7647
موضوعات أدبية - درس تلفزيوني - الندوة ( 17-27) :لم أنس حين مشت إلي
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1981-05-12
بسم الله الرحمن الرحيم

طلابنا الأعزاء:
أسعدتم مساءً وأهلاً بكم ومرحباً .
قبل أيام عدة احتفل القطر العربي السوري بعيد الشهداء .
 هؤلاء الشهداء الذين قدموا لأمتهم أثمن ما يملكون فكانت أرواحهم نوراً يضيء للأجيال الصاعدة طريق الحرية والكرامة، والشاعر المهجري إيليا أبو ماضي يرى أنه من أجل العلا ومن أجل هناءنا خاض هؤلاء الأبطال ساحة الوغى، لذلك هو يستبشر بأن دنيانا ستعود أحبَّ وأجمل يقول:

لم أنسى حين مشـت إلـي تلومني لمـا رأتني باسماً متهللا
قالت أتطرب والمنايا حُوَّم في الأرض كيف رمت أصابت مقتلا
انظـر فقد خلت البيوت من الشباب ولا جمال لمنزل منهم خلا
فسألتها أو ليس من أجل العلا وهنائنا خاضوا الوغى قالت بلى .
كفي الملامة إذاً فما أنا جاهل ما تعلمين وكيف لي أن أجهلَ
سدوا على الباغ المُسالك كلها فالموت إن ولى وإن هو أقبلَ
فإذا شممت اليوم رائحـة الدِّمـا وتأملت عيناك آثـار البِلا
فاستبشري فغداً إذاً وقع جلى ستعود دنيانـا أحبَّ وأجمـلَ

أيها الطلاب الأعزاء:
 تقتضي خطة الدرس اليوم أن أوضح لكم بعض القواعد العامة في شرح الأبيات، من خلال شرح هذه الأبيات التي قرأتها لكم لإيليا أبي ماضي .
والآن إلى شرح الأبيات بيتاً بيتاً .
البيت الأول:

لم أنسَ حين مشت إلي  تلومني لما رأتني باسماً متهللا

 هناك قاعدة أساسية وهي أن شرح البيت لا يتم إلا إذا قرأه الطالب قراءة صحيحة، لندقق في حركات الكلمات، لندقق في موضع الكلمات من الإعراب .

لم أنسَ حين مشت إلي  تلومني لما رأتني باسماً متهللا

 حقيقة ثانية في شرح الأبيات وهي أن الطالب قبل أن يشرع في الشرح عليه أن يتأكد من فهمه الدقيق للكلمات الغامضة في البيت، قبل أن يشرع في الشرح لا بد من فهم دقيق لكلمات البيت، فكلمة متهللا في البيت الأول اسم فاعل من فعل تهلل، وفعل تهلل أي تهلل الوجه أي تلألأ من شدة السرور، ومعنى تلألأ أي كان كاللؤلؤ في اللمعان والبريق هذا معنى كلمة تهلل .
 وأما الحقيقة الثالثة في الشرح فهي أن الطالب قبل أن يشرع بالكتابة لا بد من أن يتأكد من فهمه للأحداث الصغيرة في البيت، ففي هذا البيت الذي بين أيدينا وحدتان ؛ الأولى:

لم أنسَ حين مشت إلي  تلومني لما رأتني باسماً متهللا

الأولى: لم أنس حين مشت إلي، والوحدة الثانية: تلومني لما رأتني باسماً متهللا .
 فيبدو أن الشاعر كان مغتبطاً وأن حالته النفسية انعكست على صفحة وجهه، فبدا وجهه باسماً متألقاً متلألئاً، هذه الوحدة الأولى من البيت، وأما الوحدة الثانية ويبدو أن فتاة تلوذ به رأت البسمة تعلو وجهه فانطلقت إليه لتقرعه ولتلومه، ولكن علامَ تلومه وفيما تقرعه ؟ هذا ما سينجلي له في البيت الثاني .
في البيت الثاني قالت:

قالت أتطرب والمنايا حُوَّم في  الأرض كيف رمت أصابت مقتلا

 لا تنسوا أن بين البيتين علاقة معنوية، إذن يقتضي أن يكون هناك ارتباط بينهما، قالت:

قالت أتطرب والمنايا حُوَّم في  الأرض كيف رمت أصابت مقتلا

 للوهلة الأولى يظن جميع الطلاب أن كلمة تطرب معروفة، والحقيقة أن الطلاب يعرفون معناها العام، لكنهم إذا أرادوا أن يشرحوها يرتبكون لأن المعنى العام للكلمة شيء، والمعنى الدقيق للكلمة شيء آخر، إذا عرف الطالب المعنى الدقيق انطلق قلمه في شرح البيت، فكلمة طرب بمعنى اهتز وتمايل من شدة السرور، والآن إلى حقيقة ثانية في شرح الأبيات وهي أن للكلمة أحياناً عدة معانٍ، هذه المعاني على الطالب أن يختار أحدها، فكيف يختار أحدها، إن سياق التركيب وسياق الجملة هو الذي يدفع الطالب إلى أن يختار أحدها، وإليكم شاهداً على ذلك، فكلمة حُوَّم جمع حائم وكلمة حائم مؤنث اسم فاعل من حام، وفعل حام بمعنى دار أو بحث عن الشراب من شدة العطش، فيا ترى الدوران أم البحث عن الشراب ؟
هنا أتطرب والمنايا حُوم، كأن الشاعر يريد أن يقول: إن المنايا حُوَّم تبحث عن ضحاياها، أرأيتم إلى أن السياق في البيت يفرض علينا أن نختار أحد المعاني المترادفة للكلمة الواحدة .
 حقيقة ثالثة في شرح الأبيات وهي أن الطالب إذا عرف الميزان الصرفي للكلمة، معرفته للميزان الصرفي للكلمة قد يعينه على فهم الكلمة فهنا إعراب: كيف رمت أصابت مقتلا، المقتل على وزن مفعل ووزن مفعَل اسم مكان، أي الرأس أو الصدر، وزن فاعَل بمعنى شارك، وزن استفعل بمعنى طلب الشيء، فلكل وزن في اللغة العربية معناه، فإذا عرف الطالب وزن الكلمة ربما أعانه معرفة وزن الكلمة على معرفة المعنى الدقيق له .
حقيقة رابعة في شرح الأبيات وهي أن الطالب إذا قرأ البيت:

قالت أتطرب والمنايا حوّم  في الأرض كيف رمت

 من هو فاعل رمت ؟ إذا عرفت أن فاعل رمت هو ضمير مستتر جوازاً تقديره هي تعود على المنايا، كان فهمك للبيت سليم، إذاً إن معرفة على من يعود الضمير، أو إن معرفة عائد الضمير شيء أساسي في فهمه البيت، إذاً هناك أربع حقائق تعين الطالب على فهم البيت، أن يقرأه قراءة صحيحة، أن يعرف المعنى الدقيق وليس المعنى العام، أن يعرف المعنى السياقي للكلمة، وأن يعرف الميزان الصرفي أحياناً وأن يعرب بعض الكلمات، أو أن يعرف على من تعود الضمائر .
أيها الطلاب الأحباب:
 بعد أن ذللنا هذه الصعوبات ننتقل إلى شرح البيت، وفي البيت الثاني وفي البيت الثالث، تنكر الفتاة على الشاب، من أين جئنا بكلمة تنكر ؟ لأن هذه الهمزة همزة استفهام، والاستفهام هنا غير مقصود، بل إنه استفهام إنكاري، فإذا عرف الطالب نوع الجمل والصيغ في البيت، كانت هذه المعرفة أيضاً معوان له على فهم البيت، فهناك استفهام حقيقي وهناك استفهام توضيحي، وهناك استفهام إنكاري، وهناك علاقة شرطية، وهناك جمل تعجبية، وهناك جمل مؤكدة، إلى ما هنالك من أنواع الجمل والمعاني التي يفيض بها علم المعاني .

قالت أتطرب والمنايا حُوَّم في  الأرض كيف رمت أصابت مقتلا

 وفي هذا البيت تنكر الفتاة على الشاعر أن يكون في حالة من الغبطة والسرور، بينما أرواح الشباب تزهق ودماؤهم تسفك وتسيل، وكأن المنايا ضربات حادقة، تصيب ولا تخطئ، وتجهد ولا ترحم، إن إدراكنا لهذا المعنى الدقيق كان بفضل تجميع الجزئيات الكثيرة في البيت والآن ننتقل إلى البيت الثالث:

انظر فقد خلت البيوت من  الشباب ولا جمال لمنزل منهم خلا

 هذا البيت مدور ومعنى مدور أي أن كلمة في البيت مشتركة بين الشطرين، طبعاً كلمة انظر إعرابها فعل أمر، والأمر في هذه المناسبة والنهي والاستفهام والترجي والتمني، هذه صيغ إنشائية، ويجب أن يكون في علمكم أي يجب أن تعرفوا أن العاطفة تتبدى أكثر ما تتبدى في الجمل الإنشائية، وأحياناً تفتر وكثيراً ما تفتر في الجمل الخبرية، فإذا قرأنا البيت الأول:

لم أنسى حين مشت إلي  تلومني لما رأتني باسماً متهللا

 هذه الصياغة هنا خبرية، ولكن حينما قال الشاعر: قالت أتطرب والمنايا حوم في الأرض كيف رمت أصابت مقتلا، هنا اتسعت العاطفة اتسع مستوى العاطفة بسبب هذا التركيب الإنشائي، الذي هو استفهام إنكاري، ثم قالت:

انظر فقد خلت البيوت من  الشباب ولا جمال لمنزل منهم خلا

 فالأمر والنهي والترجي والتمني والاستفهام والنداء هذه الصيغ صيغ إنشائية، كثيراً ما تبدو فيها العاطفة متأججة، وكثيراً ما تفتر العاطفة في الجمل الخبرية، هذا مقياس يستأنس به في دراسة العاطفة، والآن إلى شرح البيت، ولكن قبل أن يشرح البيت أريد أن تعرفوا أن الشاعر حينما قال: انظر فقد خلت البيوت من الشباب، إن خلو البيوت من الشباب في هذا البيت جاء على محمل اليقين والتحقيق لا على محمل الريب والشك، ما الذي عرفنا بذلك ؟ هو أن كلمة خلت قد سبقت بقد، وقد إذا سبقت الفعل الماضي أعربت حرف تحقيق، يعني أنها أفادت التحقيق، لكنها إذا سبقت الفعل المضارع أعربت حرف تقليل يعني أنها عنت التقليل أي عدم حدوث الفعل بشكل أكيد، هذه حقيقة أيضاً أضعها بين أيديكم، إن إعراب الكلمة، إن إعراب الأداة، إن معرفة معنى الأداة، إن معرفة موضع الكلمة من الجملة شيء أساسي ويسهم أيضاً في فهمك للمعنى فهماً دقيقاً، إن الذي يعول عليه هو الفهم الدقيق وليس الفهم الضبابي العام، الذي يستوي فيه كل الناس وكل من يقرأ ويكتب، والآن إلى شرح البيت بعد إبداء هذه الملاحظة، ويعد هذا البيت يا إخوتنا الطلاب تفصيلاً للبيت الذي سبقه، فالمنايا الحوم المتعطشة للدماء لا شك أنها تخلي البيوت من الشباب، والبيت الذي لا شباب فيه بيت خرب، يفتقر إلى الحيوية والجمال، فيا شباب أمتنا: كونوا ينبوع سعادة لأهليكم وأمتكم، لا عبئاً عليهم وعليكم .
والآن إلى البيت الذي يليه:

فسألتها أو ليس من أجل العلا  وهنائنا خاضوا الوغى قالت بلى .

 لعل أكثركم يشعر أن في هذا البيت أو في مجموعة هذه الأبيات نوعاً خاصاً من الجمال، ولكن قليلاً منكم يستطيع أن يعلل هذا الجمال، إن الكثير يتذوق ولكن القليل يعنس، فما سر الجمال في هذه الأبيات، الحقيقة أن تذوق نقد الأبيات هو نوع من أنواع التذوق، النقد تذوق أدبي للبيت، ولكن النقد الحديث لا يعنى بالذوق فقط ولكنه يعنى بالذوق المعلل والذوق المعلل يمكن أن يكون معرفة تُنقل للآخرين، لذلك ما تعليل جمال هذه الأبيات، وهنا نقف عند نقطة في النقد، الحقيقة أن الحوار في القصيدة هو الذي أضفى عليها الحيوية والجمال، قالت: أتطرب والمنايا حوّم، انظر فقد خلت البيوت من الشباب، فسألتها أو ليس من أجل العلا وهنائنا خاضوا الوغى قالت بلى .
 إن معظم القصائد التي تتضمن نوعاً من الحوار تشد النظر إليها، لأنها غنية بالحيوية والتدفق، ألم يمر معكم في الصف العاشر قصة كرم للخطيئة حيث يصف نموذجاً للكرم العربي، يقول الحطيئة:

رأى شبحاً وسط الظلام فراعه  فلما بدا ضيفاً تشمـر واهتم
وقال هيا رباه ضيف ولا قِرَمُ  بحقك لا تحرمه تالليلة اللحم
فقـال ابنـه لما رآه بحَيْرَةٍ أيا  أبت اذبحني ويسر له طُعمَ

إن الحوار في القصيدة يُضفي عليها الحيوية، وقدماء النقاد يقولون: إن في القصيدة ماءً، ويقصدون بالماء الحيوية .
 والآن في هذا البيت معانٍ جزئية تفصيلية، فهؤلاء الأحرار دخلوا ميدان المعركة من أجل هدف نبيل، وغاية سامية، إنها كرامة الوطن وهناءة أهله، ولكنكم يا طلابنا الأحباب ألا تلاحظون معي أن وراء هذه المعاني الجزئية مقصِداً أساسياً هو محور البيت، وما لم يُمسك الطالب أي طالب المرحلة الثانوية وأؤكد على هذه الكلمة وما لم يُمسك بمحور البيت ويضع يده عليه فإنه لا يكون قد شرح البيت لأن المعاني التي تظهر لنا بادئ ذي بدء ليست كل شيء في البيت، بل على الطالب أن يتجاوزها إلى القصد البعيد للشاعر، فالشاعر كأنه يقول: إن الأمور بمقاصدها، والأعمال تُقيَّم بنتائجها، وأن التضحيات الجسيمة من أجل أهداف نبيلة تدعو إلى الطرب والزهو، إذاً لا يحق لهذه الفتاة أن تُنكر على الشاعر طربه وحبوره، هذا المعنى البعيد، هذه الفكرة الرئيسية، بينما الذي قرأته على أسماعكم قبل قليل هو شرح للمعانِ التفصيلية التي جاءت في البيت، أي أذكركم بقول الرصافي حينما قال:

يا قوم لا تتكلموا  إن الكلام محرَّم

 هذا البيت ما الذي يقصده ؟ يقصد منه عكس ما نطق بلسانه، هناك قصد بعيد قد يكون عكس ما يبدو للطالب إذا قرأ البيت .
ننتقل الآن إلى البيت الذي يليه:
يقول الشاعر إيليا أبو ماضي:

كفي الملامة إذاً فما أنا جاهل  ما تعلمين وكيف لي أن أجهل

 في هذه المناسبة سألني بعض الطلبة عن كتابة كلمة إذاً، الحقيقة أن كلمة إذن تُكتب بالنون إذا كانت عاملة، وتُكتب بالألف إذا كانت مهملة، أي تُكتب بالنون إذا جاءت حرفاً ناصباً وجاء بعدها فعل مضارع منصوب بها، فإذا جاءت حرف جواب تُكتب بالألف:

كفي الملامة إذاً فما أنا جاهل  ما تعلمين وكيف لي أن أجهل

 الملامة من اللوم، ولام أي عذل وكدّر، وكفي الملامة، الوحدة الأولى في البيت، أي اقصري الملامة، أي اقصري العذل .
يا أيها الطلاب:
 في كل بيت ـ وهذه قاعدة أساسية ـ مجموعة محددة من المعاني التفصيلية، وعلى الطالب في أثناء شرحه أن يمر على هذه المعاني التفصيلية كلها، فإذا تجاوز بعضها، أو إذا أضاف إليها معان ما قالها الشاعر فكأن شرحه يكون ناقصاً، لأن الشرح الدقيق هو أن تُعبِّر عن المعاني التفصيلية التي جاءت في البيت من دون زيادة أو نقصان، هناك فرق كبير بين شرح البيت وبين أن تكتب موضوعاً إنشائياً حول فكرة البيت، إذا كُلِّفت كتابة موضوع إنشائي حول فكرة البيت فاكتب ما شئت وليكن البيت مواداً لموضوعك، لكن إذا طُلب منك شرح بيت محدد فعليك أن تتقيد تقيداً تاماً بالمعاني التفصيلية، ويجب أن تحددها في البيت معنى أول وثاني وثالث، وإليكم تفصيل هذه الحقيقة في هذا البيت:
كفي الملامة إذاً ـ طبعاً هذا معنى تفصيلي أول ـ فما أنا جاهل ما تعلمين ـ هذا المعنى التفصيلي الثاني ـ وكيف لي أن أجهل ـ هذا المعنى التفصيلي الثالث .
 إذاً شرح هذا البيت يقتضي أن تُلِم بهذه المعاني التفصيلية الثلاثة من دون أن تزيد عليها، إذا زدت عليها كأنك تكتب موضوعاً تعبيرياً حول هذا البيت، وإذا تجاوزت بعضها جاء شرحك ناقصاً، فالشاعر يطلب من الفتاة التي عذلته على طربه أن تقصُر من ملامها هذا المعنى الأول ؛ كفي الملامة إذاً .
 الآن المعنى التفصيلي الثاني، فما أنا جاهل ما تعلمين، لأن السبب الذي حملها على اللوم يعرفه الشاعر جيداً ويعرف أنه يدعو إلى الفرح والحبور، هذا المعنى التفصيلي الثاني .
 وأما المعنى الثالث، وكيف لي أن أجهل، وكيف يكون الشاعر جاهلاً وهو الذي أوتي حساً مرهفاً وإدراكاً عميقاً، إنه يرى ما لا يراه الآخرون ويسمع ما لا يسمعون، هكذا يقول .
ننتقل إلى البيت الذي يليه:

سدوا على الباغِ المسالك كلها  فالموت إن ولى وإن هو أقبل

الباغي هو الظالم، والمسالك هي الطرق .
يا طلابنا الأحباب:
 حقيقة جديدة، شرح البيت لو سألكم أحدهم ماذا يعني شرح البيت ؟ شرح البيت يعني تعميق المعاني وإغناءها بالتفصيلات، شرح البيت يعني تعليل ما ذكره الشاعر ويعني أيضاً ذكر ما حذفه، ويعني تقديم ما أخره وتأخير ما قدمه وإيجاز ما فصَّله وتفصيل ما أو جزه، ويعني شرح البيت أيضاً أن يوضح الطالب ما غَمُض في البيت وأن يُجلي المناسبة، أي أن يعيد الطالب هذا التركيب الشعري إلى أصله النثري، وأن تأخذ كل كلمة موضعها في سياق التركيب النثري، هذا بعض ما يعنيه شرح البيت، لذلك سأحاول أن أشرح لكم هذا البيت مطبقاً هذه الملاحظة الأساسية في شرح البيت .
كما قلت قبل قليل شرح البيت يعني تعميق المعاني وإغناءها بالتفصيلات:

سدوا على الباغِ المسالك كلها  فالموت إن ولى وإن هو أقبل

 سدوا: من الذين سدوا ؟ الواو هي الفاعل، إن هؤلاء الأبطال ـ هذا التعميق ـ إن هؤلاء الأبطال الذين قضوا نحبهم في سبيل رد البغي والعدوان، لا زلت أعلِّق وأتحدث عن هؤلاء الأبطال، إن هؤلاء الأبطال الذين قضوا نحبهم في سبيل رد البغي والعدوان قد وقفوا في طريق المعتدي، الآن وصلت إلى سدوا على الباغ المسالك كلها، قد وقفوا في طريق المعتدي كالطود الشامخ ـ هذا الإغناء بالتفصيلات ـ كالطود الشامخ والجبل الأشم، لقد استطاعوا بفضل إقدامهم وتضحياتهم أن يقفوا لعدوهم بالمرصاد وأن يقطعوا عليه كل الطرق التي سلكها إليهم وما كان لهم أن يكونوا كذلك لولا أنهم أحبوا الموت كحبهم للحياة، واستوى عندهم إقباله وإدباره، ومتى نظر المرء إلى الموت بهذه الطريقة فإنه يستطيع أن يفعل المعجزات .
ننتقل إلى البيتين الأخيرين:

فإذا شممت اليوم رائحة  الدما وتأملت عيناك آثار البلا
فاستبشري فغداً إذاً وقع  جلا ستعود دنيانا أحبَّ وأجملَ

 قد يسأل أحدكم لماذا قرأت البيتين معاً ؟ إليكم الجواب: إذا في البيت الأول هي أداة شرط غير جازمة، ومعنى الشرط أن هناك حدثين لا يقع الثاني إلا إذا وقع الأول:

فإذا شممت اليوم رائحة  الدما وتأملت عيناك آثار البلا
فاستبشري فغداً إذاً وقع  جلا ستعود دنيانا أحبَّ وأجملَ

 هناك شم الرائحة وهناك الاستبشار، الشرط الحدثان لا يقع الثاني الاستبشار إلا إذا وقع الأول، إذاً هناك علاقة أكبر من أن تكون علاقة معنوية، بل هي علاقة لغوية بين البيتين، هناك علاقة نحوية، هناك إذا أداة شرط غير جازمة، وهناك شممت رائحة الدما، وهناك فاستبشري، والدليل هذه الفاء رابطة للجواب .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS