12103
أحاديث رمضان 1431 - أمثال القرأن الكريم - الدرس (28-34) : الحديث الشريف ( ذاكر الله في الغافلين كالمقاتل خلف الفارين ....)
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2010-09-07
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

الذكر :

ذاكر الله في الغافلين كغصن أخضر في شجرٍ يابس
أيها الأخوة الكرام، ومن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي تتضمن بعض الأمثال قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مالك بن أنس رضي الله عنه قال:

(( بلغني أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: ذَاكرُ الله في الغافلين كالمُقَاتِل خَلْفَ الفَّارِّينَ، وذاكِرُ الله في الغافلين كغُصْنٍ أخضرَ في شجرٍ يابِسٍ- وفي رواية: مَثَلُ الشجرة الخضراء في وسط الشجر - وذاكر الله في الغَافلينَ مثل مِصْبَاحٍ في بَيْتٍ مُظْلِمٍ، وذاكر الله في الغافلين يُريهِ اللهُ مَقْعَدَهُ من الجنَّة وهو حَيٌّ، وذاكِرُ الله في الغافلين يُغْفَرُ له بِعَدَدِ كلِّ فَصيحٍ وأعجم. والفصيحُ: بنو آدم، والأعجمُ: البهائم ))

[أخرجه زيادات رزين عن مالك بن أنس]

الموضوع بالذكر، وقد أكدت لكم سابقاً أنه من أوضح الأحاديث الشريفة التي تتحدث عن الذكر ما ورد في الحديث القدسي أن الله سبحانه وتعالى يبين أن الذاكر في أعلى مرتبة.

الفرق بين الذاكر و غير الذاكر كالفرق بين العظيم والصغير :

الفرق بين الذاكر وغير الذاكر كالفرق بين العظيم والصغير
أيها الأخوة، مرة ثانية: الذكر أن تذكر الله، داعياً له، مستغفراً له، معتمداً عليه، متوكلاً، قارئاً لكتابه، متتبعاً لأحكام الشرع، أيّ نشاط ديني يقربك من الله فهو من الذكر، لذلك الذكر يدور مع الإنسان حيثما دار.

(( ذَاكرُ الله في الغافلين كالمُقَاتِل خَلْفَ الفَّارِّينَ ))

المقاتل مقدم وليس محجماً، والفار هارب وليس مقبلاً، المؤمن يقبل على الجنة، وغير المؤمن يفر منها إلى النار، فرقٌ كبير، فرق يبلغ حدّ التناقض.

(( ذَاكرُ الله في الغافلين كالمُقَاتِل خَلْفَ الفَّارِّينَ ))

أحياناً يكون الفرق بين شخصين فرق بالدرجة، بالدرجة فقط، وأحياناً يكون الفرق بين شخصين فرق في النوع، فالفرق بين الذاكر وبين غير الذاكر ليس فرقاً في الدرجة بل هو فرقٌ في النوع، أي الذاكر ذَهَب، وغير الذاكر معدن خسيس، الفرق بين الذاكر و غير الذاكر كالفرق بين النفيس والخسيس، بين العظيم والصغير.

المؤمن من ثمار إيمانه أن الله يلقي في قلبه نوراً يرى به الحق حقاً والباطل باطلاً :

النبي الكريم في هذا الحديث الصحيح يبين مكانة الذاكر:

(( ذَاكرُ الله في الغافلين كالمُقَاتِل خَلْفَ الفَّارِّينَ، وذاكِرُ الله في الغافلين كغُصْنٍ أخضرَ في شجرٍ يابِسٍ ))

من ثمار الإيمان نورٌ يلقيه الله تعالى في قلب المؤمن
وكلكم يعلم أن الغصن الأخضر نضر، جميل، فيه حياة، فيه أوراق، فيه فواكه، فيه ثمار، أما الغصن اليابس فحطب مصيره الإحراق.

(( وذاكر الله في الغَافلينَ مثل مِصْبَاحٍ في بَيْتٍ مُظْلِمٍ))

مثل مصباح، المؤمن مستنير، المؤمن من ثمار إيمانه أن الله سبحانه وتعالى يلقي في قلبه النور، يرى الحق حقاً، والباطل باطلاً، يتخذ قراراً صحيحاً لأن رؤيته صحيحة، وغير المؤمن يتخذ قراراً أحمقاً ومدمراً، لأنه أعمى لا يرى الحق، والآية الكريمة:

﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾

[سورة الحج]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾

[سورة الحديد الآية:28]

(( وذاكِرُ الله في الغافلين كغُصْنٍ أخضرَ في شجرٍ يابِسٍ وذاكر الله في الغَافلينَ مثل مِصْبَاحٍ في بَيْتٍ مُظْلِمٍ ))

المؤمن بقلبه يبتعد عن الباطل ويقبل على الحق :

أخواننا الكرام، قضية النور قضية علمية، العلم نور، الآن أنت تمشي في الطريق، قد تجد حفرة تبتعد عنها، قد تجد أكمة تبتعد عنها، تسلك الطريق السالم، لأن هناك رؤية، لو إنسان أغمض عينيه لا بدّ من حادث، أو سيارة بلا مصابيح، والطريق متعرج، وهناك أكمات وحفر، وعلى يمينه واد، فهناك حادث حتمي.
المؤمن بقلبه يبتعد عن الباطل ويقبل على الحق
فلذلك الرؤية، أي أنت في سلام مع الله، ترى الحق حقاً، والباطل باطلاً، ترى الخير خيراً، والشر شراً، لكن الأعمى قد يرى الخير شراً، والشر خيراً، لذلك الدعاء الشريف: "اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه".
هذه الأحاديث يلي فيها كلمة مثل، هي بالحقيقة صور بيانية في البلاغة، معنى صور بيانية أي تعتمد على التشبيه، أو الاستعارة، أو الكناية، فالذاكر يُشبّه بالمقاتل، وما حوله فار من المعركة، الذاكر يشبّه بشجرة خضراء نضرة، ظلها ظليل، ثمارها يانعة، وغير المؤمن، غير الذاكر، شجرة يابسة، لا ظل لها، ولا أوراق، ولا ثمار.

(( وذاكر الله في الغَافلينَ مثل مِصْبَاحٍ في بَيْتٍ مُظْلِمٍ ))

أي المؤمن بقلبه يبتعد عن الباطل لأنه يرى الباطل باطلاً، يقبل على الحق لأنه يرى الحق حقاً.

(( وذاكر الله في الغافلين يُريهِ اللهُ مَقْعَدَهُ من الجنَّة وهو حَيٌّ ))

﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾

[سورة القمر]

المؤمن سريع التوبة و سريع العودة إلى الله عز وجل :

مرة ثانية: الفرق كبير كبير بين المؤمن وبين غير المؤمن، هو الفرق بين الميت والحي، وهناك أدلة قرآنية:

﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ ﴾

[سورة الأنعام الآية:122]

كان قبل الإيمان ميتاً.

وليس من مات فاستراح بميت ٍ إنما الميت ميت الأحياء
* * *

المؤمن سريع التوبة وسريع العودة إلى الله عز وجل
حي لكنه ميت، لذلك لسيدنا علي كلام رائع، قال له: يا بني! العلم خير من المال، لأن العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، والمالُ تنقصه النفقة، والعلمُ يزكو على الإنفاق، يا بني! مات خزان المال وهم أحياء - وهو حي ميت- والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة، إذاً المؤمن حي، حياة القلب، حياة الروح، حياة المبادئ، حياة القيم، حياة العمل، حياة الآخرة، حياة إدراك سر وجوده، وغاية وجوده.

((وذاكِرُ الله في الغافلين يُغْفَرُ له بِعَدَدِ كلِّ فَصيحٍ وأعجم))

لأنه يستغفر، والمؤمن سريع التوبة، سريع العودة إلى الله، المؤمن دائماً يُقيّم نفسه، لذلك من علامات المؤمن أنه لا يجامل نفسه، بل يحاسبها حساباً عسيراً، ومن حاسب نفسه بالدنيا حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً، ومن حاسب نفسه في الدنيا حساباً يسيراً كان حسابه يوم القيامة عسيراً.

الأمور بخواتيمها :

أيها الأخوة، مرة ثانية:

((ذَاكرُ الله في الغافلين كالمُقَاتِل خَلْفَ الفَّارِّينَ، وذاكِرُ الله في الغافلين كغُصْنٍ أخضرَ في شجرٍ يابِسٍ وذاكر الله في الغَافلينَ مثل مِصْبَاحٍ في بَيْتٍ مُظْلِمٍ، وذاكر الله في الغافلين يُريهِ اللهُ مَقْعَدَهُ من الجنَّة وهو حَيٌّ))

لذلك ورد أن المؤمن لكرامته عند الله حينما يوافيه الأجل يريه الله مقعده في الجنة، فقالوا: يعرق عرق الخجل، أي هو ما قدم من العمل ما يوازي هذه المكانة، وهذه الرفعة، وهذا المقعد العظيم عند الله عز وجل، فالإنسان أحياناً قد يستعجل الأمور، لكن المؤمن حينما أراد الآخرة وكانت دنياه لا كما يتمنى، لكنه أراد الآخرة، هذا هو العاقل، أنا أضرب مثلاً للتقريب: إنسان يمشي بمركبة من المهاجرين إلى مركز المدينة، يركب مركبة فخمة جداً، وإنسان آخر يتجه مشياً على قدميه من مركز المدينة إلى حيّ المهاجرين، التقيا في وسط الطريق، إنسان راكب مركبة فخمة جداً، وإنسان يمشي على قدميه، لو أن هذا الذي يمشي على قدميه حينما يصل إلى قمة الجبل سيتملك أجمل قصر هناك، والذي يملك هذه المركبة الرائعة سوف يشنق في مركز المدينة، فأنت رأيت إنسانين التقيا في الطريق، تقول هنيئاً لمن؟ تقول هنيئاً لمن يمشي على قدميه وسوف يتملك هذا القصر الجميل، والويل لمن يرتدي أجمل الثياب، ويركب أجمل المركبات، لكن مصيره إلى القتل والإعدام.
فالأمور بخواتيمها، الأمور بالنهايات.

المؤمن وعده الله بالجنة و هذا الوعد يمتص كل متاعب الدنيا :

الأمور بخواتيمها، والمؤمن وعده الله بالجنة
المؤمن وعده الله بالجنة، ومصيره إلى الجنة، هذا الوعد يمتص كل متاعب الدنيا، الوعد بالجنة، والدليل:

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

[سورة القصص]

لذلك :

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾

[سورة السجدة]

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

[سورة الجاثية]

أيها الأخوة الكرام، هنيئاُ لمن ذكر الله في الدنيا وعرفه فكان من أصحاب

﴿ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS