16634
خطبة الجمعة - الخطبة 0477 : خ1 -وسائل تقوية الإيمان ، خ2 - لسان المزمار.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1994-04-01
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذنٌ بخبر اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه، ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون: في الخطبة السابقة تحدثت عن وسائل الثبات على الإيمان، وقد سئلت في بحر هذا الأسبوع، هل من وسائل لتقوية الإيمان ؟ ولا سيما ونحن في عصر كثرت فيه الضلالات، فقلت أجعل هذا الموضوع إن شاء الله تعالى موضوع الخطبة القادمة، فالموضوع اليوم، ليس وسائل الثبات على الإيمان، ولكن وسائل تقوية الإيمان، فكما أن البث يحتاج إلى تقوية كلما بعدت المسافة أما إذا كثرت المشوشات فلا بد من تقوية قوية، وكذلك الإيمان يحتاج إلى تقوية، أما إذا كثرت الضلالات، والشبهات والانحرافات، والفتن، فما أحوجنا اليوم إلى أن نقوي الإيمان وأن نزيده وقد يسأل سائل، هل يزداد الإيمان أو ينقص ؟ الجواب عن هذا السؤال قوله تعالى، يقول الله عز وجل:

﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِم﴾

(سورة الفتح: 4 )

 فزيادة الإيمان حق، ولا بد للمرء من أن يزيد إيمانه، لأن المغبون من تساوى يوماه، ومن لم يكن في زيادة فهو في نقصان، إذاً ما أحوجنا ولا سيما في عصر كثرت فيه الضلالات، الفكرية، والاعتقادية وكثرت فيه المذاهب الوضعية، ما أحوجنا في عصر كثرت فيه الفتن والمنزلقات، والانحرافات، إذا كنا بحاجة ونحن في الأعصر القديمة إلى أن نزيد إيماننا، وأن نقويه، فحاجتنا إلى أن نزيد إيماننا وأن نقويه في هذا العصر أشد، والإيمان أيها الإخوة يزيد بنص قوله تعالى:

﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾

 ويقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الطبراني والحاكم من صحيح الجامع الصغير:

((إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب فسألوا الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبكم ))

 وأكبر دليل على ذلك أن حالة المؤمن عقب صلاة الجمعة، وسماع الخطبة، ودخوله بيت الله، وأنسه بالله، وسماعه الحق، وبين يوم الخميس، وقد بعد العهد بصلاة الجمعة، فالإيمان كما قال عليه الصلاة والسلام:

((يخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فسألوا الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبكم.))

 أيها الإخوة الكرام: روى الإمام مسلم في صحيحه عن ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه قال: كنت أبيت مع رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فآتيته مرة بوضوئه وحاجته، فقال لي: يا ربيعة سلني حاجتك، فقلت يا رسول الله: أسألك مرافقتك في الجنة، فقال عليه الصلاة والسلام: أو غير ذلك ـ يعني من حاجات الدنيا ـ فقلت هو ذاك، وليس لي حاجة غير ذلك، فقال:

((إذاً أعني على نفسك بكثرة السجود.))

 يتضح من هذا الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه أنه ما لم تبذل جهداً خاصاً فلن يزداد إيمانك، إذا اكتفيت بالسماع، إذا اكتفيت بأداء العبادات على نحو أو آخر، ولم تبذل جهداً خاصاً، إن في طلب العلم، وإن في إتقان العبادة، فلن يزداد الإيمان، سأل النبي عليه الصلاة والسلام، وهو في خدمته، قال:

((أعني على نفسك بكثرة السجود))

 كما أن الطالب ولو أنه حضر المحاضرات، ولم يفتح الكتاب في البيت ولم يحل المسائل، ولم يراجع، ولم يذاكر، ولم يسأل، ولم يلخص، ولم يكتب، كيف يحصل العلم، قال له: أعني على نفسك بكثرة السجود، هذه مقدمة لكن صلب الخطبة فيها عدة فقرات، أولها:
 إن من أهم الوسائل في تقوية الإيمان، فرق بين خطبة الأسبوع الماضي وخطبة هذا الأسبوع، خطبة الأسبوع الماضي كيف نثبت على الإيمان، أي كيف نتلافى التدهور، كيف نتلافى الانزلاق، لكن اليوم الموضوع آخر، كيف نزيد الإيمان، كيف نرفع وتيرته، كيف نقوي الإيمان في النفوس.
 يا أيها الإخوة الكرام: العنصر الأول: هو طلب العلم.
 ما من شيءٍ يقربك إلى الله عز وجل كالعلم، والدليل قوله تعالى:

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾

(سورة فاطر: 28 )

 وقد تقرءون هذه الآية كثيراً، ولكن لو وقفتم عند دقائقها، وعند أداة إنما، إنما أداة قصرٍ، ولو سألت كل علماء النحو في الأرض علماء النحو العربي، لقالوا لك إنما تفيد القصر والحصر، أي أن العلماء وحدهم، وليس أحد سواهم يخشى الله، لا بد من أن تخشى الله، من أن تكون عالماً، بمستوى أو بآخر، لقول الله عز وجل:

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾

 فإذا أردت أن تقوي إيمانك فعليك بطلب العلم، قد يقول قائل، أنا أحضر خطب الجمعة كلها.
 والجواب أيها الإخوة: إن الدرجة الجامعية الأولى التي تسمى إجازةً تحتاج إلى محاضرات أسبوعية تزيد عن عشرين محاضرة ويحتاج الطالب إلى أكثر من ثلاثين ساعة في الأسبوع يدرس كي ينال الدرجة الجامعية الأولى التي لا قيمة لها كثيراً في المجتمعات في المتعلمة حتى أن بعض الخبثاء، عرف الجامعة تعريفاً لاذعاً قال هي مدرسة يدخلها الطالب جاهل متواضعاً، يخرج منها جاهل متكبراً، عشرون محاضرة في الأسبوع، وثلاثون ساعة دراسة على أربع سنوات متوالية كي تأخذ أقل درجة جامعية هي الإجازة.
 تريد إيماناً، تريد حنة عرضها السماوات والأرض، تريد حياة أبدية في مقعد صدق عند مليك مقتدر، تريد خيري الدنيا والآخرة، تريد أن يرضى عنك خالق السماوات والأرض، وتكتفي بنصف ساعة في الأسبوع تحضر فيها هذه الخطبة، وقد تأتي متأخراً، وقد تأتي بعد أن تبدأ وقد تأتي بعد أن تنتصف، وقد تأتي قبيل أن تنتهي، وقد تأتي بعد أن تنتهي، أهكذا ثمن الجنة، لذلك إذا أردت تقوية الإيمان فعليك بطلب العلم وما خطبة الجمعة أيها الإخوة إلا كمن يقنع الناس بدخول الجامعة، ولكن إقناع الناس بدخول الجامعة شيء، ودخول الجامعة والتزام المحاضرات ودراسة المقررات، ومتابعة الدراسة، وقراءة الكتب، ومراجعة الكتب شيء آخر، فإذا أردت أن تقوي إيمانك فعليك بطلب العلم.
 ابن عمر دينك دينك إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا.
 ما عقيدتك ؟ هل في عقيدتك عقائد زائغة، تسربت إليك وأنت لا تدري، هل في عقائدك سوء ظن بالله عز وجل، هل تظن بالله ظن الجاهلية، هل تسيء الظن بالله، متى تصحح عقيدتك ؟ متى تتلقى العقيدة الصحيحة ؟ التي تعينك على العمل الصالح، لا بد من طلب العلم، ولا بد من طلب العلم، بوقت يتسع لطلب العلم، يقول الإمام الغزالي: العلم لا يعطيك بعضه، إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك، لم يعطيك شيئا إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، فطلب العلم هو العنصر الأول في تقوية الإيمان.
 دققوا في قول النبي عليه الصلاة والسلام الذي رواه الإيمان مسلم في صحيحه، يقول عليه الصلاة والسلام:

((من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريق إلى الجنة ))

 طلب العلم الشرعي الحقيقي ينتهي بك إلى الجنة، إلى خلود في جنة الله عز وجل، فلا بد من معرفة العقيدة الصحيحة، لا بد من فهم كلام الله الفهم الصحيح، ألم يقل الله عز وجل:

﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

(سورة الحشر: 7 )

 من لوازم هذه الآية أن تعرف سنة النبي عليه الصلاة والسلام فهل خصصت وقتاً لمعرفة سنة النبي القولية، ألم يقل الله عز وجل:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾

(سورة الأحزاب: 21 )

 كيف يكون النبي أسوة حسنةً لك، وأنت لم تدرس سيرته، ولم تعرف ماذا فعل في بيته، ومع أصحابه، في سلمه وحربه، في رخاءه وشدته، في إقبال الدنيا عليه، وفي أدبارها عنه، من لوازم أن النبي عليه الصلاة والسلام قدوةٌ لك أن تتعلم سيرته، بل إن العلماء يقولون: إن معرفة سنة النبي القولية فرض عين، ومعرفة سنة النبي العملية أي سيرته فرض عين.
 أيها الإخوة الكرام: العنصر الثاني في تقوية الإيمان: في الأسبوع الماضي في الثبات على الإيمان، القرآن الكريم، قراءةً وحفظاً، لكن إذا أردت أن تقوي إيمانك لا بد من تدبر القرآن الكريم، ولا بد من تطبيق القرآن الكريم، من أجل أن يكون القرآن الكريم مقوياً لك للإيمانك لا بد من تدبره، وطالبني بالدليل، وهو قوله تعالى:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)﴾

(سورة محمد: 24 )

 أما هذا الذي يتلو كتاب الله ولا يقيمه في بيته، ولا في عمله، ولا في حياته، ينطبق عليه قول النبي عليه الصلاة والسلام:

((ربما تال للقرآن والقرآن يلعنه ))

 لأنه ما آمن بالقرآن من استحل محارمه، والذي يتلو كلام الله عز وجل ولا يطبقه، فهو لا يعرف قدره الله عز وجل، ولا قدر كلامه.
 أيها الإخوة الكرام: يقول الله عز وجل:

﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾

(سورة الشورى: 52 )

 هذا القرآن الكريم روح لروحك، لذلك سماه بعض العلماء روح الروح، روح لروحك، روح لنفسك، يحي قبلك به، تسعد به، تزداد إيماناً به، روى الإمام البخاري عن عبد الله بن مسعود قال، قال لي النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اقرأ علي، قلت يا رسول الله: أقر عليك القرآن وعليك أنزل، قال نعم: فقرأت عليه سورة النساء، حتى أتيت هذه الآية:

﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيداً ﴾

 قال عليه الصلاة والسلام: حسبك الآن، فلتفت إليه فإذا عيناه تذرفان.
 ألم أقل لكم أن القرآن روح الروح، يحي به قلبك، تطمئن به نفسك، ترتاح إليه طبيعتك، العنصر الثاني الإقبال على القرآن أضفت هذا اليوم تدبراً وتطبيقاً، تكلمت في الأسبوع الماضي تلاوة وحفظ الآن تدبراً وتطبيقاً.
 أيها الإخوة المؤمنون: من أجل أن يزداد الإيمان في قلبك، يجب أن تعمل الأعمال الصالحة، الاستقامة تبعدك عن الانقطاع عن الله عز وجل، الاستقامة لكن إذا أردت أن يزداد إيمانك فعليك بالعمل الصالح، لأن الاستقامة كأنك تذلل العقبات من الطريق إلى الله، لكن العمل الصالح هو الذي يرفعك إلى الله عز وجل، لذلك قالوا ملء الوقت بالأعمال الصالحة، فنفسك إن لم تشغلها بالخير، شغلتك بالشر.
 روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأصحابه:

((من أصبح منكم صائماً ؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه: أنا يا رسول الله، ثم سأل النبي عليه الصلاة والسلام من تبع منكم جنازة، فقال أبو بكرٍ: أنا يا رسول الله فقال عليه الصلاة والسلام: من أطعم منكم اليوم مسكيناً، فقال أبو بكرٍ: أنا يا رسول الله، قال: فمن عادى منكم مريضاً، فقال أبو بكرٍ: أنا يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: هذه ما اجتمعنا في امرئ إلا دخل الجنة.))

 وقتك إن لم تملأ بالأعمال الصالحة، ملأته وأنت لا تدري بالأعمال المنحرفة، طبيعة النفس حركية، لا بد من أن تشغلها بالأعمال الصالحة الاستقامة تقيك الزلل، لكن الأعمال الصالحة ترفعك إلى الله، الاستقامة تعينك على الثبات على الإيمان، لكن الأعمال الصالحة تقوي الإيمان في نفسك، فإذا أردت أن يقوى إيمانك فعليك بالعمل الصالح.
أيها الإخوة الكرام: من لوازم الأعمال الصالحة، المداومة عليها، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

((أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل ))

 إن كانت لك صدقة فداوم عليها، إن كانت لك حضور مجلس علم فداوم عليه، إن كانت لك صلة رحم فداوم عليها، إن كان لك درس توجيه لأقربائك فداوم عليه أي عمل صالح لا يتنامى، ولا يحقق أهدافه إلا بالمداومة عليه، فمن خصائص العمل الصالح الذي يقوي إيمانك المداومة على العمل الصالح.
 شيء آخر: ومن خصائص العمل الصالح الذي يقوي إيمانك المسارعة إليه، فقد قال عليه الصلاة والسلام: في صحيح الجامع الصغير من رواية أبي داود والحاكم:

((التؤدة في كل شيء خير إلا في عمل الآخرة ليست خيراً ))

 سارع، بادر، سابق، انطلق، أكثر، أسرف، التؤدة في كل شيء خير إلا في عمل الآخرة، المداومة على العمل الصالح أولاً والمسارعة إليه ثانياً، واستدراك ما فاتك منه ثالثاً، فكان عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن السيدة عائشة كان إذا غلبه نوم، أو وجع عن قيام الليل، صلى في النهار اثتني عشرة ركعة، تعويض وقد قال عليه الصلاة والسلام:

((من نام عن حزبه أو عن شيء منه، يعني عن قراءة القرآن، فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه في الليل ))

 رواه مسلم في صحيحه، فالشيء الثالث في العمل الصالح، بعد المداومة، وبعد المسارعة، الاستدراك، أن تعوض ما فاتك منه.
 وشيء آخر: لا أن ترى عملك وتتيه به على الخلق، عندئذٍ يكون عملك حاجب بينك وبين الحق، يجب أن ترى فضل الله عليك، يجب أن ترى أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال:

((إذا أراد ربك إظهار فضله عليك خلق الفضل ونسبه إليك ))

 لذلك ابن أبي مليكة، أحد التابعين قال: أدركت أربعين من أصحاب النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كلهم يخاف النفاق على نفسه، داوم عليه، وسارع إليه، واستدرك ما فاتك منه، ولا تنظر إلى عملك، بل انظر إلى فضل الله إليك.
 أيها الإخوة الكرام: العنصر الثالث: هو أن تشغل نفسك بالأعمال الصالحة.
 العنصر الرابع: أن تكثر من ذكر الله، فذكر الله عز وجل يطرد الشيطان ويقمعه، ويرضي الرحمن ويقرب إليه، ويزيل الهم والغم والحزن، ويجلب للقلب الفرح والسرور، ويقوي القلب والبدن، وينور الوجه والقلب معاً، ذكر الله عز وجل مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء، وفي الحديث الصحيح، الذي رواه الإمام الترمذي ألا أنبأكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، و أرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم، فتضربوا أعناقهم ويضربون أعناقكم، قالوا بلى يا رسول الله، قال: ذكر الله.
 أيها الإخوة الكرام: هناك أذكار أثرت عن رسول الله، تذكر في أول النهار، وفي آخر النهار، وعند النوم، وعند الاستيقاظ، وعقب الصلوات، وعند الأكل وعند الشرب، وعند اللباس، وعند دخول المنزل، وعند الخروج منه وعند دخول المسجد، وعند الخروج منه، وعند الخلاء، وعند المطر وعند الرعد، وهناك التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل، وقد ورد أن الذكر يجلو صدأ القلوب، ويذهب ما ران عليها من آثار المخالفات، ويزيد القرب، قرب العبد من ربه، وكل هذا يؤكده قول الله عز وجل:

﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ﴾

(سورة الحديد: 16 )

 أيها الإخوة الكرام: بالاستقامة تقي نفسك الزلل، وبالعمل الصالح وذكر الله تقوي إيمانك في قلبك.
 أيها الإخوة الكرام: من عناصر تقوية الإيمان، أن تكون مع المؤمنين، وأن تبتعد عن الفسقة والفجار، وعن أعداء الدين.

﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ﴾

(سورة الحشر: 22 )

 ومن تشبه بقوم فهو منهم، فكيف إذا خالطهم، لذلك قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الذي ورد في الجامع الصغير:

((من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان ))

 يجب أن تكون مع المؤمنين، أن تخالط المؤمنين، أن توالي المؤمنين، أن تجلس معهم، أن تكون معهم على أمر جامع، لا أن تنعزل عنهم، لا أن تقترب من أهل الدنيا، من أعداء الدين، من العصاة الفاسقين.
 أيها الإخوة الكرام: ومن وسائل تقوية الإيمان في النفس، الزهد في الدنيا وزخارفها فلو كانت الدنيا، كما قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام الترمذي في صحيح الجامع الصغير:

((لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء ))

 فهذه التي لا تعدل عند الله جناح بعوضة لا ينبغي أن تشغلك، أن تشغل قلبك، أن تشغل فكرك، أن تجعل كل طاقاتك من أجلها فقد قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه أبو نعيم في صحيح الجامع الصغير:

((الدنيا ملعونة، معلون ما فيها ـ أي تسبب البعد عن الله ـ إلا ذكر الله، وما والاه، وعالماً ومتعلماً ))

 إن كنت داعية أو مدعواً بارك الله بك وبه وإن ذكرت الله فبارك في الدنيا التي هي مكان لذكر الله، مكان لطلب العلم، مكان للاستقامة، مكان للعمل الصالح.

﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ﴾

(سورة الزمر: 74 )

 لو الأرض وما فيها من مجال لطاعة الله، ومجال للعمل الصالح ولمعرفته، لما دخلنا الجنة، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

((البذاذة من الإيمان ))

 تعريف البذاذة تعريف دقيق، قال ترك الترف، وترك التنعم في البدن وفي الملبس، كثرت التنعم في البدن والملبس والمطعم والمشرب والمسكن والمركب، كثرة التنعم والمبالغة هذه تبعدك عن الله، وتقربك من الدنيا، وتجعل مفارقة الدنيا أمراً صعباً جداً.
 أيها الإخوة الكرام: ومن وسائل تقوية الإيمان الإكثار من ذكر الموت قال عليه الصلاة والسلام:

((أكثروا من ذكر هاذم اللذات، الموت، فإنه لم يذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه عليه ))

 لأن كل المشكلات التي يعاني منها الإنسان في الدنيا تنتهي عند الموت، ولا ذكره في سعة من العيش إلا ضيقها عليه، هذا المال الوفير، وهذا المنزل الفخم، وهذه المكانة العلية وتلك المركبة الفارهة، وهذا البيت في المصيف، هذه سعة في العيش إذا ذكرت الموت ضيق الله عليك هذه السعة، انظر أيها العبد لا بد من لقاء مع الله، لا بد من ترك الدنيا كلها دفعة واحدة.
 انتهى الوجه الأول من الشريط.
 وسعه عليك وإن ذكرت الموت وأنت في سعة من العيش نظرت إلى الآخرة وانصرفت عن الدنيا، فذكر الموت عنصر أساسي من عناصر تقوية الإيمان، هذا الذي اشترى قبراً، واضطجع فيه كل خميس، وكان يتلو قوله تعالى:

﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾

(سورة المؤمنون: 99 ـ 100 )

 فيقول لنفسه قومي قد أرجعناك.
 أيها الأخ الكريم: ندخل جميعاً إلى المسجد لنصلي، ولا بد من مرة ندخله ليصل علينا، نقرأ جميعاً عشرات النعوات كل يوم، ولا بد من يوم يقرؤوا الناس فيه نعوتنا، ثانياً، نخرج من البيت كل يوم، ونعود إليه، ولا بد من خروج دون عودة، نخرج من البيت على أقدامنا، ولا بد من خروج ونحن بشكل أفقي، هذه حقيقة، كل أسبوع نغسل أبداننا ولا بد من مرة نغسل، هذه حقائق، ما من شيء أكثر واقعية من الموت، كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت.

الليل مهمــــــــا طال  فلا بد مـن طلوع الفجر
والعمر مهمـــــــا طال  فلا بد من نزول القبـر
***

 العنصر الثامن والأخير: مخالطة المتفوقين من المؤمنين، صاحب إنسان يأخذ بيدك، ينهض بحالك، ينهض بعلمك، ينهض بأخلاقك، لا تصاحب من لم ينهض بك إلى الله حاله، ويدلك على الله مقاله، صاحب من تستفيد منه، صاحب من يعلمك الخلق الكريم، صاحب من يعلمك العلم الغزير، صاحب من يدلك على الخير، ويعينك عليه، فصحبة المؤمنين المتفوقين، والإكثار من ذكر الموت، والزهد في الدنيا وزخارفها وموالاة المؤمنين، والبعد عن أعداء الدين، والإكثار من ذكر الله والإكثار من العمل الصالح، وطلب العلم، والإقبال على القرآن هذه عناصر هذه الخطبة، وسائل تقوية الإيمان، إن كانت الخطبة السابقة في الثبات على الإيمان فهذه الخطبة في وسائل تقوية الإيمان.
 اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، والحمد لله رب العالمين.
 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 أيها الإخوة الكرام: ذكرت لكم مراراً أن التفكر في خلق السماوات والأرض، أو أن التفكر في ذات الإنسان في نفسه، التي هي أقرب شيء إليه يعد أوسع باب للدخول على الله، وأقرب طريق إليه، فمن آيات الله في النفس، قال تعالى:

﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ﴾

(سورة فصلت: 53 )

 من آيات الله في النفس، أن هذا الفك المتحرك فيه ست عضلات تحركه نحو الأسفل، وست عضلات تحركه نحو الأعلى، وعضلتان تحركه يمنة ويسرة، وأربع عضلات تحركه أماماً وخلفاً، فالحركة أعلى أسفل، يمين يسار، أمام خلف، والإنسان حينما يمضغ الطعام يبتلع في اليوم اللقم في حدود ألفين وأربعمائة مرة، هناك جهاز للبلع بالغ الدقة.
 أيها الإخوة الكرام: قبل أن ندخل في وصف هذا الجهاز، خلايا الفم تتجدد مئة ألف خلية في كل دقيقة، وفي اللسان أيها الإخوة سبعة عشرة عضلة، تمكنه من الحركة في كل الاتجاهات لتحريك الطعام، انظر إلى العجانة كيف أنها تدور، وكيف أن فيها خلاطاً يخلط العجين، كذلك الفم، الفك السفلي يتحرك يميناً ويساراً، أعلى وأسفل، أماماً وخلفاً، واللسان بمثابة الخلاط الذي يتحرك في كل الاتجاهات، ليخلط مقومات اللقمة.
 أيها الإخوة الكرام:
 موضوع البلع موضوع دقيق جداً، هناك اللهاة، وهناك لسان المزمار، فالإنسان حينما يبلع اللقمة تأتي اللهاة وتغلق طريق الأنف فتحتي الأنف، ويأتي لسان المزمار ويغلق الحنجرة، ولكن وأنت نائم بالليل يجتمع اللعاب في فمك، وأنت نائم مستغرق تجري عملية بالغة الدقة أن هناك تنبيهات عصبية من الفم إلى البصلة السيسائية، تجمع اللعاب كثيراً فيأتي الأمر بأن لسان المزمار، واللهاة تغلقان طريق الأنف وطريق الحنجرة، وينتقل اللعاب إلى المريء، وأنت نائم، وأنت لا تدري.
 أيها الإخوة الكرام: اللهاة ولسان المزمار يتحركان بأمر العصب الوجهي التاسع والعاشر، وهذان العصبان يأتمران بمركز بالبصلة السيسائية فلو أصيب هذا المركز بالعطب لسبب أو لآخر، دققوا لارتد الطعام إلى الأنف لخرج الطعام من أنفك، ولارتد الطعام إلى الحنجرة، وفي هذه الحالة يكون الموت المحقق بالاختناق، لو أن لسان المزمار واللهاة تعطلا بسبب حدث أصاب البصلة السيسائية، لرأيت الطعام يخرج من الأنف، ويدخل في الحنجرة إلى الرئتين وعندها يختنق الإنسان.
 أيها الإخوة الكرام:
 هذا المريء طوله خمسون سانتين متر، مزود بعضلات حلقية تتقلص بالتدريج، فلو أن الإنسان كان مضطجعاً في مستشفى وأعطيناه الطعام يسير، من أول المريء إلى المعدة، ولو أننا علقنا إنسان من رجليه وأطعمناه لقمة لذهبت نحو الأعلى على خلاف الجاذبية، لأن هذا المريء فيه عضلات دائرية تتقلص تباعاً فتنقل اللقمة إلى المعدة ولو كنت في أي اتجاه.
 أيها الإخوة الكرام: المعدة لها فؤاد وهو محكم الإغلاق لئلا تخرج السوائل الحامضية فتزعجك، الإنسان حينما يتقيأ يشعر بحرقة لا تحتمل، إنها حمض كلور الماء الذي في المعدة، فلئلا يخرج هذا الحمض إلى المريء فيزعج الإنسان كان الفؤاد محكم الإغلاق، فمن أجل أن تدخله اللقمة لا بد من رفع الضغط ضغط دفع اللقمة في الفؤاد أربع أمثال الضغط في مكان ثاني في المريء كل هذا من أجل أن تأكل، وأن تشرب، وأن تتنفس، وأن تنام، وأن تزدرد اللعاب في الليل، وأن ينتقل الطعام إلى المعدة، وألا تشعر بحرقة كلور الماء، من رتب هذا ؟ من صمم هذا ؟ من أتقن هذا ؟

﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7)﴾

(سورة الطارق: 5 ـ 7 )

﴿خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ﴾

(سورة التين: 4 )

 ألا يستحق هذا الخالق العظيم أن تتعرف إليه، ألا يستحق أن تطيعه، ألا يستحق أن تصلي له، ألا يستحق أن تأتمر بأمره، وأن تنتهي عما عنه نهى، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أرتهما معا فعليك بالعلم، ولا تكفيك الخطبة لأن الخطبة إقناع لك بدخول الجامعة، إقناع فقط، فإذا دخلت الجامعة ففيها مواد، ومقررات ومحاضرات، ودراسات، وأنك إذا طلبت العلم انتهى بك هذا العلم إلى الجنة.
 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت وبارك لنا فيمن أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمت أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا أخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك اللهم استر عوراتنا، وأمن روعاتنا، وأمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد أمناً سخياً رخياً، وسائر بلاد المسلمين، اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك، من الخوف إلا منك، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء، مولانا رب العالمين، اللهم أعنا على دوام ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وارزقنا الشوق إلى لقاءك ولذة النظر إلى وجهك الكريم، اللهم ما رزقتنا مما نحب، فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا ما نحب فجعل فراغاً لنا فيما تحب، اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم، فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى إنه على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS

     
جديد الموقع