43553
موضوعات أدبية - درس تلفزيوني - الندوة ( 15-27) : كيف نشرح النص الأدبي - أصول شرح النص
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1980-05-18
بسم الله الرحمن الرحيم

 وقف الشاعر عمر أبو ريشة يغني فرحة الجلاء ، فيلتفت فيرى القدس رهينة الغزو و الاحتلال ، و يرى فلسطين فريسة الصهيونية والاستعمار ، فيهتف ويقول:

***
ما بلغنا بعدُ من أحلامنــا ذلك الحلم الكريم الذهبــي
أين في القدس ضلوع غضة لم تلامسها ذناب عقــرب
وقف التاريخ في محرابـها وقفة المرتجف المضطـرب
ومن الطاغي الذي مدّ لـهم من سراب الحق أوهى سبب
أو ما كنا له في خطـــبه معقل الأمن وجسر الهـرب
ما لنا نلمح في مشيـــته مخلب الذئب و جلد الثعلـبِ
***

 أيها الطلاب الأحباب ، ليس درسنا شرحا لهذا النص ، كما هي العادة ، ولكنه توجيهات عامة تتعلق بشرح النصوص الأدبية ، و سوف أجعل من أبيات هذا النص شواهد على الحقائق التي سوف أضعها بين أيديكم.
إخوتي الطلبة ، حينما تواجهون نصًّا أدبيا شعريا ، وفي ذيل هذا النص كُتِب " اشرح معاني الأبيات السابقة " ، فماذا ينبغي لكم أن تفعلوا ؟ هذا هو موضوع الدرس.
فمن الثابت أن الشرح ليس جهدا عضليا ، و لكنه جهد فني يعتمد على معرفة الأصول ، فالشرح فهم عميق وصحيح ودقيق ، وتعبير ذاتي وأدبي ، فإذا عرفت أيها الطالب الأصولَ دخل شرحك في دائرة القبول.
 قبل أن أضع بين أيديكم هذه الحقائق أريد أن أؤكد لكم أن هناك مزالق تزل بها أقدام الطلاب ، سأنوِّه عنها ، ثم أنتقل إلى الحديث عن بعض التوجيهات الدقيقة فيما يتعلق بالنصوص الأدبية ، فمن هذه المزالق: ليس الشرح أن تعيد كتابة البيت مرة ثانية مع تعديلات طفيفة ، إن هذا العمل ليس بشرح ، بل هو أقرب إلى النسخ منه إلى الشرح ، وإذا فعلت ذلك فكأنك لم تفعل شيئا ، وأضرب لكم على ذلك مثلا.
بعض الطلاب مثلا ، وهم قلة يشرحون هذا البيت:

***
ما بلغنا بعد من أحلامنــا  ذلك الحلم الكريم الذهبــي
***

 بعض الطلاب كما قلت قبل قليل يعيد كتابة هذا البيت مرة ثانية ، فيقول مثلا في شرح هذا البيت: ما بلغنا بعد حتى الآن من أحلامنا ذلك الحلم العظيم الكريم الذهبي ، إن هذا ليس شرحا ، و لكنه نسخ للبيت ، و تشويه له ، ولا قيمة لهذا الشرح إطلاقا ، طلاب آخرون وهم كثيرون ، حينما يشرحون البيت يعمدون إلى تبديل كلمات مرادفة بكلمات الشاعر ، وفي هذه المناسبة معنى كلمة " استبدل كذا بكذا " ، الشيء المتروك هو الذي يتأخر ويقترن بالباء ، فإذا قلت: استبدلت القمح بالشعير ، معنى ذلك أن الشيء الذي تركته هو الشعير ، فبعض هؤلاء الطلاب يستبدلون كلمات مرادفة بكلمات الشاعر ، وهم بذلك ينسخون البيت ، ولم يدروا أنهم لم يشرحوا البيت إطلاقا ، فلو أراد بعضهم مثلا أن يشرح هذا البيت:

***
ومن الطاغي الذي مدّ لـهم  من سراب الحق أوهى سبب
***

 إذا أراد بعضهم أن يشرح هذا البيت مثلا ، يقول: ومن هذا الظالم الذي أعطاهم مِن الحق أضعف سبب ، طلاب كثيرون يلجؤون إلى هذه الطريقة في الشرح ، إنها ليست شرحا ، بل هي أقرب إلى النسخ منها إلى الشرح ، ومرة ثانية مثل هذا النوع من الشرح ليس مقبولا إطلاقا.
هناك طلاب آخرون من نوع آخر ، فإذا أرادوا أن يشرحوا بيتا ، و كان في نصه كلمة تتعلق بقضية قومية أخذتهم الحماسة ، و كتبوا كلاما أقرب إلى خطبة مرتجلة ، مدبجة بأفكار عامة ، لا تتعلق بتفصيلات المعاني التي وردت في النص ، هذا مرض ثالث ، المرض الأول هو نسخ البيت مرة ثانية ، مع تعديلات طفيفة ، و مرض ثان هو تبديل كلمات مرادفة بكلمات الشاعر ، ومرض ثالث وهو كتابة كلام عام في طابع خطابي حماسي لا يتصل بمعاني البيت التفصيلية ، لا من قريب ولا من بعيد.
أنا مضطر أن أعطي لكم بعض الشواهد ، وإن كانت هذه الشواهد سلبية ، فلو أن الطالب مثلا أراد أن يشرح:

***
أين في القدس ضلوع غضة  لم تلامسها ذناب عقــرب
***

 إذا أراد مثل هذا النوع من الطلاب أن يشرح هذا البيت ، فإذَا هو يرى كلمة القدس ، فيترك البيت كليا ، و يترك المعاني الدقيقة التي جاءت في البيت ، و ينتقل ليدبِّج خطبة حول هذا البيت ، فماذا يقول مثلا ؟ يقول مثلا في هذا البيت: إنها فلسطين السليبة ، إنها فلسطين الذبيحة ، و القدس ذلك البلد الطيب ، ثاني القبلتين ، و ثالث الحرمين ، إليه تحن القلوب ، و تتجه الأبصار ، لقد دنسها الصهاينة بأقدامهم ، واغتصبوا خيراتها بسلاحهم ، كلام جميل ، و لكن ما علاقته بالنص ، نقول لصاحب هذا الشرح: أأنت شارح أم خطيب ؟ أين المعاني التفصيلية التي وردت في النص ؟ و أين شرحك لها ؟ وهذا الكلام الحماسي لا يتصل بالبيت إطلاقا ، كما قلت قبل قليل ، لا من قريب ولا من بعيد ، و لا يسعنا إلا أن نقول لمثل هذا الطالب الذي شرح مثل هذا الشرح: أنت في واد ، و البيت في واد آخر ، ومثل هذا الشرح مرة ثالثة لا قيمة له أبدا ، لأنه كلام عام ، لا يدلُّنا على مدى فهم الطالب للمعنى الدقيق العميق ، ولا يدلُّنا أيضا على مدى إدراكه للعلاقات الدقيقة النحوية واللغوية ، والتي تكون بين الكلمات و التراكيب ، هذا مرض ثالث من أمراض شرح النصوص ، وطلاب كثر يقفون عند الصورة الأدبية ولا يتجاوزونها إلى المعنى التفصيلي التي كانت الصورة لبوسا له ، ثم إنهم مرة ثانية يقفون عند المعاني ولا يتجاوزونها إلى القصد العام ، أو إلى الفكرة الأساسية التي كانت تلك المعاني التفصيلية تعبيرا عن قصد الشاعر ، أو عن فكرته الأساسية.
أكتفي بهذه النماذج الثلاثة ، لأنه هذه النماذج سلبية ، ولا أريد أن أستطرد في الحديث عن نقاط الضعف في شرح النصوص ، ففي النقاط الإيجابية غنًى للموضوع ، وأيُّ غنى.
أخي الطالب ، سأضع بين يديك بعض الحقائق التي من شأنها أن تنير لك سبيل شرح النصوص ، الشرح الدقيق ، الصحيح العميق ، الشرح الأدبي الذاتي ، فهاتِ ورقة وقلما ، وسجِّل بعضا من ملحوظات ، وأنا في انتظارك.
 الحقيقة الأولى ، لكل نص مناسبة ، ومعرفة مناسبة النص تلقي ضوءا كاشفا على أبعاده الفكرية ، ومناحيه النفسية ، وإذا أغفل الطالب قراءة مناسبة النص ، أو أغفل التدقيق بها ، فربما اتجه في شرحه وجهة ما أرادها الشاعر إطلاقا ، وبالتالي كانت وجهته تلك وجهة خاطئة ، فأريد أن أضع لكم شاهدا لهذه الحقيقة ، جاء في مناسبة النص الذي بين أيدينا ، في عيد الجلاء ، جلاء المستعمر عن سورية العربية ، وقف الشاعر عمر أبو ريشة يغنِّي فرحة الجلاء ، ثم يلتفت فيرى القدس رهينة الغزو والاحتلال ، و يرى فلسطين فريسة الصهيونية والاستعمار.
يا طلابنا الأحباب ، قراءة هذه المناسبة تفسر لكم البيت الأول وما يليه من أبيات تفسيرا واضحا جدّا ، فالبيت الأول:

***
ما بلغنا بعد من أحلامنــا  ذلك الحلم الكريم الذهبــي
***

 المناسبة التي قرأناها قبل قليل تفسر لنا هذا البيت و الأبيات التي بعده ، فهناك هدف بلغناه ، معنى كلمة "بعد" يعني أن هناك هدفا بلغناه ، وهو الجلاء عن أرضنا العربية في سورية ، وهناك حلم كريم وذهبي تحلم به الأمة العربية لم نبلغه بعد ، وهو تحرير كل الأرض العربية من الغزاة والمستعمرين ، وفي مقدمتها فلسطين ، و بخاصة بيت المقدس.
 أرأيتم يا طلابنا الأعزاء كيف أن فهم المناسبة يلقي ضوءًا كاشفا على المعاني الدقيقة التي ينطوي عليها البيت:

***
ما بلغنا بعد من أحلامنــا  ذلك الحلم الكريم الذهبــي
***

ما كان لكم أن تفهموا هذا البيت لولا أنِ اطّلعتم على مناسبة هذه القصيدة التي قيلت فيها.
 حقيقة ثانية تتعلق بشرح النصوص ، وهي أنه يجب أن تعرف يا أخي الطالب إذا قرأت النص مَن المتكلم ، ومن المخاطَب ، ومن الغائب ، أيْ عمن يتحدث الشاعر ، أو مَن يخاطب الشاعر ، ومن الذي يقول هذه المعاني ، فمعرفة جهة الكلام من متكلم ومخاطَب وغائب ، هذه ضرورة ملحة في فهم النصوص ، ثم ننتقل إلى النص لنريك بعض الشواهد.
الضمير:

***
ما بلغنا بعد من أحلامنــا  ذلك الحلم الكريم الذهبــي
أين في القدس ضلوع غض ة لم تلامسها ذناب عقــرب
***

 هذا الضمير ، الهاء في " تلامسها " ، على مَن يعود ؟ أتراه يعود على القدس ، أم يعود على الضلوع الغضة ؟ يجب أن يعود على الضلوع الغضة ، وإذا عاد على القدس فقَدَ البيت معناه ، والضمير في قوله:

*** وقف التاريخ  في محرابـها ***

هذه الهاء على من تعود ؟ يجب أن تعود على القدس:

***
وقف التاريخ في محرابـها  وقفة المرتجف المضطـرب
***

***ومن الطاغي  الذي مدّ لـهم ***

الضمير "هم" يجب أن تعود على الصهاينة:

*** من سراب الحق  أوهى سبب ***

 " أوَ ما كنا له " ، هذه " الهاء" تعود على المستعمرين الذين أعانوا الصهاينة على اغتصاب فلسطين ، هذه تعود على الصهاينة ، هذه تعود على المستعمرين ، هذه تعود على القدس ، هذه تعود على الضلوع الغضة:

*** أو ما كنا له  في خطـــبه ***

كذلك هذه الهاء ، تعود على المستعمر الذي أعناه في محنته ، في الحرب العالمية الثانية ، ثم تنكَّر للجميل ، وسلّم فلسطين لُقمةً سائغة للصهيونية.
 ترك بعض الأشخاص وصيةً ، أريد أن أريَكم قيمةَ الضمير في فهم النص ، ترك بعض الأشخاص وصية ، نصها كما يلي: " فلان له عليَّ ألف درهم ونصفه " ، تروي كتبُ الأدب أن هذه الوصية أحالَها القاضي إلى عالم نحو ، ليعرف قيمة المبلغ ، فإذا كانت الهاءُ في قوله " فلان له عليَّ ألف درهم ونصفه" ، إذا كانت الهاء تعود على الأَلْف فالمبلغُ ألفُ وخمسمائة ، وإذا كانت الهاءُ تعود على الدرهم فالمبلغُ ألفٌ ونصفُ درهم ، فمعرفة الضمير ضرورة مُلِحّة لفهم النصوص ، ومعرفة أبعاده.
 حقيقة ثالثة أضعها بين أيديكم في شرح النصوص ، يا طالبنا الكريم ، اقرأ البيت قراءة صحيحة ، فرُبَّ غلطة في قراءة البيت حرّفت فهمَك للمعنى عن الوجه الصحيح ، فاللغة العربية دقيقة جدا ، فالحُب شيء ، والحِب شيء ، والحَب شيء ، والبُرّ هو القمح ، والبِرّ هو الإحسان ، والبَرّ هو اليابسة ، والخُلُق الأخلاق ، والخَلْق البنية ، وثوب خَلِق ، أي ثوب مهترٍ ، وقدِم أصبح قديما ، وقدِم بمعنى حضر ، وقدَم بمعنى سبقه بقدمه ، أو انتصر عليه بقدمه ، كما رأيتم قبل قليل في مباريات كرة القدم ، أريد أن أضع لكم هذه الحقيقة في النص:

*** ومَن الطاغي  الذي مدّ لـهم ***

 لو أن طالبا قرأ هذا البيت ، ولم يحسن قراءته ، بل تعجّل في قراءته ، و قرأه على الشكل التالي: ومِنَ الطاغي الذي مدّ لـهم ، أنا أؤكد لكم أنه يستحيل على الطالب فهمُ البيت إذا قرأه على الشكل التالي: ومِنَ الطاغي " ، يقول:

***
وقف التاريخ في محرابـها  وقفة المرتجف المضطـرب
***

ووقف أيضا مِن الطاغي الذي مد له ، طيب ما موقفه من الطاغي ؟ الجملة ناقصة ، وقع الطالب في إرباك شديد لأنه لم يقرأ " مَن" بل قرأها " مِنَ " فكيف أن حركة واحدة تصْرِف الطالب عن المعنى ، و بالتالي لا يستطيع إحراز ما يتمناه في شرح النصوص.
 شيء آخر ، أو حقيقة خامسة في شرح النصوص ، وهي أن على الطالب أن يتأكد من فهمه الصحيح لمعاني الكلمات التي جاءت في البيت ، أنا أقول: الفهم الصحيح ، وأقول ثانية: الفهم الدقيق ، فهناك فهم للكلمة ضبابي لا يعين الطالب على كشف المعنى ، وهناك فهم دقيق جدا يعين الطالب على تلمُّس المعنى الصحيح ، فإذا قرأت البيت ، وحاولت أن تفهم كلماته فهذا ليس مضيعة للوقت ، وإنما استثمار له ، اجعل الكتابة آخر مرحلة ، فالطالب إذا قرأ البيت:

***
أين في القدس ضلوع غضة  لم تلامسها ذناب عقــرب
***

 كلمة " ضلوع غضة " ، كأن هذه هي حجر الزاوية في البيت ، ولا يستطيع الطالب إطلاقا فهم هذا البيت إذا لم يفهم هذه الكلمة بالذات ، إن هذه الكلمة " ضلوع غضة " كناية عن النساء والأطفال الذين صبَّ عليهم العدوُّ جام غضبه ، هذه الكلمات التي تبدو لك صعبة ، والتي فهمتها فهما دقيقا ينبغي أن تشرحها في أثناء شرحك لنص ، لأن قارئ الشرح يجب أن يحسّ أنك فهمت المعنى الدقيق لهذه الكلمات.
 شيء آخر ، وحقيقة أخرى في شرح النصوص ، وهي أن الشعر في تعريفه صياغة موسيقية ، يراعي فيها الشاعر الوزن والقافية ، لذلك ترونه مضطرا إلى التقديم والتأخير ، والإيجاز و الإطناب ، و الذكر و الحذف ، و على الطالب في الشرح أن يعيد هذه الصياغة الموسيقية الاستثنائية إلى أصلها النثري ، فيؤخّر المقدم ، و يقدم المؤخّر ، ويذكر المحذوف ، ويعلِّل المذكور ، ويوضّح الكلمة الغامضة ، هذه مهمة الطالب في الشرح ، فمثلا البيت الذي قاله الرصافي:

***
والشعر ليس بنافع إنشادَه  حتى يكون عن الحقيقة معربَا
***

 من أجل أن يستقيم وزن هذا البيت قال الشاعر:

*** حتى يكون عن  الحقيقة معربَا ***

والأصل النثري من هذه العبارة: "حتى يكون معربا عن الحقيقة ".
 فهم التركيب ضرورة ملحة في النص ، ومعنى فهم التركيب أن تفهم معاني الأدوات ، و أن تفهم العلاقات النحوية ، المنصوبات ، والفروق الدقيقة بينها ، المرفوعات ، والمجرورات ، معاني حروف الجر ، الفرق بين عثر على ، و عثر بـ ، مثلا ، معاني الأدوات كقط ، وأبدا ، قط لاستغراق الماضي ، ما فعلت هذا قط ، وأبدا لاستغراق المستقبل ، ولعل للترقب ، وليت للتمني ، فيجب أن يعرف الطالب معاني الأدوات والعلاقات النحوية ، وبعض الأوزان الصرفية حتى يستطيع أن يكون شرحه دقيقا صحيحا.
 حقيقة أخرى أسوقها لكم في أثناء الحديث عن أصول شرح النصوص ، وهي أن على الطالب أن يفرق بين الحقيقة والمجاز ، أي بين التعبير المباشر ، وبين الصورة الأدبية ، ومعرفة نوع الصورة الأدبية و مدلولها يسهِم إلى حد كبير في توضيح المعنى الدقيق للنص ، أما معظم الطلاب فيقفون عند ظاهر الصورة ، ولا يتجاوزونها إلى المعنى الذي أراده الشاعر من خلال الصورة ، يقفون عند ظاهر الصورة ، والمقصود أن تصِل في فهمك إلى المعنى التفصيلي الذي يقف خلف الصورة ، و المقصود من الشرح أن تصل من خلال المعاني التفصيلية إلى القصد العام ، أو الفكرة الأساسية التي تقف خلف المعاني التفصيلية ، هناك ثلاث مستويات ، المعنى الأساسي ، الفكرة الرئيسية ، يعبَّر عنها ببعض المعاني التفصيلية ، ويعبَّر عنها ببعض الصور البيانية ، فمثلا في البيت " ضلوع غضة " هذه صورة ، كناية عن الأطفال و النساء ، و"سراب الحق " هذا تشبيه بليغ إضافي ، كناية يعني بها الشاعر أن حق اليهود المزعوم في فلسطين كالسراب.

***
ما لنا نلمح في مشيـــته  مخلب الذئب و جلد الثعلـبِ
***

 هذه أيضا صورة ، فينبغي للطالب أن ينتقل من هذه الصور إلى مدلولاتها ، فمدلول " ضلوع غضة " كما قلت قبل قليل هو أن قوى الاحتلال الصهيوني لا تنطوي على ذرة من الرحمة ، ولا تؤمن بأيَّة قيمة إنسانية ، فهي تنكِّل بالنساء والأطفال والعزل من السلاح ، وهذه من خصال الجبناء ، ومدلول " لم تلامسها ذناب عقرب " ، المقصود بالعقرب المحتلون الغاصبون ، الذين يتصفون بكثير من صفات العقرب ، أو أن العقرب تتصف بكثير من صفاتهم ، ومن أبرز هذه الصفات حبُّ الأذية:

***
يأبى فؤادي أن يميل إلى الأذى  حبُّ الأذية من طباع العقربِ
***

 ومدلول صورة " سراب الحق " هو أن حقوق الصهاينة المزعومة في فلسطين كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء ، حتى إذا جاءه لم يجده شيا ، ووجد الله عنده فوفاه حسابه ، ومدلول الصورة " مخلب الذئب و جلد الثعلبِ " للمحتلين الغاصبين ، وللمستعمرين ، من أخلاق الذئاب الخيانة والغدر ، ومن أخلاق الذئب المراوغة و التلون ، إن مدلول الصور هو المعاني التفصيلية التي ألبسها الشاعر هذه الصور.
 يا طلابنا الأحباب ، يجب عليكم أن تستشِفُّوا من المعاني التفصيلية للبيت فكرتَه الأساسية ، و قصدَ الشاعر الكبير منها ، فالبيت الأول مثلا الشاعر فيه يريد أن يقول: إن تحرير فلسطين من الأهداف الكبرى للأمة العربية التي لم تتحقق بعد ، وفي البيت الثاني يؤكد الشاعر وحشية الصهاينة ، وفي البيت الثالث يبيِّن الشاعر فظاعة أعمالهم غير الإنسانية ، وفي البيت الرابع يشير إلى الاستعمار البريطاني الذي أعطى أرضًا وهو لا يملكها لقوم لا يستحقونها ، ففي كل بيت فكرة رئيسية تعبر عنها معان تفصيلية ، و قد تلبس هذه المعاني لبوسا فنيا من تشبيه واستعارة وكناية.
 عليك يا طالبنا العزيز أن تصوغ الفكرة الأساسية ، والمعاني التفصيلية ، والصور البيانية في صياغة ذاتية ، من صياغتك أنت ، أدبيًا ، لأن سؤال شرح النصوص يقيس في الطالب القدرة في فهم النص فهمًا صحيحا دقيقا عميقا ، وهاأنذا ألخص لك الدرس ، و القدرة على تذوقه جماليا ، ثم القدرة على التعبير عن هذا الفهم ، وذلك التذوق تعبيرا ذاتيا أدبيا ، لذلك فكِّر مليا قبل أن تكتب ، بل لا تمسك بالقلم حتى يلتمع المعنى واضحا أمام عينيك ، و بعدها ابتعدْ عن تراكيب الشاعر كليا ، وعن كلماته جزئيا ، وابدأ بالفكرة الأساسية ، ثم ثنِّ بالمعاني التفصيلية ، وبعدها عرِّج على مدلول الصور إن وُجدت ، كل هذا بعد أن تفهم المناسبة وعواد الضمائر ، ومعاني الكلمات ، وطبيعة التراكيب ، ومدلول الصور ، واشرح كل بيت على حدة.
 إخوتي الطلبة ، أتمنى لكم نجاحا مطردا في شتى الميادين ، أتمنى لكم تفوقا أيضا في امتحاناتكم المقبلة ، وأرجو أن أراكم في الجامعة ، في كليات تطمحون إلى الدخول فيها ، وإلى لقاء آخر ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS

     
جديد الموقع