38425
خطبة الجمعة - الخطبة 0510 : وتعاونوا على البر والتقوى .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1995-01-06
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأن لا إله إلا الله وحده ولا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته، ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام:
 ربنا جل جلاله يقول في كتابه العزيز:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾

[سورة المائدة الآية 2]

 وما من وقت، أو حين في حياة المسلمين هم في أشد الحاجة إلى التعاون كهذا الوقت، فالله سبحانه وتعالى يأمرنا ـ وكل أمر في القرآن الكريم يقتضي والوجوب ـ وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان..
 الحقيقة الأولى التي يمكن أن تُستنبط من هذه الآية أن التعاون على إطلاقه ليس قيمة خيرة، لكن التعاون المقيد بالبر والتقوى، قال تعالى:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾

 هناك تعاون يرضي الله عز وجل، وهناك تعاون يستوجب سخط الله عز وجل، فقبل أن تعاون إنساناً دقق هل هذا التعاون على البر والتقوى؟ هل هذا التعاون على صلاح الدنيا وصلاح الآخرة ؟ أم على فساد الدنيا وضياع الآخرة..
أيها الأخوة الكرام:
 من أجل أن نفهم حقيقة هذا الآية ينبغي أن نعلم أن الله سبحانه وتعالى خلقنا لجنة عرضها السموات والأرض، خلقنا للجنة، لكن السعادة الإنسانية التي يحصلها الإنسان في الجنة فوق التصور.

(( أعددت لعبادي المؤمنين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ))

﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17)﴾

[سورة السجدة]

 لكن أيها الأخوة ـ المتعة أو السعادة في أي اصطلاح أردت كلما ارتقى مستواها تحتاج إلى تأهيل، فأن تستمتع بالطعام والشراب هذا لا يحتاج إلى تأهيل إطلاقاً، يكفي أن تأكل، أن تستمتع بغرفة دافئة يكفي أن تدخل إليها، أن تستمتع بغرفة مبردة في الصيف يكفي أن تدخل إليها أما أن تستمتع بركوب دراجة يجب أن تتعلم ركوب الدراجة، أما تستمتع بركوب مركبة وأن تقودها يجب أن تؤهل نفسك لقيادتها، أما أن تستمتع بقيادة طائرة، تجوب بها الآفاق وتمتع نظرك بالجبال الخضراء، والبحيرات وشواطئ البحار، هذا يحتاج إلى تأهيل أكبر..
 أردت من هذا المثل أنه كلما ارتقى مستوى السعادة فالإنسان يحتاج إلى تأهيل، لأن الجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، إذاً الجنة تحتاج إلى تأهيل، يؤكد هذا المعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما كان يدعو ربه ويقول: اللهم إني أسألك موجبات رحمتك. التأهيل متى ؟ التأهيل في الدنيا، الدنيا دار تأهيل والآخرة دار جزاء، الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء، الدنيا دار تكليف، والآخرة دار تشريف، الدنيا دار ابتلاء، والآخرة دار تكريم.
فأنت في الأصل ـ أيها الأخ المؤمن ـ أنت كإنسان خلقت لجنة عرضها السماوات والأرض، وقد جاء بك إلى الدنيا كي تؤهل نفسك لدخول هذه الجنة، ولكي يكون لك عملا يصلح للعرض على الله عز وجل، فإذا تتبعت آيات القرآن الكريم تجد أن العمل الصالح هو أثمن ما في الدنيا بدليل أن الإنسان إذا غفل عن مهمته، وجاءه ملك الموت، لا يندم في الدنيا إلا على شيء واحد، يقول:

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾

[سورة المؤمنون]

 إذاً أنت في الدنيا من أجل عمل صالح يؤهلك لدخول الجنة التي خُلقت لها.. ولكن كيف يدفعنا الله عز وجل إلى العمل الصالح، أو كيف يدفعنا إلى مطلق العمل ؟..
 أودع فينا حاجات أساسية، أودع فينا حاجة تحفظ لنا بقاءنا، هي الحاجة إلى الطعام والشراب، وأودع فينا حاجة تحفظ لنا نوعنا، هي الحاجة إلى الزواج، وأودع فينا حاجة هي حاجة تأكيد الذات تبقي لنا ذكرنا بعد موتنا، فهناك حاجة إلى الطعام من أجل أن نبقى كأفراد، وهناك حاجة إلى الزواج من أجل أن نبقى كنوع، وهناك حاجة إلى تأكيد الذات من أجل أن يبقى ذكرنا بعد الموت.
 ثم إن هناك حقيقة ثانية، هي أن الخيرات التي أودعها الله في الأرض لا يمكن أن نستفيد منها إلا بعمل بشري، فالفاكهة ينبغي أن تُزرع، والقمح ينبغي أن يُزرع، والبئر ينبغي أن تُحفر، والحديد يجب أن يُستخرج، وقس على هذا كل شيء. إن خيرات الأرض من معادن من ثروات، من مياه، من خضراوات، من محاصيل من فواكه، لا يمكن أن تحصل إلا بجهد بشري..
 والحقيقة الثانية أن هذا الجهد البشري يحتاج إلى تعاون، فأنت بإمكانك أن تتقين شيئاً واحد أو شيئين، أو ثلاثة على أعلى تقدير، لكنك بحاجة ماسة إلى ألوف ملايين الأشياء، هذا كله يوفره لك تعاونك مع أخيك، من هنا جاء قوله تعالى:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾

 وأنت تعمل أو تعمل مع أخيك من أجل أن تلبي حاجاتك الأساسية من طعام وشراب وزواج وإعلاء ذكر تمتحن، فإما أن تكون مستقيماً، وإما أن تكون منحرفاً، إما أن تكون صادقاً، وإما أن تكون كاذباً لا سمح الله إما أن تكون منصفاً، وإما أن تكون ظالماً، إما أن تكون محسناً وإما أن تكون مسيئاً.. خلق الله هذه الحاجات وأودع في الأرض الخيرات، ولكن هذه الخيرات ليست في متناول الإنسان وحده، رغيف الخبز الذي تأكله تعاون على تقديمه لك آلاف الأشخاص وأنت لا تدر، أودع في الأرض الخيرات، وهذه الخيرات ليست في متناول الأيدي إلا أن يُبذل من أجلها جهد واضح، متعاون، وأنت تسعى لتأمين قوت يومك، وأنت تسعى لتأمين زوجة لك، وأنت تسعى لتأكيد ذاتك تُمتحن.

﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2)﴾

[سورة الملك]

 الإنسان يعمل لتأمين طعامه وشرابه، لكن وهو يعمل يُمتحن، قال تعالى:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾

 الحقيقة الأولى أيها الأخوة ـ أن قيمة التعاون ليس مطلقة إنما هي مقيدة قيمة التعاون التي ترضي الله عز وجل مقيدة بالبر والتقوى، ويا أيها الأخ الكريم، قبل أن تتحرك، قبل أن تسدي نصحاً، دقق فيما تفعل، هل هذا الذي تفعله وفق منهج الله، هل يرضي الله ؟، إذاً افعل وإلا فأنت آثم.

﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾

 أيها الأخوة الكرام:
 حتى في حديثك مع إخوانك، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (9)﴾

[سورة المجادلة]

 هذا الحديث مسؤول عنك، هذا الكلام الذي تعده من نافلة القول..

((يا رسول الله وهل نؤاخذ بما نقول، فقال عليه الصلاة والسلام: ثكلتك أمك يا معاذ، وفي رواية ويحك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على مناخيرهم إلا حصائد ألسنتهم ))

 فالتناجي يجب أن يضبط بمنهج الله عز وجل، يجب أن تبتعد عن الغيبة والنميمة، والاستهزاء، والسخرية، والإفك، والفحش في القول وما إلى ذلك..
 أيها الأخوة الكرام:
 يبدو أن التعاون الذي أراده الله سبحانه وتعالى يأخذ مناحي عدة، فهناك تعاون فكري، هناك تعاون مالي، هناك تعاون مادي في الأجسام والأعمال، وهناك تعاون نفسي، وقد أمرنا أن نفعل كل هذه الأعمال من التعاون.
 أولاً: في الحديث الصحيح يقول عليه الصلاة والسلام:

((وتعين الرجل على دابته فتحمله عليها، أو أن تحمل له عليها هو لك صدقة. وأمرك بالمعروف صدقة، ونهيك عن المنكر صدقة، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة ))

 يعني يجب أن تعلم أن آية وتعاونوا على البر والتقوى فرض عين على كل مسلم، يجب أن تتعاون مع أخيك المؤمن على صلاح الدنيا وصلاح الآخرة.
 أيها الأخوة الكرام:
 أنطلق معكم في مفهوم التعاون من هذا المثل، لو أنك تركب مركبة وأخوك يركب مركبة تسير أمامك، ورأيت دخاناً يخرج من عجلتها الخلفية، وهي على وشك أن تحترق، لقد نسي المكبح مرفوعاً، هل تبقى صامتاً، أم تسبقه وتشير إليه، هل يمكن أن ترى أخاك على شفى جرف هار سينهار بعد قليل وتبقى صامتاً ؟.. التعاون له معنى إيجابي وله معنى سلبي، فأن تشير إلى الخطر فهذا من التعاون، أن تأمر بالمعروف هذا من التعاون، أن تنهى عن المنكر هذا من التعاون، أن تعين الرجل في دابته فتحمله عليها، هذا من التعاون، أن تحمل له حاجته عليها هذا من التعاون، أن تميط الأذى عن الطريق هذا من التعاون..
 أيها الأخوة الكرام:
 روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

((إن أحدكم مرآة أخيه، فإن رأى به أذىً فليمط عنه..))

 هذه أعلى درجات الأخوة والتعاون، أنت مرآة لأخيك، فإذا رأيت في أخيك شيئاً ينبغي أن تنصحه، أن تنصحه بأدب، أن تنصحه على انفراد أن تتلطف له بالنصيحة، أن تنصحه وأنت متواضع له، أن تنصحه وأنت محب له..

((إن أحدكم مرآة أخيه، فإن رأى به أذىً فليمط عنه..))

 أي فليبعد الأذى عنه..
 وقد روى أبو داود والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

((المؤمن مرآة المؤمن والمؤمن أخو المؤمن يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه ))

 يكف عنه ضيعته: يعني يبعد عنه أسباب هلاكه.
 وهذا من بديهيات الإيمان، يحوطه من ورائه كالأم الرؤوم.
 أيها الأخوة الكرام:
 ربنا سبحانه وتعالى ضرب لنا مثلاً في القرآن الكريم.
 أهل الصين شكوا إلى الفاتح المؤمن العظيم ذي القرنين، شكو له ما تفعله بهم قبائل يأجوج ومأجوج، فطلب منهم أن يعينوه، قال تعالى:

﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً (95) آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً (96) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً (97)﴾

[سورة الكهف]

 وقد يعتقد بعضهم أنه سد الصين العظيم، هذا عمل لا يقوى عليه فرد ولا مجموعة، قوي عليه شعب بأكمله، أعينوني.. فالأعمال العظيمة تحتاج إلى تعاون، الأعمال الجليلة تحتاج إلى تعاون، وإذا أردنا أن نبني أنفسنا، وأن نبني بلادنا، هذا الأمر يحتاج إلى تعاون.
 أيها الأخوة الكرام:
 قلت قبل قليل هناك تعاون فكري، وهناك تعاون مالي، وهناك تعاون جسمي، وفي الأعمال، وهناك تعاون نفسي. أما التعاون النفسي وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون الفكري المشاورة، قال تعالى:

﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾

[سورة آل عمران]

 وصف الله المؤمنين فقال:

﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾

[سورة الشورى]

 هذا هو التعاون الفكري، من التعاون الفكري التواصي بالحق والتواصي بالصبر، قال تعالى:

﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾

[سورة العصر]

 فإذا تكلمت ذكر، نبه، حذر، انصح، آمر بالمعروف، انه عن المنكر، بين حكم الله عز وجل، ضع الحل لمشكلة يعاني منها المجتمع ساهم في طرح الأفكار، ساهم في وضع الحلول، ساهم في حل المشكلات، هذا كله من التعاون الفكري.
 تؤكده كما قلت قبل قليل آيات الشورى، التي أمر بها النبي:

﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾

 والآيات التي وصفت المؤمنين بأن أمرهم شورى بينهم.
 وقوله تعالى في سورة العصر وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر..
 لا تكن سلبياً، لا تقل هذا لا يعنيني، من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم. إذا شاركت في طرح حل لقضية لمشكلة، إذا ساهمت في بيان الحكم الشرعي فهذا من التعاون، وأما التعاون المالي فالله سبحانه وتعالى يصف الكفار بأنهم يمنعون الماعون:

﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7)﴾

[سورة الماعون]

 والماعون هو المعونة..
 فالذي يبخل ويأمر الناس بالبخل، هذا تنطبق عليه هذه الآية.
 أيها الأخوة الكرام:
 ويقول الله عز وجل:

﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾

[سورة البقرة ]

 آتى المال على حبه، بدافع حبه لله عز وجل، تقرباً إلى الله عز وجل، طلباً لمرضاة الله عز وجل، هذا الإيتاء على حب الله عز وجل غير الزكاة، لقوله تعالى:

﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ ﴾

 الزكاة شيء، وأن تؤتي المال على حب الله عز وجل ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب شيء آخر، من هنا قال عليه الصلاة والسلام:

((في المال حق سوى الزكاة ))

[رواه الترمذي]

 هذا أيضاً من التعاون، حينما تبذل مالك لتمسح الجراح عن آخ مؤمن لتمسح عنه دمعة الحاجة، فأنت من المتعاونين، وأنت ممن ينفذ قوله تعالى:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾

 أيها الأخوة الكرام:
 التيسير على معسر من التعاون، ستر الأخ لأخيه من التعاون، إعارته متاعه من التعاون، مؤازرته في حاجاته من التعاون، مؤازرته في أعمال الخير من التعاون، نصحه في أموره من التعاون، إرشاده إلى سبيل السداد من التعاون، تعليمه الخير من التعاون، أن تشفع له شفاعة حسنة من التعاون.
 روى الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

((من يسر على معسر في الدنيا يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلم في الدنيا ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ))

(( أنفق بلالاً ولا تخشى من ذي العرش إقلالاً ))

((والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه..))

 هذه حقيقة خطيرة، أنت لمجرد أن تعاون أخاك تعاون فكري أو تعاون مالي، أو تعاون جسمي، النبي عليه الصلاة والسلام حفر الخندق مع أصحابه، بنى مسجد قباء مع أصحابه، هذه أعلى درجات التعاون، في بدر مشى وصاحباه يركبان الناقة، وقال:

(( ما أنتما بأقوى مني على السير، ولا أنا بأغنى منكما عن الأجر ))

 يجب أن تنوع، تعاون فكري، تعاون مالي، تعاون عضلي، بجهدك بوقتك، تعاون نفسي، حينما تواسي أخاً في مصيبته، حينما تهنئه على نعمة أصابته، هذا تعاون نفسي، إذا هنأته على هذه النعمة، دفعته إلى أن يشكر الله عليها، وإذا واسيته في مصيبته أعنته على الصبر.
يا أيها الأخوة الكرام:
 يجب أن نلخص هذا الموضوع بالخطوط التالية: تعاون فكري ؛ نصيحة، أمر بالمعروف، نهي عن المنكر، شورى.
 تعاون مالي ؛ إنفاق المال، إن في الزكاة أو في الصدقة، تعاون جسمي أن تسير مع أخيك لحل مشكلته، أن تعينه على أعماله المباحة أن تعينه على أعمال الخير بعضلاتك، بجهدك، بوقتك، والتعاون النفسي أن تصبره إذا أصابته مصيبة، وأن تهنئه، ولعل في الحديث الشريف الذي يُروى عن النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال:

((أتدرون ما حق الجار، إذا استعانك أعنته، وإن استنصرك نصرته وإن استقرضك أقرضته، وإن مرض عدته، وإن مات شيعته، ولا تستطل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلا بإذنه، وإذا اشتريت فاكهة فأهد له منها، فإن لم تفعل فأدخلها سراً، ولا يخرج بها ولدك ليغظ بها ولده، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها ))

 أيها الأخوة الكرام:
 التعاون سمة أساسية من سمات المؤمنين، ولكن التعاون الذي يرضي الله عز وجل مقيد بالبر والتقوى، مقيد بصلاح الدنيا وصلاح الآخرة.
 أيها الأخوة الكرام:
 سألني أحد الأخوة الكرام ورأيت في الإجابة عن هذا السؤال ما يقرب من موضوع التعاون، قال لي هذا الأخ الكريم: هناك من يظن أن المرأة ليس عليها أن تخدم زوجها، قال لي هل هذا صحيح ؟..
 أيها الأخ الكريم السائل، أيها الأخوة الكرام المستمعون: هل معنى ذلك أن على الرجل أن يقوم بخدمة المنزل وخدمة الأولاد، إن هذا إن صح يجرئ النساء على الرجال، ويقلب الأوضاع في البيوت والمجتمعات، هذا هو نص السؤال.
أيها الأخوة الكرام:
 إن كان هذا اجتهاداً فالمجتهد يخطئ ويصيب، فإن أصاب المجتهد فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر واحد، يقول الإمام مالك إمام دار الهجرة: كل أحد يؤخذ منه ويُرد عليه إلا النبي عليه الصلاة والسلام، لأنه معصوم. يقول الله عز وجل في الإجابة عن هذا السؤال:

﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾

[سورة البقرة من الآية 228]

 معناها المرأة لها على زوجها شيء، وعليها واجب تجاه زوجها، لها وعليها، ولكن ما الذي يحكم ما لها وما عليها، قال بالمعروف، ما تعارف الناس عليه.
 أيها الأخوة الكرام:
 خدمة المرأة لزوجها هو المعروف عند من خاطبهم الله عز وجل بكلامه، أما أن يضم الرجل إلى عمله خارج البيت عملاً داخل البيت فهو ليس من المعروف، فمن العدل أن تعمل المرأة داخل البيت، وأن يعمل الرجل خارج البيت، قالت هذه المرأة التي سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات: يا رسول الله، إن فلاناً تزوجني وأنا شابة ذات أهل ومال، فلما كبرت سني، ونفر بطني، وتفرق أهلي، وذهب مالي، قال لي: أنت علي كظهر أمي، ولي منه أولاد، إن تركتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا، هو يرزقهم.
 هذه المرأة بشكل عفوي، وبشكل فطري، وقد استمع إليها النبي ولم يعقب على كلامها، النبي مشرع، إذا استمع إلى قول فبقي ساكتاً فهذا إقرار منه.
 لذلك عندنا قاعدة، أن كل حق يقابله واجب، لقد أوجب الله تعالى على الزوج حق النفقة والكسوة والسكن.
 أن يلقى على المرأة لقاء ذلك من الأعمال ما يكافئ ذلك من الحقوق أما من يقول إن المهر والنفقة في مقابل استمتاع الرجل فيرد هذا القول بأن الاستمتاع مشترك.
 يقول أحد علماء الأصول إن العقود المطلقة إنما تنزل على العرف.
 لقد تعارف الناس على أن تعمل المرأة داخل المنزل، وأن يعمل الرجل خارج المنزل، أما من يقول بأنه ليس عليها أن تخدم إطلاقاً، هذا يجعل الاضطراب بالأسرة، ويهز القيم التي تعارف الناس عليها.
 أيها الأخوة الكرام:
 المروي عن نساء الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، أنهن كن يعملن بخدمة أزواجهن، ومصالح بيوتهن، فقد صح عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، أنها قالت: كنت أخدم الزبير خدمة البيت كله، وكانت له فرس فكنت أسوسه، وأحث له، وأقوم عليه وأعلفه.
 وفاطمة الزهراء بنت سيد الخلق وحبيب الحق، سيدة نساء العالمين كانت تخدم علياً كرم الله وجهه، وتقوم بشؤون بيته، من طحن، وعجين وخبز، ومن إدارة الرحى، حتى أثر هذا في يديها، وقد ذهبت هي وزوجها إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشكوه الخدمة، فحكم النبي صلى الله عليه وسلم على ابنته بالخدمة الباطنة خدمة البيت، وحكم على علي بالخدمة الظاهرة، الخدمة خارج البيت.
 فقال ابن حبيب: الخدمة الباطنة ؛ الطحن، والطبخ، والفرش وكنس البيت، واستقاء الماء، وعمل البيت كله.
أما النبي صلى الله عليه وسلم كان في مهنة أهله، كان يعاون أهله هذا من العمل الطيب، هذا من العمل المندوب، هذا من العمل الحسن.
 أما أن تمتنع المرأة عن خدمة زوجها، وأولادها بأنها سمعت أحد الدعاة يقول: ليس عليها أن تخدم زوجها، فهذا ليس اجتهاداً صحيحاً إنه اجتهاد يُرد عليه، يرد عليه بواقع صحابيات رسول الله صلى الله عليه وسلم. ابنته الأثيرة فاطمة الزهراء، حكم النبي عليها أن تخدم الخدمة الباطنة، وحكم على زوجها أن يخدم الخدمة الظاهرة.
 أيها الأخوة الكرام:
 النبي عليه الصلاة والسلام مشرع، لا يحابي أحداً، لأن إقراره تشريع وأمره تشريع، ونهيه تشريع.
 إذا تحدثنا عن التعاون بين المؤمنين فالأولى أن يكون التعاون بين الزوجين على تربية الأولاد، وعلى تأمين حاجاتهم، والأخذ بيدهم إلى طريق الحق والاستقامة.
 أيها الأخوة الكرام حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني..
 الخطبة الثانية:
 أيها الأخوة الكرام:
 أناس كثيرون يسألون عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم بالحجامة في أخذ الدم كل عام مرةً أو مرتين، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام البخاري عن أنس بن مالك قوله:

((إن أمثل ما تداويتم به الحجامة ))

 وقد روى البخاري أيضاً:

(( في العسل والحجم الشفاء ))

 وعن أنس رضي الله عنه أنه قال:

(( إذا اشتد الحر فاستعينوا بالحجامة لا يتبيغ بكم الدم فيقتلكم ))

(رواه الحاكم في المستدرك)

 أحاديث كثيرة جداً تزيد عن أربعين حديثاً وردت في الحجامة، ولكن هذه الأحاديث الثلاثة هي الصحيحة التي رواها الإمام البخاري عن أنس والحديث الذي رواه الترمذي.
 قد يسأل سائل ما حكمة الحجامة، إن النبي قد أمر بها، لكن قبل يومين عثرت في مجلة صدرت هذا الشهر على موضوع، هذا الموضوع يفسر حكمة الحجامة.
 يقول هذا الموضوع: أنه أكد أخصائي قلب في مركز طبي في جامعة مشهورة جداً في بعض الدول المتقدمة تقدماً مادياً، أن فقدان الدم بانتظام قد يؤدي إلى حماية الإنسان من النوبات القلبية، هذا العالم الذي كتب هذه المقالة، أو هذا البحث بعد تجارب عديدة يغلب على ظني أنه لا يعلم إطلاقاً أن في الدين الإسلامي أمر بالحجامة.
 يقول بالحرف الواحد: إن فقدان الدم بانتظام قد يؤدي إلى حماية الإنسان من النوبات القلبية، فعندما يفقد الجسم الدم يفقد أيضاً عنصر الحديد، الذي يخزنه الجسم في تركيب خاص، وإن الناس الذين يحتوي دمهم على كمية قليلة من عنصر الحديد هم أقل عرضة للإصابة بالنوبات القلبية من غيرهم، ففقدان الدم بشكل منتظم مما يقي الإنسان من هذه النبوات القلبية.
 أما هذه المشكلة محلولة عند النساء بسبب الدورة الشهرية، إذ أن المرأة تفقد من دمها كل شهر جزءً، هذا يقيها الإصابة بهذه النوبات، ويعلم الأطباء أن إصابة بهذه النوبات أقل من إصابة الرجال، لكن الرجال أمروا بالحجامة تنفيذاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لا نطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
 بل إن هناك مرضاً، معامل كريات الدم الحمراء في نقي العظام تكف عن صناعة الكريات، علماً بأن نقي العظام يصنع في الثانية الواحدة اثنين ونصف مليون كرية حمراء، أحياناً هذه المعامل تكف تلقائياً عن صنع الكريات الحمراء في جسم الإنسان، وهذا مرض خطير لم تُعرف أسبابه حتى الآن، سمي فقر الدم اللا مصنع.
 أيها الأخوة:
 إن معامل كريات الدم الحمراء في نقي العظام تتنشط بنقص كمية الدم إذا نقصت كمية الدم هذه المعامل تنشط، وكأن في نقص الدم صيانة لهذه المعامل من الارتباك، ومن التعطل. إن في نقص الدم صيانة وحفظاً لهذه المعامل من أن تكف عن العمل.
 يجب أن نؤمن أن النبي صلى الله عليه وسلم في كل شيء أمر به لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.

الدعاء:

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت، لك الحمد على ماقضيت، نستغفرك ونتوب إليك اللهم هب لنا علاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا رضنا وارض عنا، اقسم لنا من خشيتك، ما تحول به بيننا وبين معصيتك ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ومتعنا اللهم بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، مولانا رب العالمين، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً، وسائر بلاد المسلمين، اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء، اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب.
 اللهم صن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء، اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين، اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS