36469
السيرة - سيرة الصحابيات الجليلات - أمهات المؤمنين - سيرة السيدة خديجة بنت خويلد - الدرس 4-8 : الإرهاصات قبل البعثة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2000-01-04
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الأخوة الكرام مع الدرس الرابع من سيرة صحابيات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلى رأسهم أزواجه الطاهرات ، ونتابع الحديث عن السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها .

اقترب النبي من الأربعين من عمره وبدأت تباشير النبوة وإرهاصاتها تلوح في أفق حياته :

مرَّت الأعوام والأعوام على أكرم زوجين ، ويا أيها الأخوة كلما ازداد إيمان الزوجين ، ازدادت سعادتهما ، وكلما ضعف إيمان أحدهما أو كليهما افترقا عن بعضهما ، فالإيمان يجمع ، وضعف الإيمان يفرِّق ، وهذه حقيقة ، فإذا أردت أن تكون زوجاً سعيداً فكن من الله قريباً ، ولتكن الزوجة من الله قريبةً ، هذا يُعين على تمام السعادة الزوجية .
الإيمان يقرب الزوجين
نَعِمَا فيها بأسعد الأوقات وأهنأ الساعات ، ولما اقترب النبي صلى الله عليه وسلم من الأربعين من عمره الشريف ، بدأت تباشير النبوة وإرهاصاتها ، تلوح في أفق حياته ، الله عز وجل حكيم ، وربنا عز وجل يربِّي ، فلو أن النبوة جاءت فجأة ، لو جاءه جبريل فجأةً من دون مقدِّمات ، من دون إرهاصات ، ربما لم يحتمل قلب النبي صلى الله عليه وسلم الوحي أول مرة ، ولكن نحن الآن مع مقدمات ، مع تباشير ، مع إرهاصات ، هذه من شأنها أن تمهِّد للوحي الذي هو عمادُ ديننا القويم .

(( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد الله كرامته وابتدأه بالنبوة ، كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى لا يرى بيتاً))

[روى ابن سعدٍ عن برة بن أُبي]

يجب أن تعلموا طبيعة الحياة التي عاشها النبي ، أو يجب أن تعلموا خشونة الحياة التي عاشها النبي ، فكان إذا أراد أن يقضي حاجة لا بد أن يذهب إلى مكانٍ بعيدٍ بعيد حتى لا يراه أحد ، حتى لا يرى بيتاً من أجل قضاء حاجة ، لم تكن الحمَّامات قد عُهدت في البيوت .

من تباشير النبوة :

كان النبي إذا خرج لحاجته أبعد حتى لا يرى بيتاً ، ويفضي إلى الشعاب وبطون الأودية من أجل أن يقضي حاجته ، قال : فلا يمر بحجرٍ ولا شجرٍ إلا قال له : " السلام عليك يا رسول الله " ، يسمع صوت السلام عليك يا رسول الله ، كان يلتفت عن يمينه وعن شماله ومن خلفه فلا يرى أحداً .
هذه أولى تباشير النبوة ، صوتٌ يلقى في أذنه أن : " السلام عليك يا رسول الله " دون أن يرى أثراً أو أن يرى أحداً ، يؤيِّد هذا ما جاء في الحديث الصحيح :

(( إني لأعرف حجراً كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن ))

[صحيح عن سمرة بن جندب رضي الله عنه]

كلما اقترب الإنسان من الله رأى ما لا يراه الآخرون
نسمي هذا شفافية ، فالإنسان كلما اقترب من الله عز وجل رأى ما لا يراه الآخرون ، سمع ما لم يسمعه الآخرون ، أحس بما لم يحسّ به الآخرون ، شعر بما لا يشعر به الآخرون ، هذه الشفافية ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال :

(( لَوْ كُنْتُمْ كَمَا تَكُونُونَ عِنْدِي لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ أَوْ عَلَى طُرُقِكُمْ ))

[ابن ماجة عن حنظلة]

كان عليه الصلاة والسلام يخطب على جذع نخلة ، فلما صنع له أصحابه منبراً وانتقل إلى المنبر حن إليه جذع النخلة فكان عليه الصلاة والسلام يضع يده عليها تكريماً لها ، هل عندك هذه الشفافية ؟
دخل إلى بستان أحد الأنصار فرأى جملاً ، فلما رآه الجمل حن ، وذرفت عيناه وصار يبكي ، فدخل عليه الصلاة والسلام ، وأمسك برأس الجمل :

(( أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلْفَهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثاً لَا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَداً مِنْ النَّاسِ ، وَكَانَ أَحَبُّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَاجَتِهِ هَدَفاً أَوْ حَائِشَ نَخْلٍ ، قَالَ : فَدَخَلَ حَائِطاً لِرَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَإِذَا جَمَلٌ ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ فَسَكَتَ فَقَالَ : مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ ؟ لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ ؟ فَجَاءَ فَتًى مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ : لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ : أَفَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ . ))

[أبو داود فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ]

كأنه يفهم على الحيوان ، كأنه يسمع كلام الحيوان ، كأنه يشعر على الجماد :

(( إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث وإني لأعرفه الآن ))

[ورد في الصحيحين عن جابر بن سمرة]

السيدة خديجة رضي الله عنها كانت أقرب الناس إلى النبي روحاً وجسداً :

قالت السيدة خديجة : إن أول بشارات الوحي ، إن أول بدايات الوحي أنه كان صلى الله عليه وسلم إذا سار ما من حجرٍ إلا يقول له : " السلام عليك يا رسول الله ".
لكن سبحان الله الحكمة التي ما بعدها حكمة أن هذه الزوجة آتاها الله من العقل ، ومن النُضج ، ومن بُعد النظر ، ومن سعة الأفق ، ومن قوة القلب الشيء العجيب ، كان عليه الصلاة والسلام يخشى على نفسه ، ما هذا الذي أسمعه ؟! لا يرى أحداً ، فلو سمع أحدٌ صوتاً ولم ير صاحبه يضطرب .
كان عليه الصلاة والسلام حينما تعرض له هذه الحوادث الغريبة الخارقة للعادة ، تثير في نفسه شيئاً من القلق والخوف ، ويصبح محتاجاً إلى شخصٍ يثق به يبثه ما يجده ، فالله عز وجل ماذا قال ؟ قال :

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً(21)﴾

( سورة الروم )

المرأة العاقلة الناضحة هي مصدر سكينة للزوج
الإنسان بحاجة ماسة إلى شخص يبثه وجده ، يبثه قلقه ، يبثه تساؤله ، فكان عليه الصلاة والسلام يأتي إلى البيت ، ويحدِّث السيدة خديجة بما يشعر به ، والسيدة خديجة رضي الله عنها كانت أقرب الناس إلى النبي روحاً وجسداً ، فهي أهله ، وسكنه ، وأُنس روحه ونفسه رضي الله عنها ، وقد ذكرت بعض الروايات أنه عليه الصلاة والسلام قد حدَّثها بما يعتريه .
أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِخَدِيجَةَ :

(( إِنِّي أَرَى ضَوْءاً وَأَسْمَعُ صَوْتاً وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَكُونَ بِي جَنَنٌ ، قَالَتْ : لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ بِكَ يَا ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، ثُمَّ أَتَتْ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : إِنْ يَكُ صَادِقاً فَإِنَّ هَذَا نَامُوسٌ مِثْلُ نَامُوسِ مُوسَى فَإِنْ بُعِثَ وَأَنَا حَيُّ فَسَأُعَزِّزُهُ وَأَنْصُرُهُ وَأُومِنُ بِهِ))

[أحمد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ]

قالت : "إن الله لا يفعل ذلك بك ، إنك تصدق الحديث ، وتؤدي الأمانة ، وتصل الرحم " .

خالق هذا الكون لا يفعل شراً بإنسانٍ صادق وأمين :

أيها الأخوة ، أنا أشعر بحاجةٍ إلى وقفةٍ متأنيةٍ عند هذا النص ، السيدة خديجة هل جاءها وحيٌ ؟ لا ، هل كان الحق معروفاً قبل بعثة النبي ؟ لا ، لكن كيف عرفت أن هذا الذي يصدق الحديث ، ويؤدي الأمانة ، ويقري الضيف ، ويحمل الكل ، أن هذا الإنسان لا بد أن يكرمه الله ، ومستحيلٌ أن يفعل الله به شراً ، ما هذا ؟ من أين جاءت بهذه الحقيقة ؟ من الذي علمها إيَّاها ؟ أين سمعت هذه الحقيقة ؟ من الذي أخبرها بها ؟ قال لها :

(( إِنِّي أَرَى ضَوْءاً وَأَسْمَعُ صَوْتاً وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَكُونَ بِي جَنَنٌ قَالَتْ لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ بِكَ يَا ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ ))

[أحمد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ]

حين تكون كريما ورحيما انتظر من الله كل خير
إنك تصدق الحديث ، وتؤدي الأمانة ، وتصل الرحم .
الجواب : هذه هي الفطرة ، كل إنسان على وجه الأرض جبله الله جبلةً عالية ، خالق هذا الكون لا يفعل شراً بإنسانٍ صادق ، بإنسانٍ أمين ، بإنسانٍ مُحسن ، بإنسانٍ كريم ، بإنسانٍ مُنصف ، إنك تصل الرحم ، إنك تحمل الكل ، إنك تعين على نوائب الدهر ، إنك صادق ، إنك أمين ، ما كان الله ليفعل بك ذلك ، لكن نحن ماذا نستفيد من هذا النص ؟
هذا النص يهمنا كثيراً ، أي أنك أيها الأخ الكريم إن صدقت مع الناس ، إن كنت أميناً ، إن كنت مُنصفاً ، إن كنت رحيماً ، إن كنت باراً بوالديك ، إن كنت مُحسناً إلى جيرانك، إن كنت كريماً مع من يزورك ، ماذا تنتظر من الله عز وجل ؟
الفطرة تقول : ينبغي أن تنتظر من الله كل خير ، ينبغي أن تنتظر من الله كل نصر ، وكل تأييد ، وكل عطاء ، وكل تكريم ، ربُ محمدٍ ربُنا ، وإلهُ محمدٍ إلهُنا ، والذي خلق محمداً هو الذي خلقنا ، وقوانينه هيَ هي ، سُننه هيَ هي ، فأنت أيضاً أصدق ، وكن أميناً ، وكن نصوحاً ، وكن باراً ، وكن منصفاً ، وكن رحيماً ، وينبغي أن تنتظر من الله كل خير ، ينبغي أن تعلم علم اليقين أن الله لن يضيِّعك ، ينبغي أن تعلم علم اليقين أن الله لن يخذلك ، لن ينالك بسوء ـ إنك تصل الرحم ، وتحمل الكل ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الدهر ، ما كان الله ليفعل بك ذلك ـ هذا كلام السيدة خديجة رضي الله عنها .

لحكمة بالغة كانت السيدة خديجة سكناً للنبي وعوناً له ومثبتاً :

إذاً لحكمةٍ بالغةٍ بالغة جعل الله هذه الزوجة ذات القلب الكبير ، والإدراك العميق ، والصدر الواسع ، وقوة التحمُّل ، كانت سكناً للنبي ، وعوناً له ومثبتاً .
بربكم أيها الأخوة هل تظنون أن هذه المرأة ، بهذه الأخلاق ، وهذا النُضج ، تعد أقل من الرجل ؟ المرأة لها عند الله شأنٌ كبير ، لذلك في بعض الآيات :

﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (35)﴾

( سورة الأحزاب )

لماذا ذكر المؤمنات ، والصائمات ، والمسلمات ، والصادقات ؟ ليبيِّن الله لنا أن المرأة في شأن التكليف مساويةٌ للرجل تماماً ؛ تكليفاً ، وتشريفاً ، ومسؤوليةً .
الحقيقة من أدق كلمات هذه السيدة ، هذا الكلام الذي ينبع من الفطرة ، ما كان الله ليفعل بك ذلك :

(( إِنِّي أَرَى ضَوْءاً وَأَسْمَعُ صَوْتاً وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَكُونَ بِي جَنَنٌ قَالَتْ لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ بِكَ يَا ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ ))

[أحمد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ]

إنك تصدق الحديث ، وتؤدي الأمانة ، وتصل الرحم ، فهل يصح أن نقول : وراء كل رجلٍ عظيمٍ امرأة ؟ هذه مقولة قالها بعض الحكماء ، أحياناً ترى أنها تصدُق على بعض البيوت .

الله لا يخزي من كان أميناً ومخلصاً وورعاً :

الآن انتقلنا إلى مرحلة ثانية ، أول بشائر الوحي ، أول إرهاصات الوحي ، أول تمهيد للوحي ، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا رأى حجراً قال : " السلام عليك يا رسول الله " ، فقط ، يلتفت النبي يمنةً ويسرةً فلا يرى أحداً ، قلق ، وخاف على نفسه أن يكون كاهناً ، عرض هذا على السيدة خديجة قالت له : " لا إنك تفعل كذا وكذا ، وما كان الله يخزيك أبداً " ، وفي الكلام له عدة روايات :

((والله لا يخزيك الله أبداً))

[الزهري عن عائشة]

لكل شاب أقول كن ورعا ومطيعا ولن يخزيك الله
اسمحوا لي أيها الأخوة أن أقول لكل شاب في مطلع حياته : كن صادقاً ، وكن أميناً ، وكن منصفاً ، وكن محسناً ، وكن ورعاً ، وكن مطيعاً ، والله لن يخزيك أبداً ؛ لا في زواجك ، ولا في عملك ، ولا في مستقبل أيامك ، ولا في صحتك ، الله جل جلاله يقول :

﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35)﴾

( سورة القلم )

وقال :

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ (18)﴾

( سورة السجدة )

وقال :

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (61)﴾

( سورة القصص )

بداية نزول الوحي كانت الرؤيا الصادقة :

الآن دخلنا في طورٍ جديد ، ثم ابتدأ الوحي ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالرؤيا الصادقة ، كما جاء في الحديث الشريف الصحيح عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ :

(( أَوَّلُ مَا ابْتُدِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النُّبُوَّةِ حِينَ أَرَادَ اللَّهُ كَرَامَتَهُ وَرَحْمَةَ الْعِبَادِ بِهِ أَنْ لَا يَرَى شَيْئاً إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ))

[البخاري عَنْ عَائِشَةَ ]

أحياناً الإنسان لتكريم الله له ، يريه رؤيا صادقة ، رؤيا واضحة ، رؤيا لا تحتاج إلى تفسير ، كلما اتضحت الرؤيا ، وكلما أصبحت واضحة المعالم ، هذه الرؤيا من الله عز وجل ، وهي نوعٌ من الإعلام المباشر ، إذا أراد الله أن يعلمك إعلاماً مباشراً ، إذا أراد الله أن يطمئنك ، إذا أراد الله أن يكرِّمك ، إذا أراد الله أن يُلقي في روعك شيئاً ، ماذا يفعل بك ؟ يريك رؤيا صادقة ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام : الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة

(( الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ ))

[مالك عن عطاء بن يسار]

قد تكون الرؤيا الصالحة بشارة ، وقد تكون لفت نظرٍ أو تحذير .
كان عليه الصلاة والسلام يسكن إلى هذه السيدة المصون ، ويرتاح لها ، ويطمئن لها ، وكان يبثها بعض أحزانه ، وكان يسألها أحياناً ، كلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم رؤيا قصَّها على السيدة خديجة رضي الله عنها ، فتثبته وتبشِّره ، تُعَدُّ المرأة أحياناً ركناً من أركان الأسرة ، وأحياناً تعد عبئاً على زوجها.
رأى عليه الصلاة والسلام مرةً في منامه ، أن سقف بيته نزعت منه خشبة ، وأدخل فيه سلمٌ من فِضَّة ، ثم نزل إليه رجلان ، فأراد أن يستغيث فمُنع من الكلام ، فقعد أحدهما إليه والآخر إلى جنبه ، فأدخل أحدهما يده في جنبه فنزع ضلعين منه ، فأدخل يده في جوفه ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يجد بردهما ، فأخرج قلبه ، فوضعه على كفه ، فقال لصاحبه : نعم القلب قلب رجلٍ صالح ، فطهَّر قلبه وغسله ، ثم أدخل القلب مكانه ، وردَّ الضلعين ، ثم ارتفعا ، ورفع سُلَّمُهُا ، فإذا السقف كما هو ، هذه رؤيا .

اتصالك بالله هو سبب تطهير قلبك وهذا إرهاصٌ من إرهاصات النبوة :

الله عز وجل يعتني بهذا النبي عنايةً فائقة ، ألم يقل الله عز وجل في بعض الآيات الكريمة :

﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41)﴾

( سورة طه)

ألم يقل الله عز وجل :

﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا (48)﴾

( سورة الطور )

إذا اتصل الإنسان بالله طهر قلبه
هذه سمَّاها العلماء : إرهاصات ، فحينما يأتي الوحي هناك تمهيد ، والإنسان إذا اتصل بالله عز وجل يطهِّر الله قلبه ، فهذا الشيء المؤمن إذا اتصل بالله اتصالاً عميقاً طهَّر الله قلبه من الحقد ، من الغيرة ، من الكِبر ، من العُجب ، من الأمراض المُهلكة ، فالقلب الطاهر هو أثمن رأس مالٍ يملكه الإنسان ، والدليل قوله تعالى :

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88)إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾

( سورة الشعراء )

الإنسان أحياناً بإقباله على الله يطهر الله قلبه ، هذا التطهير جاء بشكل مجسَّد ، أن نزل ملكان من سقف الغرفة ، نزعا قلبه ، غسلاه ، وطهراه ، وأعاداه إلى مكانه .

﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (33)﴾

( سورة الأحزاب )

تطهير القلب هكذا يكون ، اتصالك بالله هو سبب تطهير قلبك ، هذا إرهاصٌ من إرهاصات النبوة .

نذكر هنا قول السيدة خديجة ، حينما سمعت هذه الرؤيا التي قصها النبي صلى الله عليه وسلَّم قالت له : " أبشر فإن الله لا يصنع بك إلا خيراً " ، هذا خيرٌ فأبشر ، أرأيتم أيها الأخوة إلى التمهيد ، كيف أن الله جل جلاله يمهِّد لهذا النبي الكريم الوحي عن طريق الرؤيا الصادقة ، وعن طريق أن يرى نوراً وصوتاً دون أن يرى شيئاً ، وعن طريق السلام عليه بالرسالة .

شقّ الصدر وتطهير القلب معنىً شريف أراد الله أن يمهد به الوحي الذي سينزل على محمد :

طبعاً شق صدره هو من إرهاصات النبوة ، وقد وردت به أحاديث صحيحة ، أما أن نفهم شقَّ الصدر فهماً آخر ، من أن كل قلبٍ فيه علقةٌ سوداء ، الملكان نزعا هذه العلقة من صدر النبي فصار نبياً ، هذا الفهم أن كل إنسانٍ لو شُقَّ صدره ، ونزعت منه العلقة السوداء ، وهي حظ الشيطان منه ، صار نبياً ، هذا كلام مرفوض ومضحك ، لو صدَّقنا بهذا التفسير ، لما كان من قيمةٍ لهذا النبي ، هو إنسان عادي ، ولكن نُزعت منه هذه العلقة السوداء ، وأي إنسانٍ آخر يقول لك : أنا لو نزعت مني هذه العلقة لكنت نبياً ، هذا تفكير وتحليل ساذج مرفوض ، إلا أن شق الصدر وتطهير القلب معنىً شريف أراد الله أن يمهد به الوحي الذي سينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسيدنا عيسى حينما قال وهو لا يزال صغيراً قال :

﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً (30)وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً (31)﴾

( سورة مريم )

ماذا نسمي هذا ؟ إن قلنا : هذه معجزة ، المعجزة تكون لنبيٍ أتاه الله رسالةً ، فهو يتحدَّى بها ، أما أن يقول مولودٌ صغيرٌ ولِد لتوِّه :

﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً (30)وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً (31)﴾

( سورة مريم )

هذا ليس معجزةً ، هو خرقٌ للعادات ، ولكن العلماء ـ علماء العقيدة ـ سمَّوه : إرهاصاً ، أي بشارات مبكِّرة للنبوة ، وهذه الرؤيا أن ملكين نزلا ، وغسلا قلب النبي أيضاً إرهاصٌ من إرهاصات النبوة .

حبب الله تعالى إلى نبيه الكريم في أثناء هذه المرحلة الخلوة لنفسه والعزلة عن الناس :

استمرَّت مرحلة الرؤيا الصادقة ستة أشهر ، وكانت رحمة الله تعالى قد عمَّت هذا البيت الكريم ، لأن هذه الرؤيا الصادقة ـ كما قال علماء السيرة ـ فيها توطئةٌ لنزول الوحي عليه يقظةً ، هذا في المنام ، رأى في المنام كذا ، وقد حبب الله تعالى إليه في أثناء هذه المرحلة الخلوة لنفسه والعزلة عن الناس .
لابد لك من خلوة مع الله
أخواننا الكرام ، لا بد لك من خلوةٍ مع الله ، أن تكون مع الناس دائماً ، هذا يبعدك عن الله عز وجل ، لا بد من خلوةٍ مع الله ، ولا بد من شحنةٍ روحيةٍ مع الله ، فكان عليه الصلاة والسلام يعتكف في غار حراء الليالي ذوات العدد ، وكل إنسان بإمكانه أن يصلي الفجر ، وأن يذكر الله ، وأن يتلو القرآن ، وأن يناجي ، وأن يستغفر هذه خلوةٌ مجزأة ، النبي عليه الصلاة والسلام حببت إليه الخلوة مع الله .
ألم يقل أحد العلماء : " ماذا يفعل أعدائي بي ؟ بستاني في صدري ، إن أبعدوني فإبعادي سياحة ، وإن حبسوني فحبسي خلوة ، وإن قتلوني فقتلي شهادة " ، أي لا بد لك من خلوة مع الله ، لا بد لك من قوتٍ تناجي به ربك .
حدثني أخ كان بالحج ، قال لي : تمنَّيت يوم عرفات أن أخلو بنفسي مع الله ، أنا جالس في الخيمة مع أُناسٍ كثيرين يتحدَّثون في شؤون الدنيا ، فلا بد أن أستمع لهذا أو لذاك ، وكأن هؤلاء الذين كانوا معي كانوا حجاباً بيني وبين الله ، قلت له : لمَ لمْ تذهب إلى خارج الخيمة ، وتجلس في مكان تناجي الله فيه ، وأنت في أشرف أيام حياتك يوم عرفات ؟ فالخلوة تشحنك ، الخلوة تجعلك تتصل بالله عز وجل .

كان أنس النبي بالله شديداً في غار حراء حتى غلب أنسه بالله وحشة المكان :

إذاً حبب الله تعالى إليه الخلوة لنفسه والعزلة عن الناس ، والعلماء قالوا : الاستئناس بالناس من علامات الإفلاس ، فهناك إنسان ليست لديه إمكانية أن يجلس وحده أبداً فهو دائماً مع الناس ؛ يتحدث ، ويستمع ، ويعلِّق ، ويسأل ، ويجيب ، ويلقي بعض الطُرَف أما وحده يمل ، المؤمن يأنس بالله وحده .
كان عليه الصلاة والسلام يخرج إلى غار حراء ، إن شاء الله عز وجل يكرمكم بزيارة بيت الله الحرام حجاً أو عمرةً ، اذهبوا إلى سفح جبل النور ، وانظروا ، الشَّاب الجَلْدُ الرياضي الذي في ريعان شبابه ، لا يستطيع أن يصل إلى غار حراء إلى جبل النور في ظاهر مكة إلا بين ساعتين أو ثلاث من الجُهد الجَهيد ، والطريق هكذا ، جدار ، قلت : سبحان الله كيف كان عليه الصلاة والسلام يصعد إلى هذا الغار ، لو أن الإنسان صعد إلى هذا الغار وجلس وحده والله في وحشة لا تحتمل ، كم كان أنسه بالله عظيماً حتى غلب على وحشة المكان !! فالجبال في الليل ، أن تكون وحيداً في جبل ، شيء مخيف ، يوجد مفاجآت ، تصوّرات ، تخيُّلات ، كم كان أنس النبي بالله شديداً ، حتى غلب أنسه بالله وحشة المكان ؟!
الوصول لغار حراء يحتاج همة عالية
هناك أخوان صعدوا إلى هناك ، فالإنسان بعد الأربعين أو الخمسين من الصعب عليه أن يذهب إلى غار حراء ، ولو أن هناك طريقاً لكانت القضية سهلة جداً ، وأنا أتمنى أن يكون هناك طريقٌ سهلٌ إلى غار حراء ، لترى المكان الذي نزل على النبي الوحي ، هذا الدين العظيم من هنا بدأ :

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2)اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3)الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4)عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)﴾

( سورة العلق )

كان عليه الصلاة والسلام يذهب إلى غار حراء يتعبد فيه الليالي ذوات العدد ، وتزوِّده السيدة خديجة رضي الله عنها بما يحتاج إليه من طعامٍ وشراب ، فإذا نفد زاده ، رجع صلى الله عليه وسلم إلى السيدة خديجة ، معه طعام وشراب يكفيه أيام معدودات ، يجلس وحده يتأمَّل ، يفكر ، يناجي ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ :

(( أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ وَهُوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا . ))

[متفق عليه عن عَائِشَةَ رضي الله عنها ]

هذا كلام السيدة عائشة تروي عن خبر النبي صلى الله عليه وسلم في غار حراء.

السيدة خديجة كان يسعدها ما يسعد النبي ويسرها ما يسُره :

احتملت رضي الله عنها بُعد النبي عنها ، فالحقيقة أحياناً هناك زوجات غيورات ، وهناك زوجات لا يحتملن أن يبتعدن عن أزواجهن ، لذلك إذا ابتعد عنهن أزواجهن كن عبئاً عليه ، يضايقنه ، يزعجنه ، السيدة خديجة كان يسعدها ما يسعد النبي ، يسرها ما يسُر النبي ، فإذا كان عليه الصلاة والسلام يسعد بالخلوة بربه فكانت ترضى بذلك ، هي قدوةٌ لكل امرأةٌ مؤمنة ، فأحياناً تكون الزوجة أنانية ، تحب أن يكون زوجها لها وحدها ، ولا تعبأ بعمله الصالح ، ولا بسعيه في سبيل نشر الحق ، لذلك تكون عبئاً عليه ، أما السيدة خديجة هي في خدمته ، فأيَّة امرأةٍ ترضى أن يغيب زوجها عنها أياماً طويلة ، وتبقى وحدها في البيت ، شيءٌ لا يقبل ، لكن السيدة خديجة رضي الله عنها كانت تحتمل بعد النبي عنها ، وكانت تصبر على مفارقته لها ما دام ذلك يعجبه ، واللهِ هذه أخلاق عالية جداً ، الذي يسعده ترضى به ، والمعروف من أحوال المرأة أنها تغضب إذا ما ابتعد زوجها عنها ، تدركها الغيرة عليه ، وتخشى أن يكون إعراضه عنها بسبب كرهه لها ، أو ميله إلى غيرها ، ولكنها رضي الله عنها خالفت جميع النساء في هذا الشأن ، فجوهرها الصافي يختلف عن جوهَرهن رضي الله عنها .
كانت تحبُّ كل ما يحب رسول الله ، وما دام يحب العزلة والخلوة بنفسه فليكن له ما يحب ، كانت فقط تقلق عليه ، وتخشى أن يصيبه مكروه .
ما هذه الأخلاق ؟ هذه زوجة ملء السمع والبصر ، يسعدها ما يسعده ، يرضيها ما يرضيه ، يسرُّها ما يسرُّه .
أحياناً كان عليه الصلاة والسلام يتأخَّر في العودة إليها ، فترسل غلمانها وخدمها في طلبه والبحث عنه صلى الله عليه وسلم ، وقد خرجت معه مرةً إلى غار حِراء ، وصحبته هُناك في عزلته وخلوته .
جاء في بعض الروايات : أنه صلى الله عليه وسلم خرج في بعض المرَّات إلى غار حراء ومعه أهله .

المرأة الصالحة هدية الله تعالى للإنسان المؤمن :

لا زلنا نقترب من الوحي ، بدأنا بهذه الأحجار التي تسلِّم على النبي صلى الله عليه وسلم : " السلام عليك يا رسول الله " . ثم الرؤيا الصادقة ، ثم هذه الخلوة مع الله في غار حراء ، وكلما دنا الموعد الذي قدَّره الحكيم العليم ببدء نزول القرآن الكريم ، زادت هواتف الحق واشتد النور ، وكلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً جديداً ، لجأ إلى السيدة خديجة رضي الله عنها ، فتثبِّته وتبشِّره ، وبهذا ظهرت حكمة الله تعالى عندما قدَّر أن تكون السيدة خديجة زوجةً للنبي .
أي أن من إكرام الله لهذا النبي الكريم أن جعل هذه المرأة العاقلة ، الرشيدة ، الكريمة ، ذات القلب الكبير ، والصدر الواسع ، والأفق الواسع زوجةً لهذا النبي ، الحقيقة أيها الأخوة صدقوني في هذا الكلام ، في الأعم الأغلب المرأة للمؤمن هدية الله إليه ، المرأة الصالحة :

(( إِنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَة ُ))

[النسائي عن عمرو بن العاص]

التي :

(( إذا نظرت إليها سرتك ، وإذا أمرتها أطاعتك ، وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها ))

[الجامع الصغير عن عبد الله بن سلام]

المرأة الصالحة هدية الله إلى المؤمن
هذه الزوجة هدية الله للإنسان ، لذلك :

(( ما أكرمهن إلا كريم ، ولا أهانهن إلا لئيم ، يغلبن كل كريم ، ويغلبهن لئيم ، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً من أن أكون لئيماً غالباً ))

[ ورد في الأثر ]

استمر عله الصلاة والسلام يرى الضوء ويسمع الصوت ، حتى جاءه مرةً وعرَّفه جبريل بنفسه دون أن يراه ـ هذه مرحلة رابعة ـ وقال له: " يا محمد أنا جبريل " ، صوت بلا صورة ، لا توجد صورة ، " يا محمد أن جبريل " ، وعاد صلى الله عليه وسلم إلى السيدة خديجة وقال لها : " والله خشيت أن يكون هذا أمراً " ، قالت له رضي الله عنها لكي تثبته وتزيل قلقه واضطرابه : " معاذ الله ما كان الله ليفعل ذلك بك ، إنك لتؤدي الأمانة ، وتصل الرحم ، وتصدق الحديث ، ما كان الله ليفعل بك ذلك " .
في ليلةٍ من الليالي أسمعه جبريل صوته مُسَلِّمَاً ، قال : " السلام عليكم " ، وعاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى السيدة خديجة مسرعاً ، قالت : "ما شأنك ؟ " ، فأخبرها ، فقالت : " أبشر فإن السلام خير " .
لعل هذا كان بعيداً عن معلوماتكم ، لم يأت الوحي فجأةً لأن النبي بشر قد لا يحتمل .

ظهور جبريل للنبي على هيئة إنسان :

أيها الأخوة الكرام ، مرَّت الشهور كان فيها تمهيد للوحي ؛ رؤيا صادقة ، وجاء شهر رمضان المبارك ، وصعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى غار حراء يتعبد فيه ، وزوَّدته السيدة خديجة رضي الله عنها بما يحتاج إليه من الطعام والماء ، وفي ليلةٍ من ليالي رمضان بينما كان النبي صلى الله عليه وسلم جالساً في غار حراء مستغرقاً في تأمُّلاته وأفكاره ، إذا بالنور الذي كان يراه يظهر أمامه في أفق السماء من جهة البيت العتيق ثم يدنو منه ، وكلما اقترب ازداد قوةً وسطوعاً ، ثم بدا له في وسط النور أمين وحي الله تعالى جبريل عليه السلام ظهر جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم في هيئة إنسان ، وجاءه يحمل نمطاً من ديباج ، وخيَّم على الكون هدوءٌ عجيب ، وكأنه يُنصت إلى كلمات الله تعالى ، الجبل الشامخ بهامته العالية ، وصخوره ، وذرات ترابه ، وحبات رماله ، والنباتات الصغيرة ، والشجيرات التي تطرز سفوحه ، كلها أنصتت ، وأرهفت سمعها ، حتى النجوم في قُبة السماء ازدادت تألُّقاً وسطوعاً كأنها تدنو من جبل النور ، الذي لفَّه النور من كل جانب ، وحرست السماوات ، ومنعت الشياطين والجان من الاقتراب من السماء الدنيا ، وهاهو جبريل عليه السلام يقف في غار حراء .
كان في البداية : " السلام عليك يا رسول الله " ، بلا صوت وبلا صورة ، بعد ذلك رؤيا صادقة ، ثم ابتعاد عن الناس والخلوة بالله عز وجل ، ثم نور يراه من بعيد ، ثم سلام ؛ " أنا جبريل السلام عليك " ، ثم رأى هذا النور في أفق السماء ، فاقترب شيئاً فشيئاً حتى تشكَّل على صورة إنسانٍ ، كان عليه الصلاة والسلام يراه بعينه يقظةً لا في المنام ، والدليل : ها هو ذا جبريل عليه السلام يقف في غار حراء أمام محمدٍ بن عبد الله الهاشمي القرشي يلقي إليه الرسالة الإلهية الأولى التي يفرق فيها كل أمرٍ حكيم :

﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3)فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4)أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5)رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(6)﴾

( سورة الدخان )

اللقاء والاتصال بين الأمينين أمين وحي السماء وأمين وحي الأرض في رمضان :

شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن
قال تعالى :

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ(1)وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ(2)لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ(3)﴾

( سورة القدر)

وقال :

﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ (185)﴾

( سورة البقرة : من آية " 185 " )

سابقاً كان في منام ، أما الآن يقظة ، والدليل أنْ تم هذا اللقاء والاتصال بين الأمينين ؛ أمين وحي السماء جبريل عليه السلام ، وأمين وحي الأرض سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وضَمَّ الأمين السماوي الأمين الأرضي ليتم الاتصال ، ويسري النور ، ضمه إليه ضمةً شديدة ـ أي أنك لست في منام ، أنت في يقظة ـ ضمه إليه ضمةً شديدة حتى التصق الجسد الأرضي بالجسد النوراني السماوي ، ثم ألقى عليه هذه الكلمة : اقرأ ، ديننا كله علم ، أول كلمة في القرآن اقرأ .

بدء الوحي السماوي إلى الأرض :

قالت عائشة رضي الله عنها في حديث بدء الوحي :

(( حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ : اقْرَأْ ، قَالَ : مَا أَنَا بِقَارِئٍ ، قَالَ : فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي ، فَقَالَ : اقْرَأْ ، قُلْتُ : مَا أَنَا بِقَارِئٍ ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي ، فَقَالَ : اقْرَأْ ، فَقُلْتُ : مَا أَنَا بِقَارِئٍ ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي ، فَقَالَ : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ))

[الزهري عن عائشة]

أي يجب أن تستخدم علمك في معرفة الله ، اقرأ باسم ربِّك الأكرم ، اقرأ لتعرف ربك الأكرم ، استخدم القوة الإدراكية لتتعرَّف إلى ربك الأكرم ، لماذا ضمني ؟ ليس في المنام في اليقظة ، لئلا يقول أحدهم لعلها رؤيا رآها ، لعله وهمٌ توهمه ، لعله شعورٌ راوده ، لا ، رآه رأي العين ، رأى جبريل عليه السلام رأي العين ، لم يكتف بأن رآه ، لو كان رآه ، هو نور ، شيء غير مادي ، لم يكن ضمه هذه الضمة ، لمّا ضمه صار شيئاً مادياً ، هو في أعلى درجات اليقظة ، وجبريل ضمَّه ، وغطاه حتى بلغ منه الجهد ، وقال له : " اقرأ " ، أول مرة قال : " ما أنا بقارئ " ، قال : " اقرأ " ، قال : " ما أنا بقارئ " ، قال : اقرأ ما في الكون من آيات ، اقرأ من أجل أن تعرف الله ، هذا بدء الوحي : اقرأ باسم ربك الذي خلق

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2)اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3)الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4)عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)﴾

( سورة العلق )

أرأيتم أيها الأخوة إلى هذا التدرج في إرهاصات النبوة ، وفي الرؤيا الصادقة ، وفي السلام الذي كان يطرحه الحجر والمدر عليه ، ثم في قول جبريل : أنا جبريل ، ثم في قول جبريل : السلام عليك يا محمد ، ثم في رؤية النور في الأفق ، ثم في تجميع هذا النور إلى أن صار على هيئة إنسان ، ثم أمسكه وضمَّه وقال : اقرأ ، الآن بدأ الوحي السماوي إلى الأرض ، بدأت رسالة السماء إلى بني البشر .
وفي درسٍ آخر إن شاء الله نتابع هذا الحدث الخطير الذي هو من أخطر أحداث الدعوة الإسلامية ؛ إنها نزول الوحي على قلب النبي صلى الله عليه وسلم .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS