26677
ندوات إذاعية - إذاعة دار الفتوى - الإعجاز العلمي - الحلقة 07 - 30 : البعوضة والنمل.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2003-11-01
بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة :

المذيع :
بسم الله الرحمن الرحيم ، اللهم صلِّ وسلّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
أخوة الإيمان والإسلام ، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ، معنا اليوم فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ، أهلاً وسهلاً بكم .
أيها الأخوة ؛ في هذه الحلقة من برنامج : "الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة" نتحدث عن مخلوق صغير هو النمل ، ومخلوق آخر هو البعوضة ، لقد جعل الله عز وجل لحكمة أرادها في كل صفة مادية في الإنسان حيوان يفوقه بها ، إلا أن الإنسان كرّمه الله بالعقل والمعرفة والإيمان ، وبهاتين الصفتين يتفوق على بقية مخلوقاته .

يا من يرى مدّ البعوض جناحها فــي ظلمة الليـل البهيم الأليل
ويرى مناط عقولها في نـحرهــــــا والمـــخ في تلك العظام النحــل
امنُنْ عليّ بتوبة تمحُ بهــــــــــــــــا ما كان مني في الزمـان الأول
***

فضيلة الدكتور ، دعنا نتعرف على البعوضة وخصائصها ، وكيف تعيش .

البعوضة :

الدكتور راتب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
أستاذ عبد الحليم ، جزاك الله خيراً ، يقول الله عز وجل في كتابه الكريم:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً ﴾

[ سورة البقرة : 26]

أعتقد أنه ما من مخلوق أهون على الإنسان من بعوضة ، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول في حديثه ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ ماء))

[الترمذي عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ]

مخلوق هيّن على الإنسان ، قد يقتل الإنسان بعوضة ، ولا يشعر أنه قتل شيئاً ، هوانها على الإنسان لا حدود له ، ومع ذلك ففي هذه البعوضة من الآيات الدالة على عظمته الشيء الكثير ، كيف لا وقد ذكرت في القرآن الكريم !
هناك ملاحظة دقيقة ، عدد الآيات الكونية الدالة على عظمة الله لو أنك قلت: مليار مليار مليار إلى نهاية الحياة لا تنتهي ، لكن الله اختار لنا من هذا العدد اللامتناهي عددًا محدودًا في القرآن ، ألف وثلاثمئة آية تتحدث عن الكون ، فأنت حينما تقرأ آية فيها أمر ، فهذا الأمر يقتضي أن تأتمر ، وحينما تقرأ آية فيها نهي فهذا النهي يقتضي أن تنتهي ، الآن حينما تقرأ آية كونية يقتضي هذا أن تفكر في هذه الآية ، وكأن هذه الآيات الكونية المتعلقة بالسموات والأرض ، وبخلق الإنسان ، وخلق الحيوان والنبات ، هي رؤوس موضوعات للتفكر ، فيكفيني أن يذكر الله في قرآنه البعوضة ، إذاً هي آية كبيرة على صغر شأنها وحقارة مكانتها عند الإنسان .
المذيع:
ضرب فيها المثل لصغر حجمها وشأنها ، ولكن هناك أمور عظيمة ذكرتموها في هذا الكتاب .

حياة البعوضة و وظائفها :

الدكتور راتب :
لكن يقول الله عز وجل بعد قليل:

﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً﴾

[ سورة البقرة : 26]

لمَ هذا المثل ، وما قيمته ؟ البعوضة في رأسها مئة عين بالتمام والكمال ، طبعاً هذا كله عُرِضَ على مجاهر إلكترونية ، وأنا أجريت ندوة في سوريا ، وعرضت هذه الصور ، صور مكبرة ، في رأسها مئة عين ، وثمانية وأربعون سناً ، ولها ثلاثة قلوب في صدرها ، قلب مركزي ، وقلب لكل جناح ، وفي كل قلب أذينان وبطينان ودسامان ، أما البعوضة فتملك جهازاً لا تملكه الطائرات ، إنها لا ترى الأشياء لا بشكلها ، ولا بلونها ، ولا بحجمها ، ولكنها تراها بحرارتها فقط ، عندها جهاز استقبال حراري لا تملكه أدق الطائرات ، لذلك هذا الجهاز حساسيته واحد على ألف من الدرجة المئوية ، إذا ارتفعت الحرارة واحدًا على ألف يبدو أمام عينها ظاهراً ، وفي غرفة مظلمة في الليل ينام طفلان على سرير ، لا ترى في هذه الغرفة إلا الطفلين ، تتجه إلى أحدهما ، هذا الجهاز نسميه تجاوزاً : جهاز رادار ، أما الاسم الأدق فهو جهاز استقبال حراري ، يستقبل الصور بحرارتها ، تتجه إلى جبين هذا الطفل ، وما كل دم يناسبها ، قد ينام طفلان على سرير واحد ، يستيقظ الأول ، وقد ملئ بلسع البعوض ، والثاني لم يُلسع لسعة واحدة، إنها تحلل الدم ، تختار من بعض الدماء ما يناسبها ، ففضلاً عن جهاز الاستقبال الحراري وجهاز الرادار هناك جهاز تحليل دم ، إنها إن وقعت على طفل ، وخافت أن يقتلها إن انتبه ، لا بد من تخديره ، معها جهاز تخدير ، والإنسان حينما يتوهم أنه قتلها هي في الجو ، أطلق يده بعد أن انتهى تأثير المخدر ، فمعها جهاز رادار ، وجهاز استقبال حراري ، وجهاز تحليل دم ، وجهاز تخدير ، لأن خرطومها دقيق جداً ، والدم اللزج قد لا يمر في خرطومها ، فلابد من تمييع الدم ، فمعها جهاز رادار ، وتخدير ، وتمييع ، أما خرطوم هذه البعوضة فشيء لا يكاد يصدق ، خرطومها فيه ست سكاكين ، أربع سكاكين تحدث جرحاً مربعاً ، ولا بد لهذه السكاكين من أن تصل إلى وعاء دموي كي تمتص الدم ، وسكينان آخران يلتئمان على شكل أنبوب ضمن السكاكين الأربع ، فست سكاكين ، أربع لإحداث جرح ، وسكينان لامتصاص الدم، هذا بخرطومها الدقيق ، طبعاً هذا الكلام متى عرف ؟ بعد أن اخترع المجهر الإلكتروني ، وهو يكبر أربعين ألف مرة ، أنا حينما أشتري مكبراً من السوق هذا يكبر ثماني مرات ، الأنواع العالية جداً عشر مرات ، بينما الإلكتروني قد يصل التكبير إلى أربعين ألف مرة .
المذيع:
وحتى نرى هذه الدقة بالوصف مئة عين ، فالبعوضة نراها بشكلها ، وهي صغيرة جداً ، فكيف نرى هذه الأعين أو القلوب ، وما شابه ذلك ؟

البعوضة من آيات الله الدالة على عظمته :

الدكتور راتب :
عيون مئة ، ثمان وأربعون سنًّا ، أسنان ، قلوب ثلاثة ، أجهزة جهاز استقبال حراري ، جهاز تحليل ، جهاز تخدير ، جهاز تمييع ، الآن إذا وقفتْ على سطح أملس كيف تقف ؟ عندها محاجم على أساس ضغط الهواء ، أنت حينما تريد أن تعلق مشجبًا في حمام معتنى به جداً ، وتخاف أن تثقب هذا البلاط الراقي تأتي بمشجب على أساس الضغط ، تفريغ الهواء يجعل المشجب يلصق بالبلاط ، فعندها محاجم تمكنها من الوقوف على سطح أملس بمحاجمها ، فإذا كان السطح خشناً تقف بمخالبها ، والبعوضة يرف جناحاها بعدد كبير جداً ، يبلغ درجة الطنين ، بعضهم قال : آلاف المرات في الثانية الواحدة ‍، ثم إن هذه البعوضة تشم رائحة عرق الإنسان من ستين كيلو مترًا تقريباً ، فهذه هي البعوضة ، الله عز وجل يقول:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾

[ سورة البقرة : 26]

هذا من آيات الله الدالة على عظمته ، وأنا حينما أذكر آية كونية في خلق الله في مخلوقاته ، في الحيوان ، والنبات ، في الإنسان ، أتابع وأقول:

﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء : 85]

وقد تظهر أبحاث وأبحاث حول البعوضة ، قد لا نصدق بعضها ، لكنها حقيقة علمية ، الله عز وجل خلق هذا الكون من أجل أن نعرفه بالدليل ، الله عز وجل يقول:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾

[سورة الطلاق: 12]

المذيع:
فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ، ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم البعوضة ، وضرب بها مثلاً ، ولكن الآن سورة بأكملها سميت باسم النمل ، فطبعاً هناك شأن لهذه النملة ، فما هو شأنها ، وكيف تعمل ؟

النمل من أرقى الحشرات الاجتماعية :

الدكتور راتب :
يوجد تقديم لهذا الموضوع دقيق ، الحقيقة أن النمل من أرقى الحشرات الاجتماعية ، ففي مجتمع النمل انضباط لا يصدق ، اختصاص لا يصدق ، قد يعجب الإنسان، هناك تساؤل : مجتمع البشر فيه تقصير وتسيّب ، وانحرافات وجرائم ، وقتل ، ومجتمع النمل كماله يكاد لا يصدق ، ما تفسير ذلك ؟
الجواب سهل جداً : نظام البشر بأمر تكليفي ، ونظام النمل بأمر تكويني ، معنى ذلك أن بالأمر التكليفي لك أن تخالف ، كما لو وُضعت لافتة مكتوب عليها " ممنوع المرور " على أول طريق ، وهذا ليس معناه أنك لا تستطيع أن تخالف ، لكن إذا خالفت تعاقب فقط ، أما لو وضعنا أربعة مكعبات إسمنتية في أول الطريق فلن تستطيع أن تمشي في هذا الطريق ، هذا أمر تكويني ، فنظام النمل المعقد انضباطه الشديد بأمر تكويني ، بينما نظام الإنسان بأمر تكليفي ، لذلك ترى في المجتمع الإنساني تفلتًا وتسيّبًا ، لكن هناك تكليفاً ، وهناك جزاء وعقاباً ، وجنة ونار ، أما مجتمع النمل فمجتمع راقٍ جداً ، ولكن بأمر تكويني ، ليس هناك تكليف ، وليس هناك ثواب ولا عقاب .
أستاذ عبد الحليم ، النملة حشرة اجتماعية راقية جداً ، موجودة في كل مكان ، وفي كل وقت ، بل إن أنواع النمل تزيد على تسعة آلاف نوع ، بعضه يحيا حياة مستقرة في مساكن محكمة ، وبعضها يحيا حياة الترحال كالبدو تماماً ، بعض أنواع النمل يكسب قوته بجهده وسعيه ، وبعضه يكسبه بالغدر والسيطرة ، والنمل حشرة ذات طبع اجتماعي ، فإنها إذا عزلت عن أخواتها ماتت ، ولو توافرت لها كل مقومات الحياة ، من غذاء جيد ، ومكان جيد ، وظروف جيدة ، فهي كالإنسان إذا عزلته في مكان بعيد عن الضوء والصوت ، والساعة والزمن، والليل والنهار ، عشرون يوماً اختل توازنه .
المذيع:
فضيلة الدكتور ، سميت سورة في القرآن الكريم باسم النمل ، وذلك لعلو شأنها أو لضرب مثل للإنسان ، ولكن هناك سؤالاً ، وإن كان فقهيًّا أكثر من أن يختص بالإعجاز العلمي، البعض يستصغر هذه الحشرة ، ويقتلها ، فما شأن هذا الإنسان ؟

النهي عن قتل النمل :

الدكتور راتب :
نهي عن قتلها ، لأنها حينما قالت نملة:

﴿ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾

[سورة النمل: 18]

استنبط العلماء أن الإنسان المؤمن لا يقتل نملة وهو يشعر ، فإذا قتلها يقتلها ، وهو لا يشعر ، فلذلك منهي عن قتل النمل .

مهمات النمل :

هذه النملة تعلّم الإنسان درساً بليغاً في التعاون ، أودع الله في جهازها الهضمي جهاز ضخ وجهاز مص ، فإن كانت شبعى وأختها جائعة تستخدم جهاز الضخ ، وتعطيها من عصارتها الهضمية ، فهي تعطي وتأخذ ، الإنسان عنده جهاز مص فقط ، بل أنا أرى البشر على نوعين ، نوع قدوته الأنبياء ، جاؤوا الحياة فأعطوا ، ولم يأخذوا ، ونوع قدوته الأقوياء ، أخذوا ولم يعطوا ، وبعض الناس يأخذ ويعطي ، ولكن قمم الأنبياء أعطت ولم تأخذ ، والطغاة أخذوا ولم يعطوا ، بينما معظم البشر يأخذون ويعطون ، فالذي قدوته نبي كريم يغلب عليه العطاء ، والذي كان قدوته قوياً جباراً في الأرض يغلب عليه الأخذ ، لكن المؤمن يأخذ ويعطي .
إذا التقت نملة جائعة بشبعى تعطي النملة الشبعى خلاصات غذائية من جسمها، للنمل ملكة كبيرة الحجم ، مهمتها وضع البيض ، وإعطاء التوجيهات ، ولها مكان أمين في مساكن النمل ، وهي على اتصال دائم بكل أفراد المملكة ، والإناث العاملات لهن مهمات متنوعة ، من هذه المهمات تربية الصغار ، وهذا يشبه قطاع التعليم ، وفي النمل عساكر لها حجم أكبر ، ورأس صلب ، كأن عليه خوذة ، وهذا يشبه قطاع الجيش في حراسة الملكة ، والأمن ، ورد العدوان ، ومن مهمات العاملات تنظيف المساكن والممرات ، وهذا يشبه قطاع البلديات ، ومن مهمات العاملات سحب جثث الموتى من المساكن ، ودفنها في الأرض ، وهذا يشبه مكاتب دفن الموتى ، ومن مهمات العاملات جلب الغذاء من خارج المملكة ، وهذا يشبه قطاع المستوردين ، ومن مهمات العاملات زرع الفطريات ، وهذا يشبه قطاع الزراعة ، ومن مهمات العاملات تربية حشرات تعيش النمل على رحيقها ، وهذا يشبه قطاع تربية المواشي .
يبني النمل المدن ، ويشق الطرقات ، ويحفر الأنفاق ، ويخزن الطعام في مخازن وصوامع ، وبعض أنواع النمل يقيم الحدائق ، ويزرع النباتات ، وبعض أنواع النمل يقيم حروباً على قبائل أخرى ، فيأخذ الأسرى من ضعاف النمل المخزون ، الآن لندقق في هذه الآية:

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾

[سورة الأنعام: 38]

واللهِ - أستاذ عبد الحليم - لو قرأنا كل التفاسير لا تجد تفسيراً لهذه الآية أقوى من هذا البحث العلمي:

﴿ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾

[سورة الأنعام: 38]

أرأيت إلى مهمات النمل ؟ نمل يعيش على العدوان ، ونمل على الكسب الشريف، ونمل يقوم بتربية المواشي ، ونمل يقوم بزراعة بعض المزروعات ، ونمل يستورد ، ونمل يربي ، ونمل يخطط ، ونمل يحرث .
المذيع:
هناك مهمات كثيرة يقوم بها النمل ، وكأنه أشبه بالإنسان ومجتمعه ، لذلك لا بد له من إدراك معين كي يبني هذه المدن والمساكن ، وله عدة قطاعات كما ذكرتم .

لغة النمل كيماوية و لها وظيفتان :

الدكتور راتب :

﴿ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾

[سورة الأنعام: 38]

لقد أثبت الله جل جلاله من خلال هذه الآية الكلام للنمل نوعاً من المعرفة ، للنملة مخ صغير ، وخلايا عصبية ، وأعصاب لتقدير المعلومات ، وخرائط كي تهتدي بها إلى مواقع الغذاء ومساكنها ، وإن النملة تملك نوعاً من التصرف العقلاني ، وهي من أذكى الحشرات، وهي ترى بموجات ضوئية لا يراها الإنسان ، ولغة النمل كيماوية ، لها وظيفتان ، التواصل والإنذار ، فلو سحقت نملة فإن رائحة تصدر عنها تستغيث بها النملات ، وتحذرها من الاقتراب من المجزرة ، ولا تستطيع نملة دخول مسكنها إلا إذا بيّنت كلمة السر ، وهي تبدّل من حين إلى آخر .

﴿ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾

[سورة الأنعام: 38]

وللنملة جهاز هضم مدهش ، فيه فم ومريء ، ومعدة وأمعاء ، وجهاز مص وجهاز ضخ .
الإمام علي كرم الله وجهه يقول: " انظروا إلى النملة لصغر جثتها ، ولطافة هيئتها ، لا تكاد تنال بلحظ البصر ، ولا بمستدرك الفكر ، كيف دبت على أرضها ، وصبت على رزقها ، تنقل الحبة إلى حجرها ، وتعدها في مستقرها ، تجمع من حرها لبردها ، وفي وردها لصدرها ، مكفولة برزقها ، مرزوقة بوسقها ، لا يغفلها المنان ، ولا يحرمها الديان ، ولو فكرت في مجاري أكلها ، في علوها وسفلها ، وما في الجوف من شراسيف بطنها ، وما في الرأس من عينها وأذنها ، لقضيت من خلقها عجباً ، وللقيت من وصفها تعباً ، فتعالى الله الذي أقامها على قوائمها ، وبناها على دعائمها ، لم يشركه في فطرتها فاطر ، ولم يُعِنه على خلقها قادر ، لا إله إلا هو ، ولا معبود سواه " ، هذا كلام سيدنا علي .
يوجد قول آخر ، يقول الإمام الجليل : " الشرك أخفى من دبيب النملة السمراء على الصخرة الصماء ، في الليلة الظلماء " على كل هذه آيات دالة على عظمة الله عز وجل ، أثبت الله للنملة الكلام والمعرفة .
في بحث آخر قرأته عن النمل أنّ النملة إذا أوشكت أن تموت ترسل لأخواتها بشارة أن تعالوا فادفنوني ، جاء عالم من علماء النمل فأخذ هذه الرائحة ، ووضعها على نملة صحيحة قوية متينة ، فجاءت النملات ، ودفنوها ، معهم نص ، هؤلاء نصيُّون ، متفقون على هذه الرائحة ، مع أنها تحيا حياة طيبة ، وترزق لكنها دُفنت ، جاء نص فنُفِّذ هذا الأمر .

خاتمة و توديع :

المذيع:
نُفِّذَ الحكم فيها كما ذكر ، في هذه الحلقة لخصنا البعوضة ووظائفها وحياتها ، وكما ذكر في الآية الدالة على عظمة الله سبحانه وتعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً ﴾

[ سورة البقرة : 26]

وكما ذكرنا سورة بأكملها تحت اسم النمل ، فتحدثنا عن مجتمع النمل ومهماته في هذه الحلقة ، إن شاء الله نعد المستمعين في حلقات قادمة بالحديث عن الإعجاز العلمي في كافة مخلوقات الله سبحانه وتعالى ، نشكركم فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .
أيها الأخوة ؛ إلى حلقة قادمة ، نستودعكم الله ، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS