52590
خطبه الجمعة - الخطبة 0041 : أخطاء في العقيدة 3 – أخطاء تستوجب التوبة ، مستلزمات التوبة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1975-06-28
بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى :

الحمد لله نحمده ، و نستعين به و نسترشده و نعوذ به من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، و من يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لك ، إقراراً بربوبيته و إرغاماً لمن جحد به و كفر ، و أشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق و البشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلي وسلم و بارك على سيدنا محمد و على آله و أصحابه و ذريته و من تبعه ذي إحسان إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

تمهيد

أيها الإخوة المؤمنون ؛ تحدثت في خطبتين سابقتين عن بعض العقائد الفاسدة التي ما أنزل الله بها من سلطان ، والتي تناقلها الخلف عن السلف ، دون أن يفطنوا إلى أنها بعيدة كل البعد عن جوهر الإسلام ، وروح القرآن ونصه ، وقد بينت لكم أن فيها شيئاً من كلام الله ، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أسيء فهمه ، وتفسيره ، عن قصد أو غير قصد ، وقد وضحّت آثار هذه العقائد الفاسدة في تثبيط الهمم ، وإضعاف العزائم ، وترك العمل والتعلق بالأمل ، ومن هذه العقائد التعلق بمغفرة الله دون علم ولا هدى ، ولا كتاب منير .
أيها الإخوة ؛ مغفرة الله خافيةٌ على كثير من الناس ، والطريق إليها محجوبةٌ عن عيونهم ، وقبل الحديث عن حقيقتها ، والطريق إليها أودُّ أن أقف قليلاً عند بعض الصور المنتزعة من حياة المسلمين .
يرى بعض المسلمين أو من يزعم أنه منهم يقترف من المعاصي ما صغر وكبر ، فإذا قلت له ما هذا يا صاحبي ، لا تجد عنده من جواب سوى قوله الله غفور رحيم ، الله يعفو عنا بعفوه ، نحنا عبيد إحسان مالنا عبيد امتحان ، بعضهم الآخر إذا واجهته بمعصية قال لك ( بكره بحج والله يغفر لي ذنوبي ) ومنهم من يقول : لا تشددها أنت أكرم من الله ...
إلى ما هنالك من كلام حقٍ أريد به باطلاً .
أيها الإخوة ؛ هذه العقائد يجب أن تُصحح يجب أن تعرض على القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .
الإنسان بين الاستنارة والظلمة وبين الإقبال والإدبار
أيها الإخوة ؛ الإنسان بين حالتين ، حالة الصحو وحالة الغفلة ، حالة الاستنارة وحالة الظلمة ، حالة الرؤية القلبية وحالة العمى ، والحالات الأُول تكون بالاتصال بالله ، والإقبال عليه ، والتوجه نحوه ، والحالات الأُخر تكون بالقطيعة ، وترك الصلاة ، والإعراض عن الله ، و الإدبار عن الحق .
والإنسان حينما يتصل بربه ، يستنير بنوره ، فيرى الخير خيراً ، والشر شراً ، يرى الحق حقاً ، والباطل باطلاً ، إنه يرى المعاصي ويرى ما فيها من ضرر وأذى ، فأنى له أن يقع فيها ويرى الطاعات ويرى ما فيها من خير عميم ، وسعادة دائمة ، فأنى له أن يتركها .
فلو وضعت يدك ، وأنت مغمض العينين على شيء ناعم الملمس ، لين المجس ، انسيابي الخطوط ، ثم فتحت عينيك ، فإذا هو حية رقطاء ، في أنيابها السم الناقع ، عندها تنتفض مبتعداً عنها ، وتصرخ مذعوراً منها لقد ركنت إلى ملمسها الناعم ، ومجسها اللين ، حينما جهلتها ، وابتعدت عنها ، حينما رأيت سمها .
الملمس الناعم قد يحمل الموت
سيدنا يوسف عليه السلام رأى في دعوة امرأة العزيز ومراودتها عن نفسه رؤية لا يراها سائر الناس ، المنقطعين عن الله ، حينما تسنح له مثل هذه الفرص ، لقد رأى أن السجن أحب إليه من تلبية هذه الدعوة فقال :

﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾

[الآية:33 سورة يوسف]

بينما يرى بعض الجهلاء من الناس أن السجن أحب إليهم من رفضها .

﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾

[الآية:24 سورة يوسف]

أي لولا أنه رأى برهان ربه لهم بها .

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾

[سورة الأنفال الآية:29]

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

[الآية:28 سورة الحديد]

﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

[الآية:122 سورة الأنعام]

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾

[الآيات:124-127 سورة طه]

أي كنت أعمى في الدنيا ...

مستلزمات التوبة .

في ضوء هذه الحقائق والآيات يتضح أن الذنب ليس كما يتصوره بعض الناس ، نقطة سوداء في صفحة الإنسان منفصلة عنه يمكن أن تمحى بجرة ممحاة ، ولكنه مرض نفسي ، وشهوة منحرفة ، بسبب عمىً في البصيرة ، أو بسبب رؤية منحرفة ، نتيجة القطيعة والفعلة والإعراض عن الله ، وترك الصلاة ، بمعناها الحقيقي .
الذنوب أمراض وعلاجها يحتاج لوقت ولا تمحى بجرة قلم
ومغفرة الذنب ليست مسحاً لهذه النقطة السوداء ولا شطبها ، ولا تمزيق الصحيفة كلها ، ولكنها حمية قاسية ، أو علاج طويل ، أو عملية جراحية تستهدف شفاء النفس ، وبرأها مما ألم بها ، فالذنب مرض ، والمغفرة شفاء منه ، وهل سمعتم أيها الإخوة أن هناك شفاءً من دون دواء ، وبرءاً من غير سبب ؟..
لقد أشار القرآن الكريم ، إلى طريق المغفرة ، وإلى أسباب الشفاء فقال:

﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾

[سورة طه الآية:82]

﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

[الآية:119 سورة النحل]

﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

[الآية:11 سورة النمل]

﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

[الآية:89 سورة آل عمران]

﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآَمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

[الآية:153 سورة الأعراف]

﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

[الآية:39 سورة المائدة]

أيها الإخوة ، هذه آيات من القرآن الكريم توضح طريق المغفرة والشفاء .
إنها التوبة النصوح أولاً .
والإصلاح ثانياً ، إصلاح الخطأ ، إذا كان الأمر متعلقاً بالعباد .
والإيمان الصحيح ثالثاً .
والعمل الصالح رابعاً .
وبعدها تأتي المغفرة التي هي شفاء للنفس من كل أمراضها وعللها .
أما إذا عاد العبد ، واقترف الذنب الذي تاب منه ، فتفسر ذلك أن إرادته قويت تارة فتركه ، وضعفت أخرى فاقترفه ، لكنه في كلتا الحالتين :
أولاً : لم يحصل له الشفاء الصحيح الذي يجعله يترفع عن الذنب اشمئزازاً لا مجاهدة .
ثانياً : لم تحصل له المغفرة التي وعد الله بها المؤمنين .
اللهم وفقنا إلى التوبة النصوح ، والإصلاح من بعد الجموح وارزقنا إيماناً يرينا الخير خيراً، والشر شراً ، وارزقنا عملاً صالحاً يصلح ما فسد من عملنا ، ويصلح للعرض عليك حين أوبتنا إليك ، وبعدها كما قلت في كتابك ، ارزقنا مغفرة وشفاء لا انتكاس فيها .
أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وصلوا ما بينكم وبين ربكم تسعدوا ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم .

الدعاء :

اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء .
اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت ، واصرف عنا شر الأعمال لا يصرفها عنا إلا أنت .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS