9489
التربية الإسلامية -علم القلوب - الدرس ( 36 - 54) : الإخلاص3 ( بعض أقوال للسلف الصالح ).
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-05-22
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

أقوال السلف الصالح في الإخلاص :

 من أقوال السلف الصالح في الإخلاص، قال حاتم الأصم: "تعاهد نفسك في خمسة أشياء: العمل الصالح من غير رياء".
 وقد بينت في درس سابق علامات الإخلاص, أن الإنسان حينما تستوي خلوته وجلوته, وحينما تستوي سريرته وعلانيته, وحينما يستوي ظاهره وباطنه, فهذا الاستواء من علامات الإخلاص, وحينما يعمل عملاً صالحاً, ولا يرجو به إلا الله, فلو أن الذي عمل له العمل الصالح, كان رده غير أخلاقي, لا يتأثر المخلص, أما الذي يتأثر تأثراً شديداً من عدم تقدير عمله, فهذه علامة من علامات ضعف الإخلاص, والعلامة الثالثة: إنك إن عملت عملاً تبتغي به وجه الله تسعد بهذا العمل, لأن الله عز وجل أعطاك ثمنه سكينة, ألقاها في قلبك؛ فالسكينة, واستواء السريرة والعلانية, وعدم التأثر بجحود الناس بعملك, هذه كلها علامة من علامات الإخلاص.
 "فالعمل الصالح بغير رياء, والأخذ بلا طمع, والعطاء بلا منّ, والإمساك بغير بخل, والأكل بغير شرى, -هذه خمس علامات من علامات الإخلاص, يشرح هذه النقطة الأولى-؛ الرياء مع العمل خسران, والطمع مع الأخذ نقصان, والمن مع العطاء بهتان, والإمساك مع البخل طغيان, والشرى مع الأكل ظلم وعدوان".

أفضل إيمان الرجل أن يعلم أن الله معه حيث كان :

 وهناك قول آخر: "من علامات الإخلاص تعاهد نفسك في ثلاثة مواضع لعلك تنال الشرف والإخلاص؛ إذا عملت فاذكر نظر الجبار إليك".
 حينما تعمل كن تحت المراقبة, لأن الله عز وجل يقول:

﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾

[سورة النساء الآية:1]

 والإنسان إذا شعر أن إنساناً يراقبه يختلف الأمر اختلافاً كلياً, إذا قيل: إنك مراقب, أو إن هاتفك مراقب, تضبط كلامك إلى درجة متناهية, فكيف إذا شعرت أن الله يراقبك؟ وقد قال الله عز وجل:

﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾

[سورة النساء الآية:1]

 "إذا عملت فاذكر نظر الجبار إليك, وإذا تكلمت فاذكر سمع الغفار, وإذا سكت فاذكر فيك علم القهار".
 أي إن تكلمت فهو يسمعك, وإن سكت فهو يعلم ما في قلبك, وإن تحركت فأنت تحت المراقبة, هذا الحال وحده يجعل الإنسان منضبطاً أن الله معك, وأفضل إيمان الرجل أن يعلم أن الله معه حيث كان.
 وقال بعضهم: "من عمل بغير اتباع السنة بطل عمله".

إخلاص بلا اتباع لا قيمة له واتباع بلا إخلاص لا قيمة له :

 الفضيل بن عياض يفسر قوله تعالى:

﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ﴾

[سورة النمل الآية:19]

 ما العمل الصالح الذي يرضي الله عز وجل؟-, قال: بشرطين؛ أن يكون خالصاً وصواباً؛ خالصاً ما ابتُغي به وجه الله, وصواباً ما وافق السنة.
 أي عمل صالح يخالف السنة لا يُقبل ولو كانت نيته طيبة, وأي عمل صالح ولو وافق السنة لا يُقبل إن كان غير مخلص؛ إخلاص بلا اتباع لا قيمة له, واتباع بلا إخلاص لا قيمة له, لا بد من أن تتبع منهج النبي, ولا بد من أن يأتي عملك خالصاً لوجه الله عز وجل.
 ألا ترى إلى قول النبي -عليه الصلاة والسلام-:

((من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد))

[أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة]

 هي اتباع السنة.

الله تعالى لن يقبل من الإنسان أن يدّعي حبه من دون دليل والدليل هو اتباع النبي :

 الإنسان حينما يجتهد, فيأتي بشيء ما فعله النبي, ولو كان مخلصاً لا يُقبل منه؛ لأنه أحدث ديناً جديداً, فرق الأمة؛ فكل اجتهاد في زيادة العبادات, وفي تكليف الناس ما لا يطيقون, أو في إلغاء شيء من الدين, اتهام له بالزيادة والنقص, ولن تكون مقبولاً عند الله إلا إذا اتبعت السنة, بل إن الله جل جلاله لن يقبل منك أن تدّعي حبه من دون دليل, والدليل هو اتباع النبي عليه الصلاة والسلام:

﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾

[سورة آل عمران الآية:31]

 قالوا: سنة النبي -عليه الصلاة والسلام- ثلاث؛ حب الخليل –حب الله عز وجل-, وشكر القليل, وطاعة الذليل.
 أي أن تكون عبداً لله, لدرجة أن أي شيء يرضيك تفعله؛ عرفت أم لم تعرف, قنعت أم لم تقنع.
 وقال عبد الله بن المبارك: "لو صحّ لعبد في عمره كله نَفَسٌ في غير رياء ولا شرك لكان بركة من بركات الله عليه".
 أي الشرك والرياء يفسدان العمل كما يفسد الخل العسل.
 وقال بعضهم: "لا يكون العمل مخلصاً حتى يخلُص من ثلاثة: رؤية الخلق, ورؤية النفس, ورؤية الجزاء عليه من الرب".

من يؤمن أن الله يعلم و سيحاسب و سيعاقب لا يمكن أن يعصيه :

 وأنا كنت أقول: حينما تُوقن بثلاث كلمات؛ أن الله يعلم, وسيحاسب, وسيعاقب, لا يمكن أن تعصيه, إلا إذا أيقنت أنه يعلم, ويحاسب, ويعاقب, كما أنك لا يمكن أن تتجاوز الشارة الحمراء إذا كنت تعلم أن الشرطي يقف, وشرطي ثان مع دراجة يقف, وأنت مواطن عادي, والإشارة حمراء, مستحيل أن تعصي, أما حينما تتجاوز هذه الإشارة, فقد تفعلها في الليل, لأنه ليس هناك من ينقل هذه المخالفة لواضع النظام, أو أكبر من واضع النظام, أما إنسان أقل من واضع النظام, ويعلم إذا خالف النظام أنه سيعاقب فمستحيل!.
 فحينما تؤمن أن الله يعلم, وسيحاسب, وسيعاقب, أنت لا يمكن أن تعصي إنساناً يعلم, ويحاسب, ويعاقب.

أنواع الشرك :

 ماذا يقابل الإخلاص؟ الشرك, شرك بالتوحيد, وهو شرك أهل الكتاب, وشرك في شيء من الدنيا, عندما يجعله عدة له, ويتوكل عليه, ويقول: هو عندي فيعبده, أي شيء أنت متمكن منه, هذا شرك أيضاً؛ متمكن من المال, متمكن من القوة, أي شيء مكنك الله به, إذا اعتمدت عليه فهذا نوع من الشرك.

 وهناك شرك في الأعمال: الإنسان أحياناً يعمل هذا العمل, وقد يكون عمله جليلاً, لكنه يرى أن هذا العمل فعله بإرادته, وقوته, وتدبيره, وإحكامه, فهذه الرؤية للعمل دون أن ترى هذا الذي تفضل عليك بهذا العمل نوع من الشرك.

الحسد والغبطة :

 الإنسان إذا رأى أن ابتداء عمله من الله نفى عنه العجب, وإذا التمس بعمله رضا الله عز وجل نفى عنه المحمدة والمذمة من خلق الله, إذا التمس بعمله الثواب بعد الموت نفى به الطمع في المخلوقين.
 وقال بعض العلماء: "إن الذي يفسد القلب كما يفسد الخل العسل هو سوء الخلق".
 سوء الخلق يُفسد العمل؛ إنسان يعبد الله بخلقه السيئ, يفسد كل عمله.
 والذي يحرق السيئات كما تحرق النار الحطب هو الحسد, والحسد يأكل الحسنات, والإنسان في الأساس مصمم, ومبرمج, ومجبول على شيء سمِّه الغيرة, إذا اتجه إلى الآخرة كان محموداً و يسمى الغبطة, أما إذا كان موضوع الغيرة هو الدنيا, فصار حسداً.
 هذه الصفة حيادية, وبها ترقى, لأنه:

﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾

[سورة المطففين الآية:26]

 الله عز وجل أعطاك صفات بالنفس, تعينك على أمر آخرتك, الإنسان الشارد عن الله عز وجل يستخدمها استخداماً آخر.
 فأنت عندك شيء اسمه غيرة, لا تحتمل إنساناً يسبقك, فان كانت هذه الصفة في أمر الآخرة ارتقيت بها, تتنافس مع أخوانك الطيبين, أما إن كانت في أمر الدنيا فكانت حسداً.
 والفرق بين الحسد والغبطة أن الحسد في الدنيا, والغبطة في عمل الآخرة.
 وإن الذي يحرق السيئات كما تحرق النار الحطب هو الحسد, وإن الذي يحرق البر كما يحلق موسى الشعر هو الغل والبغضاء, وإن الذي يجعلك مفلساً يوم القيامة هو الكبر والخُيلاء, وإن الذي يُعمي القلب عن موارد الحق من الله تعالى هو متابعة النفس والهوى, والذي يقطع العبد عن الأعمال الصالحة هم أهل البطر والغفلة.

المخلص ينفعه قليل العمل وكثيره أما المرائي فلا ينفعه شيء :

 وقال بعض العلماء: "من أحبّ أن يطلع الناس على عمله فهو مراء, ومن أحبّ أن يطلع الناس على حاله فهو مدعٍ كذاب".
 وقال بعضهم: "صحة الشهادة تحتاج إلى أربع خصال, حتى يكون العبد صادقاً بها؛ الإخلاص, والتصديق, واتباع السنة, واستقامة الطريق؛ فمن أتى بالشهادة بلا إخلاص القلب فهو منافق مرتاب, ومن أتى بها بلا تصديق القلب فهو كافر كذاب, ومن أتى بها بغير اتباع السنة فهو متبع مذموم, ومن أتى بها بلا استقامة الطريق فهو فاسق ملوم".
 وقال بعض العلماء: "يحتاج المصلي إلى أربع خصال حتى ترفع صلاته؛ حضور القلب, وشهود العقل, وخضوع الأركان, وخشوع النفس".
 والصلاة -كما تعلمون- عماد الدين؛ من أقامها فقد أقام الدين, ومن هدمها فقد هدم الدين.
 قال: "من صلى بلا حضور القلب فهو مصل لاه, ومن صلى بلا شهود العقل فهو مصل ساه, ومن صلى بلا خضوع الأركان فهو مصل جاف, ومن صلى بلا خشوع فهو مصل خاطئ, ومن أتم هذه الحدود فهو مصل واف".
 أرجو الله سبحانه أن يجعلنا مخلصين له.
 "يا معاذ!أخلص دينك لله يكفك العمل من القليل".
 المخلص ينفعه قليل العمل وكثيره, أما المرائي وغير المخلص فلا ينفعه كثير العمل ولا قليله.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS