4005
موضوعات متنوعة : مقدمات كتب : ( آيات الله في الإنسان ) ، قصة هذا الكتاب.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2000-01-06
بسم الله الرحمن الرحيم

لهذا الكتاب قصة . . . فلقد شرفني الله أن أدعو إليه منذ ثلاثين عاماً ، معتقداً أن هذا الدين دين الله ، وأنه ـ وحده ـ قادر على حفظه ونصره ، فلا ينبغي أن نقلق عليه ، ولكن ينبغي أن نقلق ما إذا سمح الله لنا أو لم يسمح أن نكون جنوداً له ، ولقد انطلقت من هذه الدعوة التي حُمِّلتُ مسؤوليتها لعقود ثلاثة سبقت من قناعات راسخةٍ .
من هذه القناعات أن يتجه الخطاب الإسلامي إلى عقل الإنسان وإلى قلبه ، وإلى معاشه ودنياه ؛ ذلك لأن الإنسان عقل يدرك ، وقلب يحب ، وجسم يتحرك ، وغذاء العقل العلم ، وغذاء القلب الحب ، وغذاء الجسم الطعام والشراب ، واللباس والمأوى ، وما لم تراعَ في الخطاب الإسلامي مبادئ العقل ، وما لم يتوجه إلى القلب ، وما لم يحقق مصالح الإنسان الأساسية والمشروعة فلن ينجح الخطاب الإسلامي في امتلاك القدرة على التأثير في الآخرين ، وحملهم على تغيير تصوراتهم وقناعاتهم من جهة ، ثم حملهم على تغيير سلوكهم ، وأنماط حياتهم من جهة أخرى ، مع التأكيد على أن يكون هذا التغيير طوعاً لا كرهاً .
كل داعية ينبغي أن يكون عالماً بأصول الدين وفروعه ، وحقائقه المؤصلة والمدللة المأخوذة من الوحيين ؛ الكتاب والسنة ، عالماً بطبيعة النفس الإنسانية وخصائصها ، عالماً بالوسائل التربوية الفعالة في إحداث التغيير الحقيقي في النفس ، وينبغي للداعية ـ أيضاً ـ أن يستوعب الثقافة العصرية بثوابتها ومتغيراتها ، وبطبيعة العصر ، وسرعة التطور ، والقوى الفعالة ، والموازين المعتمدة فيه ؛ وإذا استثقل الداعية هذا الثمن الباهظ فينبغي ألا يغيب عنه أن الدعوة إلى الله هي أعظم عمل يتقرب به العبد إلى ربه ، وإنها تقترب من صنعة الأنبياء حيث يقول الله جل جلاله :

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (45) وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً (46) ﴾

[ سورة الأحزاب ] .

فمن الثابت أن من أسباب قوة التأثير الموضوعية ، ربط الأهداف بالوسائل ، وربط الأصالة بالحداثة ، وربط الثوابت بالمتغيرات وربط القديم بالحديث ، وربط الإسلام بالحياة ، فهو دين الفطرة ، ودين الواقع ، ودين العلم ، ودين الوسطية التي جمعت بين الحاجات والقيم وبين المبادئ والمصالح ، وبين المادة والروح ، وبين الدنيا والآخرة .
وانطلاقاً من هذه القناعات الإيمانية الثابتة ، والرؤية الموضوعية لما ينبغي أن يكون الخطاب الديني المعاصر ، كنت أحرص في خطابي الإسلامي بكل أُطُرِه وأنماطه ، وأشكاله وألوانه ، سواء في المساجد ، أو في الجامعات ، أو في المؤسسات الدعوية ، أو في المراكز الثقافية ، أو في وسائل الإعلام المحلية ، والعربية ، والإسلامية والدولية ، كنت أحرص على أن أجمع بين حقائق الدين ، وحقائق العلم ، لتترسخ حقيقة غابت عن كثير من المسلمين ، هي أن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل القرآن ، وأن الحق دائرة تتقاطع فيها خطوط النقل الصحيح ، والعقل الصريح ، والفطرة السليمة ، والواقع الموضوعي لذلك لا تغيب الفقرة العلمية عن كل خطاباتي الدينية .
وهذا الكتاب في حقيقته مجموع الموضوعات العلمية التي ألقيت خلال ثلاثين عاماً في الدعوة إلى الله ، جمعت ، ونسقت ، نقحت وعرضت على متخصصين في العلوم التي تناولتها ، وأخذ بملاحظاتهم ، وقد أثبتُ في قائمة المصادر والمراجع قائمة المصادر والمراجع المتعلقة بالإعجاز العلمي في الكتاب والسنة التي كانت جزءاً رئيساً في مكتبتي .
ومع أنني جهدت في تعديل الأرقام القديمة المأخوذة من مراجع علمية قبل عقد أو عقدين من الزمن إلى أحدث ما توصل إليه العلم من حقائق وأرقام ، ومع كل هذا الجهد والمراجعة والعرض على المتخصصين فقد يجد القارئ عدداً ، أو حجماً ، أو شكلاً ، أو اسماً ، أو وصفاً ، يباين ما في كتاب علمي في حوزته ، فهذا التباين طبيعي جداً لأن العلم في تطور مستمر ، وهو تباين مقبول ، لأن هذا الكتاب في جوهره تعريف بالله جلا في علاه ، وليس تعريفاً بدقائق علم من العلوم .
إن الحقائق العلمية في هذا الكتاب وسيلة ، وليست هدفاً بذاتها فلا يعنينا في هذا الكتاب الرقم ، ولكن يعنينا مدلوله الذي يشف عن تعريف بالله جل جلاله من خلال الكون والإنسان ، فإذا كان هناك تباين بين الأرقام فأنا لست طرفاً في هذا التباين ، ولكنه تباين بين المراجع التي في حوزتي ، والتي في حوزة القارئ ، وما لم يكن الهدف الكبير من تأليف الكتاب واضحاً لدى القارئ فلن ينتفع منه بالقدر الذي أردته من تأليف هذا الكتاب .
وبما أن الكمال لله وحده ، وبما أن النبي عليه الصلاة والسلام معصوم بمفرده وأمته معصومة بمجموعها ، وأن كل طالب علم تفوق في جانب ، وتفوق غيره في جانب آخر ؛ فلا بد في العلم من الأخذ والعطاء ، وبما أن كل إنسان يؤخذ منه ويرد عليه إلا صاحب القبة الخضراء ، سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ، فإني أنتظر من الإخوة القراء ـ كما عودوني في كتبي السابقة ـ تنفيذاً لوصية سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما قال : ( أحب الناس إلي من رفع إلي عيوبي ) ( 1 ) .
[ ( 1 ) سنن الدارمي ( 1/169 ) بلفظ : ( رحم الله من أهدي إلي عيوبي ) ] .
أن يتفضلوا بإبداء ملحوظاتهم حول مضامين الموسوعة العلمية ، والأدلة القرآنية والنبوية ، والاستدلالات والاستنباطات التي ربطت بين حقائق العلم وحقائق الدين ؛ لآخذ بها في الطبعات القادمة ، إن شاء الله تعالى ، فالكتاب لا يزيد على محاولة متواضعة لبيان أن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل القرآن ، وهو الذي أرسل النبي العدنان عليه الصلاة والسلام ليكون هادياً للأنام ، فإن أصبت فمن توفيق الله وفضله ، وإن لم أصب فمن تقصيري وضعف حيلتي .
فالحق فوق الجميع ، والمضامين فوق العناوين ، والمبادئ فوق الأشخاص ، فالمؤمنون بعضهم لبعض نصحة متوادون ، والمنافقون بعضهم لبعض عششه متحاسدون ، ويروى أن إماماً لقي غلاماً وأمامه حفرة ، فقال له : إياك يا غلام أن تسقط ، فقال الغلام : بل إياك يا أمام أن تسقط ؛ إني إن سقطت سقطت وحدي ، وإنك إن سقطت سقط معك العالم ، لذلك ما من أحد أصغر من أن ينقد ، وما من أحد أكبر من أن ينقد .
ولا يسعني هنا إلا أن ادعو فأقول : جزى الله عنا سيدنا محمداً عليه الصلاة والسلام ما هو أهله ، وجزى عنا أصحابه الكرام ما هم أهله ، وجزى عنا والدينا ، وأساتذتنا ، ومشايخنا ، ومن علمنا ، ومن له حق علينا ما هم أهله .
ولا بد من أن اشكر في نهاية المطاف كل الإخوة الكرام الذين ساهموا على نحو ما في إخراج هذا الكتاب إلى حيز الوجود ، وأخص بالشكر الذين صمموا برامج الحاسوب التي أفرغت فيها النصوص ، والذين أفرغوا الشريط على الحاسوب ، والذين راجعوا النصوص مع الشريط ، والذين دققوا النصوص لغوياً ، والذين نفذوا التصحيح على الأصل ، ثم الذين نضدوا نصوص الكتاب ، وأخرجوه على الشكل الفني الذي هو عليه ، والذين راجعوا النصوص مراجعة أخيرة ، والذين قاموا بطباعته ، والقائمين على الدار التي نشرته، وعلى رأسهم صاحب الدار، سواء منهم من أخذ أجرة أو ابتغى أجراً ، على كل هؤلاء الذين ساهموا في إخراج هذه الموسوعة إلى حيز التداول ، ممن أعرفهم ، وممن لا أعرفهم ـ وما ضرهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم ـ إنهم فريق عمل دعوي إنهم جميعاً مشمولون بقوله تعالى :

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) ﴾

[ فصلت : 33 ] .

وأرجوا الله أن أكون واحداً منهم ، راجياً أن أكون من يبتغي وجه الله بعمله ، فلعل الله يقبلنا جميعاً ، ويرحمنا جميعاً .
أعوذ بك يا رب أن يكون أحد أسعد بما علمتني مني ، وأعوذ بك أن أقول قولاً فيه رضاك ألتمس به أحداً سواك ، وأعوذ بك من فتنة القول ، كما أعوذ بك من فتنة العمل ، وأعوذ بك أن أتكلف ما لا أحسن ، كما أعوذ بك من العجب فيما أحسن .
الدكتور محمد راتب النابلسي

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS

     
جديد الموقع