟ إذا أنت تقوّم بضاعتك تقييماً كيفياً من دون عد بما يساوي مرة ونصف عن قيمتها الحقيقية لو سمحنا بهذه الطريقة ترى تسعين تاجراً ثانياً يقيمها بربع قيمتها الحقيقية والله لا يوجد عندي شيء ، قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ﴾

[ سورة المعارج: 24]

 معلوم أي لابد من جرد حقيقي ، أما الصدقة فقال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ* لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾

[ سورة المعارج: 24-25]

 الله ما قال معلوم ، حينما قال معلوم ينبغي أن تجرد لأنه لو وجد إنسان يقيم البضاعة تقييماً كيفياً مرة ونصف زيادة سوف يوجد إنسان أو سوف يوجد مئات الأشخاص الذين يقيّمون البضاعة تقييماً كيفياً بنصف قيمتها الحقيقي ، أنت بشكل لا شعوري ادخل إلى نجار يبيع غرف نوم ، يوجد غرفة جميلة جداً ثمنها مئة ألف مثلاً ، قلت له : هذه سريران أنا أريد سريراً واحداً ، يقول لك : أخصم لك ثلاثة آلاف تقريباً ، ادخل إلى تاجر آخر عنده غرفة نوم بسرير واحد قل له أريد اثنين يقول لك: أريد عشرين ألفاً زيادة ، لماذا بالخصم ثلاثة آلاف وبالإضافة عشرين ألفاً ؟ الإنسان دون أن يشعر إذا شيء له يكبر الرقم . اذهب إلى سوق السيارات اعرض سيارة تجد رقماً غير معقول اطلب مثلها رقم غير معقول لماذا بالعرض الرقم غير معقول وبالشراء الرقم غير معقول ؟ لا يوجد إنصاف إذا سمحنا أن نقيم البضاعة تقييماً عشوائياً كيفياً من دون عد ترى معظم الناس قيموا بضاعتهم أقل من النصف بكثير لذلك قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ﴾

[ سورة المعارج: 24]

الفرق بين المضاربة و الربا :

 الآن هذا الذي يفعله معظم التجار وهم من رواد المساجد ولهم شيوخ يقبلون أموال استثمار بربح ثابت ، أنا لا يوجد عندي حسابات وأحب أن أكون مرتاحاً أعطيك على المئة ألف ألفين في الشهر مثلاً ، هذا ربا شئت أم أبيت ، هذا ربا صريح ، فرق الاستثمار الحر الشرعي المضاربة عن الربا أن الاستثمار فيه ربح وفيه خسارة من هنا حلية الربح أنه يوجد مقابله خسارة ، يوجد مغامرة ، أما المرابي فلا يطلب طبعاً ربحه ثابت ، لذلك سبحان الله ترى التاجر يقول : يا جبار ، المزارع يقول : يا رب أغثنا ، أما الذي له أموال في البنوك فلا يسأل ، لا يوجد عنده مشكلة ، أرباحه ثابتة بالمئة ثمانية بشكل آلي ، أما الأعمال الحرة ففيها شيء من التوكل ، شيء من الدعاء .

الدّين المماطل فيه ليس عليه زكاة حتى يعود :

 لك دين ميت عند إنسان لا يملك رد الدين أو مماطل أو يريد أن يأكل هذا المال باطلاً ، هذا الدين ليس عليه زكاة ، لكن لو جاءك هذا الدين لو تاب صاحبه وحالات كثيرة جداً إنسان ناكر دين تاب إلى الله تجده يؤدي هذا الدين ، لي قريب توفي رحمه الله عنده محل يبيع حلويات قال لي : دخل رجل إلى عندي ألقى ظرفاً ورجع فتحت الظرف منذ ثلاث وعشرين سنة أكل قطعة كاتو و لم يدفع ثمنها لما استيقظ ، لما تاب إلى الله ، لما اصطلح مع الله ، شعر أن عليه ديناً ولكن كان ثمنها عشرة قروش لما أكلها الآن ثمنها عشر ليرات ما سألته كم دفع له ؟
 أخ عنده معمل قال لي : أفتقد بضاعة ، أفتقد مالاً ، أضع بجيبي مالاً أفتقده ، ليس لي هم إلا أن أكشف من هو اللص قال لي : استعنت بأشخاص متفرغين لمراقبة المعمل ما كشفناه ، قال لي: مرة مال ، مرة بضاعة ، وبعد عشرين سنة زارني إنسان له مظهر ديني قال له : أنا كنت أشتغل عندك ، وكنت آخذ من مالك ، ومن بضاعتك ، وتبت إلى الله فهل تأذن لي أن أدفع لك كل ما أخذته منك ، وثمن البضاعة التي أخذتها ظلماً وعدواناً ، قال له: والله أنا أسامحك من كل أعماقي مقابل هذه التوبة ، وإن شئت فأنا جاهز أن تكون عندي في المعمل مرة ثانية .
 إذا إنسان اصطلح مع الله ، لماذا الحياة نعمة ؟ تحل بها كل المشكلات يمكن أن ترد كل شيء إلى صاحبه .

المقتنيات لا زكاة فيها :

 السؤال الآن بأي سعر تقيّم سلع التجارة عند إخراج الزكاة ؟ طبعاً يوجد في المحل رفوف ، يوجد أوان ، يوجد قدور ، يوجد صحون ، هذا الشيء التي تعرض به البضاعة من أثاث المحل لا يقيم ، كل محل له وسائل لعرض البضاعة فلا تقوم الأواني التي توضع فيها سلع التجارة ، ولا الأقفاص ، ولا الموازين ولا الآلات ، المنوال ، المنشار ، القدوم ، المحراث ، الدولاب ، هذه كلها وسائل ، فالمحل التجاري والعدة وآلات الحرفة والخزن والرفوف وما إلى ذلك هذه تعد من المستهلكات أو من الثوابت التي لا تقيّم فيها الزكاة .
 قال: المعتبر في رأسمال التجارة الذي يجب تزكيته هو المال السائل أو رأس المال المتداول ، أما المباني والأثاث الثابت للمحلات التجارية ونحوه مما لا يباع ولا يحرك فلا يحتسب عند التقويم ولا تخرج عنه الزكاة .
فقد ذكر الفقهاء أن المراد في عرض التجارة هو ما يعد للبيع والشراء لأجل الربح ، عروض التجارة ما يعد للبيع والشراء من أجل الربح بدليل حديث سمرة:

((كان عليه الصلاة والسلام يأمرنا أن نخرج الصدقة مما نعده للبيع))

[أبو داود عن سمرة بن جندب]

 إذاً لا تقيّم الأواني التي توضع فيها سلع التجارة ولا الأقفاص ولا الموازين ولا الآلات وما إلى ذلك ويوجد تفصيل لطيف ، قال: في الأواني التي توضع فيها عروض التجارة كقوارير العطارين والأكياس الذي يستعملها تجار الحبوب والسروجي والجم التي يستعملها تجار الخيل إن أريد بيعها مع هذه الأشياء فهي مال للتجارة ، أنت عندك فرضاً بضاعة غير معبأة ، وعندك علب لها ، ولكن هذه العلب توضع فيها البضاعة وتسلم للشاري، الأواني الثابتة في المحل هذه ليس لها علاقة بالزكاة ، أما العلب المعدة لتعليب هذه البضاعة فهذه يزكى عنها ، لأنها من لوازم عروض التجارة .
 هذه الأواني إن أريد بيعها مع هذه الأشياء فهي من عروض التجارة ، وإن لم يرد بيعها لا تعد من عروض التجارة ، بالمناسبة دائماً العلماء فرقوا بين شيء تقتنيه وشيء تتاجر به ، المقتنيات لا زكاة فيها .

تُقيّم التجارة عند إخراج الزكاة بالسعر الحالي :

 قال: بأي سعر تقيّم سلع التجارة عند إخراج الزكاة ؟ المشهور أنها تقوم بالسعر الحالي التي تباع به السلعة في السوق عند وجوب الزكاة ، وقد جاء عن جابر بن زيد من التابعين في عرض يراد به التجارة قال : قيمه بنحو من ثمنه يوم حلت به الزكاة ثم أخرج زكاته . وهذا قول معظم الفقهاء ، يقيّم بالسعر الذي يباع فيه وقت أداء الزكاة ، أي سعر السوق ، لكن العلماء دققوا بسعر الجملة والمفرق ، أنت تاجر جملة تبيع بالجملة فلذلك الحكم الشرعي أن تقيمها بسعر المبيع جملةً ، يوجد رأي آخر لابن عباس رحمه الله تعالى ورضي عنه قال : لابأس بالتربص حتى تباع وعندئذٍ تزكى ، إذا بضاعة تباع خلال يومين أو ثلاثة أو أسبوع نبيعها ونزكي عنها أما إذا كان كاسياً بيتاً فتقدر .
 وقال بعض العلماء: إن بعض الفقهاء قالوا : يزكي الثمن الذي اشترى به السلعة لا قيمتها ، لكن المشكلة إذا زكيت بثمن الشراء أحياناً تهبط الأسعار ، حدثني أخ كريم قال لي والله عندي بضاعة أرقامها فلكية ، اشترى الكيلو بمئتين لا يوجد من يدفع عشر ليرات في الكيلو في هذه الحالة إذا ألزمناك بثمن الشراء يوجد مشكلة كبيرة جداً ، وإذا قلنا : سعر الكلفة أيضاً يوجد مشكلة ، لذلك رأي العلماء البضاعة تقيّم بسعر بيعها قد يرتفع ثمنها فإذا ارتفع ثمنها هذا لصالح الفقراء ، وقد يقل ثمنها بكم ؟ بسعر السوق يكون عدلاً ، يوجد رأي وجدته في بعض الموسوعات الفقهية هو السعر التبادلي ، أي أنت تبيع هذه البضاعة لو أردت أن تشتري من مصدرها ما يساويها كم تدفع ؟ سعر أن تعيد البضاعة إلى مكانها ، أي سعر الشراء ، على كلّ القضية فيها خلاف الأقوى أن تقيّم بسعر المبيع .

دفع الزكاة عيناً أو نقداً لصالح الفقير :

 يوجد عندنا سؤال آخر التاجر هل يخرج زكاته من عين السلعة أم من قيمتها ؟ مقبول التاجر أن يقدم زكاته من بضاعته أم من المال ؟ قال : بعد تقييم السلع التجارية كما ذكرنا بقي أن نعرف مم يخرج التاجر زكاته ؟ هل يجوز أن يخرجها جزءاً من البضاعة التي عنده أم يخرجها نقوداً بقيمة الواجب ؟ هناك عدة أقوال ؛ القول الأول : يرى أبو حنيفة والشافعي في أحد أقواله أن التاجر مخير بين إخراج الزكاة من قيمة السلعة وبين إخراجها من عينها ، لكن أنا أقول لكم كلمة دقيقة فيما أرى أنه لا يجوز أن تؤدي زكاة مالك من بضاعتك إلا إذا كانت بضاعتك نافعةً للفقراء ، إذا إنسان عنده معمل نكاشات أسنان مثلاً ممكن أن يؤدي زكاة ماله هذه النكاشات ؟ الفقير ما أكل لحمة حتى ينكش أسنانه لا يوجد شيء ، يوجد بضائع ثانوية ، إنسان قال لي : سأدفع زكاة مالي نيونات ما هذا الكلام ؟ هل يوجد بيت لا يوجد به نيون ؟ على العيد خذ هذه العشر نيونات زكاة مالي ، شيء مضحك ، لا يجوز أن تقدم زكاة المال من بضاعتك إلا إذا كانت بضاعتك أساسية في حياة الفقير ، قد يقدم ثياباً في الشتاء جوخ جيد ، قد يقدم مواداً غذائية جيدة .
 يرى أبو حنيفة والشافعي رحمهم الله تعالى أن التاجر مخير بين إخراج الزكاة من قيمة السلعة أو إخراجها من عينها ، فإذا كان التاجر تاجر ثياب يجوز أن يخرج من الثياب نفسها لكن يوجد ثياب سابغة ، يوجد ثياب تلبس في مناسبات نادرة جداً ، إنسانة فقيرة تريد أن ترتدي ثياباً طوال الشتاء تعطيها بذلة عرس فرضاً أيضاً مستحيلة ، يوجد حكمة ، صدقوني ولا أبالغ أن بعضهم سامحه الله قدم زكاة ماله أحذية كل نمرة شكل ، أربعة وأربعون واثنان و أربعون ، هل تستطيع أن تؤدي هذا لإنسان ؟ قضية رفع عتب وقضية سقط الوجوب وإن لم يحصل المطلوب .
 أول رأي : يجوز أن تخرجها عيناً ويجوز أن تخرجها نقداً ، يوجد رأي آخر قال: يجب إخراج الزكاة من قيم السلعة لا من عينها ، الحقيقة المال أيسر ، قد تأتيك زكاة لست بحاجة إليها ، أحياناً دعك من الزكاة تقدم لك قطعة قماش هدية والله جيدة لكن الخياطة تأخذ خمسة آلاف ليرة ، أو لا يوجد خياطة ، الآن تأخذ ثوباً جاهزاً بألفين ، يوجد أشياء يجب أن تنتبه ، ليس قضية دفع وإسقاط حساب ، القضية أعمق من ذلك ، هذا الفقير ينبغي أن ينتفع بهذه السلعة .
الرأي المعتمد أن تدفع الزكاة عيناً أو نقداً لصالح الفقير ، الفقير يريد أن يشتري في العيد ألبسة لأولاده جيد ، لو ذهب إلى السوق ليشتري هذه الألبسة سيدفع ثمن كلفتها مع ربح الجملة وربح المفرق ، أنت إذا كنت تاجر جملة قدمت الزكاة للفقير بسعر الجملة معنى ذلك أنك أعطيته شيئاً لا يستطيع شراءه من السوق إلا بسعر أعلى هو يأخذ منك هذا المال ليشتري به ألبسة ، يجب أن تراعي مصلحة الفقير ، إذا كان المال الذي تدفعه لهذا الفقير سيشتري به ألبسة وأنت تاجر ألبسة الأولى أن تعطيه من عين بضاعتك ، أما إذا أردت أن تعطيه زكاة مالك وهو ليس بحاجة إليها مضطر ليبيعها كي يشتري بثمنها البخس حاجاته لا ، أعطه المال أولى ، هذا الإنسان يجب أن ينتفع منك لا أن تلقي له شيئاً لا يحتاجه ، أحياناً يحتاج إلى السلعة لا إلى المال ، وأحياناً يحتاج إلى المال لا إلى السلعة ، فالأولى أن تراعي مصلحة الفقير .
 الرأي يمكن للتاجر الذي يخرج الزكاة بنفسه ، ويعلم أن الفقير في حاجة إلى عين السلعة فقط تحققت منفعة الفقير ، هذا هو المقياس .
 يوجد رأي رائع جداً يقول : أداء الزكاة عيناً يجوز مطلقاً ولا يجوز مطلقاً ، ويجوز في بعض الصور للحاجة أو المصلحة الراجحة هذا القول من أعدل الأقوال ، فإن كان آخذ الزكاة يريد أن يشتري بها كسوةً فاشترى له رب المال كسوةً فهو أولى ، وقد أحسن إليه أما إذا قيّم هو الثياب التي عنده وأعطاها فقد يقيّمها بأكثر من السعر وقد يأخذ الثياب من لا يحتاج إليها ، بل يبيعها فيبيعها بثمن بخس ، فيتضرر ، أي الرأي المعتدل ابحث عن مصلحة الفقير ، قدم له شيئاً ثميناً ، إن كانت بضاعتك تنفعه وتنفع أولاده قدمها له ، وإن كان مالك ينفعه وينفع أولاده قدم له المال ، وإذا الفقير مقصر يدخن يشرب أحياناً وهو يلوذ بك فإذا قدمت له زكاة مالك طعاماً يأكله أولاده أيضاً مقبول ، الأمر في بحبوحة وفي سعة .

كل إنسان يطبق فقرة من منهج الله يؤدبه الله على تقصيره في الباقي :

 أيها الأخوة ، الزكاة أحد أركان الإسلام الخمس ، والزكاة تعد النظام الأمثل للتفاوت في الأرزاق بين بني البشر ، والزكاة كما قال عليه الصلاة والسلام تحصن المال ، وقد ورد عنه أيضاً أنه : "ما تلف مال في بر أو بحر إلا بحبس الزكاة "، أنت تحصن المال ، لكن هناك ملاحظة أجدني مضطراً أن أذكرها ، يأتي تاجر يدفع زكاة ماله لا يوجد عنده مشكلة أحياناً يتلف ماله ، يقول لك : عجيب أنا أديت الزكاة ، يوجد مشكلات تأتي أنا ليس لي إلا جواب واحد لطيف على شكل مثل طالب جاء إلى المدرسة معه باقة ورد ، فالأستاذ أخذها منه ، وشكره عليها ، ورحب به ، افتح وظيفتك لم يكتبها ، أي إذا أنت قدمت هذه الباقة تريد أن تمنعي من أن أربيك ، دقيق كلامي ، إذا هذا الإنسان أدى زكاة ماله وله أعمال لا ترضي الله في البيت وخارج البيت وسهرات واختلاط ولكن هو مؤد زكاة ماله أي بهذين القرشين اللذين دفعتهم تريد الله عز وجل ألا يربيك أبداً ، أنا أؤكد لكم إذا الإنسان فقط دفع زكاة ماله وما كان منضبطاً بالشؤون الأخرى لا تمنعه زكاة ماله من أن يؤدبه الله عز وجل ، يوجد أشخاص ينتبهون انتباهاً آخر يقول لك: أنا راض لوالدتي ، أعرف رجلاً يرضي والدته بشكل غير معقول ، لو طلبت شيئاً نادراً الساعة الثانية ليلاً يأتيها به ، وهو عند أقدامها لكن إذا سافر إلى بلد له أعمال لا ترضي الله أبداً ، فأصيب بمشكلة تعجب ، إذا أنت ترضي والدتك الله لا يربيك !!
 أنا أطمئنكم كما قال عليه الصلاة والسلام: " وأنا نبي مرسل لا أدري ما يفعل بي"
 أدِّ زكاة مالك ، و ارجُ من الله أن يحفظ لك بقية مالك ، وكن باراً بوالديك ، وارجُ الله أن يحفظك من كل سوء ، أما أنت تبر والديك ، وتدفع زكاة مالك ، وتطالب الله كأن لك ديناً أن يحفظك ، الله عز وجل طليق الإرادة ولا يحكمه مخلوق في الكون ، أدِّ زكاة مالك وكن باراً بوالديك لكن ما لم تؤدِ جميع بنود المنهج فهناك تأديب ينتظر الإنسان ، هذا كلام دقيق ، يوجد شخص لا يعرف من الدين إلا تأدية زكاة ماله ، شخص آخر لا يعرف من الدين إلا الحج والعمرة ، شخص ثالث يا رضا الله ورضا الوالدين ، لا يوجد عنده إلا رضا الوالدين ، يوجد أعمال لا ترضي الله ، يوجد علاقات مالية غير منضبطة ، فكل إنسان يطبق فقرة من المنهج لعل الله عز وجل يؤدبه على تقصيره في بقية مواد المنهج ، وهذا المثل تذكروه جاء طالب بباقة ورد وما كتب وظيفته الأستاذ يضطر أن يعاقبه أستاذه هذه لوحدها وهذه لوحدها .

الشكر من أرقى ما يفعله الإنسان :

 عجيب صلى الله عليه وسلم لما كان يأخذ الزكاة من المحسنين الأغنياء كان يصلي عليهم لأن الله عز وجل يقول:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 الدعاء لطيف جداً ، الشكر من أرقى ما يفعله الإنسان .

أسئلة و أجوبة :

 هل السيارة الخاصة أم العامة تدخل في المال الذي يدفع عنه الزكاة ؟
 السيارة مستهلكة من المقتنيات ، معفاة من الزكاة ، لكن سيارة الأجرة إذا فاض من أجرتها عن مصروفك فعليها زكاة .
 تجارة المضاربة هل لها علاقة برأس المال أم فقط بالربح والخسارة؟
 المضاربة إنسان منه المال وإنسان منه الجهد فصاحب المال عليه أن يؤدي زكاته عن المال وعن الربح معاً .
 هل تجوز جمعية المال بين الأقارب؟
 لا شيء عليها كل إنسان دفع بالشهر ألف ليرة وهم عشرة أعطوها لواحد إما بالقرعة أو بالدور أو بحسب الحاجة .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS