6857
العقيدة - العقيدة الطحاوية - الدرس (18-20) : النبوات
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1995-06-24
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.

العَبْدُ الذي يُحْسِن لا يُخْزيه الله أبَداً :

 أيها الأخوة المؤمنون، وصَلْنا في الدرس الماضي إلى باب النُّبُوَّات، وهو قَوْل الإمام الطَّحاوي رحمه الله تعالى عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: "وأنَّ محمَّداً عبدُهُ المُصْطفى، ونبِيُّه المُجْتبى، ورسولُهُ المُرْتَضى".
 ونحن الآن مع أدَقِّ دليل من أدِلَّةِ الفطرة؛ لما كانت خديجة رضي الله عنها تَعْلَمُ من النبي أنَّهُ الصادِق البار، قال لها لما جاءه الوَحْي: إنَّي قد خشيت على نفْسي، فقالتْ: كلاَّ، فهل نزل القرآن حينما طَمْأنَتْ هذه السيِّدة الجليلة النبي عليه الصلاة والسلام؟فمِن أيِّ شيءٍ انْطَلَقَتْ؟ مِنْ عِلْمٍِ تعلَّمَتْهُ؟‍! لا، مِن وَحْيٍ قرأتْهُ؟ لا، قالتْ: كلاَّ، والله لا يخزيك الله أبَداً، إنَّك تصل الرَّحِم، وتصْدُق الحديث، وتحْمل الكلّ، وتَقْري الضَّيْف، وتكسب المعدوم، وتُعينُ على نوائب الحق، ما معنى هذا الرَّبْط؟ لم يأتِ الوَحْيُ بعْدُ، ولم تأتِ السنَّة بعْدُ، ولم تأتِ التَّفْصيلات بَعْدُ؛ قالتْ: كلاَّ، والله لا يخزيك الله أبَداً.
 للكَوْن إلهٌ عظيم، فالعَبْدُ الذي يُحْسِن لا يُخْزيه الله أبَداً؛ هذه هي الفطْرة، فأنا أقول لكم يا شباب: إذا كان الواحد منكم مستقيماً ووقَّافًا عند حُدود الله، ويعرف الحلال والحرام، ولا يَعْصي الله أبَداً؛ وهذا وَعْدُ الله عز وجل فلن يخزيه الله أبداً، لفتَ نظري هذه الكلمة؛ فَهِيَ رضي الله عنها لم تتلقَّ العِلْم بعْدُ، ولم تستمِع إلى أيَّةِ آيَةٍ من كتاب الله، ولا من سنَّة رسول الله، إلا أنّ فِطْرَتَها ألْقَت في رُوعِها أنّ هذا الإنسان الذي يَصِل الرَّحِم، ويصْدُق الحديث، ويحْمل الكلّ، ويَقْري الضَّيْف، ويكسب المعدوم، ويُعينُ على نوائب الحق؛ لا يُخْزيهِ الإله الذي في السماء أبَداً، وهذا الكلام سارٍ مفعولُه إلى الأبَد، وفي كُلِّ عصْر، وفي كلّ زمان، وإقليم، وفي كل قرية، ومدينة، وحيٍّ، وفي ِأيّ مجتمع، ومن الشمال إلى الجنوب، ومن عهْد آدم إلى يوم القيامة إذا كنتَ مُحْسِنًا ومُتواضِعاً فلا يُخْزيك الله أبَداً، وانْظُر إلى التاريخ فقد بيَّن ما فعَلَ الله بالأنبياء والمؤمنين، وبيَّن ما فعَلَ بأعدائه المُلْحِدين، ألمْ يُخْزِهِم الله عز وجل؟ ويجعلهم في الحَضيض؟ ما وَضْعُ البِلاد التي رفَعَت شِعار: لا إله !!هي في الوَحْل؛ الجريمة والقَتْل والمافْيا والمُخَدِّرات التي انتشرت وتفشَّتْ في الشَّعْب الذي أنْكر الله عز وجل.

من كان مع الله كان بعين الله التي ترعاه :

 أنا أتمنَّى عليكم أيها الأخوة، ألاّ تقرؤوا الدِّين على أساس أنَّهُ تاريخ، اقْرؤوا الدِّين على أنَّهُ حقائق نعيشُها جميعاً، وأنت بِأصْعَب ظرف ومجْتمع؛ فإذا كُنْتَ تُعينُ على نوائب الحق، وتُكْسِبُ المَعدوم، وتَقْري الضَّيْف، وتَصْدُق الحديث، وتَصِلُ الرَّحِم؛ والله لا يُخْزيك الله أبَداً، وكلّ آيَةٍ نزلت على النبي عليه الصلاة والسلام لك نصيبٌ منها، إذا قال الله عز وجل للنبي عليه الصلاة والسلام:

﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾

[ سورة الطور :48 ]

 وأنت إذا كنت مع الله فإنَّك بِعَين الله تعالى التي تَرْعاك، اِفْهَم الدِّين فهْماً صحيحاً، على أنَّهُ قوانين، وأوامر إلهية، لا على أنَّهُ تاريخ، الفَهْم التاريخي سَقيم، وموضوعه أخذ عِلْم، والتزود بمعلومات.
 إذًا السيِّدة خديجة انْطَلَقَتْ من الفِطْرة، والفِطْرة لا تحْتاج إلى تَوْجيه، ولا إلى تَعْليم، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ تُنْتَجُ الْبَهِيمَةَ هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ))

[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 والفِطْرة تقول: إنَّ لهَذا الكَوْن إلهاً، والمُحسِن لا يُظْلَم، ولن يُخْزيه الله عز وجل؛ هذا الكلام لابدّ أن يَدْفَعَكم إلى مزيد من طاعة الله، إلى مزيد من الإنْصاف، وإلى الإحْسان، والتَّمَسُّك بِقَواعِد الشَّرْع؛ مِن أجل أن يكون لك نصيبٌ من هذا الكلام.
 ماذا قال النَّجاشي؟! لمَّا اسْتَخْبرَهُم عن النبي صلى الله عليه وسلَّم، واسْتَقْرَأهم القرآن، فقَرَؤوا عليه، قَالَ النَّجَاشِيُّ:

((إِنَّ هَذَا وَاللَّهِ وَالَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى لَيَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ ))

[أخرجه أحمد عن أم سلمة من حديث طويل]

 فالنَّجاشي شَعَر بالحق، وأنَّهُ لا يتَعَدَّدُ.

الحق لا يتَعَدَّد أما الباطل فَيَتَعَدَّد :

 ذَكَرْتُ البارِحَة في دَرْس الجمعة أنَّ الله عز وجل وصَفَ طريق الحق بِأنَّهُ مُفْرَد، قال تعالى:

﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

[ سورة الأنعام:153 ]

 الحق لا يتَعَدَّد أما الباطل فَيَتَعَدَّد، ومعنى ذلك إذا كنتَ على حق يجب أن تلْتقي مع المُخْلِصين؛ يجبُ! وإن لم تلْتَق مع المُخْلِصين فأنت لسْتَ منهم، يجب أن تتعاوَنَ معهم، وأن تُنْصِفَهم لا أن تُنْكِرَ عليهم، وأن تعْرِفَ قَدْرَهُم لا أن تُنافِسَهم، إن لم تَكُن هناك مصالِحُ تلْفِتُ اهْتِمامك وإذا أرَدْتَ الله ورسوله والدار الآخرة يجب أن تكون مع المُخْلِصين، وأن تَدْعَمَهم، وأن تعْتَرِفَ بِفَضْلِهم، وأن تكون واحِداً منهم، لا أن تسْتَعْلي عليهم، وتعُدَّ نَفْسَك وحيداً فريداً.
ثم إنّ ورَقَة بن نَوْفل لمَّا أُخْبِرَ بما رآهُ النبي صلى الله عليه وسلَّم، وكان ورَقَةُ قد تنَصَّر، وكان يكْتُب الإنْجيل بالعَرَبِيَّة، قالَتْ له خديجة: أيْ ابن عَمِّي، اِسْمَع من ابن أخيك ما يقول: فأخْبرَهُ النبي صلى الله عليه وسلَّم بِما رأى فقال: هذا هو الناموس الذي كان يأتي موسى.

من أعظم علامات الصِّدق أن الإيمان إذا خالط القلوب لا يفارقه أحد :

 كذلك هَرَقْل، ولِهِرَقْلَ قِصَّةٌ مُمْتِعَةٌ جدًّاً؛ مَلِكُ الرُّوم، فالنبي صلى الله عليه وسلَّم كتب إليه كتَاباً يدْعوه إلى الإسلام فطَلَبَ مَن هناك من العرب يومئذٍ، وكان أبو سُفْيان قد قَدِمَ بِطائِفَةٍ من قريش في تِجارَةٍ إلى الشام، وسألهم عن أحوال النبي، فسأل أبا سُفْيان، وأمرَ الباقين إن كَذَب أن يُكَذِّبوه، فصاروا بِسُكوتِهم مُوافقين له بالإخْبار، ونصُّ الحديث كما في البخاري أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ:

(( أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ في رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَكَانُوا تِجَارًا بِالشَّأْمِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ فَقَالَ أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ فَقُلْتُ أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا فَقَالَ أَدْنُوهُ مِنِّي وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ فَوَاللَّهِ لَوْلَا الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ قُلْتُ هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ قَالَ فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ قُلْتُ لَا قَالَ فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ قُلْتُ لَا قَالَ فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ فَقُلْتُ بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ قَالَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ قُلْتُ بَلْ يَزِيدُونَ قَالَ فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ قُلْتُ لَا قَالَ فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ قُلْتُ لَا قَالَ فَهَلْ يَغْدِرُ قُلْتُ لَا وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا قَالَ وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ قَالَ فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ قُلْتُ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ قَالَ مَاذَا يَأْمُرُكُمْ قُلْتُ يَقُولُ اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ فَقَالَ لِلتَّرْجُمَانِ قُلْ لَهُ سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا الْقَوْلَ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا فَقُلْتُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ لَقُلْتُ رَجُلٌ يَأْتَسِي بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا قُلْتُ فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ قُلْتُ رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمِ اتَّبَعُوهُ وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ وَسَأَلْتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ وَكَذَلِكَ أَمْرُ الْإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ وَسَأَلْتُكَ بِمَا يَأْمُرُكُمْ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي بَعَثَ بِهِ دِحْيَةُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ وَ ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) قَالَ أَبُو سُفْيَانَ فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ وَارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ وَأُخْرِجْنَا فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الْأَصْفَرِ فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ))

[البخاري عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ]

 فالإيمان إذا خالط بشاشة القلوب لا يفارقه أحد، وهذا من أعظم علامات الصِّدق والحق، فإنَّ الباطل لا بدّ أن ينْكشف في آخر الأمر؛ مهما كُنْتَ ذَكِيًّاً ودَجَّالاً؛ أنت تستطيع أن توهِمَ الناس إلى حين، أما أن توهِمَهم إلى أمدٍ طويل فهذا مُسْتحيل، وهذا مثل فرنسي؛ تستطيع أن توهِمَ الناس لِبَعْض الوقت، وتستطيع أن تخْدع بعض الناس لِكُلّ الوقت! أما أن تستطيع أن تخْدع كلّ الناس لكل الوقت فهذا مستحيل.

َسُنَّةُ الله في خلقِه أن يبْتليهم بالسراء والضراء :

 َسُنَّةُ الله في خلقِه أن يبْتليهم بالسراء والضراء، وينالوا درجة الشكر والصبر كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلَّم قال:

((عَجِبْتُ لِلْمُؤْمِنِ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَقْضِ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ ))

[أحمد عَنْ ثَعْلَبَةَ ]

 بِرَبِّكم هل في السنَّة حديث يُثْلِجُ الصَّدْر كهذا الحديث؟ سواء أطْعمه أم أجاعه، رفعه أم خفضه، رزقه أولاداً أم لم يرْزقه، حَجَر عنه المال أم لم يحْجُرْهُ، أكان في صِحَّة أم في مرضٍ؛ كلّ هذا كما قال عليه الصلاة والسلام؛ والذي نفسي بيده لا يقضي الله قضاء إلا كان خيراً له.
 كنتُ والله لما أرى أخاً ألَمَّت به مُصيبة أقول له: والله لو كُشَفَ لك الغِطاء لَذُبْتَ كالشَّمْعَةِ حُبًّاً لله، والله تعالى غَنِيٌّ عن تَعْذيب عِبادِهِ، والدليل:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾

[ سورة النساء: 147 ]

 فَهُوَ تعالى إن ساق العذاب أو الشِدَّة فَهُوَ لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ بالِغَة، بِمَعنى أنَّ ما وقَع لو لم يَقَع لكان الله مَلوماً، ولكان هذا نَقْصاً في حِكْمة الله، ولِهذا من قواعِد الإيمان: لِكُلّ شيءٍ حقيقة، وما بلغ العبد حقيقة الإيمان حتَّى يعلم أنَّ ما أصابه لم يكن لِيُخطئه، وما أخْطأهُ لم يكن لِيُصيبَهُ، ولا تقُل: لو أنَّني فَعَلْتُ كذا وكذا، ولكن قُلْ: قدَّرَ الله وما شاء فَعَل، فإنَّ كلمة لو تفْتح عمل الشيطان، وعِزَّتي وجلالي لا أقْبض عبْدِي المؤمن، وأنا أُحِبُّ أن أرْحَمه إلا ابْتَلَيْتُه بِكُلِّ سيِّئَةٍ كان عملها سُقْماً في جسَدِه، أو إقْتاراً في رِزْقِه، أو مُصيبَةً في مالِهِ أو ولَدِه، حتَّى أبْلُغَ منه مثل الذَّرّ، فإذا بقي عليه شيء شَدَّدْتُ عليهِ سَكَرات الموت حتَّى يلْقاني كَيَوْمَ ولَدَتْهُ أُمُّه، فَكُلُّ شيء وقع أراده الله، وكل ما أراده الله وقع، وإرادة الله متعَلِّقة بالحكمة المطلقة، وحِكْمَتُهُ المطلقة متعَلِّقة بالخير المطلق؛ هذه هي عَقيدتنا، والمؤمن مستسلم، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

((عَجِبْتُ لِلْمُؤْمِنِ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَقْضِ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ ))

[أحمد عن ثعلبة]

 هذا كلام الذي لا ينطق عن الهوى، والذي أمركَ الله أن تأخذ منه، وهو كلام رسول الله المَعْصوم.

أكبر مَعْصِيَة عند الله أن يسْتنْكِف الإنسان عن طاعة الله كِبْراً :

 يوم أُحُد، يومها لم يُفْلِحِ المسلمون بِفَوْزٍ حاسِم، قال تعالى:

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

[ سورة آل عمران: 139]

 وقال تعالى:

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾

[ سورة العنكبوت: 2 ]

 قال هرقل:

(( وَسَأَلْتُكَ بِمَ يَأْمُرُكُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ))

 ؛ هذا كلام العُقلاء، فقد ملَكَ النَّبي صلى الله عليه وسلَّم موضِع قَدَميه! ونحن في دمشق الشام، وقد كانت هذه المدينة له.
 وكان المُخاطب أبا سفيان، وهو حينئِذٍ كافر، مِن أشَدِّ الناس بُغْضاً للنبي عليه الصلاة والسلام.
 مِن الذين أهْدَرَ النبي دَمَهم؛ لمَّا فتَحَ النبي مكَّةَ فرَّ بعضهم إلى جدَّة لِيَرْكَبَ البحر إلى الحبشة، فهو قد ذَهَب إلى الروم، فرأى هرقْلُ يمْدح النبي عليه الصلاة والسلام حينها:

((قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ وَارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ وَأُخْرِجْنَا فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الْأَصْفَرِ فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ))

 فأبو سفيان أيْقَنَ أنَّ هذا نبِيُّ الله تعالى وسَيَنْتَصِر، لذلك أيها الأخوة أكبر مَعْصِيَة عند الله أن تسْتنْكِف عن طاعة الله كِبْراً! المغلوب لِشَهْوة تَوْبَتُهُ سريعة، والله يُعينه على الطاعة، قال ابن عطاء الله السكندري: "ربّ معْصِيَةٍ أوْرَثَت ذُلاًّ وانْكِساراً خيرٌ مِن طاعَةٍ أوْرَثتْ عِزًّاً واسْتِكْباراً!" فداءُ الكِبر والتَكَبِّر هذا خطير جداً، ودواؤُهُ عسير، فألْفُ مَعْصِيَة عن شهْوة أهْوَن من معْصِيَةٍ عن كِبَر!!
 وهذه بعض الأدِلَّة الفرعِيَّة على نُبُوَّة النبي صلى الله عليه وسلَّم؛ قال: وبِالجُمْلة فالعِلْم بأنَّهُ كان هناك في الأرض من يقول: إنَّهُ رسول الله، وأنَّ أقْواماً اتَّبَعوه وأقْواماً خالفُوه، وأنَّ الله نصَرَ الرُّسل والمؤمنين، وجعل العاقبة لهم، وعاقَبَ أعْداءهم؛ هو مَن أظْهَر العلوم المتواترة وأجْلاها.

المؤمن الصادِق لا تَضْعُفُ هِمَّتُهُ أبَداً :

 أنت الآن في القرن الخامس عشر الهجري، وقاومه أبو لهب وصفوان وأبو جهل، وكل كفار مكة، فمَن الذي نصَرهُ الله وأعَزَّهُ ورفعَهُ الله؟ ولِمَن كانت العاقبة؟ وبالمناسبة الدَّعْوَة الإسلامِيَّة مرَّتْ باخْتِناقات رهيبة جدًّاً، وأحَدُ هذه الاخْتناقات بالخَنْدق ‍! الإسلام في الخندق قَضِيَّةُ ساعات ويُستَأصل الإسلام عن آخره، حتَّى إنَّ بعضهم قال: أيَعِدُنا صاحبكم أن تُفتَحَ علينا بلاد قيْصَر وكِسْرى، وأحَدُنا لا يأمْنُ أن يَقْضِيَ حاجَتَهُ!! إلا أنَّ الشيء العجيب، وقد ذَكَرْتُ هذا في خُطْبَةٌ سابقَة، وكان دمُه مَهْدوراً، ومُلاحقاً، ومئة ناقَةٍ لِمَن يأتي به حيًّاً أو ميِّتاً؛ ويقول لِسُراقَة: "كيف بك يا سُراقَة إذا لَبِسْتَ سِوارَي كِسْرى ؟!" كلام خطير جداً؛ معنى ذلك أنَّه عليه الصلاة والسلام كان واثِقاً من النَّصْر، وأنَّهُ سيَصِلُ إلى المدينة سالِماً، وسَيُنشئ فيها مُجْتَمَعاً إسلامِيًّاً، وكان له فيها جَيْش وكيان، وسَيُحارِبُ أصْحابُهُ مِن بعْدِه أكبر دَوْلَتَيْن في العالَم؛ وسَيَنْتَصِرون عليهما، ويأتون بِتاجِ كسرى وسِواريْه إلى المدينة مع الغنائم، كذلك الأنبياء واثِقون مِن نَصْر الله، والمؤمن الصادِق لا تَضْعُفُ هِمَّتُهُ أبَداً، وأنَّ هذا الدِّين دينُ الله، وأنَّ الله تعالى ناصِرُه ولو اجْتَمَعَت قِوى الأرض كلها على إطْفائِهِ، فالهَجْمات المتواصلة على الإسلام جعلت الحِيادي ينظر إلى الدِّين ومستقبله، والآن عشرات الناس يدخلون إلى الإسلام.
 ونحن اليوم إذا علمنا بالتواتر من أحوال الأنبياء، وأوليائِهم، وأعدائِهم، علِمْنَا يقينًا أنَّهم كانوا صادِقين على الحق من وُجوهٍ مُتَعَدِّدَة؛ منها أنَّهم أخْبروا الأُمَم بِما سيكون من انْتِصارِهم، وخِذْلان أعدائهم، وبقاء العاقبة للمتقين.
 فإذا أمكنَنَا أنْ نضَعَ خطًّاً بيانِياً للدَّعْوَة، لوَجَدْنا أنَّهُ في الطائف وصل هذا الخط إلى الحضيض؛ تَكْذيب، واسْتِهزاء، وإيذاء، فَمَكَّةُ خذَلَتْهُ، وأخْرَجَتْهُ، وبَقِيَ الأمل في الطائف، فبالَغ أولئك بالإساءة إليه، فحينما عاد إلى مكَّة سألهُ سيِّدُنا زَيْد بن حارِثَة: كيف تعود إلى مكَّة وقد أخْرَجوك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: إنَّ الله ناصِرُ نَبِيِّه ! يعلمُ أنَّه رسول الله ونبِيُّه، وأنَّ الله تعالى لا يتخلَّى عنه، ولذا المؤمن ثقتهُ بالله تعالى كبيرة، وكُلَّما ضَعُفَت هذه الثِّقَة كانت مُؤَشِّراً على ضَعْف إيمانه بالله.

النبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى :

 والاعتقاد أنَّ ما جاؤوا به مِن المصلحة، والرَّحمة، والهُدى، والخير، ودلالة الخلق على ما ينفعهم، ومَنْعِ ما يَضُرُّهم، ما يُبَيِّنُ أنَّهُ لا يصْدر إلا عن راحمٍ، برٍّ، يقْصِدُ غاية الخير، والمنْفَعَةِ للخلق.
 فالجاهل لا يمكن أن يقول كلاماً يمْضي عليه ألف وخمسمئة عام دون أن يُظْهِرَ العِلْم فسادهُ، والنبي عليه الصلاة والسلام قبل ألف وخمسمئة عام نهى مَن كان في بلدٍ موْبوء أن يخرج منها، نهى عن الدخول إليها؛ هذا واضِح ! أما عن الدخول فليس لها تَفْسير إطلاقًا، فهي واضحة النتائج، فهناك مَن يحْمل المرض، وهو ليس مريضاً، فإذا انتَقَل إلى إنسان آخر أَمْرَضَهُ، وهو سليم ! لذلك نهى النبي أن ندْخُل بلْدَةً فيها طاعون وأن نخرج منها، وهذا من دلالة نُبوَّتِه.
والآن بعدما حفروا أرضَ حَضْرَموت وجدوا رِمَالاً تُغَطِّي حضارَةً بِأكْملِهَا؛ فهناك مُدن، وبساتين، وقنوات ريّ، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ الْمَالُ وَيَفِيضَ حَتَّى يَخْرُجَ الرَّجُلُ بِزَكَاةِ مَالِهِ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهَا مِنْهُ وَحَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا))

[مسلم عن أبي هريرة]

 فمن الذي أنْبأهُ أنَّها كانت مُروجاً، وأنهاراً، وأنَّها سَتَعُود، معنى ذلك أنَّ الذي يُنَقِّلُ خُطوط المطر في السماء وهو الله تعالى هو الذي أخْبرَهُ، مدينة الشام كانت كلُّها بساتين، وتدْمُر كانت عاصِمَةً خضْراء، وخُطوط المطر تنتقل، كما أنَّ نَجْم القطب كان قبل آلاف السِّنين نَجْماً آخر؛ هو النَّسْر الواقع ! لأنَّ مِحْوَر الأرض المائل يدور حول نفْسِهِ، ويرْسُم مَخْروطًا، أما الآن فهو نَجْمُ القطب، وبعد حين سَيَعُود النَّسر الواقع نَجْم الشمال، ومع هذا التَّبدل تتبدَّل خطوط المطر، ولذلك بلادٌ كانت مُخْصِبَةً خضْراء أصْبَحَت قاحِلَة، وبلادٌ كانت قاحِلَة أصْبَحَت مُخْصِبَة ! وهذا ما يُفَسِّر بِمِئات السِّنين ومواقع المطر والخُصوبة في الأرض؛ قال عليه الصلاة والسلام:

((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ الْمَالُ وَيَفِيضَ حَتَّى يَخْرُجَ الرَّجُلُ بِزَكَاةِ مَالِهِ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهَا مِنْهُ وَحَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا))

[مسلم عن أبي هريرة]

 فمَن الذي أعلم النبي عليه الصلاة والسلام أنَّ الخروف إذا ذَبَحْتَهُ، وقَطَعْتَ رأسَهُ ينقطِعُ التَّنْبيه الاسْتثنائي للقلب في النَّبْض، لأنّ القلب يتلقَّى أمر النَّبْض من ذاته من مركز كهربائي، لكنَّه يتلقى أمراً اسْتِثنائِيًّاً عن طريق الدِّماغ بالنَّبْض مئة وثمانين نَبْضة، وتكون مُهِمَّة القلب بعد الذَّبْح إخراج الدم كلَّه؛ هذا شيء مُستحيل.
 وقال عن الحبَّة السوداء:

((عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ فَإِنَّ فِيهَا شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ))

[ابن ماجه عن عبد الله بن عمر ]

 أمَعْقولٌ هذا ؟! عُقِدَ مؤتمر بِمِصْر لِدِراسة فوائِد الحبَّة السوداء، فَوَجدوا أَنَّها تُقَوِّي جِهاز المناعة، وإذا قَوِيَ جهاز المناعة كان الشِّفاء من كلّ الأمراض.
 يجب أن تعْتَقِدَ كما قال سيِّدُنا سَعْد بن أبي وقَّاص: "ثلاثة أنا فيهِنَّ رجل وفيما سوى ذلك فأنا واحِدٌ من الناس ! ما صَلَّيْتُ صلاةً فَشُغِلَت نفسي بغيرها حتى أقْضِيَها، ولا سِرْتُ في جنازَةٍ فَحَدَّثْتُ نفسي بِغَير ما تقول حتَّى أنْصَرِفَ منها، ولا سَمِعْتُ حديثًا من رسول الله إلا عَلِمْتُ أنَّهُ من الله تعالى حقًّاً".

لا يكون العِلْمُ عِلْماً إلا إذا وافق الدِّين :

 المؤمن الصادِق ولو رأى الحديث يُخالِفُ قواعِدَ العِلْم، فلا بدّ أن يأتي يومٌ يَكْتَشِفُ العِلْمُ أنَّ هذا الحديث هو الصحيح؛ حدَّثني دُكتور في الشَّريعة، له صديق طبيب؛ هذا الطبيب مِن أربعين عاماً في كُليَّة الطبّ يَدْعو طُلابَّهُ إلى أن يشربوا الماء مع الطعام، بينما الغرب يُحَذِّرون من شرْب الماء مع الطَّعام، مُنْطَلِقًا مِن أنَّ هذا الماء يُمَدِّدُ العُصارة الهاضِمَة، فإذا تَمَدَّدَت ضَعُفَتْ فاعِلِيَّة الهضْم؛ قبل عامَيْن فقط اِكْتُشِفَ أنَّ الماء مع الطَّعام يُعينُ على الهَضْم، ويَحُثُّ الغُدد على الإفراز، وفي الحديث عَنْ مِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول:

((مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ؛ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ))

[الترمذي عَنْ مِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ]

 فَكُلَّما تَقَدَّم العلم اقْترَبَ من حقائق الدِّين؛ لذلك أكبر خطأ يقع فيه الإنسان أنه لا ينتظر من الدِّين أن يُوافق العلم، فهذا ضعيف، بل من العِلْم أن يُوافق الدِّين، فلا يكون العِلْمُ عِلْماً إلا إذا وافق الدِّين.

الديمومة للدين الإسلامي العظيم لأن الكذب و الافتراء لابد من أن يكشفه الله عز وجل :

 عندنا دليل لطيف جدًّاً؛ وهو أنَّهُ إذا كان النبي صلى الله عليه وسلَّم عند هؤلاء ليس بِنَبِيٍّ صادِق، بل هو ملِكٌ ظالِم، فقد تهيَّأ له أن يفْتَرِيَ على الله، ويتقَوَّلَ عليه، ويسْتَمِرَّ حتَّى يُحَلِّل، ويُحَرِّم، ويَفْرِضَ الفرائض، ويشْرع الشرائِع، وينْسَخَ المِلَل، ويضْرب الرِّقاب، ويقتل أتْباع الرُّسل، وهم أهْل الحق عندهم، ويسْبي نِساءهم، ويَغْنَمُ أموالهم، وذراريهم، ودِيارهم، ويتِمُّ له ذلك حتَّى يفْتَحَ الأرض، وينْسِبُ ذلك إلى أمر الله له، ويدَّعي مَحَبَّتُهُ له، والرب تعالى يُشاهِدُه، وهو يفْعل بأهل الحق، وهو مُسْتَمِرٌّ في الافْتِراء عليه ثلاثةً وعشرين عاماً، وهو مع ذلك كُلِّهِ يُؤَيِّدُهُ، وينْصرُهُ، ويُعْلي أمْرَهُ، ويُمَكِّنُ له مِن أسباب النَّصْر الخارِجَة عن عادة البشر، وأبْلغُ من ذلك أنَّهُ يُجيبُ دَعَواتِهِ ويُهْلِكُ أعْداءَهُ، ويرفَعُ له ذِكْره، هذا وهو عندهم في غاية الكذب، والافْتِراء، والظلم، فإنَّهُ لا أظْلَمَ مِمَّن كذب على الله، وأبطل شرائِعَ أنْبِيائِهِ وبدَّلها، وقتل أولِياءَهُ، واْسَتَمَرَّتْ نُصرتهم دائِماً عليهم، والله تعالى يُقِرُّهُ على ذلك.
 أي إن لم يَكُن نِبِيًّاً جاء بهذه الرِّسالة على دَعْواهم ملِكٌ ظالم وعَبْقري، وافْتراها من عنده، وحَرَّم وحلَّل، وفرض ودعا، واسْتجاب الله له، وأهْلَك أعداءهُ، معنى ذلك أنَّ الله تعالى هو الذي أضَلَّ عبادهُ، أيُعْقَلُ هذا ؟ قال تعالى:

﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ*لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ*فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ﴾

[سورة الحاقة: 44-47]

 ولا ريب أنَّ الله تعالى رفَعَ له ذِكْرهُ، وأجاب له دَعْوَتَهُ، والشَّهادة بالنُّبُوَّة على رؤوس الأشْهاد في سائر البلاد، ونحن لا نُنْكِرُ أنَّ كثيراً من الكذَّابين قام في الوُجود، وظَهَرَت له شَوْكَةٌ، ولكن لم يتِمَّ أمرهُ، ولم تَطُلْ مُدَّتُه، بل سلَّطَ الله عليه رسله وأتباعهم، فقَطَعوا دابِرَهُ، واسْتأصَلوه، فمثلاً أين هو هولاكو؟ وأين تيمور لنك ؟ هؤلاء الطُّغاة الذين ادَّعوا النُبُوَّة أين هم؟ وأين هي دَعْوَتُهم؟ الباطل له جَوْلَة، لكِنَّهُ يضْمَحِلّ، أين القرامطة؟ بل أين كلّ هؤلاء الذين كادوا للدِّين؟ فَعَلوا ما فعلوا، وارْتَفَع ذِكْرُهم، وتسلَّطوا، إلا أنَّ الدَّيْمومة أخيراً لِهذا الدِّين.

الحق لا يُحْتَكَر لأنَّه حاجة أساسيَّة لكُلِّ البشر :

 الآية الكريمة وهي قوله تعالى:

﴿ أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ ﴾

[سورة الطور: 30]

 والآية الثانية وهي قوله تعالى:

﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾

[سورة الشورى: 24]

 أخْبَرَ سبحانه أنَّهُ من نفى عنه الإرسال والكلام لم يُقَدِّرْهُ حق قدْرِهِ؛ وهذه نقطة مُهِمَّة جداً، فأنت إذا نَفَيْتَ عن الله عز وجل إنْزال الكتب، وإرْسال الأنبياء، فأنت نَفَيْتَ عنه الكمال ‍! ونَفَيْتَ عنه رحْمَتُهُ بِخَلْقِهِ ! وأنّه ترك الخَلْق مُعَطَّلين عن الأمر والنَّهْي، لذلك هناك حقيقة اسْمعوها أيها الأخوة؛ هذا الحق كالهواء للإنسان، ولا يُمْكِنُ لِبَلَدٍ أن يحْتكِرَهُ، ولا لِعَصْر أو أُمَّة أو مِصْرٍ، ولا لِجَماعة أو شَخْص فالحق لا يُحْتَكَر لأنَّه حاجة أساسيَّة لكُلِّ البشر.
 أيْنَما ذَهَبْتَ هناك أهل الحقّ، وهناك دُعاة، والله عز وجل وزَّعَهم في العالم تَوْزيعاً حكيماً، فَكُلّ بلدٍ لها دُعاتُها الصادِقون، أمَّا أن تعْتَقِد أنّ الحق في بَلَدٍ واحِد، فهذه سذاجة ما بعْدَها سذاجَة!

إرْسال الرسل من أعظمِ نِعَم الله تعالى على خلْقِهِ :

 آخر شيء، ذَكَروا فُروقًا بين النبي والرسول؛ أحْسَنُها أنَّ من نبَّأهُ الله تعالى بِخَبَر السَّماء، فإنْ أمرَهُ أن يُبَلِّغَ غيْرَهُ فَهُوَ نبِيٌّ رسول، وإن لم يأمره أن يبَلِّغ غيره فَهُوَ نبِيٌّ وليس بِرَسول، فالرسول أخَصُّ من النبي؛ فَكُلّ رسول نبِيّ، وليس كل نبي رسولاً، ولكنَّ الرِّسالة أعَمُّ من جِهَة نفسِها، فالنُّبُوَّةُ جزءٌ من الرِّسالة، إذِ الرِّسالة تتناول النبوَّة وغيرها، فالرِّسالة أعَمُّ من جِهَة نفسِها، وأخَصُّ من جهة أهلها، فالرِّسالة تشْمل الشُّعوب كلَّها؛ فالرسول بُعِث للناس كافَّة، أما سيِّدُنا يوسف فقد كان نبِيًّاً أنْبأهُ الله تعالى بِخَبر السماء.
 وإرْسال الرسل من أعظمِ نِعَم الله تعالى على خلْقِهِ، وخُصوصاً محمَّداً صلى الله عليه وسلّم، كما قال تعالى:

﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾

[سورة آل عمران: 164]

 وفي الدرس القادم إن شاء الله ننتقل إلى قول صاحب العقيدة الطَّحاوِيَّة: "وأنَّهُ خاتَمُ الأنبياء".

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS