10220
موضوعات أدبية - درس تلفزيوني - الندوة ( 23-27) : أدب فلسطين
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1982-11-28
بسم الله الرحمن الرحيم

على أبــواب يـــافا يا أحــــبائي
وفي فوضى حطام الدور بين الردم والشوك
وقفت وقلت للعيــنين قفــا نبـــكي
على أطلال من رحلـوا وفاتـــوهــا
تنادي من بناها الدار وتنعى من بناها الدار
وكــــان الــقلــب منــسحـقاً
وقال القلب ما فعلت بك الأيـام يــا دار
وأيـــن القاطنـون هـنا وهل جاءتك
بعد النأي هل جــــاءتك أخـــبار
ولم ينطق حطام الدار ولم ينطق سوى
غيابُهم وكان هناك جمع البوم والأشباح
غريب الوجه والــيد واللسان وكـان
يحوم في حواشيها يمد أصوله فيــها
وكان الآمر الناهي وكــان وكــان..
وغُــصَّ القــلــب بالأحــزان
أحبائي..
مسحت عن الجفون ضبابة الدمع الرمادية
لألقاكم وفي عينيَ نور الحب والإيــمان
بكـــــم بالأرض بالإنـــــسان
فوا خجلي لــو أني جـئت ألقـاكــم
وجفنــي راعـش مبــــــلـول
وقلـــبي يائــــــس مـخذول
وها أنا يا أحـبائي هـــــنا مـعكم
لأقبس منكم جمرة لآخذ يا مصابيح
الدجى من زيتكم قطرة لمصباحـي
وها أنا يا أحبائي إلى يدكم أمد يدي
وعند رؤوسكم ألقي هنا رأســي
وأرفع جبهتي معكم إلى الشمـس
وها أنتم كصخر جبالنــا قــوة
وها أنتم كزهر بلادنــا الحـلوة
فكيف الجرح يـــــسحقـني
وكيف أمامـــكم أبـــــكي
يميناً بعد هذا الــيوم لن أبكــي

أعزاءنا المشاهدين:
 إنها فدوى طوقان تبكي مأساة فلسطين، ثم تكف عن البكاء متطلعة إلى غد مرتَقَب، وإنه أدب القضية الفلسطينية موضوع هذا اللقاء.
أيها الإخوة المشاهدون:
 مأساة فلسطين في حجمها وفي حدتها أكبر مأساة إنسانية ألمت بالأمة العربية في تاريخها الحديث، ولا تزال هذه المأساة ساخنة، ولا تزال هذه المأساة ملتهبة، ولا تزال هذه المأساة متفجرة، ولا تزال أبعادها مفتوحة، ولا يزال حجمها متزايداً لدرجة أنها أصبحت مأساة العرب الكبرى، وقضيتهم الأولى، إنها قضية وجودهم، إنها قضية مصيرهم، إنها قضية حضارتهم، إنها قضية نكون أو لا نكون، وإذا اختلف النقاد في صحة ما يقال من أن الأدب محرك للأحداث فإنهم يتفقون على أنه صدىً لها، ولهذا كان أدب القضية الفلسطينية، لأن الأدب في أدنى حالة هو صدى للأحداث، وقد يكون أحياناً محركاً لها.
 لذلك انطلقت ألسنة الشعراء وأقلام الكُتّاب لتُعبِّر عن ضمير الأمة وما يعتلج فيه حيال قضية فلسطين من ألم ونقمة وتطلع إلى مستقبل تُمسح فيه تلك الجراحات وما أكثرها، ونميْز من أدب فلسطين عادة الأدب الذي كُتب قبل النكبة، والأدب الذي كُتب بعد النكبة، وأدب الأرض المحتلة، وأدب نكسة حزيران، وأدب حرب تشرين، ولا يتسع الوقت لبسط القول في كل هذه المراحل، بل نلتقط من كل مرحلة صورة أو أكثر نتوخى أن تكون معبرة في صدق عن مرحلتها.
 والآن إلى الأدب الفلسطيني قبل النكبة، انطلقت الجريمة ؛ جريمة اغتصاب فلسطين إلى واقع التنفيذ من وعد بلفور وزير الخارجية البريطاني للورد اليهودي ريتشيل عام ألف وتسعمائة وسبعة عشر، زاعماً أن فلسطين وطن بلا شعب فيجب أن تُعطى لشعب بلا وطن، وقد استطاع الشاعر المهجري إيليا أبو ماضي أن يفند مزاعم بلفور وأن يُعبِّر عن عمق المأساة وفداحة الخطب وعروبة القضية إذ يقول:

فخطب فلسطين خطب العلا وما كـان رُزء العلا هينا
سهرنـا لـه فكـأن السيوف تحز بأكبادنـا هـا هـنا
أأرض الخيــال وآيـاتـه وذات الجلال وذات السنا
تطير لغوغـائهـم مسرحـاً وتغدو لشُذَّاذهـم مسكنـا
ألا ليـت بلفـورا أعطاكـم بـلاداً لـه لا بلاداً لنـا

فليست فلسطين أرضاً مشاعا ً فتعطى لمن شاء أن يسكنا

أيها الإخوة المشاهدون:
 لقد تصاعدت الحركة الوطنية الفلسطينية منذ مطلع الثلاثينات لمواجهة هذه الجريمة النكراء وتصاعد معها الاهتمام العربي فكانت الثورات المتلاحقة قبل النكبة، وكانت الضحايا من أبناء فلسطين ومن أبناء الأقطار العربية المشاركة، وقد قدم الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان صورة دقيقة صادقة للفدائي الذي رأى منهج الحق مظلماً، والذي رأى خصوماً ببغيهم ضجت الأرض والسماء، يقول إبراهيم طوقان متحدثاً عن الفدائي البطل:

صامـت لـو تكلم لفظ النار والدما
قل لمن عاب صمته خُلِق الحزم أبكما
وأخو الحزم لم تزل يده تسبق الفمـا
لا تلوموه قـد رأى منهج الحق مظلما
وبلاداً أحبهـــا ركنها قد تهدمـا
وخصوماً ببغيهـم ضجت الأرض والسما

 صورة رائعة ودقيقة ومعبرة لهذا الإنسان الذي أراد انتزاع حقه بالقوة وقد رأى بعض الأدباء شبح النكبة قبل وقوعها فحذروا أبناء أمتهم من المصير الفاجع الذي يتهدد أبناء فلسطين بخاصة، وأبناء الأمة العربية بعامة، إن إبراهيم طوقان يتنبأ بهذا المصير المؤلم الذي انتهت إليه الأمة العربية في فترة ما من تاريخها، يقول إبراهيم طوقان:

أمامك أيهـا العربي يـوم تشيب لهوله سود النواصي
وأنت كما عهدتك لا تبالي بغير مظاهر العبث الرخاصِ
فلا رحب القصور غداً بباقٍ لساكنها ولا ضيق الخصاص
مصيرك بات يلمسه الأباني وسار حديثه بيـن الأقاصي

 ننتقل الآن إلى الأدب بعد النكبة، ووقعت النكبة عام ألف وتسعمائة وثمانية وأربعين، وكان وقوعها كالصاعقة أذلت وأذهلت، وقد أفاق الناس منها وآمالهم باسترجاع الأرض قد خابت، وأحلامهم بالنصر قد تبددت، وهذا عمر أبو ريشة يقف مُطرِق الطَّرف حزيناً وخجلاً من أمس أمته المشرق، وكيف آل إليه حاضرها، بعد أن كاد الدمع يذهب بكبريائه، يقول الشاعر عمر أبو ريشة وقد رأى أن أمته فقدت بهذه النكبة مكانتها العسكرية والحضارية بين الأمم:

أمتي هل لك بين الأمـم منبـر للسيـف أو للقلـم
أتلقاك وطرفـي مُطرقٌ خجلاً من أمسِكِ المنصرم
ويكاد الدمع يهمي عابثاً ببقايـا كبريــاء الألـم
كيف أغضيت على الذل ولم تنفضي عنك غبار التُّهم
اسمعي نوح الحزانى واطربي وانظري دمع اليتامى وابسمِ
واتركي الجرحى تداوي جرحها وامنعي عنها كريـم البلسم
ودعي القادة في أهوائها تتفانـى في خسيس المبرم
رب وامعتصماه انطلقت مـلء أفواه البنـات اليُتَّم
لامست أسماعهم لكنهـا لم تلامس نخوة المعتصـم

 يشير الشاعر إلى حقيقة تاريخية وهي أن امرأة هاشمية استنجدت بالمعتصم وقال في استغاثتها: وامعتصماه، فهب المعتصم على رأس جيش يفتح عمورية ويفك أسر هذه الهاشمية، لقد كانت نخوته العربية مضرب المثل.
ويا إخوتنا المشاهدين:
 هذا نزار قباني يصور بؤس اللاجئين الذين خرجوا من ديارهم هائمين على وجوههم، يضربون في الآفاق وتعصف بهم أعاصير البؤس والشقاء يقول من الشعر الحديث:

وأبحرت من شرق أوروبا مع الصباح سفينة تلعنها الرياح
وجهتها الجنوب تغص بالجرذان والطــاعون واليـهود
كانوا خلـــيطاً من سُـــقاطة الشـــــــعوب
من غرب بولـــــندا من النمسا من آخــر الأرض
من السعير جاؤوا إلى موطــــــننا الصغــــير
فلطخوا ترابنا وشردوا نساءنا ويتـموا أطفالنـــــا
ولا تزال الأمم المتحدة ولم يزل ميـــثاقها الخــطير
يبحث في حرية الشـعوب وحـــق تقرير المــصير

 إنه في الأبيات الأخيرة يسخر، وقد استيقظ في نفوس الأدباء الشعور بالخطر واتضحت أبعاد الكارثة أمام أعينهم، فيحذرون وينذرون، إن أبعاد الصهيونية بعيدة بعيدة، عريضة عريضة، إنها لا تقف عند حد، فلتقرع أجراس الخطر في كل بيت، ولتبق العيون مفتوحة، يقول الأستاذ الشاعر سليمان العيسى مؤكداً أن العرب إذا بقوا على ما هم عليه فسوف يؤخذ كل ما في أيديهم، وسوف يلفظهم وطنهم إلى خارجه، يقول:

وطن العروبة لا يعيش عليه إلا لاجئون
وغداً سيلفظنا غداً إن لم نفجره جنونا
تمضي بحافلها الحياة على رقاب الخانعين

 ويثير يا إخوتنا المشاهدين في قلوب المشردين من أبناء فلسطين شوق إلى الأهل، وحنين إلى الوطن، وحزن على الفراق، وهذا حسن البحيري يتنسم ألفاظ وطنه المغتَصَب في أريج الزهر يقول:

سألـت ذات حنيـن أختهــا والدجى يعقد أجفان الوسن
وصدى النجوى على أفق الربا يزفر اللهفة في ليل الشجن
أختي ما سر الشذى من زنبقٍ حيَّر الأدمع في جفن الزمن
فأجابتهـا بلحــن شــارد رنّ فاهتز له عِطف الفنن
يا ابنة الأيك ويا أخت الشجى أرج الزنبق أنفاس الوطن

 والآن ننتقل إلى أدب الأرض المحتلة، قسم من عرب فلسطين تشبث بالأرض، ورفض الرحيل، وبقي ملتصقاً بتراب وطنه دافعاً ثمن بقائه غالياً، وقد برز من بين هؤلاء أدباء شبان جعلوا من الأدب سلاحاً في معركة التشبث بالأرض وتحدي المحتل الدخيل، وقد وُصف أدب الأرض المحتلة بأنه أدب واقعي ونضالي ومأساوي ومتفائل، لأنه كُتب في قاع السجون، وكُتب تحت سياط الجلادين، ويكفي أن نقرأ أبيات محمود درويش حتى نجد سمات أدب فلسطين، سمات أدب الأرض المحتلة متمثلة فيها، يقول الشاعر:

يا دامي العينين والكفين إن الليـل زائـل
لا غرفة التوقيف باقية ولا زرد السلاسل
نيرون مات ولم تمت روما بعينيها تقاتل
وحبوب سنبلة تجف ستملأ الوادي سنابل

 وقد أخذ أدب الأرض المحتلة أبعاد عدة، في مقدمتها رفض الاحتلال وإدانته، وهذا سميح القاسم يعبِّر عن هذا الرفض فهو لن يساوم مهما كلفه ذلك بل سيقاوم حتى آخر نبض من عروقه:

ربما تسلبني آخر شبر من ترابي ربما تطعم للسجن شبابي
ربما تسطو على ميراث جدي من أثاث وأوانٍ وخوابي
ربما تحرق أشعاري وكتبي ربما تطعم لحمي للكلاب
ربما تبقى على قريتنا كابوس رعب يا عدو الشمس
لكن لن أساوم وإلى آخر نبض في عروقي سأقاوم

أيها الإخوة المشاهدون:
 لقد قام الوجود الصهيوني على الإرهاب والعدوان، فارتكب مذابح بشعة لإبادة الإنسان العربي واجتثاث جذوره من الأرض العربية، وليست مذبحتا صبرا وشاتيلا عنا ببعيد، وهذا الشاعر سالم جبران يدين الصهاينة على مذبحة كفر قاسم إذ حتى القبور تسأل لِمَ قُتِل هؤلاء ؟ وما الذنب الذي ارتكبوه ؟

الدم لم يجف والصرخة ما تزال
تمزق الضمير والقبور مفتوحة في فمها أكثر من سؤال
ولم يزل مُدخَل كفر قاسم مروعاً من هول تلك الليلة السوداء

 والآن ننتقل إلى أدب حرب حزيران أو أدب نكسة حزيران، لقد وقعت النكسة، نكسة حزيران، وكانت خيبة الأمل كبيرة، بل كانت هذه النكسة الخطيرة زلزالاً عنيفاً هزّ الإنسان العربي من أعماقه ووضعه موضع الاتهام أمام نفسه وأمام العالم كله، وقد وقف الأدباء من هذه النكسة الدامية موقفين ؛ موقفاً سلبياً تمثل بتوجيه أصابع الاتهام وإبراز نقاط الضعف وتصوير التمزق والانقسام العربي، يقول نزار قباني:

يا حزيران أنت أكبـر منا وأب أنت ما لـه أبناء
من هم الأبرياء نحن جميعاً حاملو عاره ولا استثناء

 ويقول عبد الوهاب البياتي:

طحنتنا في مقاهي الشرق حرب الكلمات
والأكاذيب وفرسان الهواء شغلتنا الترهات

 ومن الأدباء من وقف موقفاً إيجابياً يثق بقدرة الإنسان العربي على محو عار النكسة والتطلع إلى مستقبل مشرق، يقول سميح القاسم:

ضربة البرق التي تنقض في عِرض الطريق
تغمر العابر بالضوء ولو كان حريق

يذكر القارئ أو لا يذكر القارئ
لكني لكي يفهم كل الناس ما قلت أعيد
نحن في الخامس من شهر حزيران ولدنا من جديد

 والآن إلى الفقرة الأخيرة وهي أدب حرب تشرين:

أقاتل كي أرد إلى خدود رمالنا السمرة
مفاتيح البيوت وطال طال الشوق والهجرة
أرد لجبهة التاريخ كل تألق الغُرَّة
أرد كرامة الإنسان معنى أرضي الحرة

 لقد أراد الشاعر سليمان العيسى أن يحدد الأهداف التي توختها حرب تشرين، إنها تحرير الأرض وعودة الإنسان العربي المشرد إلى بيته، واسترداد الكرامة العربية التي جرحتها نكسة حزيران، ومحاولة لإحياء بعض الأمجاد التاريخية التي يُكثر العرب من الحديث عنها.
أعزائي المشاهدين:
 لم يكن هذا اللقاء بحثاً مستقصياً لأدب القضية الفلسطينية فهذا ما لا تستوعبه الساعات الطوال، ولكنه باقة مختارة من أدب فلسطين مُنسقة وفق مراحلها التاريخية، فمثل هذا الموضوع لا يعني الطلاب وحدهم، بل يعني كل إنسان عربي تجري في عروقه دماء أجداده.
أيها الإخوة المشاهدون إلى لقاء آخر والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS