1821
ندوات إذاعية - إذاعة دارالفتوى - منهج التائبين - الحلقة 23 - 30: صور من الواقع.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2001-12-19
بسم الله الرحمن الرحيم

 المذيع:
 بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه.
 أيها الإخوة المستمعون، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نحييكم في مستهل هذه الحلقة من برنامج منهج التائبين، أرحب بفضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي، أحد أبرز علماء دمشق ودعاتها، أهلاً ومرحباً بكم، وجزاكم الله عنا خير الجزاء في هذه السلسلة من الحوارات، وما فيها من توجيهات قيمة لأخلاق التائبين ومنهجهم.
 فضيلة الشيخ، بعد أن تناولنا صور عدة من الواقع المعاش، هذه صورة أخرى خاطب ملتزمًا بمنهج الله، تائبًا سائرًا على طاعته، ويتجنب نواهيه، يريد أن يرتبط بمخطوبته، وهي على شيء من المعصية والتفلت، يقبل بها مخطوبة، وعندما يتم عقد القران يفرض عليها منهجه على أنه المنهج الصحيح، وهو كذلك، ولكن يفرضه فرضاً من منطلق أنها أصبحت في ذمته، ومسؤول عنها يوم القيامة، فكيف يمكن أن نعالج هذه المعضلة التي قد تنفر هذه المخطوبة من خطيبها ؟
 الأستاذ:
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 قضية الخطبة بين الخاطب ومخطوبته تنتظمها علاقة ذكرها الله عز وجل، وذكرها النبي عليه الصلاة والسلام، ذكرها الله عز وجل في قوله تعالى:

﴿وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾

(سورة النور)

 وقد نتوهم أن هذا حكم تكويني، ليس كذلك، هو حكم تكليفي، لو أن هذه الآية حكم تكويني ماذا نفعل بزوج صالح مع زوجة سيئة ؟ أو زوجة صالحة ولية مع زوج سيئ ؟ العلماء أجمعوا على أن هذه الآية لا تعني أنها حكم تكويني، بل إنها تعني أنها حكم تكليفي، أي احرصوا يا عبادي.
 المذيع:
 لنشرح هذا المصطلح حكم تكويني وحكم تكليفي.
 الأستاذ:
 الأحكام التكوينية أفعال الله، بينما الأحكام التكليفية أوامره ونواهيه، أنا في طريق وضعت لوحة في أوله مكتوب عليها: " ممنوع المرور "، هذا أمر تكليفي، الطريق مفتوح، وبإمكاني أن أسير فيه، لكن أتحمل جزاءً مِن قِبل واضعي قوانين السير، فاللوحة ممنوع المرور، هذا حكم تكليفي، أما إن وجدت أربع مكعبات إسمنتية قد أغلقت الطريق نقول: هذا حكم تكويني، أنا لا أستطيع أن أتجاوزه، لوجود كتل إسمنتية تحول بيني وبين السير في هذا الطريق، فالحكم التكويني أفعال الله، بينما الحكم التكليفي أوامره ونواهيه، ولله المثل الأعلى، فحينما يقول الله عز وجل:

﴿وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾

 هذا حكم تكليفي، أي ينبغي أن يكون الطيبون للطيبات، احرصوا يا عبادي على أن يكون الطيبون للطيبات، هذا أصل في هذا الموضوع، ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ، لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ ))

(صحيح البخاري)

 يوجد حديث فيه تفصيلات أكثر:

(( من تزوج المرأة لجمالها أذله الله ـ لجمالها فقط لم يعبأ بدينها، ولا بأخلاقها، ولا بتربيتها ـ ومن تزوجها لمالها أفقره الله، ومن تزوجها لحسبها زاده الله دناءة، فعليك بذات الدين تربت يداك ))

(ورد في الأثر)

 هذه آية وهذا حديث.
 الطرف الآخر، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ ))

(سنن الترمذي)

 عندنا فتاة ينبغي أن نبحث عن شاب ذي دين وخلق، وعندنا شاب ينبغي أن نبحث له عن فتاة مقبول أن تكون جميلة، وأن تكون ذات حسن ونسب، ولكن ينبغي أن تكون دينة، وهذا هو الأصل في القبول، لكن الذي يحصل أن شاباً أعجب بفتاة، تعامى عن تفلتها من منهج الله، فلما أصبحت عنده أعطاها أوامر مشددة دون أن يمهد لها، عندئذ يواجه مشكلة عويصة لا حل لها، هي متشبثة بما هي عليه قبل الزواج، وهو يريد أن يحملها بالعنف والقوة والقهر، وتهديدها بالطلاق بالالتزام بمنهج الله عز وجل، هذا موقف غير حكيم إطلاقاً.
 المذيع:
 كيف نعالج هذه المشكلة ؟
 الأستاذ:
 نحن في الأصل نعالجها وقاية لا نقع فيها.
 مرة سأل معاوية بن أبي سفيان عمر بن العاص رضي الله عنه قال: ما بلغ من دهائك ؟ قال: والله ما دخلت مدخلاً إلا أحسنت الخروج منه، فقال له معاوية: لست بداهية، أما أن والله ما دخلت مدخلاً أحتاج أن أخرج منه.
 الإنسان العاقل يتزوج امرأة لا يحتاج أن يطلقها، الأقل عقلاً إن تزوج امرأة، ولم تكن كما تتمنى بحكمته يصلحها، فأنت بين أن تتزوج امرأة وفق أهدافك تماماً، هذا يحتاج إلى بحث طويل، وإلى صبر مديد، لكن إن أخذت امرأة، ولم تكن كما تتمنى ينبغي أن تعاملها بالرفق.

﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾

(سورة النساء)

 آية دقيقة جداً، فأنت حينما تهتدي إلى الله، والذين حولك لم يكونوا كذلك، كيف أن الله صبر عليك ؟ ينبغي أن تصبر عليها، لذلك الزوجة يمكن أن تقمعها، ولكن ماذا تدري ماذا تفعل في غيبتك ؟ ولكنك إذا علمتها، وربيتها كانت في غيبتك كحضرتك.
 هذه قضية مهمة جداً، الزوج القاسي جداً والقامع تفعل زوجته أمامه ما يريد، فإذا ولّى ظهره فعلت ما تريد.
 نحن فيما يتعلق بشأن الخطوبة ينبغي أن أبين لمخطوبتي بادئ ذي بدء أنني مسلم ملتزم، وأن هناك أشياء لا يمكن أن أقبل بها، أنا أتسامح مع الخطيب ألا يوهم مخطوبته بطاعته، وهي في بيت أهلها، أن يعد وجودها في بيت أهلها استمراراً للماضي، في أثناء الخطبة ينبغي أن يبين لها أنني مسلم ملتزم، لا أسمح بالاختلاط، ولا بكذا ولا بكذا، يوجد أشياء ممنوعة في حياتنا، وأشياء مباحة، نأخذ منها بقدر، وأشياء واجبة علينا أن ننفذها، لماذا كانت الخطوبة تمهيداً للزواج ؟ ليست الخطوبة من أجل أن يستمتع بها فقط، من أجل أن يبين لها مبادئه وقيمه، وعاداته وتقاليده، وما ينبغي وما لا ينبغي.
 أنا لا أنسى هذه المرأة التي خطبها زوجها فقامت، وخطبت قالت: " أما بعد، فيا أبا أمية، إنني امرأة غريبة، لا أعرف ما تحب، وما تكره، فقل لي ما تحب حتى آتيه، وقل لي ما تكره حتى أجتنبه، ويا أبا أمية، لقد كان لك من نساء قومك من هي كفء لك، وكان لي من رجال قومي من هو كفء لي، ولكن كنت لك زوجة على كتاب الله وسنة رسوله، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، فاتّق الله فيّ، وامتثل قوله تعالى:

﴿ فإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾

 كلام طيب ‍! فأنت في فترة الخطوبة ينبغي أن تبين لهذه الفتاة التي تعلقت بك ما ينبغي وما لا ينبغي، ما يجوز وما لا يجوز، أنا أعد من حكمتك أيها الخاطب أن تتساهل معها وهي في بيت أهلها، لكن حينما تبين لها كل ما تريد منها إذا جاءت إلى البيت ينبغي أن تلتزم، وإلا تنشأ مصائب تنتهي بالطلاق، ومن بعض الأحاديث:

(( تزوجوا ولا تطلقوا ))

 أنا أفهم هذا الحديث فهماً دقيقاً: تزوج امرأة إذا اختارها من أسرة متفلتة تُرتكب المعاصي في هذه الأسرة كما يشرب الماء.
 المذيع:
 على رجاء أن يقومها، وأن يصلح حالها، وهي كذلك على رجاء أن تصلح حاله، في حال كانت الصورة معكوسة، فما رأيكم ؟
 الأستاذ:
 لا ننتظر المعجزات، فتاة نشأت عشرين عاماً في بيت متفلت أشد التفلت، وليس في البيت قيمة دينية واحدة، وليس فيه صلاة ولا صيام، وفيه اختلاط يفوق حد الخيال، وفيه انسلاخ من الدين شديد، أنا لا أعتقد أن هذه الفتاة يمكن أن أغامر، وأخطبها، وأصلحها، أما إذا عندها بذرة، عندها رغبة أن تكون ملتزمة، أنا أتقدم لخطبتها، حينما أشعر أن هذه الفتاة تريد أن تكون صالحة، لكن بيئتها سيئة، هذه ممكن أن آخذها لأصلحها، أما حينما يعجبني في فتاة جمالها فقط، ولا أعبأ ببيئتها ولا بتربيتها ولا بأهلها، ولا بتفلتهم عندئذ سوف أدفع الثمن باهظاً، حينما تأتي إلى بيتي.
 المذيع:
 عليه أن يهيئ الأسباب لزواج ليس بعده طلاق.
 الأستاذ:
 الأكمل أن يتزوج امرأة لا يحتاج إلى تطليقها، والأقل كمالاً أن يتزوج فتاة ليست على ما يريد، لكنه يحملها على ما يريد بالحكمة والموعظة الحسنى، وهذه امرأة لها شعور، ولها فكر، ولها عقل، ولها قلب، فأنا حينما أطرق بابَ عقلها تارة، وباب قلبها تارة، وحينما أكون محسناً لها، وقدوة لها لا شك أنها سوف تنصاع إلى أمري، أما حينما أكون أنا أتبع شهوتي، ثم ألزمها أن تكون عفيفة طيبة فهذا شيء مرفوض، وهو واسع الانتشار، هو يطلق لبصره العنان، ويتكلم ما يريد، ويلتقي مع من يريد، ويطيل الحديث مع من يريد، فإذا نظرت إلى رجل عنفها، ووبخها وأدبها، كن لها قدوة أنت، كما أنك تتمناها عفيفة طاهرة ينبغي أن تراك أنت عفيف طاهر.
 لذلك من أروع الآيات في هذا الموضوع:

﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾

(سورة البقرة)

 حتى إن ابن عباس رضي الله عنه يقول:

(( والله إني أتزين لزوجتي كما أحب أن تتزين لي ))

﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾

 درجة القيادة، لا كما بين جندي وقائد جيش ‍! بل بين رتبتين فقط، لا بين أقل رتبة وأعلى رتبة، هذه الدرجة الواحدة درجة القيادة، بل إن الله عز وجل يقول:

﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾

(سورة الطلاق)

 تأمرها وتأمرك، تنصحها وتنصحك، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام كان قدوة لنا حينما استشار زوجته أم سلمة حينما أراد أن يعتمر، ومنع أن يعتمر، وأصبح هناك اتفاقية بينه وبين قريش، فلما أمر أصحابه أن يحلقوا رؤوسهم، وأن يتحللوا تألموا ألماً شديداً فتلكؤوا، فذهب دخل إلى خيمته غاضباً قالت له يا رسول الله: احلق وتحلل أنت وهم يتبعوك، فأخذ بنصيحة أم سلمة، هكذا !
 المذيع:
 هنا تصح المقولة: إن الوقاية خير من العلاج، هذا الخاطب عليه أن يتخير بحسن اختيار الزوجة أو المخطوبة، وإلا لا عليه أن يفاجئها بأوامره ونواهيه، ويريدها على منهج الله كما هو عليه بعد أن تصبح في ذمته وفي منزله، هنا يأتي الاتفاق على هذه الأمور في أثناء فترة الخطوية التي جعلت لذلك.
 الأستاذ:
 أخطر شيء في حياة الإنسان اختيار زوجته، لأنها ستغدو أم أولاده، فإذا أنجب منها ولداً كان الفراق صعبًا جداً، الطفل يتمزق، أما أنا فيمكن أن أغير مركبتي من حين إلى آخر، وأغير بيتي.
 أقول مرة ثانية: حرفة الإنسان وزوجته ألصق شيئين به، فكلما كان اختياره متأنياً وموفقاً سعد بزوجته إلى أمد طويل، وكلما كان متسرعاً في اختيار زوجته شقي بها، وشقيت به.
 المذيع:
 اللهم اجعلنا هادين مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، أشكركم فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي، أشكر الإخوة المستمعين لحسن إصغائهم، ومتابعتهم لبرنامج منهج التائبين، ملتقانا في الغد بإذن الله تعالى، حتى ذلك الحين لكم التحية، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS