20698
خطبة الجمعة - الخطبة 0614 : إن الله يحب المحسنين.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1997-05-16
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ولا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر.
 وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر.
 اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين.
 اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمنا، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام: ربنا سبحانه وتعالى في القرآن الكريم، وفي آية قطعية الدلالة يبين أن الله سبحانه وتعالى يحب عباده المؤمنين، وعباده المؤمنون يحبونه قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)﴾

[سورة المائدة]

 السؤال أيها الإخوة، هل من سبيل إلى أن نصل إلى محبة الله ؟ هل من وسيلة توصلنا إلى أن يحبنا الله، ويبدو أن محبة الله للمؤمن أعظم شيء على الإطلاق، أن تكون محبوباً من خالق السماوات والأرض، أن يحبك الله، وإذا أحبك الله ألقى حبك في جميع قلوب الخلق.
 في القرآن الكريم آيات كثيرة، تبين الطريق إلى أن يحبك الله هذه الآيات الكثيرة، لو حذفنا المتكرر منها لوجدناها لا تزيد عن تسع آيات، من أبرز هذه الآيات:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13) ﴾

[سورة المائدة]

 فإذا كنت محسناً وصلت إلى محبة الله لك، وموضوع الخطبة اليوم الإحسان، كيف تكون محسناً، الإحسان ماذا يشمل ؟..
 قال بعض العلماء: إن مجال الإحسان رحب الدائرة، يعني ما من عمل تتسع دائرته حتى تشمل كل شيء كالإحسان.
 إن الإحسان رحب الدائرة، ينتظم عمل الإنسان كله، من المهد إلى اللحد، والمحسن في التعريف الدقيق، هو الذي يتقن كل عمل يقوم به في حياته، سواء أكانت أعمال دينية، أو دنيوية، قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (30)﴾

[سورة الكهف آية 30]

 هذه الآية ـ أيها الإخوة ـ تشير إلى إتقان العمل وإحسانه، والنبي عليه الصلاة والسلام سئل فأجاب.

((" سئل يا رسول الله ما الإحسان فقال عليه الصلاة والسلام أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ".))

[متفق عليه]

 والحقيقة هذا الحديث فيه لفتة رائعة، سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن الإحسان فلم يجب إجابة بقدر السؤال بل حدثنا عن طريق الإحسان، كيف تكون محسناً ؟.. اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، المحسن هو الذي يبالغ في إتقان عمله وإجادته، فإن لم يبلغ المرء هذه المرتبة من معرفة الله، فلابد من المرتبة الثانية اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
 إما أنك ترى أن الله يراك، وإما أنك تعلم أن الله يراك، إن لم تكن في المرتبة الأولى فلا أقل من أن تكون في المرتبة الثانية المرتبة الثانية، هي الشعور بإشراف الله تعالى ورقابته عليك، وعلى كل شيء، قال تعالى:

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) ﴾

[سورة التوبة]

 جاء في الخبر، " لو أن رجلاً عمل في صخرة لا باب لها، ولا كوة لخرج عمله للناس كائناً من كان، لا يخفى شيء على الله، ولا على من حولك.
 وقفة ثانية عند قول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه كأنه يراك.))

 قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث، هذا من جوامع الكلم التي أوتيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو قدرنا أن أحدنا قام بعبادة وهو يعاين ربه سبحانه وتعالى، لم يترك شيئاً مما يقدر عليه، من الخضوع، والخشوع، وحسن السمت، واجتماع ظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجه إلا أتى به، لو أنك تصلي وراقبت أن الله يراك، لو أنك في الحج لو أنك في الصيام.
 هذا التتميم المذكور في حال العيان إنما كان لعلم العبد باطلاع الله عليه، فلا يحصل منه تقصير أبداً.
 مرةً سئل عليه الصلاة والسلام عن الإدام، فقال عليه الصلاة والسلام: نعم الإدام كأنك تنتظر أن يقول النبي اللحم، أو السمن أو الدهن، قال عليه الصلاة والسلام:

((نعم الإدام الجوع "))

 ترك وصف الإدام، ووصف حالة الآكل، فإذا كنت جائعاً ترى كل شيء لذيذ الطعم، وهذا من بلاغة النبي، ما الإحسان: قال أن تعبد الله كأنك تراه، ترك تعريف الإحسان وهو إتقان العمل، وحدثك عن طريق الإحسان، كيف تغدو محسناً ؟ إذا شعرت برقابة الله عليك.
 هذا المعنى موجود مع عدم رؤية العبد، فإن لم تكن تراه فينبغي أن تعمل بمقتضاه، إن رأيت أن الله يراك، هذه مرتبة عالية جداً، هذه مرتبة الشهود، فإن لم تكن تراه فاعلم أنه يراك، والمرتبة الثانية مقبولة، وتعين على إتقان العمل وإحسانه.
 أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يحثنا على الإخلاص في العبادة ومراقبة العبد ربه تبارك وتعالى في إتمام الخشوع والخضوع، لذلك ندب أهل الحقائق، ندب المؤمنين إلى مجالسة الصالحين، ليكون ذلك مانعاً من تلبسهم بشيء من النقائص، احتراماً لهم واستحياءً منهم فكيف بمن لا يزال الله تعالى مطلعاً عليه، في سره وعلانيته.
 راقب نفسك، إذا كنت في حضرة إنسان كبير، وقور، متفوق أخلاقي من أقربائك، أو ممن يلوذ بك، أو ممن تعمل معهم، كيف تنتقي أجمل العبارات، كيف ترتدي أجمل الثياب، كيف تتصرف أحكم التصرفات، إنك تعامل إنساناً بهذا الأدب الجم، وهذا الانضباط الرائع، فكيف إذا علمت أن الله مطلع عليك دائماً.
 النبي عليه الصلاة والسلام حثنا على طريق إن سلكناه وصلنا إلى الإحسان.
 الوسيلة إلى الإحسان أن يكون العامل في عمله كأنه يرى الحق سبحانه وتعالى رأي العين، ولا ريب من أن يكون كذلك ليكون عمله من أحسن الأعمال، وحاله من أكمل الأحوال قلباً وقالباً، مرةً ثانية وإن لم يصل إلى هذه المرتبة فلا بد من أن يوقن أن الله سبحانه وتعالى يراه، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

((" أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان ".))

 إن علمت أن الله يعلم استقمت على أمره وأحسنت عملك وأتقنته لذلك:

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً(12)﴾

[سورة الطلاق آية 12]

 يعني حينما تعلم أن الله يعلم حُلت مشكلاتك مع الله، إنك لن تعصيه، ولن تجرؤ أن تعصيه، كيف لا وأنت لا تجرؤ أن تخالف أمراً لقوي ترى أنه يراقبك، يعلم ماذا تفعل، وهو قادر على إيقاع الأذى بك، أنت لن تخالف أمر إنساناً قوياً علمه يطولك، وقدرته تطولك فكيف إذا كنت تحت رقابة خالق السماوات والأرض.
 علمك برؤية الله تعالى إياك يبعثك على أن تكون في معاملته بحال تشبه رؤيتك إياه، ذلك أن عناية العامل بإتقان العمل حينما يرى الرقيب عليه، ليس مبعثها في الحقيقة رؤية العامل ذلك الرقيب، بل مبعثها علمه برؤية الرقيب.
 لو أن موظفاً وضع فوق رأسه آلة تصوير، تنقل حركاته وسكناته إلى رب العمل، هو هذا الموظف لا يرى رب العمل وهو يراقبه لكن علمه أن هذه الآلة تنقل لرب العمل كل حركاته وسكناته تراه منضبطاً أشد الانضباط.
 أحياناً تقف لا أحد لماذا تضطرب، لا ترى أحداً، لكن تعلم أن الناس جميعاً يرونك من خلال هذه الآلة التصوير، فلذلك أحياناً علمك بأنك مُراقب يؤدي الغاية نفسها، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، إن علمت أنه يراك فهذا يكفي أن تستقيم على أمره.
 لذلك أيها الإخوة الكرام إن أردتم أن تكونوا من أهل الإحسان في منتك، في حرفتك في تجارتك، في صناعتك، في زراعتك، في حرفك المهنية الراقية، في عيادتك، في مكتبك الهندسي، في مكتب المحاماة، في أي مكان، إن علمت أن الله يراقبك استحييت منه وسلكت منهجه القويم، وصراطه المستقيم.
 من أروع الأحاديث، هذا الحديث الشريف من جوامع الكلم، بل هو من أصول الدين، لن تكون محسناً إلا إذا أيقنت أن الله يراقبك وأن هؤلاء جميعاً عباده، وأنه سيحاسبك عنهم واحداً واحداً.
 إن أردت أن تكون من أهل الإحسان فأشعر نفسك أن الله يراقبك في سرك وجهرك، وفي خلوتك وجلوتك، وأنه لا تخفى عليه منك خافية، لذلك إلى كتاب الله:

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7) ﴾

[سورة المجادلة]

 آية ثانية:

﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (61) ﴾

[سورة يونس آية 61]

﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)﴾

[سورة الفجر]

﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1)﴾

[سورة النساء]

 هذا هو التفسير الصحيح العلمي لإتقان العمل وإحسانه، أن تشعر أن الله معك، وأن الله يراقبك، إما أن ترى رأي العين، وإما أن توقن يقيناً قطعياً أن الله لا يخفى عليه شيء من أحوالك.
 الإنسان إذا شعر بمراقبة الله له يستحيي منه على قدر عظمته فلا يجعله أهون الناظرين إليه، هذا القول أيها الإخوة لو أن الإنسان وعاه لا تجعل الله أهون الناظرين إليك، أنت تستحي من طفل صغير أن تكون أمامه بوضع مشين، من طفل صغير، ولا تستحي من الله.
 إنسان اغتسل عرياناً وقد علم بفعلته النبي عليه الصلاة والسلام فقال:

(( خذ أجارتك لا حاجة لنا بك، فإني أراك لا تستحيي من الله ".))

 شيء آخر: الله جل جلاله قال عن ذاته:

﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ﴾

[سورة السجدة]

 وأنت من عباده، وقد جعلك خليفته في الأرض، ألا ينبغي أن تتقن عملك، إذاً يجب أن تتقن كل شيء يصدر عنك، وهذا سبب لمحبة الله لك.
 الشريعة الغراء ترشدنا إلى الإحسان، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ:

((اثِنْتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَه ".))

[أخرجه مسلم والترمذي والنسائي وأحمد والدرامي]

 القتل إنهاء حياة، أعطاك حالة حادة، أعطاك حالة نادرة، حتى في هذه الحالة الحادة، النادرة، التي قد تتهم أنها عكس الإحسان..
 أنت مكلف أن تحسن حينما تذبح غنمة من أجل أن تأكلها.
 في الحديث الصحيح وقد يعد العلماء هذا الحديث أيضاً من أصول الدين:

((" إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه ".))

 إتقان العمل جزء من الدين، لو أن كافراً بالله أتقن عمله لاكتسب مكانةً ومالاً وفيراً، وأهل الدنيا، المتفوقون في دخولهم، يتقنون عملهم فينالون بها مكانةً وثروةً.

((" إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه ".))

 هناك آية دقيقة جداً أيها الإخوة قد تغيب عن بال معظم الناس، قال تعالى:

﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1)﴾

[سورة الملك]

 قد لا ننتبه لمعنى هذه الآية، لا ليبلونا أنحسن أم نسيء، ينبغي أن نحسن دائماً، أما الابتلاء من أجل مدى الإحسان، تفوقنا في الإحسان قد تجري امتحاناً لتعرف من يرسب ومن ينجح، أما أنت تعتقد أن كل الطلاب ينبغي أن ينجحوا، وكلهم في مستوى النجاح، لكن من هو الأول، من هو الثاني، من هو الثالث، هناك امتحان لفرز الكسالى من الناجحين، وهناك امتحان لترتيب الناجحين:

﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ (4)﴾

[سورة الملك]

 المفروض أن نكون جميعاً أصحاب عمل حسن، فالابتلاء لا من أجل عمل حسن يظهر أو عمل سيئ يظهر، من أجل ترتيب الأعمال الصالحة.
 رأى عمر بن الخطاب رجلاً يقود شاةً من رجلها ليذبحها، فأنبه ووبخه، وقال له هلا قدتها إلى الموت قوداً حسناً.
 أنا رأيت بعيني بعض من يذبح الدجاج يذبحها ويغمسها في ماء يغلي فوراً، ولا تزال تحس بكل شيء، هناك عمل بعيد عن منهج الله عز وجل، هناك من يصطاد سمكة وينظفها فوراً، ولا تزال تحس بكل شيء.
سيدنا عمر علا بدرته جمالاً، فقال له لمَ تحمل على بغيرك مالا يطيق.
 سيدنا عمر رضي الله عنه ضرب رجلاً بدرته لأنه أحد شفرته على مرأى من ذبيحته، قبل أن يذبحها، قال أتعذب الروح مرتين، هلا فعلت هذا قبل أن تأخذها للذبح.
 ابن عمر رأى راعي غنم في مكان قبيح، وقد رأى مكاناً أمثل منه فقال ابن عمر ويحك يا راعي، حولها إلى المكان الأحسن، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

((كلكم راع وكل راع مسؤول عن رعيته ".))

[متفق عليه]

 لن يبلغ المرء درجة الإحسان في العمل حتى يستوعب الأحوال الخاصة، والأصول الثابتة لهذا العمل، كل عمل له أصول، له طرائق، له خصائص، له أسباب، فإذا أردت أن تتقن تعلم أصول هذا العمل، كم من ضحية، كم من عمل سبب مشكلةً كبيرةً لأن الذي قام به لم يتقن أصوله، ولم يتعلم مبادئه، ولم يحسن إنجازه، ولم يتقن تفاصيله، المؤمن بدافع من إيمانه قبل أن يقدم على عمل يتقن أصوله النظرية، وتدريباته العملية.
 إن أردت أن تتكلم لابد من أن تستوعب قواعد اللغة، ولابد من أن تجود الكلام، وتستخدم العبارة الأدبية، إتقان اللغة يعني إتقان قواعدها، وإتقان أساليبها، وإتقان نماذجها، إن أردت أن تصلي لابد من أن تؤدي الصلوات كما شرعها رسول الله، ولابد من أن تجعل الخشوع هدفاً في الصلاة، يجب أن تستوعب الأصول وأن تجود وأن تحسن.
 العبادات مقطوع في تفاصيلها، لا تحتمل أن تزيد عليها، لكن مسائل الحياة تركها الشرع مفتوحة، فقد قال عليه الصلاة والسلام أنتم أعلم بأمور دنياكم ".
 يعني أحدنا إذا اتخذ حرفة ينبغي أن يتعلم أصولها، وهذا من الدين أما إذا مارستها من دون علم بالأصول، ووقعت في أخطاء فاحشة كم من مركبة روجعت مراجعة غير أصولية، فأودت بأصحابها، كم من آلة لم يراعى فيها القواعد الصحيحة في صيانتها فتلفت، ودمرت فالأخطاء الناجمة عن الجهل مؤاخذ عنها الإنسان أيما مؤاخذة.
 بقي شيء مهم، الإمام الشاطبي قال: الله خلق الخلق غير عالمين بوجود مصالحهم لا في الدنيا ولا في الآخرة، يؤيد ذلك قوله تعالى:

﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78)﴾

[سورة النحل]

 فربنا علمنا، كيف علمنا ؟ علمنا طوراً بالغريزة، وطوراً بالإلهام وطوراً بالتعليم البياني النظري، وطوراً بالتعليم العملي، فالطفل الذي يولد لتوه أودع الله فيه فعل شرط انعكاسي، أو غريزة فطرية هي منعكس المص، ولولا هذا المنعكس الذي أودعه مع الإنسان المولود لتوه ما عاش إنسان على ظهر الأرض، فإذا كبر هذا الإنسان أودع فيه عقلاً يكشف له الحقائق ويعينه على ممارسة أعماله الدنيوية والأخروية.
 لكن الله سبحانه وتعالى جلت حكمته جعل الناس متفاوتين في ميولهم واستعداداتهم، وقدراتهم، ورغباتهم، وطموحاتهم، فينبغي أن نضع الإنسان المناسب في المكان المناسب، والإنسان ذا الخصائص المعينة، في عمل تحتاجه هذه الخصائص.
ينبغي أن نوزع الأعمال وفق استعداد الناس النفسي والعقلي، مثلاً قال الشاطبي: الغني الذي بلغ ماله الكثرة، صدقته وإيثاره، وإنفاق ماله أفضل عند الله من قيامه الليل وصيامه النهار.
 أقامه الله غنياً، عمله الصالح في إنفاق ماله، والشجاع القوي وقوفه في الصف ساعة وجهاده أعداء الله أفضل عند الله من حجه وصومه وصدقته التطوع، والعالم الذي عرف الحلال والحرام وطرق الخير والشر، مخالطته للناس، وتعليمهم ونصحهم في دينهم أفضل من اعتزاله وتفريغ وقته للصلاة والتسبيح وقراءة القرآن.
 ولي أمر المسلمين الذي نصبه الله تعالى للحكم بين عباده جلوسه للنظر في المظالم، وإنصاف المظلوم وإقامة الحدود، ونصرة المحق وقمع المبطل، أفضل من عبادته من عبادة سنين من غيره.
 لذلك قيل العدل حسن لكن في الأمراء أحسن، والسخاء حسن لكن في الأغنياء أحسن، والحياء حسن لكن في النساء أحسن، والصبر حسن لكن في الفقراء أحسن، والتوبة حسن لكن في الشباب أحسن والورع حسن لكن في العلماء أحسن.
 الإحسان أن يكون العمل موافقاً لقدراتك، ولخصائصك، ولما أودعه الله فيك.
 النبي عليه الصلاة والسلام تطبيقاً لهذه القاعدة، طلب منه أبو ذر الغفاري أن يوليه عملاً، قال:

(( يا أبا ذر إني أراك ضعيفاً، وإني أحب لك ما أحبه لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم.))

 رجل آخر أمره النبي بالصيام، قال إنه لا عدل له.
 رجل ثالث، قال له لا تغضب.
 رجل رابع، قال لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله.
 إذاً أن تكلف الإنسان بعمل يتوافق مع خصائصه، ومع قدراته ومع ميوله، ومع إمكاناته، هذا هو الإحسان بعينه، يعني أن تضع الرجل المناسب في المكان المناسب.
 بقيت فكرة دقيقة، إذا لم تستطع أن تبرز العمل بهذه الصفة المتقنة الرائعة، فلا تدع العمل، ترك العمل خطأ كبير، بل سر في طريق الإحسان والإتقان، لذلك قال بعض العارفين ابن عطاء الله السكندري لا تترك الذكر بعدم حضور القلب مع الله فيه، فإن غفلتك عن ذكره أشد من غفلتك في أثناء ذكره، فعسى الله أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة، ومن ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حضور، ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع رغبة عما سوى المذكور.
 فلا تهمل شيئاً لم تقطف ثماره بعد.
 روى معاذ بن جبل رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن رجلاً سأل فقال يا رسول الله: أي المجاهدين أعظمهم أجراً ؟ قال أكثرهم لله تعالى ذكراً، قال فأي الصالحين أعظم أجراً قال أكثرهم لله تعالى ذكراً، ثم ذكر الصلاة والزكاة والحج والصدقة كل ذلك ويقول عليه الصلاة والسلام أكثرهم لله ذكراً، فقال أبو بكر لعمر يا أبا حفص، ذهب الذاكرون بكل الخير، فقال عليه الصلاة والسلام أجل "
 خطة واضحة جداً، أعظم شيء تصل إليه على الإطلاق أن يحبك الله، ومحبة الله لها ثمن، أول أثمانها أن تكون محسناً.
إذا وصلت إلى أحد مرتبتين الأولى أن تعلم أن الله يراك، والثانية فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
 لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

((أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان ".))

 إن أشعرت نفسك موقناً أن الله معك، يراقبك، يحصي حركاتك وسكناتك، مطلع على سرك وعلى جهرك، على باطنك وعلى ظاهرك، هو معك في خلوتك، ومعك في جلوتك، معك في إقامتك معك في سفرك، معك وأنت في بيتك، وأنت مع الناس، إن علمت أن الله يعلم استقمت على أمره وسعدت بقربه والحمد لله رب العالمين.
 الخطبة الثانية:
 من آيات الله الدالة على عظمته هذا الهيكل العظمي الذي هو قوام جسمنا، نسيج متين، يقاوم قوى الشد، ونسيج قاس يقاوم قوى الضغط، هذا النسيج المتين، أحد وظائفه الكبرى أنه يحمي الأجهزة النبيلة، فالدماغ من أنبل الأجهزة موضوع في كرة عظمية، والنخاع الشوكي جهاز نبيل، موضوع في العمود الفقري، والقلب أخطر أجهزة الجسم موضوع في القفص الصدري، والرحم موضوع في عظم الحوض، ومعامل كريات الدم الحمراء موضوعة في داخل العظام، لولا الجهاز العظمي لكان الإنسان كومة من الجلد واللحم لا شكل لها.
 هذا الجهاز مؤلف من مائتي قطعة، بنيتها قاسية ومحكمة من الخارج، ومسامية إسفنجية من الداخل، لو أن بنيتها من الداخل كما هو من الخارج لكان وزن أحدنا أربع أمثال، وزنك الآن سبعين يعني مائتين وأربعين، تسعين مائتين وسبعين، مائة أربعمائة، لو كان العظم من الداخل من الداخل كما هو من الخارج، من الخارج يبدو أنه محكم، مستمر صقيل، من الداخل إسفنجي مسامي.
 يقول العلماء هذا القول الرائع، في بنية العظم يتحقق حد أقصى من النتائج، بحد أدنا من اللوازم، يعني هناك توازن رائع بين البنية المقاومة، والوزن الخفيف.
 يعني الطائرة التي نركبها تزن مائة وخمسين طن، وقودها يزن مائة وخمسين طن، يكفيها أربعة عشر ساعة، لو أنها ثلاثمائة طن من الحديد صنعت لاحتاجت إلى ثلاثمائة طن.
 فالعظم في حد أقصى من تحقيق النتائج مع حد أدنى من اللوازم في توازن رائع بين البنية المقاومة والوزن الخفيف.
لو كان وزننا أربع أمثال ما نحن عليه، هناك مشاكل جمالية وهناك هدر للطاقة بلا مبرر.
 أغرب ما في هذا الجهاز أن هناك هدم وبناء مستمرة، بحيث أن الإنسان يتجدد هيكله العظمي خمس مرات في عمر متوسط، يعني كل ست أو سبع سنوات لك هيكل عظمي جديد كلياً بفعل عملية الهدم والبناء.
 الهدم والبناء المستمر هو الذي يعين على التئام الكسور، وهذه من نعمة الله الكبرى، والهدم والبناء المستمر هو الذي يجعل العظم مخزن للكلس، فإذا احتاجت الأم بتشكيل عظم وليدها إلى كلس لوم يكن غذاؤها كافياً من هذه المادة، فيأخذ الجنين من عظم أمه ما يشكل به عظمه، فعملية، الهدم والبناء المستمرة من أجل أن يكون العظم مخزناً للكلس الاحتياطي.
 قالوا هناك هرمونات تنظم نمو العظم، وتنظم إيقافه عند حد معين لولا هذه الهرمونات لكان الإنسان قزماً، أو كان عملاقاً، أقصر إنسان طوله خمس وخمسون سنتمر، يزن خمسة كيلو غرامات عمره ثلاث وعشرون عاماً، وأطول إنسان مائتين وأربعين سنتمر العملقة والقزمية لها علاقة بهرمون النمو، وهذا شيء دقيق.
 الشيء الآخر أن هيكل العظمي عند الجنين غضروفي، فإذا خرج إلى الدنيا بدأت خلايا العظم تحل محل خلايا الغضروف شيء طيب من المنتصف إلى الأطراف، ويبقى في أطراف العظام طبقة غضروفية هي عند علماء الميكانيك ماصة للصدمات، أطراف مشاشات العظام كلها غضروفية القوام، وهي مادة لامتصاص الصدمات كقطع الكوشوك بين قطع الحديد، وبين كل فقرتين من فقرات الظهر قرص غضروفي ليعمل على امتصاص الصدمات وكسب الإنسان حياة مريحة.
 شيء آخر مدهش أنه عند المفاصل هناك سائل لزج، ينزلق عليه سطح لزج من أجل راحة حركة المفاصل، وهذا السائل يتجدد تلقائياً من حين لآخر، هذا الهيكل العظمي آية من آيات الله الدالة على عظمته.

الدعاء:

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت، لك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك.
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين.
 اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك.
 اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين.
 اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام والمسلمين وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى إنه على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS