13224
ندوات إذاعية - إذاعة دار الفتوى - الإعجاز العلمي - الحلقة 25 - 30 : الخيل - الزرافة.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2003-11-19
بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)﴾

( سورة الذاريات )

 السماء ، البرزخ ، النحل ، الأرض ، ظلمات الفضاء ، الكون ، النمل ، الكواكب ، دقة الإنسان.
التفكر في الخلق والكون
 التفكر في الخلق والكون ، حوارات مع الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أحد علماء دمشق ، يجريها عبد الحليم قباني.
المذيع:
اللهم صلِّ ، وسلم ، وبارك على سيدنا محمد وعلى آلله وصحبه أجمعين.
 لقد دعانا القرآن الكريم في كثير من المواطن والمواضع إلى التفكر والتدبر في آياته ، ليصل الفكر بإمعان إلى الحقائق الكبرى ، فإعجاز ما هو إلى وسيلة لتتأكد ألوهية الله سبحانه وتعالى ووحدانيته ، ورسالة الإسلام رسالة السلام ، ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، فمن خلال الفكر نصل إلى وجدان كل شخص يتأمل في آيات الله الذي خلق هذا الكون ، ونزل هذا القرآن ، وقلنا: إنه عندما نجد فيما وصل إليه الإنسان من تطور علمي وحقائق مذهلة توصل إليها العلم ، ثم نجدها مسجلة في القرآن الكريم فإن ذلك يؤنس إيمان كل فرد.
إخوة الإيمان والإسلام ، في هذه الحلقة ، ومع فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ، الأستاذ المحاضر في كلية التربية في جامعة دمشق ، والخطيب والأستاذ الديني في جوامع دمشق ، نرحب به أهلاً وسهلاً.
 إذاً في هذه الحلقة نتحدث عن أمر يهتم إليه العربي ، فالعلاقة قديمة بين الخيل والرجل العربي ، ولكن لابد من حكة لهذه العلاقة ، فكما ذكرتم فضيلة الدكتور في كتابكم أن الله جعل لحكمة أرادها في كل صفة مادية للإنسان حيواناً يفوقه بها ، فلننظرْ ما هي الأمور التي يفوق بها الخيل الإنسان ؟
الأستاذ:
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد.
 قبل أن نتحدث عن الخيل التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ، بل في صحيح البخاري ، من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( الْخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ))

[متفق عليه]

 فالخيل حيوان أكرمنا الله به ، ولكن من ذلَّله لنا ؟ من جعله مذلَّلاً ؟ من جعله قريباً منا ؟ من جعلنا نألفه ونحبه ؟ إنه الله ، ففي كلمة:

﴿ وَذَلَّلْنَاهَا لَهمْ ﴾

لولا أن الله طوّع هذه الحيوانات كالخيل والإبل ، وما إلى ذلك ، والبقرة ، والخروف ، لولا أنها مذلَّلة كيف ننتفع بها
 تعلمون أن بمرض جنون البقر اضطرت بريطانيا إلى إعدام 11 مليون بقرة ، قيمتها 33 مليار جنيه إسترليني ، لأنها توحشت ، فالتذليل من نعمِ الله الكبرى.
إنك تشعر أن الخيل مصممة لهذا الإنسان ، مسخرة له ، مذلّلة له ، فحينما قال الله عز وجل:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾

( سورة الأحزاب الآية: 72 )

 لأنه قَبِل حمل الأمانة كان المخلوق الأول رتبةً ، ولأنه المخلوق الأول سخِّر له:

﴿ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾

( سورة الجاثية الآية: 13 )

 فالخيل من المخلوقات التي سخرها الله للإنسان وذلّلها ، من عجيب خصائص هذا الحيوان الذي سخره الله للإنسان تكريماً له أنه قوي السمع ، فالخيل تسمع وقْع الخُطى قبل أن ترى الذي يمشي ، وتسمع وقع حوافر خيل أخرى قبل أن تتبدى لها في الأفق ، وتنبِّه صاحبها ، هذه خاصة تفوق ما عند الإنسان من خصائص ، والخيل لا تفقد قدرتها على التناسل إن تقدمت في السن ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( الْخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ))

الخيل سريعة الشفاء من جروحها.
 الشاعر الجاهلي عنترة وصف فرسه فقال:

فازورّ من وقع القنا  بلبــــانه وشكا إلي بعبرة وتحمحـمِ
لو كان يدري ما المحاورة  اشكـتا و لكان لو علم الكلام مكلمِ

يبدو أن هناك مشاركة وجدانية بين صاحب الخيل والخيل ، كائن له شعور أحياناً.
 إذاً هي سريعة الشفاء من جروحها وأمراضها سرعة غير معقولة ، فشفاؤها أسرع من شفاء الإنسان ، وتلتئم كسور عظامها بسرعة عجيبة جداً ، ويكفي الحصان علف قليل ليقوم بجري كثير ، يضاف إلى هذه الخصائص أن جهاز الحصان التنفسي قوي جداً ، فهو ذو قصبة هوائية واسعة جداًَ ، وقفص صدري واسع جداً يعينه على استنشاق أكبر كمية من الأوكسجين ، لتعينه هذه الكمية على الجري الطويل ، لأنه مهيؤٌ ليكون أداة نقل للإنسان.
من ألطف ما قرأت أن هذا الحصان أنه يقي أمراض القلب والكليتين والكبد ، وفي بحوث حديثة جداً تؤكد أن الإدمان على ركوب السيارة يجلب للإنسان أمراض القلب والكبد والكليتين.
 الحصان له قدرة عجيبة على تحمل المصاعب والمشاق ، يستطيع أن يحمل ربع وزنه ، فإذا كان وزنه 400 كغ فإنه يحمل 100 ويستطيع أن يعدو مسافات طويلة ، ولأمد طويل جداً من دون طعام ولا ماء ، ويتميز الحصان بذاكرة حادة جداً ، هذه الذاكرة تنصب على الأماكن التي يعيش فيها ، فبإمكانه إذا أصاب صاحبه مكروه أن يعيده إلى البيت بذاكرته ، بل إنه يستطيع أن يحفظ أدق الأماكن ، وأدق التفاصيل ، يعرف صوت صاحبه ، ولو لم يره ، بل إنه ليعرف صاحبه من طريقة ركوبه الفرس ، فيعرفه إما من صوته أو رائحته ، أو من طريقة ركوبه الفرس ، ويستجيب الحصان بردود فعل سريعة جداً لحركات فارسه ، وهو من أذكى الحيوانات ، ومن أشدها وفاء ، والشيء الذي يأخذ بالألباب كما ذكر في بعض البحوث العلمية أن ركوب الخيل يقي من أمراض القلب وأمراض والكبد والكليتين ، وأمراض جهاز الهضم ، بخلاف الإدمان على ركوب السيارة ، فإنه يجلب أمراض القلب وأمراض الكليتين وأمراض الكبد ، لذلك صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال:

(( الْخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ))

المذيع:
 إذاً ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الخيل ، وأن في نواصيها ، أي في مقدمة رأسها الخير إلى يوم القيامة ، وكما ذكرتم فضيلة الدكتور من بعض البحوث العلمية أن ركوب الخيل يقي من أمراض كثيرة ، كأمراض القلب وأمراض الكبد والكليتين.
الآن نريد أن نتحدث أيضاً عن حيوان آخر في هذه الحلقة ، فإن رأيناه رأيناه طويلاً جداً ، ألا وهو الزرافة.
الأستاذ:
أستاذ عبد الحليم ، حينما قال الله عز وجل:

﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾

( سورة النمل الآية: 88 )

 هذا يرشدنا إلى أن الإنسان أحياناً يصنع صنعة متقنة تسمى صناعيّة ، وقد يصنع صنعة أقلّ جودة تسمى تجارية ، لكن عند الله عز وجل :

﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾

( سورة الملك الآية: 3 )

 فأيّ شيء صنعه الله عز وجل بدقة بالغةٍ بالغة ، وبحكمةٍ بالغةٍ بالغة ، إذاً معنى قول الله تعالى:

﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾

لا تجد صنعة لله عز وجل في مستوى من الإتقان أقلّ من غيرها.
 الزرافة: هذا الحيوان الذي يعد من أطول قاطبة ، فطول الزرافة يزيد على ستة أمتار ، أي ارتفاع طابقين من الطوابق العالية ، الطابق في بعض بلادنا ثلاثة أمتار ، أما في بلاد أخرى فمتران ، فهذه الزرافة تعلو على طابقين من الطوابق العالية في بلادنا ، هذا الحيوان من أشد المخلوقات تيقظاً وخفة ، زودها الله بعينين جاحظتين تستطيعان أن تريا 360 درجة ، فعينها تغطي كل الجهات ، وهي واقفة رأسها كالبرج ، وعيناها تجوسان الأفق كله من كل الزوايا ، وتزن طناً واحداً ، وإذا عَدَتْ تجاوزت سرعتها 60 كم في الساعة.
ذكرت لكم سابقاً أنه ما من صفة في الإنسان على الإطلاق مادية إلا وفي الحيوان صفة أعلى منها ، لكن الإنسان ميزه الله بالعقل وبالإيمان ، وبمعرفة الله عز وجل ، وبالإقبال عليه ، فإذا تخلى الإنسان ما خلق له من معرفة بالله وطاعة له فأي حيوان يفوقه في مناح الحياة.
المذيع:
فضيلة الدكتور ، ولكن لا بد من حكمة من خلق الزرافة على هذا الطول والارتفاع.
الأستاذ:
 سنراها بعد قليل ، لها رغامى تعد من أطول رغامى في الكائنات التي خلقها الله عز وجل ، رغامتها تزيد على متر ونصف ـ أي الرقبة ؟ ـ القصبة الهوائية ، رأسها ضخم جداً ، هذا الموضوع أريد منه شيئاً واحداً ، هو أن هذا الرأس الضخم ، وهذه والرقبة الطويلة التي تزيد على مترين إذا أرادت أن تضع رأسها في الأرض لتأكل مما عليها ما الذي يحصل ؟ ينهمر الدم كله إلى رأسها ، فإذا تدفق الدم إلى رأسها احتقنت شرايين الدماغ ، فإذا رفعت رأسها فجأة فلابد من أن تصاب بالدوار.
 الإنسان ـ أستاذ عبد الحليم ـ قد يكون نائمًا ، فإذا وقف فجأة بالمنطق ينبغي أن يصاب بالدوار ، لأن الدم بحسب الجاذبية هبط ، ولكن الشيء الذي لا يصدق أن في الإنسان خصائص ، أن هذا الدم لا يرجع إذا وقف الإنسان فجأة ، مزود بآلية معقدة جداً تحميه من هبوط الدم إذا وقف فجأة ، لكن هذه المادة التي أودعا الله في الإنسان مع تقدمه تضعف ، لذلك المتقدمون في السن لا يستطيعون أن يقفوا فجأة ، يصابون بالدوار ،هذه الزرافة لو أنها وضعت رأسها على الأرض لتأكل ما على الأرض ، وارتفعت فجأة يجب أن تصاب بالدوار ، فلذلك جهز جسمها بآلية بالغة التعقيد تحميها من هذه الحالة التي قد يعيق حركتها ، إذا تدفق الدم إلى رأسها احتقن شرايين الدماغ ، فإذا رفعت رأسها فجأة فلابد من أن تصاب بالدوار والإغماء قطعاً ، لذلك جهزها الله بآيلة عجيبة حيرت العلماء.
 شرايين الرأس في الزرافة من طبيعة خاصة ، لهذه الشرايين عضلات ، إذا جاءها الدم تتسع بفعل ابنساطها حتى تستوعب جميع الدم الذي جاء إلى الرأس بفعل الجاذبية ، ولكن هذه الشرايين لها صمامات ، فحينما ترفع رأسها فجأة تغلق الصمامات كلها فتبقى هذه الكمية من الدم في رأسها ، ثم تفتح شيئاً فشيئاً ، عندها يعود الدم تدريجياً إلى بقية شرايين الجسم ، وآلية هذه الشرايين تلفت النظر ، إذا جاءها الدم كثيفاً توسعت ، واستوعبت ، فإذا رفعت الزرافة رأسها فجأة أغلقت الشرايين صماماتها محتبسة الدم فيها كي لا تصاب بالدوار والإغماء ، من جهزها بهذا الجهاز ؟ من جعل لها هذه الشرايين وهذه العضلات ؟ إنه الله جل جلاله ،

﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾

( سورة النمل الآية: 88 )

 أستاذ عبد الحليم ، هذا ينقلنا إلى أن الإنسان حينما يكون البرد قارصاً ، ويستنشق الهواء الذي تصل درجته إلى الصفر كيف يصبح هذا الهواء في درجة 37 بعد وصوله إلى الرئتين ؟ بآلية بالغة التعقيد ، أن الأنف فيه سطوح متداخلة ، وهذا الأنف مزود بأوعية دموية تتسع في البرد ، فتأتي كمية من الدم كبيرة تسخن الهواء بين هذه السطوح ، فإذا استنشق الإنسان هذا الهواء البارد إلى أن يصل إلى مقدمة الرغامى أو القصبة الهوائية تعود حرارته لتصل إلى 37 الطبيعية ، فأيضاً هذه آلية بالغة التعقيد ، لذلك تجد الإنسان يحمر أنفه في البرد الشديد ، لأن كمية الدم تأتي كبيرة جداً ، وهذه تسهم في رفع الحرارة فيما بين السطوح التي في الأنف ، وقد زودت هذه السطوح بمادة لزجة تعلق عليها المواد التي يحملها الهواء ، ثم إنه لو تصورنا أن ذرةً من هذه الذرات نجت من أن تلتصق بالسطوح ، وسارت في هذه التجاويف تأخذها الشعيرات التي في الأنف ، فهو جهاز تصفية وتسخين رائع جداً.
 كذلك الزرافة ، قد نتساءل: من زود هذه الزرافة بهذه الشرايين ، وتلك الصمامات ؟ إنه الله العليم الحكيم ، ما من مخلوق على وجه الأرض ، وما من مخلوق تحت الأرض ، وما من مخلوق إلا وخلقه الله أبدع خلق ، وصنعه أتقن صنعة ، إن قلب الزرافة يدفع في الدقيقة الواحدة 55 لتراً من الدم ، في الدقيقة الواحدة ، فأي شيء وقعت عينك عليه هو آية دالة على عظمة الله ، أي شيء تفحصته ، أي شيء درسته ، أي شيء دققت فيه إنما هو آية تدل على أنه الواحد الديان ، الواحد الأحد الفرد الصمد.
المذيع:
في حديثنا ، وفي هذه الحلقة فضيلة الدكتور نذكر الإخوة والأخوات أننا تحدثنا عن الخيل ، وذكرنا حديثاً للنبي صلى الله عليه وسلم:

(( الْخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ))

، كما تحدثنا عن الحكمة من طول الزرافة ، وهذا الصنع الذي أتقن بقدرة الله وعظمته.
 إخوة الإيمان والإسلام ، إلى حلقة قادمة من هذا البرنامج مع فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي نستودعكم الله ، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS

     
جديد الموقع