6072
الفقه الاسلامي - العبادات التعاملية - البيوع - الدرس ( 5 - 8 ) : البيوع الجائزة.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1996-11-17
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

البيع والشراء من أوسع نشاطات الإنسان :

 أيها الأخوة الكرام، من خلال الدروس السابقة تبين أن الإنسان حينما يعرف الله عز وجل ينطلق برغبة شديدة إلى معرفة أمره ونهيه، لأنك إن عرفته لابد من أن تتقرب إليه، وأول شيءٍ تتقرب إليه أن تطيعه، ومن لوازم طاعته أن تعرف أمره ونهيه، ولأن موضوع البيع والشراء نشاط واسع جداً لا يعفى منه إنسان، ما من إنسان إلا ويشتري ويبيع، لأن الإنسان في الأصل أراده الله اجتماعياً، كيف يشتري ويبيع؟ سمح له أن يتقن شيئاً وهو محتاج إلى مليون شيء، فيبيع ما عنده ويشتري ما عند الآخرين، الله عز وجل أرادنا أن نكون في مجتمع، وسمح لكل منا أن يختص، فالذي تبيعه هو اختصاصك، والذي تشتريه هو ما تحتاجه.
نشاط البيع والشراء هو من أوسع نشاطات الإنسان، وبينت في دروس ثلاث سابقة البيوع المحرمة التي حرمها الله عز وجل من خلال بيان النبي عليه الصلاة والسلام.

من البيوع الجائزة :

1 ـ بيع الأخرس :

 واليوم ننتقل إلى البيوع الجائزة، هناك بيوع قد يتوهم بعضنا أنها محرمة وإنها جائزة، من هذه البيوع بيع الأخرس، بيع الأخرس صحيح إذا أفصح عن رضاه بإشارة مفهمةٍ أنه رضي بشراء هذه الحاجة، ورضي بدفع ثمنها المحدد، كأن يعطي الشيء للمشتري أو يأخذ المشتري السلعة، إذا أعطاه الثمن معنى هذا أنه رض، وإذا قبض السلعة معنى أنه رضي، إذا هزّ برأسه معنى هذا أنه رضي، إذا أشار بيده معنى هذا أنه رضي، فالأخرس بيعه جائز، قال: إن لم يستطع الأخرس التعبير عن رضاه بوسيلة متعارف عليها قام وليه بالبيع والشراء نيابة عنه، والذي يلفت النظر أن الله سبحانه وتعالى لحكمةٍ بالغة إذا سلب من إنسان قدرةً، أو عضواً، أو حاسةً، يعوضه أضعافاً مضاعفة، مرة كان أحد طلابي في الجامعة كفيف البصر، جاء وقت الامتحان، امتحنته وهو يلقي درساً، الذي لا يصدق أنه يتحرك بين الطلاب فإذا وصل إلى الحائط قبل سنتمترات يعود، بقي مع الطلاب أسبوعين أو ثلاثة يتوجه للطالب ويقول له: تكلم فلان وهو كفيف البصر، رأيت منه العجب العجاب، أي ممكن أن يتحسس حدود الصف، يتعرف إلى أماكن الطلاب، يسأل طالباً ويتوجه نحوه، فالله سبحانه وتعالى حينما يسلب من إنسان حاسةً يعوضه قدرات فائقة في حواس أخرى.
 فأول موضوع في درسنا بيع الأخرس صحيح بشرط أن يعبر عن رضاه بحركة بقبض المبيع، أو هز رأسه، أو حركة يديه، فإن لم يستطع التعبير عن رضاه بحركة أو بإشارة أو بعمل يقوم حينئذ وليه بالبيع والشراء.

2 ـ بيع الأعمى :

 البيع الآخر، جائز بيع الأعمى، يجوز بيع الأعمى وشراؤه إذا كان يعرف السلعة معرفةً تامة، عن طريق اللمس، أو الشم، أو الذوق، أو كان قد رآها قبل إصابته بالعمى، أو وصفت له وصفاً يفيد العلم بها، أو وصفاً يفيد الاطمئنان إليها، عندئذ يجوز بيع الأعمى ومرّ معي حديث:

(( ترك السلام على الضرير خيانة))

[ الجامع الصغير عن أبي هريرة]

 أي أخ كريم يسير في الطريق لا يراك إن لم تسلم عليه فقد خنته، يجب أن تسلم عليه، يوجد حكم خاص بفاقد البصر إن لم يستطع معرفة أوصاف هذه السلعة معرفة تامة جاز له أن يشتريها بشرط، أن يكون له الخيار في ردها، يأخذها إلى بيته تراها زوجته، يراها أولاده، إن أعجبتهم تمّ البيع، وإلا من حقه أن يرد المبيع، هذا حكم خاص بالعمى أما لو أن مع الأعمى بصيراً والبصير رآها و وصفها له قال: لزمه البيع ولا خيار له، لأن هذا البصير كان بمنزلة الوكيل.

3 ـ بيع المزايدة :

 قد تتساءلون ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:

((لا يَبِعْ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ إِلا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ ))

[متفق عليه عَنِ ابْنِ عُمَر]

 وفي النسائي:

(( عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ حَتَّى يَبْتَاعَ أَوْ يَذَرَ ))

[النسائي عَنِ ابْنِ عُمَر]

 هناك نهي جازم أن تبتاع على بيع أخيك، أو أن تشتري على شراء أخيك، أو أن تخطب على خطبة أخيك، إلا أن هناك استثناءً رحمة بالمسلمين أردت أن تبيع حاجةً بأعلى سعر، لك أن تبيعها مزايداً، لو سألني أحدكم أين وجه التفضيل بينهما؟ لو أنك اشتريت سلعةً من أخ كريم ثم جاء أخ ثالث أفسد بينكما، وباعك سلعةً مشابهة بسعر أدنى على بيعه أو اشترى منك سلعة مشابهة بسعر أعلى على شراء، قامت عداوة بينك وبين أخيك، هذا البيع يسبب عداوات، أما حينما تقول: معي هذه الحاجة من يشتريها بأعلى ثمن؟ قام أحدهم قال: عليّ بدرهمين، قام الثاني قال: عليّ بثلاثة دراهم، هنا فرق كبير، البيع على البيع مداخلة على بيع حصل أما بيع المزايدة فليس هناك مداخلة، لم يشترها أحد، تبيعها أنت لمن يدفع أكثر.

قصة دقيقة جداً لها دلالات تشريعية :

 الحقيقة أن هناك قصة دقيقة جداً ومعبرة جداً ولها دلالات تشريعية بالغ، هذه القصة هي أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه رجل يسأله مالاً- صدقة- فقال عليه الصلاة والسلام أما عندك شيء؟ روى أبو داود في سننه :

((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ، فَقَالَ: أَمَا فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ، قَالَ: بَلَى حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ وَقَعْبٌ نَشْرَبُ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ، قَالَ: ائْتِنِي بِهِمَا، قَالَ: فَأَتَاهُ بِهِمَا فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ وَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ، قَالَ: مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ وَأَعْطَاهُمَا الأنْصَارِيَّ، وَقَالَ: اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ وَاشْتَرِ بِالآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي بِهِ فَأَتَاهُ بِهِ فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُودًا بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ اذْهَبْ: فَاحْتَطِبْ وَبِعْ وَلا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَةً فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لا تَصْلُحُ إِلا لِثَلاثَةٍ لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ أَوْ لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ ))

[أبو داود عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]

 هذه القصة وردت في الصحاح، لك أن تبيع بالمزايدة، بالمقابل ولك أن تشتري بطريقة المناقصة، تشتري بالمناقصة وتبيع بالمزايدة، إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام لماذا فعل هذا؟ رجل سأله صدقةً، سأله مالاً، قال: أعندك شيء؟ ويبدو أن هذا السائل فقير جداً:

((... فَقَالَ: أَمَا فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ، قَالَ: بَلَى حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ وَقَعْبٌ نَشْرَبُ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ، قَالَ: ائْتِنِي بِهِمَا، قَالَ: فَأَتَاهُ بِهِمَا فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ وَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ، قَالَ: مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ وَأَعْطَاهُمَا الأنْصَارِيَّ... ))

[أبو داود عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]

 ثم توجه النبي إلى صاحب الحلس والقعب السائل:

((.. وَقَالَ: اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ وَاشْتَرِ بِالآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي بِهِ...))

[أبو داود عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]

 تروي الكتب الصحيحة أن النبي عليه الصلاة والسلام شدّ بيده الشريفة على هذا القدوم يداً خشبية وقال: اذهب واحتطب:

((... فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُودًا بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ اذْهَبْ: فَاحْتَطِبْ وَبِعْ وَلا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا...))

[أبو داود عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]

 طبعاً أول استنباط أن النبي عليه الصلاة والسلام أدرك حقيقةً عميقةً جداً أن الإنسان لا يستطيع أن ينتج ولا أن يعمل إذا كان في بيته حاجة، أو في مرض، أو في انهيار، أو في جوع فقال له:

((.. وَقَالَ: اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ وَاشْتَرِ بِالآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي بِهِ.... ))

[أبو داود عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]

 الإنسان إذا اطمأن على أهله، هم مقيمون في البيت يأكلون ويشربون، هم في صحة جيدة، الآن صار في الإمكان أن تعمل، وأن تنتج، وأن تبدع، لذلك دور المرأة في البيت مهم جداً، إذا كفتك المرأة أمر أولادك، وأمر حاجاتك، وأمر طعامك، وأمر لباسك، وانطلقت إلى عملك فنصف جهدك بسببها، لو لم توفر لك هذه الحاجات لما أمكنك أن تنطلق إلى عملك، تنطلق إلى عملك وتأتي ظهراً فتجد الصغار قد أكلوا وارتاحوا والبيت نظيف.

((.. وَقَالَ: اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ وَاشْتَرِ بِالآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي بِهِ فَأَتَاهُ بِهِ فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُودًا بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ اذْهَبْ: فَاحْتَطِبْ وَبِعْ وَلا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَةً فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ...))

[أبو داود عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]

 هذه القصة لها دلالات.

قيمة العمل :

 العمل شرف والإنسان لا يستطيع أن يرفع رأسه إلا إذا أكل من عمله، وكد يده، وعرق جبينه، فالعمل شرف، والنبي عليه الصلاة والسلام أكد قيمة العمل في أحاديثه كثيراً، نحن علاقتنا بهذه القصة أنه يجوز أن تبيع بالمزايدة ويجوز أن تشتري بالمناقصة، لأنه إذا بعت على بيع أخيك أفسدت علاقة بين اثنين، أما إذا بعت بالمزايدة فما أفسدت على أحد، لأن السلعة لم تبعها بعد أنت تبيعها لمن يدفع أكثر، إلا أنه بالمناسبة أحياناً يكون هناك محضر، له مالكون كثيرون، تقام دعوى إزالة شيوع، قد يأتي أناس كثيرون يمثلون طرفاً واحداً، يجرون مزايدة تمثيلية، كل منهم يرفع قيمة المحضر قليلاً إلى أن يرسوا المحضر على قيمة بأقل من قيمته الحقيقية، لا تعد هذا ذكاءً ولا شطارةً ولا فلاحاً، هذا مخالف لطبيعة البيع والشراء.

4 ـ بيع السلم :

 شيء آخر: هناك ما يسمى ببيع السلم، بيع السلم عرفه الفقهاء بأنه بيع شيء موصوف مؤجل في ذمة البائع، معلوم الكيل والوزن والقدر، معلوم الأجل، بشكل ملخص إنسان يوجد عنده قطيع من الأغنام، والسنة جافة، والكلأ غير موجود، والأغنام جائعة أو كادت أن تموت جوعاً، ولا يملك ثمن إطعامها ماذا يفعل؟ بإمكانه أن يبيع صوفها، يبيع صوفها بعد ستة أشهر ويأخذ الثمن سلفاً ويشتري به علفاً لهذه الأغنام.
 بيع السلم إحسان من الشاري للبائع، المشتري بحاجة إلى صوف لكن بإمكانه أن ينتظر مدةً طويلة ليستلم بها الصوف لكن يعطي الثمن سلفاً، من هنا سمي هذا البيع السلم، قال: هو جائز ولو فيه بعض الغرر، لكن الشريعة الإسلامية غلبت مصالح المسلمين على الغرر القليل، قال: سمح بهذا البيع رعايةً لمصالح الناس وتوسعةً عليهم في أبواب المعاملات.

بيع السلم نوع من الدين :

 طبعاً كما تعلمون أيها الأخوة الأصل في البيع أن يكون المبيع موجوداً وقت البيع، لا تبع ما ليس عندك، لا تبع شيئاً حتى تحوزه إلى رحلك هذا الأصل في المبيع، الفقهاء حرموا بيع المعدوم غير الموجود إلا أنه هناك استثناء، طبعاً لماذا أراد الشرع الحكيم أن يكون الشيء المباع موجوداً؟ قال: دفعاً للغرر ودفعاً للغبن، الشيء الغائب قد تغتر به فتدفع أكثر من ثمنه، وقد تغبن بهذا الثمن، إلا أن السلم هو سلف تدفع قيمة السلعة سلفاً وتقبضها بعد حين بعكس بيع التقسيط، تأخذ السلعة سلفاً وتدفع ثمنها مقسطاً إلى أقساط، على كلٍّ السلم نوع من الدين، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ﴾

[ سورة البقرة : 282]

 السلم نوع من الدين، و الحقيقة بكل بيع جائز يوجد انحرافات خطيرة جداً، أنا كنت في قرية أعلموني أن أهل القرية أغنياء جداً، وأن علاقاتهم في البادية علاقات ممتازة أساسها بيع السلم، فيأتي صاحب قطيع الغنم مضطراً ليأكل ويشرب وليطعم غنمه علفاً فيبيع صوف غنمه بخمس قيمته نقداً، هذا أشد أنواع الربا، بعد أشهر عديدة يتسلم دافع الثمن الصوف بثمن بخس يربح به أضعافاً مضاعفة، طبعاً هذا بيع المضطر أما بيع السلم ليس هكذا، بيع السلم أن تشتري بضاعةً وتنتظر حتى تتسلمها بعد حين من أجل ألا نقع في الغرر والغبن يجب أن تكون هذه البضاعة أولاً معلومة الكيل، والوزن، والقدر، معلومة النوع والصنف، معلومة الأجل.

إقرار المسلمين بيع السلم :

 وأما السنة فقد رويت أحاديث كثيرة من الكتب الصحاح وغيرها عن أن النبي عليه الصلاة والسلام:

(( عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي التَّمْرِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلاثَ فَنَهَاهُمْ وَقَالَ: مَنْ أَسْلَفَ سَلَفًا فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ))

[أبو داود عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ]

 أي أنت اشتريت قمحاً سلماً، يجب أن يكون في عقد السلم كمية القمح، ونوع القمح، ونقائه من الشوائب، كل الصفات التي يجب أن تتوافر في القمح الجيد، أو في أي قمح آخر، لابد من صفات محددة، كميات محددة، بأوقات محددة.
 وقد روى الإمام البخاري وأبو داود:

((عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْمُجَالِدِ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدٌ أَوْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْمُجَالِدِ قَالَ: اخْتَلَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ وَأَبُو بُرْدَةَ فِي السَّلَفِ فَبَعَثُونِي إِلَى ابْنِ أَبِي أَوْفَى رَضِي اللَّهُ عَنْهُ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: إِنَّا كُنَّا نُسْلِفُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ وَسَأَلْتُ ابْنَ أَبْزَى فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ ))

[البخاري عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْمُجَالِدِ]

 القرآن أشار إليه في آية الدين والسنة بينته تفصيلاً في حديثين صحيحين وقد ثبت بالإجماع كما حكى الإمام القرطبي عن أن بيع السلم أقره جميع المسلمين، كل شيء حلال مشروع، صحيح مشروع، يمكن أن ينحرف إلى أسلوب آخر، فإذا اشترينا سلعة سلماً بأبخس الأثمان مستغلين اضطرار بائعها فقد وقعنا فيما يسمى بالغبن الفاحش، وغبن المسترسل كما قال عليه الصلاة والسلام ربا، غبن المسترسل حرام.

شروط بيع السلم :

 السلم له ستة شروط: أن يكون هذا في الذمة، القمح بعد ستة أشهر، الصوف بعد سنة، أن يكون المسلم فيه بالذمة أن يكون موصوفاً، كل أخواننا أصحاب الحرف يقولون لك: هذا تفاح نوعه كذا، قمح نوعه كذا، عنب نوعه كذا، صوف نوعه كذا، أن يكون موصوفاً، وأن يكون مقدراً، وأن يكون مؤجلاً، وأن يكون الأجل معلوماً أي بعد ستة أشهر بدءاً من كذا، وأن يكون موجوداً عند محل الأجل، أنت تشتري من إنسان قمحاً عنده أرض، وقد زرعه من توه، شيء أصله موجود، عنده قطيع غنم الصوف الذي على ظهر الغنم سوف يقصه، أن يكون موجوداً، وأما الثلاثة ففي رأس المال أن يكون معلوم الجنس مقدراً نقداً معلوم الجنس، ورقي، ذهب، فضة، والكم، هناك بعض الحالات أكثر هذه البيوع شيوعاً أن يطلب رجل له أرض مزروعة من رجل آخر ثمن قدرٍ معين من زرعه على أن يقبضه فوراً أو بعد يومين أو ثلاثة، على أن يعطيه ما اشتراه من الزرع أو الثمر في شهر كذا أو حين الحصاد، فينتفع صاحب الزرع بالثمن في وجوه الانتفاع الجائزة، وينتظر المشتري إلى الوقت المعلوم، ويأخذ ما اشتراه مكيلاً أو موزوناً أو معدوداً بالصفة التي وصفت له.
 أي بشكل مختصر بيع السلم معونة من الشاري إلى البائع، بيع السلم جائز إلا أنه كما قلت لكم منتشر انتشاراً كبيراً في بعض الأماكن بشكل مشوه، بشكل خرج من بيع السلم إلى الغبن الفاحش، والغبن الفاحش يساوي الربا تماماً.
وننتقل إلى موضوع في المبيع، بدأنا ببيع الأخرس، وبيع الأعمى، وبيع المزايدة، وبيع السلم، وكل هذه البيوع لماذا ذكرناها؟ قد يتوهم الإنسان أنها غير جائزة لأن فيها شرطاً قد اختل، الأعمى لا يرى كيف يرضى؟ والأخرس لا يعبر عن رضاه؟ كيف يبيع ويشتري؟ والمزايدة كأنها بيع على بيع، والسلم كأنه بيع المعدوم، بيع المعدوم له وجه صحيح وهو بيع السلم، وبيع الأخرس والأعمى إذا عبر عن رضاه بطريقة أو بأخرى بيع شرعي جائز، وبيع المزايدة بيع شرعه الشرع الإسلامي لمصلحة المسلمين، بيع المزايدة وشراء المناقصة وكلاهما جائز.

الآداب التي يتحلى بها البائع المسلم :

1 ـ الصدق و الأمانة :

 الآن ننتقل إلى الآداب التي يتحلى بها البائع المسلم، من أولى هذه الصفات قال العلماء: الصدق والأمانة.

((التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ ))

[الترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ]

 والحقيقة لا تستكثروا عليه هذه الصفة، لا لأنه:

(( لا حَسَدَ إلا في اثنَتَيْنِ: رجلٌ آتاهُ اللَّه القرآنَ فهو يَتْلُوهُ آناءَ اللَّيلِ وآناء النَّهارِ ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار ))

[ رواه مسلم عن عبد الله بن مسعود ]

 فالنبي الكريم جمع بينهما وجعلهما في سوية واحدة، ويمكن أن تصل إلى أعلى درجات الجنة بإنفاق المال، لأن المال شقيق الروح، فلذلك التاجر الصدوق داعية إلى الله لا بلسانه ولكن بمعاملته، ولا تستغربوا أن أكبر قطر إسلامي الآن اندونيسيا قريب من مئتي مليون هذا القطر ما دخله فرس ولا سيف، انتشر فيه الإسلام عن طريق التجار وحدهم ومن خلال معاملتهم الطيبة، فالصدق والأمانة أول آداب البيع والشراء، من هنا قال عليه الصلاة والسلام:

(( الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ قَالَ حَتَّى يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا ))

[البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ]

 مرة قال لي أخ: عندي قطعة تبديل غالية جداً بقيت عندي خمس سنوات، مللت من تحويلها من جرد إلى جرد، وثمنها غال، جاء إنسان طلبها فصعدت على السلم كي أجلبها لها، قال لي: وأنا على السلم قال لي: أصلية؟ قلت: لا والله ليست أصلية، قال: هاتها.
 هي كلمة لو قال أصلية ولم تكن كذلك البيع صار فيه كذب، وصار فيه غش لأنه قال الحقيقة البيع صار صحيحاً، فأحياناً تنعقد صفقة كلها حرام لأن فيها كذباً، وأحياناً تصدق، الصدق جعل بيعها صحيحاً.
 أحياناً يتوهم أحدكم أنه لا يستطيع أن يبيع بضاعة سيئة، لا لك أن تبيع بضاعة سيئة ولكن بيّن ضعفها، رخيصة السبب فيها هذه العلل، إنسان يريد أن يشتري بضاعة رخيصة، أنت قد لا تستعملها، لكن الإنسان قد يريد بضاعة بهذا المستوى فلا تمنعه من ذلك، العبرة أن تبين ولا تكذب فقط، هذا القماش قابل للانكماش:

(( الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ قَالَ حَتَّى يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا ))

[البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ]

 يوجد رواية للبخاري: فإن صدق البيعان. أي البائع والشاري هذا على سبيل التغليب، تقول مثلاً: النيران الشمس والقمر أو القمران أو الشمسان، وأوضح تغليب الوالدان، الأب ولد لا ما ولد إنك غلبت الولادة على الأبوين معاً تقول: الوالدان.

(( عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا قَالَ هَمَّامٌ وَجَدْتُ فِي كِتَابِي يَخْتَارُ ثَلاثَ مِرَارٍ فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا فَعَسَى أَنْ يَرْبَحَا رِبْحًا وَيُمْحَقَا بَرَكَةَ بَيْعِهِمَا ))

[البخاري عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]

ارتباط نجاح الإنسان بالعمل بطريقة جني المال :

 الآن يوجد نقطة دقيقة نجاحك بالعمل التجاري، أو الصناعي، أو الزراعي لا بحجم المال الذي تجنيه ولكن بطريقة جنيه، فإذا كانت طريقة جنيه صحيحةً بارك الله لك في هذا القدر، وإذا بارك لك في هذا القدر من المال نفعك كثيره وقليله، أما إذا محقت بركة المال فلن تنتفع به لا بكثيره ولا بقليله، المال شيء عجيب بين أن تنتفع به وبين أن تسعد به وبين أن يبارك لك فيه وبين أن تعيش أنت وأهلك، وبين أن يكون المال بين يديك وأنت محروم منه.
 أحياناً علة في جسم الإنسان وبيلة تحرم الإنسان قيمة المال كله، ما قيمة المال؟ أكثر الناس يستخدمون هذا المثل، يقول لك: الصحة تمثل الرقم واحد، المال صفر أمامه أصبح عشرة، الزواج الناجح صفر ثان أصبح مئة، الأولاد الأبرار صفر ثالث أصبحوا ألفاً، المركب الجيد عشرة آلاف، الدار الواسعة صفر خامس، أما لو حذفت هذا الواحد فما قيمة المال بلا صحة؟ وما قيمة البيت الواسع بلا صحة؟ ما قيمة المركبة الفارهة بلا صحة؟ هذا عند أهل الدنيا، أما عند أهل الإيمان فيوجد ترتيب آخر، واحد الإيمان والصحة صفر، جيد جداً، المال صفر، الزواج صفر، الأولاد الأبرار صفر، والمنزل الواسع صفر، والمركب الجيد صفر، أما إذا ألغيت الإيمان فلا قيمة لكل حظوظ الدنيا مجتمعةً.

(( عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: التَّاجِرُ الأمِينُ الصَّدُوقُ الْمُسْلِمُ مَعَ الشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))

[ابن ماجه عَنِ ابْنِ عُمَرَ]

 الحقيقة الذي يبدو لي أن التاجر داعية بعمله، أنا سمعت أن بائعاً متواضعاً في بعض مناطق ريف دمشق له درس في مسجد لكنه صادق تماماً في بيعه وشرائه، لولا أنه صادق لما أتى إليه أحد، يقول له أحدهم: أعندك بيض؟ يقول: نعم عندي، يقول له: طازج؟ يقول: لا جاري قبل قليل جاءه البيض الطازج، لا يكذب أبداً، أحد أخواننا والده رجل صالح وبائع متواضع عليه إقبال شديد جداً لاستقامته، وإخلاصه، وصدقه، فمرة جاء لصوص وفتحوا المحل ووضعوا أثمن ما في المحل في سيارة شاحنة فلما جلس السائق ليقودها لم تعمل فتركها وولى هارباً، فجاء صاحب المحل الساعة السابعة ليرى بضاعته على ظهر شاحنة أمام المحل، المستقيم الله يحفظه.

الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه :

 قيل لسيدنا أبي ذر الغفاري كما أعتقد، أو لأبي الدرداء إن محلك قد احترق، قال: لا لم يحترق، قيل: لقد احترق، فذهبوا فرأوا محل جاره قد احترق، فلما عادوا إليه قال: أعلم ذلك، الله عز وجل يطمئن طالما أديت زكاته، وكان صاحبه مستقيماً، ما غش، ما دلس، ما احتكر، نصح المسلمين، خدمهم، الله عز وجل في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
 لكن أحياناً التاجر يكون تاجراً، أحياناً يستغل حاجة الناس، يكذب، يدلس، يغش، يخفي العيب، يزور، ممكن لذلك قال:

(( عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُصَلَّى فَرَأَى النَّاسَ يَتَبَايَعُونَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ فَاسْتَجَابُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَفَعُوا أَعْنَاقَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ إِلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّ التُّجَّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُجَّارًا إِلا مَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَبَرَّ وَصَدَقَ ))

[الترمذي عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ]

 التجارة مغرية، أحياناً الناس لا يعرفون حقيقة البضاعة، أنت تشتري الدواء تدفع ثمنه خمسين ليرة، يوجد مادة فعالة في الدواء، لو معمل الدواء أنقص المادة إلى النصف أنت لا تعلم ذلك ولا تملك قدرة على معرفة ذلك إلا بالاستعمال، ممكن أن تبيع إلى أمد قصير بيعاً كثيراً وأن تربح أموالاً طائلةً لكن هذا لا يستمر، الله يتدخل ويؤدب، والناس ينسحبون.
 والحديث معروف: "إن أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا باعوا لم يطروا، وإذا اشتروا لم يذموا وإذا كان عليهم لم يمطلوا، وإذا كان لهم لم يعثروا".

2 ـ التنزه عن الحلف :

 من أدب البيع والشراء فضلاً عن الصدق والأمانة التنزه عن الحلف، قال تعالى:

﴿ وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة البقرة : 224 ]

﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾

[ سورة المائدة: 89 ]

 لا تحلف بموضوعات سخيفة، والأولى أن تحفظ يمينك، وأبو حنيفة النعمان رضي الله عنه كان يدفع ديناراً ذهباً لكل يمين يحلفها صادقاً بها.

(( عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأنْصَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الْحَلِفِ فِي الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ ثُمَّ يَمْحَقُ ))

[مسلم عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأنْصَارِيِّ]

 وقد روى الإمام البخاري ومسلم:

(( عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الْحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ ))

[متفق عليه عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]

الطريقة السليمة في كسب المال تسبب البركة من الله :

 أقول مرة ثانية: لا تعتد بحجم المال الذي تربحه، يجب أن تهتم بطريقة كسب المال، لأن الطريقة السليمة الشرعية تسبب البركة من الله عز وجل، والبركة أن تنتفع بالقليل الانتفاع الكثير.

3 ـ التصدق بشيء من المال :

 وهناك من آداب البيع التصدق بشيء من مالك، مرة أخ حدثني قال لي: كنا في مدينة نتناول طعام الفطور في مطعم، الطعام يكلف عشرين ليرة، جاء طفل يبدو أنه فقير جداً واشتهى أن يأكل من هذا الطعام الذي يقدم في هذا المطعم، قال لصاحب المطعم: أتبيعني طبق الفول بهذا المبلغ ومعه ربع ليرة؟ قال له: نعم، لصاحب المطعم ابن - قدم له الطبق مع مقبلات وخبز، وأخذ منه ربع ليرة- عاتبه، قال: يا بني اشتهى أن يأكل، يوجد أشخاص نفوسهم حامضة لا يقبل أن يعطي شيئاً من دون ثمن.
 من آداب البيع والشراء أن تتصدق، طبيب المريض لا يملك، مرة حدثني أخ دخل إلى صيدلية امرأة كبيرة بالسن معها وصفة طبية والمبلغ الذي معها لا يكفي الوصفة ينقصها خمس ليرات فصاحب الصيدلية أرجع الدواء بعنف وقال لها: اذهبي وأحضري المبلغ، فقال لي: أنا لم أتحمل هذا الموقف فقلت له: أرجعه وهذا الفرق، هذا الأخ لم يتحمل هذه القسوة البالغة على إنسانة لا تملك ثمن الدواء الكامل، فقال لي: بعد فترة كان عندنا سفرة إلى البادية، ضللنا الطريق وكدنا نموت، فدعوت الله في بركة هذا العمل الذي فعلته قبل يومين كي ينقذنا والله أنقذنا، الإنسان لا يعرف بأي عمل صالح الله ينصره، والنبي علمنا إذا الإنسان وقع في ضائقة يتذكر أعماله الصالحة الخالصة ويذكرها فالله سبحانه وتعالى ينجيه بها، قال لي: كدنا نموت عطشاً، الطريق ضللناه، السيارة تعطلت فاضطرا أن يمشيا على قدميهما، الله عز وجل جمعهم براع معه ماء وأنقذهم ودلهم على أقرب مكان فيه ماء ومواصلات، تصدق بشيء من المال.
 أحياناً تبيع بضاعة، غذاء اشتهاه إنساناً، تقف امرأة على بائع دجاج ماذا تشتري من عنده؟ أرجل الدجاج، الأرجل تباع كطعام للكلاب، قالت له: والله سأطبخها لأولادي وأطعمهم، يوجد فقر مدقع، تشتري أرجل الدجاج كي تطعمهم مرقتها.

الصدقة تمحو السيئة :

 الإنسان يجب أن يرق قلبه، القصد إذا عندك بضاعة طعام أو شراب أو حاجات أساسية غير الزكاة، هنا التوجيه غير الزكاة، أن يجعل من بعض ماله صدقةً غير موضوع الزكاة، لقوله تعالى:

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾

[ سورة هود : 114 ]

 الحقيقة لعله يكون في البيع والشراء خطأ، يمين، إخفاء عيب دون أن تشعر انسقت مع مصلحة البيع، هذه الصدقات لعلها تمحو السيئات.
 مرة قال لي أخ تاجر: خسرت ثمانية ملايين بحريق المحل، صار حريق جماعي بخان الجمرك قال لي: لو رجل اتصل بي هاتفياً وأعلمني بالحريق وفرت ثمانية ملايين، محله آخر محل احترق، نزل الساعة العاشرة رأى كل شيء منته، ثم قال: لعل الله سبحانه وتعالى جعلها كفارةً لما مضى، قال: ثلاثون سنة بالتجارة لعل هناك أخطاء، أو كلام غير صحيح، أو إخفاء عيوب، غبن بالبيع والشراء، هذا المبلغ من عام أربعة وسبعين مبلغ كبير جداً، التصدق بشيء من ماله لقوله تعالى:

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾

[ سورة هود : 114 ]

((عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ قَالَ: كُنَّا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُسَمَّى السَّمَاسِرَةَ فَمَرَّ بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمَّانَا بِاسْمٍ هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ إِنَّ الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ اللَّغْوُ وَالْحَلْفُ فَشُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ ))

[ابن ماجه عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ]

 أي الصدقة لعلها ترمم الأخطاء الطفيفة غير المقصودة في البيع والشراء، وكما يعلم أخوتنا الكرام صدقة السر تطفئ غضب الرب، وتدفع البلاء، تدفع حسد الحاسدين، تزيد في بركة المال.

4 ـ السماحة و التيسير :

 من آداب البيع والشراء السماحة والتيسير، رحم الله عبداً سهلاً إذا باع، سهلاً إذا اشترى، سهلاً إذا قضى، سهلاً إذا اقتضى، يوجد أشخاص أولاً عندهم عنف وتدقيق لا يحتمل، جشع، محاسبة تفوق الحد المعقول.
 العلماء فسروا سمحاً إذا باع أي يتجاوز عن المعسر ولا يرد السائل، ولا يمنع من خير، ولا يسكت عن ضيم كل هذا من السماحة.

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ سَمْحَ الْبَيْعِ سَمْحَ الشِّرَاءِ سَمْحَ الْقَضَاءِ ))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

(( عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ إِلا أَنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ وَكَانَ مُوسِرًا فَكَانَ يَأْمُرُ غِلْمَانَهُ أَنْ يَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُعْسِرِ قَالَ قَالَ اللَّهُ: عَزَّ وَجَلَّ نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ تَجَاوَزُوا عَنْهُ ))

[مسلم عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ]

 أن تتجاوز عن معسر هذا عمل صالح، كبير، من آداب التجارة الصدق والأمانة، ثاني أدب التنزه عن الحلف، وثالث أدب التصدق بشيء من المال، والسماحة والتيسير.

5 ـ معرفة الحلال و الحرام :

 خامس أدب معرفة الحلال والحرام، أنا كنت أسمع أنه عند العصر ينتهي البيع والشراء عند التجار، كل يوم له نزهة صغيرة هكذا سمعت، والمغرب درس علم، والعشاء في بيته، قيام الليل والفجر في المسجد.

(( عَنْ صَخْرٍ الْغَامِدِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لأمَّتِي فِي بُكُورِهَا ))

[الترمذي عَنْ صَخْرٍ الْغَامِدِيِّ]

 معرفة الحلال والحرام، أي طلب العلم فرض عين، يوجد علم ينبغي أن يعرف بالضرورة هذا فرض عين من أجل أن تعرف الحلال والحرام سيدنا عمر يقول: " لا يبع في سوقنا إلا من تفقه بالدين، وإلا أكل الربا شاء أو أبى".

6 ـ الإكثار من ذكر الله :

 آخر أدب من آداب البيع والشراء الإكثار من ذكر الله، سمعت عن تاجر إذا فتح محله التجاري يقول: بسم الله الرحمن الرحيم نويت خدمة المسلمين، ينوي أن يخدم المسلمين، صارت عبادة، يبيعهم بضاعة جيدة بمعاملة طيبة، بسعر معتدل، الإنسان المسلم الذكي قلب عمله إلى عبادة، يوجد إنسان ينوي أن يجمع الأموال، لا، نويت خدمة المسلمين هذه نية طيبة جداً، الإكثار من ذكر الله.
 كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل السوق يقول: "أعوذ بالله من يمين فاجرة أو صفقة خاسرة".
 الله يورطه أحياناً إذا ماله حرام يتورط بصفقة خاسرة يفلس فيها، قال: الذكر بالقلب واللسان معاً، قال تعالى:

﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴾

[ سورة النور: 37]

 يوجد بائع عصير شيء لا يصدق، حينما يؤذن الظهر يغلق المحل ويذهب، شيء طبيعي، أما الشيء الغير طبيعي أن ترى عشرين رجلاً ينتظرونه، ينتظرونه ثلث ساعة، ألا تذهبوا وتصلوا معه؟ من أجل كأس عصير!! عمله متقن و ورع، فلذلك الإكثار من ذكر الله، هذا من آداب البيع والشراء، كلمة رجال أي أبطال، وليس ذكوراً.
 أكاد أقول لكم الضابط الذي يضبط ما إن كنت منغمساً في الدنيا أو أنها في يديك توظفها بالخير موضوع العبادات، إذا لم تلهك الدنيا عن عباداتك فأنت والله نقلتها من قلبك إلى يديك، أما إذا غفلت بها عن عباداتك والله هي متشعبة في قلبك.
 أرجو الله سبحانه وتعالى أن تكونوا قد أفدتم من هذا الموضوع، تحدثنا في درس قديم عن تعريف البيع والشراء وعن أركانه وشروطه، وتحدثنا عن البيوع المحرمة وتحدثنا عن البيوع الجائزة، وتحدثنا عن آداب البيع والشراء.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS