16840
الفقه الاسلامي - العبادات التعاملية - القرض - الدرس 2-5: الأداء الحسن وشروط القرض.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1996-03-31
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

أحكام تفصيلية في القرض :

 أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثاني من دروس القرض، والقرض كما تعلمون تشتد الحاجة إليه فيما بين المسلمين، وله أحكام تفصيلية أرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا إلى معرفتها وإلى تطبيقها.
 العلماء يقولون: يصح القرض في المثلي، كالمكيل والموزون، القمح يكال أو يوزن، الشيء الذي يكال أو يوزن اسمه مثلي، يمكن أن تأخذ مد قمح وأن ترده، طبعاً لا ترد العين نفسها بل ترد مثلها، كيلاً أو وزناً، إذا اقترضت مد قمح وطحنته وخبزته وأكلته عينه استهلكت، أما حينما ترد مد قمح من مثله فأنت لم ترد العين لكنك رددت المثل كيلاً أو مثلاً فالذي يمكن أن يكال أو أن يوزن يصح فيه القرض، والمعدود أيضاً المتقارب يصح فيه القرض، البيض مثلاً، حبات الجوز هذه تعد عداً، يوجد بلاد تبيع الحاجة عداً، أحياناً وزناً.

ما يصح فيه القرض :

 يصح القرض في المثلي، كالمكيل، أو الموزون، أو عداً، وفيما هو زرعي من الزراعة، أن تكيله طولاً كالقماش، وجاز قرض الخبز وزناً وعداً، كله إقراض، أو أن تقرض مالاً، الشيء الذي يزن يعد، يكال، وكل شيء مثلي يصح القرض به، الخمسمئة ليرة تنفقها وتستهلكها وبعد حين قدمت خمسمئة ليرة مثلها، إذاً يصح القرض فيما هو موزون أو مكيل أو معدود إذا كان حجم المعدود متقارباً.

(( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَقَاضَاهُ دَيْنًا... ))

[ابن ماجه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]

 قد يسأل أحدكم أليس في الصحابة الكرام من هو غني يقدم للنبي كل حاجاته دون أن يلجئه إلى القرض؟ الجواب النبي صلى الله عليه مشرع لابد من أن يستقرض ليعلمنا كيف نستقرض وكيف نقرض، أحياناً يفعل النبي شيئاً لا لأنه محتاج إليه بل لأنه مشرع.

(( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَقَاضَاهُ دَيْنًا كَانَ عَلَيْهِ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ: لَهُ أُحَرِّجُ عَلَيْكَ إِلا قَضَيْتَنِي فَانْتَهَرَهُ أَصْحَابُهُ وَقَالُوا وَيْحَكَ تَدْرِي مَنْ تُكَلِّمُ، قَالَ: إِنِّي أَطْلُبُ حَقِّي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلا مَعَ صَاحِبِ الْحَقِّ كُنْتُمْ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى خَوْلَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَقَالَ لَهَا: إِنْ كَانَ عِنْدَكِ تَمْرٌ فَأَقْرِضِينَا حَتَّى يَأْتِيَنَا تَمْرُنَا فَنَقْضِيَكِ، فَقَالَتْ: نَعَمْ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَأَقْرَضَتْهُ فَقَضَى الأعْرَابِيَّ وَأَطْعَمَهُ، فَقَالَ: أَوْفَيْتَ أَوْفَى اللَّهُ لَكَ، فَقَالَ: أُولَئِكَ خِيَارُ النَّاسِ إِنَّهُ لا قُدِّسَتْ أُمَّةٌ لا يَأْخُذُ الضَّعِيفُ فِيهَا حَقَّهُ غَيْرَ مُتَعْتَعٍ ))

[ابن ماجه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]

 أي الإنسان حينما يقرض، أو حينما يستقرض ويؤدي، يؤدى إليه الأخذ والعطاء وفق أصول مشروعة، المجتمع الذي يفعل هذا مجتمع عند النبي مقدس، وللعوام أقول في هذا المعنى: من أخذ وأعطى شارك الناس أموالهم، العبرة أن تأخذ وأن تعطي في الوقت المحدد.

الأحكام التي استنبطها العلماء من الحديث السابق :

 هذا الحديث استنبط منه العلماء أحكاماً كثيرة، استنبطوا منه جواز الزيادة على مقدار القرض من المستقرض، وعلى جواز المطالبة بالدين إذا حلّ أجله، لك أن تطالب ولا إثم عليك، لا يمنعك الحياء أن تطالب بما لك من قرض.
استنبط العلماء من هذا الحديث أحكاماً كثيرة أولاً: الأداء الحسن، فالنبي عليه الصلاة والسلام أدى إليه القرض ودعاه إلى الطعام، لا يوجد أجمل من إنسان أقرضك مبلغاً من المال أديته من الإحسان، مع الشكر، مع الامتنان، هذا يعين على انتشار الخير، الخير يفشو بين الناس وينكمش، يفشو إذا جازيت على الخير خيراً مثله، وينكمش إذا أسأت لمن أحسن إليك.
 إنسان اتصل بي في هذا الأسبوع أقرض إنساناً مئة ألف، قرض حسن طالبه وهو مضطر أن يبيع بيته، وأن يشتري بيتاً أفضل من بيته، والفرق مئة ألف، أقرضه إلى أن يتيسر له بيع بيته، هذا الإنسان ماطله ثم ماطله ثم ماطله بقي سنوات يطالبه، آخر كلمة قالها له: عليك بالقضاء، هذا بربكم لو جاءه بعد حين إنسان آخر يستقرضه أيقرض أحداً؟ انتهى المعروف، فكل إنسان يقدم لك معروفاً ولا ترد عليه بمعروف مثله أنت ماذا تفعل؟ أنت منعت الخير، أحياناً الإنسان يشجع على الخير، ويوجد حالات ينفر من الخير، بين أن تعين وبين أن تمنع، وقد أشار القرآن الكريم إلى هؤلاء الذين يمنعون الماعون، طبعاً قصة طويلة ذكرت لكم أطرافها فقط، إنسان أقرضك ثم طالبك ثم ماطلت إلى أن قسا عليه بالكلام وقال له: افعل ما بدا لك وهذا القضاء، هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟
 بشكل أو بآخر الناس ليسوا أنبياء، إنسان عادي عمل عملاً طيباً إن قابلته بالإساءة منعته أن يفعل خيراً إلى يوم القيامة، إلا أن المؤمن لا يتأثر، المؤمن الصادق لا يتأثر بهذا الموقف، يصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله فإن أصاب أهله أصاب أهله، وإن لم يصب أهله فهو أهله، هذا شأن المؤمن الصادق، لكن أنا لا أقول إن الناس جميعاً في هذا المستوى الرفيع من الإيمان، الناس يتأثرون بمواقف الآخرين.

يجوز للمُديّن أن يطالب بالدين إذا حلّ أجله :

 أيها الأخوة الكرام، موضوع دقيق جداً في القرض هو أنه طبعاً يجوز أن تطالب بالدين إذا حلّ أجله.

(( ثَلاثٌ فِيهِنَّ الْبَرَكَةُ الْبَيْعُ إِلَى أَجَلٍ وَالْمُقَارَضَةُ وَأَخْلاطُ الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ لِلْبَيْتِ لا لِلْبَيْعِ ))

[ابن ماجه عَنْ صَالِحِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ]

 هذه معونة من البائع إلى الشاري، أي إذا الإنسان جمع بين القمح والشعير للاستهلاك لا للبيع.

((قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلاثَ، فَقَالَ: أَسْلِفُوا فِي الثِّمَارِ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ))

[البخاري عن ابن عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا]

عدم ثبات خيار المجلس و خيار الشرط بالقرض :

 أيها الأخوة الكرام، الآن يوجد عندنا موضوع في القرض دقيق، لا يثبت بالقرض خيار المجلس ولا خيار الشرط، أنت في البيع هناك خيار المجلس، إذا عرضت على إنسان أن تبيعه شيئاً وهو في المجلس، ما دام في المجلس والمجلس واحد إلى نهاية المجلس يقول لك: اشتريت، وإذا قال لك: اشتريت لزم البيع، أما إذا غادر المجلس ولم يقبل سقط حقه في لزوم البيع، لو عاد إليك بعد حين لك أن تبيعه بسعر آخر، هذا اسمه خيار المجلس، أما خيار الشرط أنت اشتريت بيتاً بشرط أن يكون صحيفته بيضاء في السجلات العقارية، وصار ثمن وإيجاب وقبول وشاهدان، فلما طالبته بوثيقة براءة الذمة قال لك: العقار مشغول بذمة، أو مرهون بذمة، هذا اسمه خيار الشرط، فسخ العقد، أنت اشترطت أن يكون المبيع بريء الذمة من أي تعلق، قال: في القرض لا يثبت لا خيار المجلس ولا خيار الشرط، لأن المقصود من الخيار الفسخ والقرض، يجوز لكل من العاقدين أن يفسخ إذا شاء، القرض عمل صالح يجوز بأي لحظة أنا أريد مالي، لا يوجد شيء يمنعك أن تطالب بمالك بعد حين، بعد دقيقة، فسخ العقد بيد المتعاقدين دائماً فلا معنى لخيار المجلس ولا لخيار الشرط، عند جمهور الفقهاء قال: لا يشترط الأجل في القرض، فإذا أجل القرض إلى أجل مسمى معلوم لم يتأجل وكان حالاً، باعتبار أن القرض محض تبرع، فيحق للمتبرع المطالبة ببدله بالحال، وهذا بخلاف البدل في البيع.

الفرق بين القرض و الدّين :

 الآن موضوع دقيق إذا بعت إنساناً حاجة على أن يدفع ثمنها بعد شهر، هذا قرض أم دين؟ الدين له أجل، لا يحق لمن باع حاجةً نسيئةً أن يطالب بثمنها حالاً، أما القرض فيجوز، أن تقرضه مئة ألف وتقول له بعد ساعة أريدها، هذا الفرق بين القرض والدين، إن دينته أي بعته حاجةً واشترط عليك أن يدفع ثمنها بعد شهر، هذا دين، الدين إلى أجل، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ﴾

[ سورة البقرة: 282 ]

 أما القرض فلا يصح فيه إلا أن يكون حالاً، فإذا أجبر فمن باب الإحسان، أنت لا يحق لك أن تطالب بالدين إلا عند حلول الأجل، أما لك أن تطالب بالقرض قبل حدّ حلول الأجل، لأن الأجل غير ثابت في القرض، إلا أن الإمام مالك قال: يتأجل القرض بالتأجيل لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

((الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ ))

[ المستدرك عن عائشة]

 موضوع الأجل في القرض موضوع خلافي، أما الأجل بالدين فثابت.

(( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَقَاضَاهُ دَيْنًا كَانَ عَلَيْهِ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ: لَهُ أُحَرِّجُ عَلَيْكَ إِلا قَضَيْتَنِي فَانْتَهَرَهُ أَصْحَابُهُ وَقَالُوا وَيْحَكَ تَدْرِي مَنْ تُكَلِّمُ، قَالَ: إِنِّي أَطْلُبُ حَقِّي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلا مَعَ صَاحِبِ الْحَقِّ كُنْتُمْ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى خَوْلَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَقَالَ لَهَا: إِنْ كَانَ عِنْدَكِ تَمْرٌ فَأَقْرِضِينَا حَتَّى يَأْتِيَنَا تَمْرُنَا فَنَقْضِيَكِ، فَقَالَتْ: نَعَمْ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَأَقْرَضَتْهُ فَقَضَى الأعْرَابِيَّ وَأَطْعَمَهُ، فَقَالَ: أَوْفَيْتَ أَوْفَى اللَّهُ لَكَ، فَقَالَ: أُولَئِكَ خِيَارُ النَّاسِ إِنَّهُ لا قُدِّسَتْ أُمَّةٌ لا يَأْخُذُ الضَّعِيفُ فِيهَا حَقَّهُ غَيْرَ مُتَعْتَعٍ ))

[ابن ماجه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]

 هذا دليل على جواز المطالبة بالدين إذا حل أجله وعدم تأخير الوفاء به أي التسويف.

ثبات القرض بالقبض أو العقد :

 الآن القرض متى يثبت؟ إنسان أقرضك مد قمح، قال أبو حنيفة رضي الله عنه: يثبت القرض بالقبض، فلو اقترض إنسان مد حنطة وقبضه فله الاحتفاظ به ورد مثله، وإن طلب المقرض رد العين، لما الإنسان اقترض شيئاً تملكه هذا التملك يثبت بالقرض، من باب التوضيح إنسان أقرضك مد قمح، أنت حينما سلم لك هذا المد تملكته، فلو طالبك بعد دقيقةٍ لك أن ترد مثله لا أن ترد عينه لأن القرض يثبت بالمقابضة.
 عند المالكية: يثبت القرض بالعقد، اتفقنا ولو لم يقبض هذه السلعة، أو تملك هذا الإنسان هذا المبلغ فلو هلك هلك على ذمته، طبعاً هذه الموضوعات فقهية.

كل قرض جرّ منفعةً فهو حرام :

 أما الموضوع المتعلق بالقرض والخطير جداً والتي تنزلق فيه أقدام أناس كثيرين فموضوع القرض الذي جر منفعةً، القاعدة الفقهية تقول: كل قرض جرّ منفعةً فهو حرام، إلا أن هذه المنفعة ينبغي أن تكون مشروطة، فإن لم تكن مشروطةً ولا متعارفاً عليها فلا بأس بذلك، المنفعة المشروطة أو المتعارف عليها، والمتعارف كالمشروط، العرف كالشرط، أي معروف إن أقرضت إنساناً هذا المبلغ يؤديه إليك بالمئة مئة وعشرة، إذا كان معروفاً هذا القرض جرّ نفعاً فهو ربا، إذا كان معروفاً أو اشترطت رده لي بهذه القيمة فصار القرض ربوياً، كل قرض جرّ نفعاً فهو ربا، هذا النفع إن كان مشروطاً كان ربا، وإن كان متعارفاً عليه فهو ربا، إلا أنه إن لم يشترط وإن لم يتعارف عليه كان أداءً حسناً، هذه حكم الهدية للمقرض إن كانت بشرط كرهت تحريماً، وإن لم تكن بشرط ولا بتعارف جازت، وكانت أداءً حسناً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم اقترض وأدى القرض أداءً حسناً.

تحريم الانتفاع بشيء من أموال المقترض :

 الإمام مالك يرى أنه يحرم الانتفاع بشيء من أموال المقترض، قال: كأن تركب دابته، أو أن تستعير سيارته، وأن تأكل في بيته، أنت دينته مبلغاً ضخماً، الغداء عندك اليوم، وثاني يوم غداء، وثالث يوم، وأنت مرتاح تأكل عنده، فإن أكلت في بيته أو ركبت دابته فقد انتفعت بهذا القرض، وكل قرض جرّ نفعاً فهو ربا، كما تحرم الهدية، هدية المقترض لرب المال، صار عسر، قدم له هدية حتى يطيل المدة، هذه الهدية مقابل زيادة المدة صارت هذه الهدية من نوع الربا.
 أن تستعمل مركبته، تأكل في بيته، أو أن تقدم له هديةً، أو أن يقدم لك هديةً من أجل أن تؤخر القرض، فهذا قرض جرّ منفعة.

حكم الزيادة في القرض و حكم الزيادة في الدين :

 أما عند وفاء الدين دققوا الآن، إذا قضى المدين أكثر من الدين جاز له، النبي استقرض ناقة وأدى ناقةً أكبر منها، جائز لا يوجد شرط ولا عرف، ولا هدية إلا أنه حين وفاء الدين أردت أن تدفع الدين وزيادة، هذا أداء حسن لأنه غير مشروط، طبعاً اتفقنا أنه يوجد دين ويوجد قرض في الدرس الماضي وضحت لكم هذا، الدين ما هو؟ الدين أنت بعته سلعة وسجلت عليه، وفي ذمته ثمنها، هذا دين، أما إذا أقرضته مبلغاً من المال عداً ونقداً فهذا قرض، فالزيادة في القرض لها حكم، والزيادة في الدين لها حكم.
 إذا قضى المدين أكثر من الدين جاز ذلك مطلقاً إذا كان الدين بسبب بيع سلعة، أما إذا كان الدين بسبب قرض سلفاً فمنع ذلك مطلقاً إن كانت الزيادة بشرط، إذا كان بشرط ربا حتماً، ربا حقيقي، إذا أنت أقرضته مالاً واشترطت عليه أن يرده إليك زائداً هذا هو الربا، أو عدةٍ أو عادة، أنت اشترطت عليه، أو وعدك أن يعطيك زيادة، أو المألوف في هذا التعامل الزيادة، عادة أو عدة شرط في القرض المالي فهو ربا حقيقي، إن كانت هذه الزيادة بغير شرط ولا وعد ولا عادةٍ جازت اتفاقاً عند المالكية، لأن النبي عليه الصلاة والسلام استلف بكراً وقضى رباعياً، أي عمره أربع سنوات، لكن يوجد رأي آخر: إذا كان الزيادة في القرض ضعف المبلغ المدفوع لا تكون مقبولة في الشرع إلا إذا كانت يسيرة جداً، وإلا انقلبت إلى ربا.

عدم اجتماع القرض وشرط البيع :

 أيها الأخوة الكرام، لا يجتمع قرض وشرط بيع، قال: أن تقرض ألفاً على أن يبيعك داره بهذا الثمن، إذا أقرضت مع الشرط أيضاً هذا القرض جرّ منفعةً.

(( عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ سَلَفٍ وَبَيْعٍ وَشَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ وَرِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ ))

[النسائي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ]

 أنا أقرضك مليوناً على أن تبيعني هذا البيت بهذا الثمن، مثلاً البيت ثمنه أربعة ملايين، أشتريه بثلاثة ونصف، وأنا سوف أدينك مليوناً معنى هذا النصف مليون مقابل القرض واضح جداً.
 نهى الرسول صلى الله عليه على أن يجتمع سلف أي دين وبيع، هذا أيضاً محرم.

من سمى للزمن ثمناً وقع في شبهة الربا :

 كما نهى النبي عن بيعتين في بيعة، أي نقداً وعدةٍ، نقداً وتقسيطاً.
 الحكم الدقيق سوف أقوله لكم وقلته كثيراً، لك أن تشتري بأي ثمن، ولك أن تدفع بأي طريقة، ولك أن تبيع بأي ثمن، ولك أن تقبض الثمن بأية طريقة، بعد عام، بعد عامين، على خمس دفعات، ولك أن تدفع الثمن بأية طريقة، أما حينما تسمي للزمن ثمناً فقد وقعت في شبهة الربا، كنت ضربت على ذلك مثلاً، هذا الكتاب ثمنه مئة ليرة، لو جلدناه تجليداً أفخم من هذا التجليد، وبعناه بمئة وثلاثين جاز البيع لأن الثلاثين في الكتاب، لو أننا كتبنا على هذا الكتاب بالحروف المذهبة اسم صاحب الكتاب صار بمئة وخمسين، العشرون بالكتاب، لو أننا طبعناه على ورق ثقيل غال جداً صار ثمنه مئتين، كل هذه الزيادات في الكتاب، لو أننا مثلاً جعلنا حروفه نافرة كزيادة في الفخامة صار بمئتين وخمسين، الخمسون بالكتاب، أما إذا بعناه لأجل بثلاثمئة فهذه الخمسون الأخيرة مقابل ماذا؟ مقابل الأجل، فإذا سميت للزمن ثمناً لك أن تشتري بأي ثمن، ولك أن تبيع بأي ثمن، لك أن تقبض بأية طريقة، ولك أن تدفع بأية طريقة، أما حينما تسمي للزمن ثمناً فقد وقعت في شبهة الربا، لذلك ورد في الحديث الشريف:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا ))

[أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 قلت له: نقداً بهذا السعر، ونسيئةً بهذا السعر، إما أن تكتفي بالسعر الأقل أو يكون الربا.

لا يجوز للمقترض أن يؤدي بعض الدين أو أقل منه إلا بالمحاللة :

 الآن لو أن المقترض أدى دون القرض، وأحله المقرض من القرض جاز، أنت أقرضت مئة ألف ردها لك ثمانين، قلت له: سامحك الله، جاز.
 أحد العلماء يقول: لا يجوز أن يقضي المقترض دون الحق بغير محاللة، يجب أن يقول لك: سامحتك، أما لا يوجد غير هؤلاء وإذا ما أخذتهم فليس لك عندي شيء، لا يجوز أن تؤدي بعض الدين أو أقل من الدين المستحق إلا بالمحاللة.
 كلكم يعلم الحديث الصحيح:

(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ غَسِيلِ الْمَلائِكَةِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دِرْهَمٌ رِبًا يَأْكُلُهُ الرَّجُلُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَشَدُّ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلاثِينَ زَنْيَةً ))

[أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ]

 يقول سيدنا عمر رضي الله عنه:

((لا يَبِعْ فِي سُوقِنَا إِلا مَنْ قَدْ تَفَقَّهَ فِي الدِّينِ ))

[الترمذي عَنِ الْعَلاءِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ]

((مَا أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنَ الرِّبَا إِلا كَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهِ إِلَى قِلَّةٍ ))

[ابن ماجه عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ]

 لقوله تعالى:

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾

[ سورة البقرة: 276 ]

(( لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لا يَبْقَى مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلا آكِلُ الرِّبَا فَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ أَصَابَهُ مِنْ غُبَارِهِ ))

[ابن ماجه عن أبِي هُرَيْرَةَ]

 أبو حنيفة النعمان رضي الله عنه قال: من شدة ورعه كان لا يقعد في ظل شجرة أو جدارٍ من له عليه دين، لا ينتفع بظل جدار مرهون عنده، أو جدار إنسان عليه دين له.

الهدية في القرض :

 الآن عندنا موضوع الهدية في القرض، هذه الهدية في الشرط إن اشترطت كرهت تحريماً، وإلا فلا، وعند المالكية تحرم هدية المقترض لرب المال إن قصد المهدي بهديته تأخير الوفاء، وهذا يقع كثيراً.

(( عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَقَ الْهُنَائِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ الرَّجُلُ مِنَّا يُقْرِضُ أَخَاهُ الْمَالَ فَيُهْدِي لَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا أَقْرَضَ أَحَدُكُمْ قَرْضًا فَأَهْدَى لَهُ أَوْ حَمَلَهُ عَلَى الدَّابَّةِ فَلا يَرْكَبْهَا وَلا يَقْبَلْهُ إِلا أَنْ يَكُونَ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَبْلَ ذَلِكَ ))

[ابن ماجه عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَقَ الْهُنَائِيِّ]

 لك صديق يوصلك إلى بيتك وتوصله يوجد تعامل قبل القرض، صار القرض واستمر هذا التعامل لا يوجد مانع، وإذا كان هناك هدايا متبادلة، منافع متبادلة، يوجد أخذ وعطاء قبل القرض، جاء القرض واستمرت هذه العادة، هذه ليس لها علاقة بهذا القرض:

((عن بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: أَلا تَجِيءُ فَأُطْعِمَكَ سَوِيقًا وَتَمْرًا وَتَدْخُلَ فِي بَيْتٍ ثُمَّ قَالَ إِنَّكَ بِأَرْضٍ الرِّبَا بِهَا فَاشٍ إِذَا كَانَ لَكَ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ فَأَهْدَى إِلَيْكَ حِمْلَ تِبْنٍ أَوْ حِمْلَ شَعِيرٍ أَوْ حِمْلَ قَتٍّ فَلا تَأْخُذْهُ فَإِنَّهُ رِبًا وَلَمْ يَذْكُرِ النَّضْرُ وَأَبُو دَاوُدَ وَوَهْبٌ عَنْ شُعْبَةَ الْبَيْتَ))

[البخاري عن بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ]

 القت الجاف من النبات، وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن قبول هدية المدين لأنها قريبة من الربا، يوجد قصة طريفة: رجل كان يهدي لعمر بن الخطاب رضي الله عنه فخذ جزور- يوجد تعامل بينهما - قال إلى أن جاءه ذات يوم بخصم فقال له يا أمير المؤمنين اقض بيننا قضاء فصل كما تفصل الفخذ من سائر الجزور؟ قال عمر: فما زال يرددها حتى خفت على نفسي فقضى عليه عمر، ثم بعث إلى عماله فقال: أما بعد فإياكم والهدايا فإنها من الرشاوى، كره بالهدية فحكم ضده.

(( مَا مِنْ قَوْمٍ يَظْهَرُ فِيهِمُ الرِّبَا إِلا أُخِذُوا بِالسَّنَةِ وَمَا مِنْ قَوْمٍ يَظْهَرُ فِيهِمُ الرُّشَا إِلا أُخِذُوا بِالرُّعْبِ ))

[أحمد عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ]

 وكان عمر بن عبد العزيز يقول رحمه الله تعالى: كانت الهدية فيما مضى هدية أما اليوم فهي رشوة، هذه الهدية في القرض.

الترغيب في القرض وأداء الديون :

 بقي موضوع أخير نختم به الدرس وهو الترغيب في القرض وأداء الديون.
 أيها الأخوة: المشكلة مع تطورات الحياة إن صح التعبير مع ما يسمى بالتضخم النقدي، فكأن القرض الحسن ألغي، هناك من يدفع صدقة، أو يدفع زكاة ماله، لكن القرض الحسن لا يغني لا عن الزكاة ولا عن الصدقة، لأنه يوجد إنسان لا يقبل زكاة، ولا صدقة، وقد يكون غير محتاج، فإذا أنت حسبت القرض الحسن على أساس التضخم، هذه عقلية تجارية، أما إذا حسبت القرض الحسن على أساس العمل الصالح فهذه عقلية إيمانية، العقلية التجارية القرض يلتغي، أما بالعقلية الإيمانية فالقرض ينتشر، الآن دققوا فيما قاله النبي عليه الصلاة والسلام، طبعاً الحديث المعروف.

((أتدري ما حق الجار إذا استعانك أعنته، و إذا استقرضك أقرضته، و إذا افتقر عدت عليه، و إذا مرض عدته، و إذا أصابه خير هنأته، و إذا أصابته مصيبة عزيته، و إذا مات اتبعت جنازته، و لا تستطيل عليه بالبناء تحجب عنه الريح إلا بإذنه، و لا تؤذيه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها، و إن اشتريت فاكهة فاهد له، فإن لم تفعل فأدخلها سراً و لا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده - الشاهد في هذا الحديث المعروف عندك، وإن استقرضك أقرضته- ))

[ شعب الإيمان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده]

 هذا من حق الجار، فكيف حق الجار المسلم؟ أصبح له حقان، فكيف من حق الجار المسلم القريب؟ أصبح له ثلاثة حقوق.

الصدقة بعشرة أمثالها و القرض بثمانية عشر ضعفاً :

 أيها الأخوة، الصدقة بعشرة دققوا في هذا الحديث:

(( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ مَكْتُوبًا الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَا بَالُ الْقَرْضِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ قَالَ لأنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ وَالْمُسْتَقْرِضُ لا يَسْتَقْرِضُ إِلا مِنْ حَاجَةٍ ))

[ابن ماجه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 الصدقة بعشرة أمثالها، والقرض بثمانية عشر، وصلة الأخوات بعشرين، وصلة الرحم بأربعة وعشرين، الصدقة بعشرة، القرض بثمانية عشر، صلة الأخوان بعشرين أما صلة الرحم فبأربعة وعشرين.

(( عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا لَسَرَّنِي أَنْ لا تَمُرَّ عَلَيَّ ثَلاثُ لَيَالٍ وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ إِلا شَيْئًا أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ ))

[البخاري عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ]

 أنا لفت نظري هذا التعقيب الأخير، إلا شيئاً أرصده لدين، أي إذا إنسان ميسور الحال، و رصد مبلغاً من المال ليس هو زكاة وليس هو صدقة، رصده للإقراض، لحل مشكلات المؤمنين، والله هذا من أجلّ الأعمال، أحياناً مثلاً تعطي عشرة آلاف تدينها عشرة آلاف، إذا رجل ميسور - وما أقلهم هؤلاء - يمكن أن يرصد مبلغاً من المال للإقراض، وكل إنسان يرد القرض يكون قد ساهم بالخير، وكل إنسان يماطل أو يختفي يكون قد ساهم بمنع الخير.

من وفى بعهده كافأه الله عز وجل :

 أنا أذكر قصة أن رجلاً له صديق على مقعد الدراسة، الأول فتح محل بقالية والثاني صار من كبار تجار البناء، لما كبروا هذا الفقير أراد الزواج لا يوجد بيت عنده، فذهب إلى صديقه التاجر قال له: أعندك بيت تؤجرني إياه؟ قال: أنا لا أؤجر، أنا أبيع فقط، فلح عليه مرة ثانية وثالثة، قال له مرة: لك عليّ إن أجرتني بيتاً وطلبته مني أن أسلمك إياه بعد أسبوع، عهد علي، يبدو هذه الكلمة أعطته لتاجر البناء شعوراً فيوجد عنده بيت في أبي رمانة قال له: اسكن فيه، وأخذ منه أجرة، كان يوجد كساد ولم يكن رواج في البيع والشراء، سكن به ثماني سنوات، طبعاً البيت كان يساوي مئة ألف أصبح ثمنه ثمانمئة ألف، ثمانية أمثال، جاء زبون اشتراه بثمانمئة ألف، هذا تاجر البناء طرق باب صديقه المستأجر، قال له: ألم تقل عهداً عليّ أن أسلمك البيت بعد أسبوع، قال له: نعم، فقال له: معك من الوقت ستة أشهر، أنا بعت البيت- هذه القصة وقعت في هذه البلدة- بعد أسبوع يطرق باب مالك البيت ويقدم له المفتاح، المالك لم يستوعب الموضوع أين ذهب بنفسه؟ أين سكن؟ وظنها مزحة فذهب إلى البيت رآه فارغاً، ومرتباً نظيفاً، جاهز للسكنى فوراً، لما أغلق الباب فتح باب الجيران وسألوا صاحب البيت: بربك كم دفعت لهذا المستأجر؟ قال: والله لم أدفع له شيئاً إلا أنه عاهدني إن طالبته بهذا البيت ردّه إليّ بعد أسبوع، قالوا: عجيب أمر هذا المستأجر، والله باع كل أثاث بيته وسكن في فندق، قال: ما هذا الكلام؟ قالوا: هذا الذي حصل، باع أثاث بيته بعشر قيمته، فذهب إلى الفندق، رآه فعلاً قد استأجر غرفتين هو و أولاده فقال له: ما هذا؟ قال له: أنا عاهدتك والمسلمون عند شروطهم، يبدو أن هذا التاجر أثار هذا الموقف الأخلاقي الذي فيه وفاء بالعهد كل مشاعر الأخلاق عنده، فأقسم عليه بكل المقدسات التي يؤمن بها، أن يعود إلى البيت، وأن يعقد له عقد بيع في الثمن الذي كان يستحقه حين سكنه بمئة ألف، وكل أجرة دفعها تعد من ثمن هذا البيت، وتعهد بتأمين أثاث البيت كله.
 أنا أقول لكم كلمة أيها الأخوة: صدقوني يوجد بدمشق سبعمئة ألف شقة مغلقة، العلماء قالوا: ليس هناك أزمة سكن، أزمة إسكان، أزمة السكن شيء وأزمة الإسكان شيء آخر، لما الناس مرجت عهودهم وضاعت أمانتهم، أخوانا الكرام:

(( لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ ))

[أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 لا يوجد عهد، لا يوجد فيه دين، أنا قلت بعض العبارات لعلها قاسية: إذا الإنسان أعطى عهداً وما نفذه يضع صلاته، وصيامه، وعباداته في الحاوية ويرتاح، لا أقول هذا من عندي، إنسان خالف بالتعامل الشرعي فبلغ هذا السيدة عائشة فقالت: "قولوا له إنه أبطل جهاده مع رسول الله".
 والله لو كنا عند عهودنا ومواثيقنا لكنا في حالة غير هذه الحال، ترى الإنسان يتلوى على غرفة ليسكن بها لا يجد وسبعمئة ألف شقة مغلقة، السبب لا يوجد عهد، تسكنه يتملك البيت ويقول لك: هذه المحاكم لا يوجد لك عندي شيء، هذا هو الإسلام؟ ما قيمة الصلاة والصوم؟ ما قيمة العبادات إذا لم يكن هناك وفاء بالعهد؟ صدقوني أيها الأخوة لا يوجد إنسان يفي بعهده ولو دفع الثمن باهظاً إلا وكافأه الله عز وجل.

لا إِيمان لمَنْ لا أَمَانة له وَلا دين لمن لا عَهد له :

 لنا أخ من أخواننا يسكن في بيت، تقول صاحبة البيت له: انظر يا فلان إذا طالبتك بالبيت تؤديه إلي، قال لها: حاضر، وهو في أشد أزمة البيت قالت له: أريد البيت، البيت في المرابط في المهاجرين، قال لها: حاضر، جاءته بمحام وكتب لها عقد التنازل بإلغاء المحاكمة، يقول لي هذا الأخ: والله بعد أن وقعت هذا التنازل، قال لي المحامي بالكلمة غير اللائقة: أنت حمار، بقيت في الطريق، قصة طويلة ليس هناك مجال لتفصيلاتها، إلا أن هذا الإنسان بتفاصيل مدهشة بعد أربعة أشهر اشترى بيتاً في البناء الذي يعمل به، طابق ثامن وأربع جهات مكشوف، وبسعر معتدل، والله يسر له ثمنه، قال لي: أنا ما أدركت سر توفيقي في شراء هذا البيت إلا بعد أن عرفت أن ابنة صاحبة البيت فتاة فاتها قطار الزواج فجاءها خاطب ليس عنده بيت، فقالت لأمها: لو طالبت فلاناً بالبيت وأداه لنا لتزوجت به، فلما لبى طلبها وذهبت هذه الفتاة إلى العمرة، هذه الفتاة تقول: منذ أن غادرت بلدتها في الطواف والسعي، وفي المدينة تقول: يا رب وفق فلاناً – المستأجر- لشراء بيت أفضل من بيتنا.
 الإنسان يكون وفياً، وعنده عهده، ويؤدي ما عليه، شيء لا يقدر بثمن، نحن فقدنا العهد، فقدنا الأمانة، فقدنا الوفاء، فالناس مرجت عهودهم، يقول لك: ألف قلبة ولا غلبة، يقلب، أما المؤمن بالشرع فوفاء العهد أقدس عنده من كل شيء، لذلك يقدم، نحن بحاجة إلى من يفي بوعده.
 الموضوع الذي قلته قبل قليل: نحن يوجد عندنا أزمة إسكان لا أزمة سكن، لا يوجد عهد، يقول لك: فقط أنا أريد هذا البيت لمدة شهر، أنا مرة لي أخ من أخواننا أحدهم يدهن بيته فطلب أن يسكن في بيت ثان كإعارة لمدة شهر، سكن فيه وتملكه ومضى عليه عشر سنوات وإلى الآن متملكه، وهم إلى الآن في المحاكم، هؤلاء هم المسلمون الذين يستحقون النصر من الله عز وجل؟ عشرون ثلاثون ألف دعوة إخلاء في البلد، طبعاً هذا الموضوع حساس جداً لا أحد يأخذ مني أحكاماً، يوجد مستأجر ظالم ويوجد مالك ظالم، أنا لا أدخل في التفاصيل، كل حالة لها تفصيل، لكن الإنسان إذا أعطى عهداً ينبغي أن يكون عند عهده.

(( لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ ))

[أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 لا يوجد عهد لا يوجد دين.

إذا أراد الله بعبدٍ خيراً سيّر إليه حوائج الناس :

 وقال عليه الصلاة والسلام:

((إن لله عباداً اختصهم بحوائج الناس، يفزع الناس إليهم في حوائجهم أولئك هم الآمنون من عذاب الله))

[الطبراني وابن عساكر عن ابن عمر]

 إذا رجل طرق بابه، يُسأل مالاً، معاونة، صدقة، زكاة، خدمة، ليل نهار لا يتأخر، إذا أراد الله بعبدٍ خيراً سيّر إليه حوائج الناس، إذا أحبك الله عز وجل جعل حوائج الناس إليك، لا تتأفف اصبر، طرق الباب ليلاً ونهاراً، ذو الحاجة أرعن، صاحب الحاجة أعمى، أنت عندما الإنسان يثقل عليك بالطلب تصور أن الله قادر أن يضعك مكانه، هذا التصور يريحك، رجل أعرابي شدّ النبي من ثوبه، وقال له: أعطني من مال الله:

(( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ جَبْذَةً حَتَّى رَأَيْتُ صَفْحَ أَوْ صَفْحَةَ عُنُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الْبُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَعْطِنِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ ))

[البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 انظر إلى الحلم، الإنسان أحياناً يكون بحاجة، يطرق بساعة متأخرة، يتصل بساعة مبكرة، صاحب الحاجة أرعن، صاحب الحاجة أعمى، إذا أنت ميسور والله أتاك حلماً وإمكانيات، لا تتأفف، لا تتبرم، الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، هذا الحديث شعار لكل مسلم:

((عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ، فَقِيلَ كَيْفَ يَسْتَعْمِلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ قَبْلَ الْمَوْتِ ))

[الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 هذا الحديث شعار لكل مؤمن. إذا أراد الله بعبدٍ خيراً سير إليه حوائج الناس، ابن عباس رضي الله عنه، يقول: ورد علينا المدينة الوليد بن عتبة والياً وكأن وجهه ورقة مصحف، فو الله ما ترك فقيراً إلا أغناه، ولا مديوناً إلا أدى عنه الدين، وكان ينظر إلينا بعين أرق من الماء، وكلمنا كلاماً أحلى من العسل.

(( مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا فِي الدُّنْيَا سَتَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَنْ نَجَّى مَكْرُوبًا فَكَّ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي حَاجَتِهِ ))

[أحمد عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ مُخَلَّدٍ]

المستدين تاجر الله في الأرض :

 أنا منذ أسبوع أخ من أخواننا بقي هنا ست عشرة سنة يطلب العلم، وهو من إفريقيا، وأخذ ماجستير والحمد لله، دخل إلى مكتبة، هذا الكتاب ضروري ثمنه ثلاثة آلاف، وهذا بألفين، يقول له: ما ثمن هذه الكتب؟ وكان هناك رجل يقف أمامه، فقال له هذا الرجل: أعطه كل الكتب وخذ ثمنها مني، وقال له: لكم علينا دين كبير، إذا إنسان ساهم لطالب علم في بلدنا فله أجر كبير، وأنا أطمئنكم هذه البلدة الطيبة مرغوبة عند كل طلاب العلم في إفريقيا، وآسيا، وشمال أوربا، يفضلونها على مصر والحجاز، السبب طالب العلم مكرم عندنا، وهو ضيفنا، أحدكم إذا رأى طالب علم يوجد أخوان أفارقة، صينيون، أتراك، أخوان من بلاد مختلفة، وهي محجة هؤلاء الطلاب، أنت يوجد عندك شيء زيادة، طالب علم يقيم سنتين، في الشتاء لا يوجد عنده بساط على البلاط وأنا والله لا أدري، ألا يوجد أحدكم عنده بساط قديم؟ سجادة مستعملة؟ أعيره إياها، أحياناً تنحل قضايا ليس بالهبة، ولكن بالاستعارة، ويسكن في بيت ولا يوجد عنده أثاث إطلاقاً، أحياناً لا يوجد عنده طعام، إذا الإنسان رأى طالب علم حوله غريباً، ليس له أحد في الشام، وأعانه فهذا من أعظم الأعمال.

(( عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ قَال: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْسَجَةَ يَقُولُ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ مَنَحَ مَنِيحَةَ لَبَنٍ أَوْ وَرِقٍ أَوْ هَدَى زُقَاقًا كَانَ لَهُ مِثْلَ عِتْقِ رَقَبَةٍ ))

[الترمذي عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ]

 منح منيحة أي أعطاه مالاً، هدى زقاقاً أي دله على الطريق، أعطى أو دلّ.
 وعن ابن مسعود وهذا الحديث أجمل شيء:

((كل قرض صدقة))

[ شعب الإيمان عن ابن مسعود]

 وقال جعفر بن محمد: "المستدين تاجر الله في الأرض، وذلك لما يكسب المقرض من الثواب والحسنات".
 أيها الأخوة الكرام، نحن نريد أن نرد على انقراض القرض، القرض انقرض نفسه بالإقراض، طبعاً أنا لا أقول: ارم مالك على أشخاص لا تعرفهم، أنا ما أردت هذا الكلام، أما شخص موثوق، مؤمن، معروف، وأنت معك، وهو مضطر إلى مبلغ من المال يحل مشاكله، فهذا العمل كالصدقة تماماً بل بثمانية عشر ضعفاً.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS