13374
الفقه الإسلامي - موضوعات متفرقة - الدرس 12 : العلم - فضيلة التعلم .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1984-12-16
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

فضل العلم :

 أيها الأخوة المؤمنون ، نبدأ في هذا الدرس قراءة بعض الفصول المختارة والمختصرة من إحياء علوم الدين ، وكتاب إحياء علوم الدين في إجماع المسلمين وعلماء المسلمين من أنفس الكتب التي تعد منهجاً دقيقاً للمسلم في علاقته بربه ، وفي علاقته بالناس ، بل إنه من أبرز الكتب في وصف أحوال القلب وما يصيبه من أمراض ، لذلك الكتاب مقسم إلى أربعة أرباع، ربع في العبادات ، وربع في العادات ، وربع في المهلكات ، وربع في المنجيات ، طبعاً أصل الكتاب ستة أجزاء كبيرة بحرف صغير صغير .
 كما قلت قبل قليل نقرأ ونشرح ونعلق بعض الفصول المختارة من هذه الأرباع الأربعة ، من الربع الأول وهو ربع العبادات موضوع العلم ، كتاب العلم وفضله وما يتعلق به قال تعالى:

﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة الزمر : 9]

 هذه هل حرف استفهام لكن هذا الاستفهام خرج عن الاستفهام وصار كما يقول علماء البلاغة استفهاماً إنكارياً أي هل يعقل أن يستوي عند الله وعند الناس عالم وجاهل ؟ هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ؟ وقال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾

[ سورة المجادلة : 11]

 مرة سألت طلاباً قلت لهم : من يذكر اسم تاجر أو غني عاش في دمشق في عام ألف وثمانمئة وسبعة وثلاثين وله جائزة كبيرة ، حك الطلاب رؤوسهم طويلاً ولم يعرفوا ، فقلت لهم : وأنا معكم لا أعرف لأن الإمام علياً كرم الله وجهه قال: يا بني مات خزان المال وهم أحياء وهم في أوج حياتهم ميتون ، والعلماء باقون ما بقي الدهر ، فإذا شئت أن تخلد فبالعلم يبقى اسمك متألقاً إلى قيام الساعة ، إلى نهاية الدوران قال تعالى :

﴿ يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾

[ سورة المجادلة : 11]

 أقدم ثانوية في دمشق فيها لوحة كتبت بيد خطاط كبير ، إذا دخلت من بابها الرئيسي كتب على هذه اللوحة : رتبة العلم أعلى الرتب ، هناك رتب المال ، وهناك رتب توضع على الكتف ، وهناك رتب الشهادات ، وهناك رتب الوجاهات ، وهناك رتب الحرف ، حتى المعلم هذه رتبة ، هناك في الحياة رتب لا تعد ولا تحصى ، هذه الحكمة تقول : رتبة العلم أعلى الرتب، والشيء الذي يحزن أن العلم مبذول لكل الناس ، العلم الدنيوي الذي هو فرض كفاية مبذول بأجر باهظ ، أي أقل ساعة رياضيات إن فهم الطالب أو ما فهم مئة وخمسون ليرة من أجل بكالوريا ، أما سبحان الله دروس العلم الديني فمبذولة بلا مقابل ، هذا من حكمة الله عز وجل لأن الذين يدرسون العلوم الدينية يطمحون بأجر خيالي ولكن ليس من الحاضرين من الله عز وجل .

علامة العالم أنه يطيع الله عز وجل :

 ابن عباس يقول : " للعلماء درجات فوق المؤمنين بسبعمئة درجة "، أي المؤمن الذي آمن بالله ، واستقام على أمره ، وعمل صالحاً ، ووقف عند الحدود ، وفعل ما يرضي الله عز وجل ، فهؤلاء عند الله مقربون ، والباب مفتوح لكل واحد منكم ، كل واحد منكم مفتوح له باب أن يكون معلماً للناس ، يكفي أن تطبق ما تعرف حتى تغري الناس أن يتعلموا منك ، فإن لم تطبق لا تغري أحداً ، الإمام علي كرم الله وجهه يقول : " قوام الدين والدنيا أربعة رجال عالم مستعمل علمه ، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم ...."، أي فضلك عند الله إن كنت عالماً لا يزيد عن فضل الجاهل الذي يحب أن يتعلم منك - يطلب العلم - لذلك النبي الكريم قال: " تواضعوا لمن تعلمون " تواضع ، قال تعالى:

﴿ يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾

[ سورة المجادلة : 11]

﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الشعراء: 215]

 وقال تعالى:

﴿ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾

[ سورة فاطر : 28]

 أي العلماء وحدهم وليس أحد سواهم يخشون الله ، إنما أداة حصر ، أي الخشية محصورة بالعلماء ، وموضوع العلماء ليس كل إنسان قرأ كتاباً يسمى عالماً ، ولا كل إنسان حفظ كتاباً يسمى عالماً ، العلماء بالله تعالى علامتهم أنه يطيعونه .
 كنت أذكر مثلاً حاداً ، رجل معه خمس شهادات عليا ، نادر أن يجمع الإنسان لسانسين في آن واحد ، لو معه أربع شهادات أو خمس ، ودكتوراه ، وله أربعة و خمسون مؤلفاً في الأسواق ، وعصى الله لا يسمى عند الله عالماً ، هذا مدموغ بالجهل من عند الله عز وجل ، وإنسان لا يقرأ ولا يكتب إذا أطاع الله عز وجل هذا يحمل شهادةً من رسول الله بأنه عالم ، أين هذه الشهادة ؟ كفى بالمرء علماً أن يخشى الله ، إذا قال : هذه حرام لا أفعلها ، أنا لا أغضب الله عز وجل ، هذا عالم ، أو هذا نوع من أنواع العلم ، أنا أقدسه ، وفي الصحيحين أن:

(( مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ ))

[ مسلم عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ]

 أي إذا سمح لك أن تجلس في مجلس علم ، أو بإمكانك أن تحتل مساحةً من المسجد تكفي لجلوسك ، هذا سماح من الله عز وجل ، الله سمح لك أن تجلس في هذا المجلس علم فيك خيراً ، قال تعالى:

﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾

[ سورة الأنفال: 23]

(( عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالآخَرُ عَالِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ ))

[ الدارمي عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ]

العالم و العابد :

 كم هي المسافة كبيرة بين النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو سيد الأنبياء ، سيد ولد آدم ، قمة البشر ، وبين أدنى مؤمن على وجه الأرض ، هذه المسافة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أدنى مؤمن هي المسافة نفسها بين عالم وعابد ، فكن طموحاً إلى العلم ولا ترضى أن تكون عابداً فقط ، العابد بالمناسبة بسبب أي تأثير ، أي إغراء ، أو أي ضغط يتخلى عن الدين ، أي قد يتزوج فيخرج من دينه ، تأتيه امرأة تغريه بالمعصية فيخرج من دينه ، قد يشارك رجلاً فيضغط عليه في فعل بعض المعاصي المالية فيخرج من دينه ، قد يسمع كلمة تهديد فيتخلى عن صلاته ، هذا هو العابد ، يجوز أن العابد في الأيام الماضية في القرون السالفة الجو العام كله ديني ، الفتن قليلة ونائمة ، أكثر الناس دينون ، يجوز في هذه الأيام السالفة أن ينجو العباد ، أما أنا والله أؤكد لكم في هذا العصر الذي وصفه النبي عليه الصلاة والسلام:

(( بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا ))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم ، في مثل هذا العصر الذي ترون فيه الشهوات مستعرة ، والفجور والفسوق والمغريات ، الدنيا في هذا العصر خضرة نضرة ، متألقة متزينة ، تغري أحبابها باتباعها ، في هذا العصر لا يستطيع العابد أن يصمد أمام إغراءات الدنيا ، والذي يحصل تشاهدون إنساناً تدين ثم انتكس ، لماذا انتكس ؟ لأنه ما صار عالماً بقي عابداً ، أخذ بالعاطفة خلال شهر أصابه سرور فاستقر ، إغراء بسيط ترك الدين .
 وإذا بلغني عن إنسان حضر معنا شهرين ثم ترك ، أنا يوجد عندي يقين قاطع أنه ما فكر ، أخذ بالعاطفة واستمع وترك ، لأن ترك الحق دليل نكسة خطيرة جداً ، والكلام الصحيح أنه ما آمن حتى كفر ، لم يؤمن بالأساس كان مقلداً والتقليد لا يكفي .
 في هذا العصر لا ينجو إلا العالم ، والعابد لا ينجو ، لأنه لم يستطع أن يبقى عابداً، الدنيا تجره إليها ، إغراءاتها ، وفتنها ، وضغوطاتها ، قال عليه الصلاة والسلام:

(( إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ))

[ الدارمي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 هذه النملة والحوت لها بحث مستقل ، أي كيف النملة تصلي على معلم الناس الخير ؟ سوف نأتي بعد قليل على هذا الموضوع.

أقدس إنسان شاب همه معرفة الله :

 وفي حديث آخر .

(( عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا جِئْتُ لِحَاجَةٍ قَالَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ ، وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ ، وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ ))

[ الدارمي عَنْ كثير بن قيس]

 لي صديق رأيته في ضائقة ومتألم لضيق ألمّ به ، وقد آتاه الله علماً وحكمةً ، فقلت له مسلياً : إن الله عز وجل أعطى قارون مالاً فهل كان يحبه ؟ قال لي : لا ، ثم قلت له : إن الله أعطى فرعون ملكاً وأعطى الأنبياء علماً وحكمةً فهؤلاء الذين يحبهم أعطاهم علماً وحكمةً فإذا أوتي الإنسان بعض العلم والحكمة فهو ممن يحبه الله عز وجل .

(( وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ ))

[ الترمذي عن زر بن حبيش]

 لا يوجد إنسان أقدس من شاب همه أن يعرف الله ، اسأل الآن الشباب همهم أن يتزوجوا ، أن يشتري بيتاً ، أحدهم سمى لي اسم سيارة وقال : إذا الله رزقني إياها أتمنى أن تمشي فوقي وأرتاح ، هذه هموم الناس ، يريد سيارة وبيتاً ، التقيت مع إنسان هولندي ، سألته هل أنت مؤمن بالله ؟ قال : طبعاً ، قلت له : ما الدليل ؟ قال : المطر ، قلت له : هل أنت مؤمن بالدار الآخرة ؟ قال : لا ، قلت له : هذان الإيمان بالله واليوم الآخر شيئان متلازمان ، قال : أنا لا أؤمن بالدار الآخرة لأن أحداً لم يذهب إلى هناك وعاد وأخبرنا ، طبعاً بلغة أخرى يتكلم ، ثم قال لي : هذه الموضوعات لا تعنينا ولا تهمنا ولا تمتعنا إطلاقاً ، إنما الذي يعنينا بيت أكبر، وسيارة أكبر ، ومال أكثر هذا الذي يعنينا ، لهذا قال تعالى :

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾

[ سورة النحل :21]

 إذا الإنسان عاشرهم ، إذا كان لقاء عابراً يؤخذ بالدقة ، والنظام ، والأناقة ، والترتيب، كل شيء محسوب له حساب ، أما إذا عاش معهم فيراهم تافهين لأن كل من لم يعرف الله عز وجل إنسان تافه الموت ينهيه ، مهما كان كبيراً ، ومهما كان عظيماً ، الموت ينهيه نهائياً .

(( وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ ))

[ الترمذي عن زر بن حبيش]

((مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ))

[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

 في الدرس قبل الماضي بالحاجبية ذكرت عن الإنسان مخير أم مسير ، أنواع التسير ، تسير التشجيع ، أي إذا الإنسان آمن الله يسر له أموره ، الناس أكرموه يشعر براحة بقلبه عجيبة ، يقول لك : أكاد أطير من الفرح ، كل إنسان آمن إيماناً صحيحاً ، وتاب توبة صحيحة ، هذه أحواله ، هذا التسير تشجيعي من الله عز وجل إلى أن يبلغ درجة لا ينتكس بعدها ، عندئذ يتولى الله عز وجل تطهيره من كل أمراضه النفسية ، الآن يضعه بظرف معين يبرز عيباً من عيوبه ، يتألم ، ينقطع ، يصبح له غفلة ، يتوب يتجاوز هذا العيب ، يريه الله أسبوعين ثلاثة ثم يضعه في ظرف ثان يظهر معه عيب آخر ، عنده كبر أيضاً ينقطع عن الله بهذا العيب يخجل ، ويتوب ، ويجتهد ، ويعمل أعمالاً صالحة أيضاً اجتازه ولا يزال الله عز وجل ينقيه من عيوبه حتى يلقاه كيوم ولدته أمه ، أما أول الأمر فيوجد تشجيع جداً ، أحياناً الطفل الصغير يرسم ألفاً بالمقلوب يعطونه مرحى لكن بالصفوف العليا إذا غلط غلطة شفهية واحدة ، نحن بالجامعة عندنا فحص شفهي وتحريري ، الشفهي يكفي أن تغلط غلطةً واحدة في تحريك كلمة يقول لك الدكتور : للعام القادم أوصيك بالصيف الطويل فإنه خير الوصية ، نعيد السنة من أجل غلطة شفهية في سنة التخرج .
 الطفل الصغير على كتابة ألف يعطونه مرحى ويصفقون له ، هذا سلوك تشجيعي وبعد هذا هناك حساب دقيق ، قال لنا أستاذ في الجامعة في فرنسا : إذا وجدوا غلطة في الأطروحة في الدكتوراه لا تمنح في ذلك العام يعطونه سنة كاملة ، أي هناك دقة بالغة .

أجر طالب العلم عند الله :

 لكن يوجد أناس عرفوا الجامعة تعريفاً لاذعاً قالوا : إنها مدرسة يدخل فيها الطالب جاهلاً متواضعاً يخرج منها جاهلاً متكبراً ، قال عليه الصلاة والسلام:

(( . . . مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ))

[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

 وروي عنه أيضاً أنه قال:

(( مَنْ جَاءَهُ الْمَوْتُ وَهُوَ يَطْلُبُ الْعِلْمَ لِيُحْيِيَ بِهِ الإِسْلامَ فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّينَ دَرَجَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ))

[ الدارمي عن الحسن ]

 الإنسان عطاؤه محدود أي إذا الإنسان درس أول سنة بالجامعة والثانية والثالثة والرابعة لأمر قاهر لم يتمكن من أن يكمل يقولون : هذا ليس معه شهادة ، ربنا عز وجل معاملته غير هذه المعاملة ، إذا الإنسان بدأ بطريق وجاءته المنية في أول الطريق يعطى الثمار كما لو بلغ آخر الطريق :

(( مَنْ جَاءَهُ الْمَوْتُ وَهُوَ يَطْلُبُ الْعِلْمَ لِيُحْيِيَ بِهِ الإِسْلامَ فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّينَ دَرَجَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ ))

[ الدارمي عن الحسن]

 قال بعض الحكماء : ليت شعري أي شيء أدرك من فاته العلم ؟ وأي شيء فاته من أدرك العلم ؟ أي إذا إنسان أدرك العلم وتعرف إلى الله وسعد ومات وما عنده بيت ملك ، ما فاته شيء ، مات وما شاهد أوربا رسول الله ما شاهدها ، مات قبل أن يتزوج ، أحد الصحابة له زوجة طلبت منه طلباً لا يملك ثمنه ولن يغير سلوكه عما كان عليه وقت النبي صلى الله عليه وسلم ، قال لها: اعلمي يا فلانة إن في الجنة من الحور العين ما لو أطلت إحداهن على الأرض لغلب نور وجهها ضوء الشمس والقمر فلأن أضحي بكِ من أجلهن أفضل من أن أضحي بهن من أجلكِ ، أي إذا إنسان مات وما تزوج إرادة الله عز وجل ، مات وما اشترى بيتاً ، مات ويوجد طعام ما أكله ، الناس يقولون : مسكين ما تهنى في حياته ، هذا كلام العوام إذا إنسان مات و هو شاب وكان مؤمناً مسكيناً ما شاهد شيئاً من الدنيا ، الذي قال هذا الكلام هو الذي ما شاهد شيئاً ، قال تعالى :

﴿ أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة الأعراف : 185]

﴿ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ﴾

[ سورة الشعراء: 79]

 أي شيء أدرك من فاته العلم ؟ وأي شيء فاته من أدرك العلم ؟ ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء ، أحياناً يكون الإنسان متزوجاً زوجة ليست على مزاجه يقول لك : محروق قلبي ، خطبتها وكنت لا أعرف شيئاً ، أمي قالت لي : جيدة ، إذا ما عرف الله معه الحق أن يحترق قلبه لأنه شاهد نفسه أنه سوف يعيش معها إلى الأبد أما المؤمن فيحسن لها ، قال تعالى:

﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾

[ سورة النساء: 19]

 يحسن لها ويكسب أجراً والله يهنئه في حياته ، لو كانت هي وسط أو دون الوسط سبحان الله مكافأةً له على الرضا بقضاء الله ، الله عز وجل يجعلها ودودة له مودة بالغة ، ويراها جميلة وقد يقول بعد أن يرضى بها : والله ليس في الأرض إنسانة أنسب إلي منها ، إذا رضي بقضاء الله وقدره ، وكان صادقاً وعاملها بالإحسان ، أما إن قال دائماً : لم نوفق في هذا ، دائماً كاسر خاطرها ، هكذا أهل الدنيا .

فضائل التعليم :

 ومن فضائل التعليم ما ورد في الصحيحين :

(( فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ))

[ متفق عليه عن سهل بن سعد]

 قال لي شخص : إن أحدهم اشترى فندقاً في فرنسا ، هذا الفندق مؤلف من ثمانين طابقاً ، كل طابق حوالي خمسين غرفة ، وكل غرفة أجرتها في اليوم خمسين فرنكاً فرنسياً ، الفندق ممتلئ طوال العام ، هذا دخل ولكن على هذا الكلام :

(( فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ))

[ متفق عليه عن سهل بن سعد]

 إذا إنسان يصدق النبي الكريم ، طبعاً أخي إنسان عنده أراض ، استيقظ وجد نفسه أكبر مليونير ، هذه تضاعفت مئة ضعف ، اشترى بناء في الستينات واختلف هو وشركاؤه فتركوها على الهيكل ، الآن صار ثمن كل طابق مليونين ، كان ثمن الطابق عشرين ألفاً ، يقول رسول الله :

(( فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ))

[ متفق عليه عن سهل بن سعد]

 لو كنت مصدقاً هذا الكلام تسعى لهداية الناس ليلاً ونهاراً ، وتبذل من أجل هدايتهم الغالي والرخيص والنفس والنفيس ، الإنسان لو صدق هذا انتهت مشاكله كلها ، لو إنسان قال لك: يوجد بيت ثمنه مئة ألف ، والآن ثمنه نصف مليون ، لا تنام الليل إذا كنت تملك المئة ألف وخاطب وتدور على بيوت في آخر الدنيا في الطبالة ، إن قال لك : هذا البيت بمئة ألف في المهاجرين مؤلف من ثلاث غرف وصالون وكاشف الشام وقبلي والكلام صحيح ، لا تنام الليل ولا تغفل وتقرع الباب على الدلال الساعة السادسة صباحاً . لو مصدق سيدنا رسول الله :

(( فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ))

[ متفق عليه عن سهل بن سعد]

 لا تنام الليل ، تساعده ، تكرمه ، تساعده في دنياه ، تدينه حتى يميل قلبه ، ثم ادعه إلى الله ، الكلام سهل ، عندما أنت تحسن له إحساناً حقيقياً وتقول لك كلمة تذيبه الهدى ليس كلاماً ولما ظنه بعض الناس كلاماً لا أحد يهتدي بالكلام ، عندما يراك تهتم بأموره وكأنه أخوك الحقيقي ساعتها الآية قدر مليون ، والحديث قدر عشرة أحاديث ، لذلك رأس العقل بعد الإيمان التودد إلى الناس .

(( فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ))

[ متفق عليه عن سهل بن سعد]

 هناك إنسان في قطر عربي حسابه في البنك ثلاثة آلاف مليون دولار ، والدولار بعشر ليرات ، أي ثلاثة آلاف مليون ، إذا أحدكم استطاع أن يهدي شخصاً يجب أن تتكلم له عن الله عز وجل ، أن تساعده ، أن تكون لطيفاً معه ، أن تكون إلى جانبه عند الشدة ، على شهر شهرين ثلاثة ، تتفقده ، إذا مرض تعوده ، إذا استطعت أن تهدي رجلاً فأنت أغنى من هذا الذي رصيده ثلاثة آلاف مليون دولار .

(( . . . . وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ . . . . ))

[ الدارمي عَنْ كثير بن قيس]

 هنا العلماء فسروا الحديث أن الإنسان عندما يعلم الناس الخير الناس يستقيمون ، إذا ذبحوا غنمة يذبحونها على السنة ، أنا منذ مدة شاهدت رجلاً يذبح غنمة أمام غنمة ، قلت صلى الله عليه وسلم كم كان رقيقاً قال له : أتريد أن تميتها ميتتين هلا حجبت أختها عنها؟؟
 أي إذا الإنسان آمن يحسن وهو يذبح الغنمة ، لا يدوس صرصوراً ، قال لي رجل : دخلنا إلى بيت نشاهده يوجد حشرة محببة نسيت اسمها ناعمة الدلال دهسها بقدمه لماذا دهستها ؟ ماذا فعلت لك ؟ عندما أنت تؤمن تصبح محسناً ، المؤمن لا يصدر منه إلا خير ، مصدر طمأنينة، لا يوجد عنده مزاح غليظ ، مصدر سعادة للناس ، أي إذا رؤي المؤمن ذكر الله :

(( خياركم الذين إذا رؤوا ذكر الله بهم ))

[البيهقي عن عمر ]

(( عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلأ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسَقَوْا وَرَعَوْا وَأَصَابَ طَائِفَةً مِنْهَا أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لا تُمْسِكُ مَاءً وَلا تُنْبِتُ كَلأ فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ بِمَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ ))

[البخاري عَنْ أَبِي مُوسَى]

أخلاق النبي صلى الله عليه و سلم و أدبه :

 الناس حيال الحق ثلاثة أصناف إما إنسان يشرب الحق وينبت الخيرات ، إذا علمت رجلاً هذا الرجل تزوج مؤمنة ، أنجب أولاداً طاهرين ، أخواته آمنوا ، أصهرته آمنوا ، جيرانه آمنوا ، زملاؤه آمنوا ، صار هذا الواحد مئة سبحان الله نشر الحق ، ويوجد شخص بمفرده يستفيد، ويوجد شخص لا يفيد ولا يستفيد .
 وقال الحسن رضي الله عنه : " لولا العلماء لصار الناس مثل البهائم " الآن هناك أناس مثل البهائم تراه دابة تسير ، كيفما تكلم يؤذي الناس ، كلام بذيء ، يحتقر الآخرين ، طبعاً الإنسان عندما يتعرف إلى الله عز وجل يصبح ملكاً ، كلما ارتقيت تزداد عندك المشاعر والحساسيات والرقة ، النبي الكريم صلى الله عليه و سلم دعي هو و أصحابه الكرام إلى وليمة وكان هناك لحم جزور ظهرت رائحة غير مقبولة أذن العصر فقال عليه الصلاة والسلام : كل من أكل لحم جزور فليتوضأ فقالوا : كلنا أكلنا لحم جذور ، قال: كلكم فليتوضأ ، ما هذه الدقة ؟ ما هذه الحساسية ؟ لكي لا يخجل هذا الذي انتقض وضوءه ، بأسلوب جميل قوموا توضؤوا بسبب أخوكم الذي نقض وضوءه ، يوجد فقهاء فهموا الحديث فهماً آخر قالوا : لحم الجزور نجس ، ما هذا الكلام ؟ يحتاج منه الآكل إلى وضوء ، لا ليس له علاقة أبداً ، الموضوع موضوع رقة وحساسية ، أسلوب راق جداً ، هكذا النبي الكريم بحياته ، النبي ما صافح إنساناً وسحب يده منه حتى يكون المصافح هو الذي يسحب يده ، بحياته ما أكرم نفسه أمام ضيفه ، دخل عليه عدي بن حاتم و هو ملك فناولنه وسادةً من أدم محشوةً ليفاً و قال : اجلس على هذه، قلت : بل أنت ، قال : بل أنت ، قال : فجلست عليها وجلس هو على الأرض .
 بحياته ما تميز عن أصحابه ، كان إذا دخل عليه رجل يقول : أيكم محمد ؟ مع أصحابه جالس ليس له أي مظهر من مظاهر الفخامة ، في نزهة قال : وعليّ جمع الحطب ، قالوا: نكفيك يا رسول الله ، قال : أعلم ذلك ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على خلقه ، في المعركة قائد جيش ونبي مرسل ما أخذ ناقة بمفرده وركبها قال: أنا وعلي وأبو لبابة ، ولما جاء دوره في السير الصحابة شعروا بالحرج قال : لا ما أنتم بأقوى مني على السير ولا أنا بأغنى منكم على الأجر ، هكذا النبي الكريم .

أثر العلم في حياة الناس :

 قال معاذ بن جبل رضي الله عنه : " تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية ، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح ، والبحث عنه جهاد ، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة ، وبذله لأهله قربة، وهو الأنيس في الوحدة ، والصاحب في الخلوة "
يوجد شخص لا يستطيع أن يكون بمفرده إطلاقاً ، أما الذي له وجهة إلى الله وله حظ من العلم لا يريد أحداً ، يستطيع أن يجلس عشر ساعات بمفرده ، العلم لا يمل ، الإنسان عندما يتعلم إذا قرأ قرآناً ، القرآن ربيع القلب ، ألا بذكر الله تطمئن القلوب والاستئناس بالناس علامات الإفلاس ، علامة المؤمن له جلسات مع ربه ، يحب الخلوة ، هذا إحياء علوم الدين خمسة أجزاء يعد من أهم الكتب الدينية نتيجة خلوة استمرت عشر سنوات في دمشق من قبل الإمام الغزالي ، كان يختلي في الأموي ، في مئذنة العروس في غرفة وكتب هذا الكتاب .
 وقال كعب رحمه الله : " أوحى الله إلى موسى عليه السلام أن تعلم يا موسى الخير وعلمه الناس فإنه منور لمعلم الخير ومتعلمه قبورهم حتى لا يستوحشوا بمكانهم "
 طبعاً في مقدمة هذا الفصل يتحدث الإمام الغزالي عن الآيات والأحاديث التي ترغب الناس في طلب العلم ، المؤمن يطلب العلم بشكل حثيث ، أي إذا إنسان في وقت الدرس أغلق المحل ، وعنده زبائن الآن لا يوجد عندي وقت ، عندي موعد ، هل تقل رزقته ؟ لا والله ، هؤلاء العشرة يأتون غداً عشرين سبحان الله ، الله يحبب الناس بهذا المحل يقول لك : أنا تعودت على هذا المحل ، يأتيك زبائن من آخر الدنيا ، ويوجد أناس يفتحون حتى الساعة الحادية عشرة يلعبون بالطاولة يعملون عملاً بعيداً عن الله عز وجل ، فالإنسان لا يضن على الله عز وجل بمجلس العلم ، والله عز وجل قادر أن يصرف لك من وقتك عشرات الساعات من دون فائدة ، أحياناً الإنسان يضطر أن يذهب إلى الطبيب مساءً يعطيه وصفة ، يدور أربعة أقطار المدينة ويقول له : يجب مساءً أن يأخذ الدواء ، يصرف مئتي ليرة ، ابنه ارتفعت حرارته ، الوقت بيد الله عز وجل .
 قال لي إنسان كان في دولة أجنبية : عندي إقلاع طائرة الساعة الثانية والنصف فركبت تكسي من الفندق إلى المطار ، فوجدت في الطريق أناساً يقفون في الدور ثلاثة كيلو متر فقال للسائق : ماذا يوجد هنا ؟ فقال له : يوجد توزيع لحم ، هل من السهل أن يقف الإنسان من الساعة الثانية بعد منتصف الليل إلى الساعة الثامنة صباحاً !! لما هانت عليهم أنفسهم هانوا على الله عز وجل ، أما عندما يعودون إلى الله عز وجل ويعرفون قيمة العلم فالله عز وجل يكرمهم ، ويجعل وقتهم ثميناً ، فالإنسان إذا كان لا يعرف قيمة الوقت يستهلك وقته لأتفه الأسباب .

* * *

الهروب من أسباب الخطيئة :

 والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة:

(( تَحَوَّلُوا عَنْ مَكَانِكُمِ الَّذِي أَصَابَتْكُمْ فِيهِ الْغَفْلَةُ قَالَ فَأَمَرَ بِلالاً فَأَذَّنَ وَأَقَامَ وَصَلَّى ))

[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 إذا مكان فيه شبهة ، طريق مشبوه فيه نساء كاسيات عاريات ، مرةً
 سرت في هذا الطريق فأصابتك غفلة ، إن كنت مؤمناً فلا تعود لمثل ذلك أبداً ، هذا المكان الذي أصابتك فيه غفلة إياكم أن تظنوا أن فيه شؤماً ، لا ، في هذا المكان أصابتك غفلة أي صار فيه معصية ، ولا تزال الأسباب قائمة ، أي إذا كتاب قرأته فتحولت عن الله عز وجل ولمحت كتاباً لنفس المؤلف تقول : لا أريده ، إذا تصفحت مجلة فانصرفت عن الصلاة أو غفل قلبك حين تصفحها ، الحديث واسع جداً ، المكان ، أو الزمان ، أو هذه الدكان ، أو الطريق ، أو النزهة إلى هذا المكان ، والناس في فجور تحول عن هذا المكان الذي أصابتك فيه غفلة ، على ألا يفهم هذا الحديث على معنى تشاؤم لكن على معنى أنه إذا هناك أشياء تدعو إلى المعصية فأنت غيّر هذا المكان .
 يقول سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام : " ليس الشريف الذي لا يرتكب الخطيئة ولكن الشريف هو الذي يهرب من أسباب الخطيئة " ، يجوز إذا الإنسان تساهل سار في طريق الخطيئة لا يستطيع أن يرجع ، أما الشريف فهو الذي يهرب من أسباب الخطئية.

ما من داء إلا و له دواء :

 ويقول عليه الصلاة والسلام:

((عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ قَالَتِ الأَعْرَابُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَتَدَاوَى قَالَ نَعَمْ يَا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً أَوْ قَالَ دَوَاءً إِلا دَاءً وَاحِدًا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُوَ قَالَ الْهَرَمُ ))

[ أبي داود عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ]

 قال لي رجل : سبحان الله أنا منذ أربعين سنة أنشط من الآن ، فعلاً فالهرم ليس له دواء ، بلغني قصتين في هذا الأسبوع ، أخت تسكن عند أخيها قالت لهم : قلبي يؤلمني ، قالت له زوجته : لا تسمع لها لا يوجد بها شيء ، ثم توفيت ، جاء الطبيب قال لهم : هذه معها جلطة من شهر لماذا أهملتوها إلى الآن ؟ أنا قلت في نفسي : والله الذي لا إله إلا هو تحاسب هذه المرأة كقاتلة ، من أنت حتى تقولي لا شيء فيها ؟ هذا الكلام يقوله طبيب ، أنت عليك أن تأخذ بالأسباب والباقي على الله ، و عندما أنت تأخذ بالأسباب لا عليك أنت ، إذا كان هناك تقصير تبقى غصة في قلبك إلى ساعة الموت ، الله أمرك أن تداويها ، يوجد أناس عندهم تعصب أعمى أخي أنا لا أحب أن يشاهد زوجتي رجل ، أنت ورع أم رسول الله ورع ؟ سمح للطبيب أن يرى المرأة إذا كانت الطبيبة ليست في مستوى الطبيب ، مرض عضال يجب أن تأخذها إلى الطبيب هذا لا يسمى ورعاً إطلاقاً لأنه مباح أن يأخذ زوجته أو أخته إلى طبيب ، أما إذا كان هناك طبيبة من نفس المستوى وتغني عن الطبيب فالطبيبة أولى ، أما في كل الأحوال أن تقول لا شيء فيها وأصابها شيء فهذا مسؤول عنه .
 أحياناً الطفل يصيبه جرح بآلة أعطه إبرة كزاز فوراً لا يصيبه شيء ، هذا كلام غير ديني ، الدين يأمرك أن تأخذ الحيطة ، أن تأخذ بالأسباب ثم تتوكل على رب الأرباب ، قال لك: صور صور ، حلل حلل ، لا شيء لا شيء ، طبيب مؤمن حاذق ، إذا كان غير مسلم يوهمك ليبتز منك المال ، وإذا كان مسلماً غير حاذق يغشك من غير قصد ، محدود علمه ، كثير من الأطباء قالوا له : لا يوجد فيه شيء ويكون معه أزمة قلبية والله يعوض ، والإنسان عندما يبذل المال لمعالجة من يلوذ به له أجر ، وعندما يشاهد المريض أن هناك من يهتم به يسر ، من فضل الله أعرف مؤمنين لا يتحمل دخلهم أجور الأطباء الباهظة والتحاليل و مع ذلك لا يقصرون أبداً ، فلا أحد يظن أنه من الورع ألا يأخذ زوجته إلى طبيب ، ليس هذا من الورع إطلاقاً ، هذا من التقصير وعندما يصير شيء تشعر أنك أحد أسباب الوفاة ، مع أن الوفاة بيد الله عز وجل .

السلام على الضرير :

 الحديث الأخير:

(( ترك السلام على الضرير خيانة ))

[ الجامع الصغير عن أبي هريرة ]

 هذا أخوك بالله ، وقد يكون مقامه أعلى منك بمليون مرة عند الله ، قد يكون فاقداً بصره والله فتح له قلبه ، وقد يكون لك عيون مثل عيون البقر وأعمى القلب ، لا تعرف مقام كل إنسان عند الله عز وجل :

(( ترك السلام على الضرير خيانة ))

[ الجامع الصغير عن أبي هريرة ]

 خيانة له ، سبحان الله بعد أن سمعت هذا الحديث لو كنت بعيداً عن أخ كريم ضرير أنا أتقدم نحوه وأقول له : السلام عليكم ، ألك حاجة ؟ هذا أدب المصطفى .

* * *

سيدنا أبو هريرة :

 والآن إلى قصة صحابي جليل هو سيدنا أبو هريرة ، طوبى إلى أنك تعرف هذا النجم المتألق من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهل في أمة الإسلام أحد لا يعرف أبا هريرة ؟ لقد كان الناس يدعونه في الجاهلية عبد شمس ، فلما أكرمه الله بالإسلام وشرفه بلقاء النبي العدنان قال له النبي الكريم : ما اسمك ؟ قال : عبد شمس : فقال عليه الصلاة والسلام بل عبد الرحمن ، هذا تعليم لنا ، أكثر شيء المعلمون يكون اسم طالب فيه مشكلة وكلما قرأ اسمه يضحك الطلاب ، أنت معلم وأنت مؤمن أنت اسمك فلان يا بني ، والسجلات ليس لها قيمة اجعل له اسماً جميلاً طوال السنة بين زملائه ، شيء جميل .
 أحياناً نقرأ أسماء الطلاب الكنية عليها تعليقات ، اقرأ الاسم الأول ، و أحياناً يكون الاسم الأول عليه تعليق اقرأ الكنية ، أي ابحث عن اسم لا يوجد عليه أي تعليق ، لأن هذا الطالب إذا الطلاب ضحكوا على اسمه ممكن أن يتعقد ، إذا كنت تستطيع أن تحترم الناس كلهم وما يشعر أحد إلا أنك توده وبنظرك عال ، الناس يقبلون عليك ، النبي صلى الله عليه وسلم عن محبة ومودة صادقة وليس عن ذكاء ، هذا موقف ذكي ، لذلك قال تعالى:

﴿ ولا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾

[ سورة الحجرات: 11]

 يوجد أناس يمزحون مزاحاً مع بعضهم هذا لا يتناسب مع الإيمان ، فقال : نعم عبد الرحمن بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، أما تكنيته بأبي هريرة فسببها أنه كانت له في طفولته هرة يلعب بها فجعل أقرانه ينادونه بأبي هريرة وشاع ذلك وذاع حتى غلب على اسمه ، فلما اتصلت أسبابه بأسباب رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يناديه يا أبا هر إيناساً له وتحبباً ، كان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم كل صحابي يظن أنه أقرب الناس إليه ، طفل صغير قال له يا عمير ما فعل النغير ؟

(( عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم يَقُولُ : إِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لأَخٍ لِي صَغِيرٍ يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ ))

[ مسلم عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم]

 طفل صغير عنده عصفور يلعب فيه ، ولما شاهده مع والده واسمه عمير فقال له: يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ ؟ شاهده مرة ثانية قال له إياها ، ثم مرة ثالثة ، حتى يتحبب منه ، و هناك فقهاء فهموا أنه إذا أحضر عصفوراً ووضعه في قفص مسموح به ، لا يفهم هذا من هذا أي تحبس مخلوقاً من أجل أن تنظر إليه ، يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ ؟ أيضاً من باب التحبب ، فقال النبي الكريم : يا أبا هر إيناساً له وتحبباً فصار يؤثر أبا هر على أبي هريرة ، ويقول : ناداني بها حبيبي رسول الله ، والهر ذكر والهريرة أنثى ، والذكر ليس كالأنثى ، هنا مكتوب خير من الأنثى ، أنا عدلتها لأنه قد تكون الأنثى أفضل من مليون ذكر ، وإذا أردت الكلام الصحيح قد تكون الأنثى المؤمنة أفضل عند الله من مليون ذكر فاسق وفاجر .

إسلامه و إسلام والدته :

 أسلم أبو هريرة على يد الطفيل بن عمر الدوسي وظل في أرض قومه دوس إلى ما بعد الهجرة بست سنين ، حيث وفد مع جموع من قومه على النبي صلى الله عليه وسلم وقد انقطع الفتى الدوسي لخدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبته ، فاتخذ المسجد مقاماً والنبي معلماً وإماماً ، إذا لم يكن له في حياة النبي زوج و لا ولد ، أي إذا الإنسان لم يتزوج ليلحق نفسه لا يوجد من يحاسبه ، أين كنت ذاهباً ؟ إلى مجلس علم ، زار أخاه ، تكلم له عن الله عز وجل وقته مفتوح ، بعد الزواج لك شريك تأخرت علينا أين كنت هذا الوقت ؟ فإذا أحدكم ما تزوج هذه قبل الزواج أنسب سن للإقبال على الله عز وجل والاجتهاد في طلب الحق ، كثيراً أنا أغبط الشباب ليس عليه أي مسؤولية أما المتزوج فصار عنده زوجة ، إذا قرُب وضعها صار لها مطالب ، تتوحم ، استيقظت الساعة الثانية عشرة والبيت كما هو ، وإذا جاءه ابن وارتفعت حرارته صار عليه مسؤولية ثانية ، أما أنت قبل الزواج فلا يوجد عندك اي مسؤولية استغل هذا الوقت لمعرفة الله لبناء إيمان قوي .
 هكذا صار مع سيدنا أبو هريرة إذ لم يكن له في حياة النبي زوج ولا ولد وإنما كانت له أم عجوز أصرت على الشرك فكان لا يفتأ يدعوها إلى الإسلام إشفاقاً عليها ، وبراً لها ، فتنفر منه وتصده فيتركها والحزن عليها يفري فؤاده فرياً - يقطعه - وفي ذات يوم دعاها إلى الإيمان بالله ورسوله فقالت عن النبي عليه الصلاة والسلام قولاً أحزنه وأمضه ، فمضى إلى النبي وهو يبكي فقال له عليه الصلاة والسلام : ما يبكيك يا أبا هريرة ؟ الحقيقة خيركم خيركم لأهله ، والله الذي لا إله إلا هو إذا أحدكم أحضر إلى هذا الدرس ألف شخص إذا أحضر لي أخاه النسبي أغلى عليّ من الألف شخص لأن الأخ أقرب شيء لك ، إذا أحضرت والدك أفضل ، صهرك أحسن ، هذا يلوذ بك ، خيركم خيركم لأهله ، كان يبكي أمه تسير على الباطل وتكلمت عن النبي كلاماً لا يليق ، فبكى ، أنت هل يوجد عندك إمكان إذا اهتديت هداية حقيقية ولك أخ يسير بشكل ليس جيداً أن تبكي عليه ؟ تتألم تنزل دمعة من عينك من أجله ؟ تقول : يباع في العزاء ماذا أفعل له ؟ ما كان الصحابة هكذا ، يجد أخاه من أمه وأبيه يسير في ضلال ، أنت دلله وأكرمه وآنسه واسأله عن أحواله ودينه وعاونه وإذا أخذت غرضاً لنفسك خذ له مثلما أخذت لك ، اشتريت كنزة تقول : والله أخي لا يوجد عنده كنزة ، هو حجر أم بشر ؟ أول يوم هدية وثاني يوم وثالث يوم يميل ويقول لك : أنت من شيخك خذني معك ؟ فإذا الإنسان أحضر أخاه أفضل من أن يحضر الغريب ، خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي .
فقال: يا رسول الله إني كنت لا أفتر عن دعوة أمي للإسلام فتأبى علي ، وقد دعوتها اليوم فأسمعتني بك ما أكره ، فادع الله جل وعز أن يميل قلب أم أبي هريرة للإسلام ، فدعا لها النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو هريرة : فمضيت إلى البيت فإذا الباب قد رد وسمعت خضخضة الماء فلما هممت في الدخول قالت : مكانك يا أبا هريرة انظر إلى هذا الأدب ، أمي ، لا ، أمك لها حرمة ، ثم لبثت ثوبها وقالت : ادخل ، فدخلت فقالت : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
 ولكن هذه القصة أنا أريد أن أعلق عليها ، إذا كانت القضية بدعاء النبي فلماذا ما دعا إلى الناس معاً دعوة جماعية ؟ واهتدوا كلهم قال تعالى :

﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾

[ سورة القصص: 56]

 أي هذه من باب المصادفة ، ولكن لو أن النبي كان دعا إلى أبي لهب ، قال تعالى:

﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾

[ سورة المسد: 1]

 لو أن الهدى يتم بدعوة النبي لدعا النبي للبشر كلهم دفعةً واحدة ، يا ربي اهد كل من خلقته ، الله أعطى الاختيار لكل إنسان ، فإن كانت هذه القصة صحيحة فمن باب المصادفة ، فإذا أردت أن تأخذها على شكلها الظاهري أنه إذا دعا اهتدت وانتهى ، هذه القصة لها استفهامات كثيرة ، لماذا ما دعا إلى عمه أبو لهب ، لماذا ما دعا إلى مسيلمة الكذاب ؟ لفلان ؟ لكن يظهر أنه عاملها بالإحسان وتأثرت واهتدت ووافق هداها دعوة النبي الكريم .
 فعدت إلى النبي الكريم وأنا أبكي من الفرح كما بكيت قبل ساعة من الحزن وقلت : أبشر يا رسول الله فقد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة إلى الإسلام .

حبّ أبي هريرة العميق لرسول الله :

 وقد أحب أبو هريرة النبي صلوات الله عليه حباً خالط لحمه ودمه ، فكان لا يشبع من النظر إليه ، وفي قوله :

وأحسن منك لم تر قط عين  وأجمل منك لم تلد النساء
خلقت مبرأ من كل عـــــــــــيب  كأنك قد خلقت كما تشــاء
***

 فكان يقول : ما رأيت شيئاً أملح ولا أصبح من رسول الله حتى لكأن الشمس تجري في وجهه ، وكان يحمد الله تبارك وتعالى على أنه منّ عليه بصحبة نبيه و اتباع دينه ، الآن أحدنا شعر بهذه النعمة نعمة الهدى أنه مهتد وعرف الله عز وجل ؟ هذه نعمة كبيرة جداً طبعاً إذا كان مستقيماً لا تعدلها نعمة ، هكذا كان يقول : الحمد لله الذي هدى أبا هريرة للإسلام .
 كنت أقول كلمة : أنا في زماني إذا الإنسان عرف الله وأكل خبزاً يابساً هو الرابح لأن آخرته إلى الجنة وسعيد في الدنيا ، الحمد لله الذي هدى أبا هريرة إلى الإسلام ، الحمد لله الذي علّم أبا هريرة القرآن ، الحمد لله الذي منّ على أبي هريرة بصحبة محمد صلى الله عليه وسلم ، كما أولع أبو هريرة برسول الله صلى الله عليه أولع بالعلم وجعله ديدنه وغاية ما يتمنى .

ولعه بالعلم :

 بينما أنا وأبو هريرة - حدثنا زيد بن ثابت - وصحاب لي في المسجد ندعو الله تعالى ونذكره - أجمل لقاء مع أخيك تذكر الله عز وجل ، هل سمعت تفسير آية أو حديثاً شريفاً؟ - ونذكره إذ طلع علينا رسول الله وأقبل نحونا حتى جلس بيننا فسكتنا هيبةً له فقال : " عودوا إلى ما كنتم فيه ، فدعوت الله أنا وصاحبي قبل أبي هريرة وجعل النبي الكريم يؤمن على دعائنا ويقول : آمين ، انظر إلى هذا التواضع ثم دعا أبو هريرة فقال : اللهم إني أسألك - حدث سفيان بن عيينة عن صحابي عن رسول الله أنه قال : " من كان فيه خصلتان دخل الجنة أما الخصلة الأولى فقد نسيها سفيان وأما الخصلة الثانية فقد نسيتها أنا " ما فهمنا شيئاً من هذا الحديث ، آفة العلم النسيان - اللهم إني أسألك ما سألك صاحبي وأسألك علماً لا ينسى فقال عليه الصلاة والسلام : آمين ، فقلنا : ونحن نسأل الله علماً لا ينسى ، فقال : سبقكم بها الغلام الدوسي "، هذه له خاصة .
 وكما أحب أبو هريرة العلم لنفسه فقد أحبه لغيره من ذلك أنه مرّ ذات يوم بسوق المدينة فهاله انشغال الناس بالمدينة ، واستغراقهم بالبيع والشراء والأخذ والعطاء ، فوقف عليهم وقال : ما أعجزكم يا أهل المدينة ، فقالوا : وما رأيت من عجزنا يا أبا هريرة ، فقال : ميراث رسول الله يقسم وأنتم هنا ، ألا تذهبون وتأخذون نصيبكم ؟ قالوا : وأين هو ؟ قال : في المسجد، فخرجوا سراعاً ، ووقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا ، فلما رأوه قالوا : يا أبا هريرة لقد أتينا المسجد فدخلنا فيه فلم نر شيئاً يقسم ، فقال لهم : أو ما رأيتم في المسجد أحداً ؟ قالوا : بلى رأينا قوماً يصلون وقوماً يقرؤون القرآن ، وقوماً يتذاكرون في الحلال والحرام ، قال: ويحكم ذلك ميراث رسول الله .
هذا هو الميراث ؛ اقرأ القرآن وافهمه ، وافهم الفقه ، وتعلم شيئاً عن أسماء الله هذا هو ميراث رسول الله .

معاناته خشونة العيش في بداية حياته :

 وقد عانى أبو هريرة بسبب انصرافه للعلم وانقطاعه لمجالس رسول الله ما لم يعانه أحد من الجوع وخشونة العيش ، الله يمتحن المؤمن لأنه لو يأتيه الخير فوراً مع الإيمان يرى أن هذا شيء مربح ، أي أن الإيمان تجارة ، بعد أن آمنت الغلة جيدة ، لم يبقَ محبة ، صار استثماراً ، الله عز وجل يؤخر الدنيا مع إيمانه لا يوجد شيء يبقى ، لا يسأل عن الدنيا هدفه الله، ولما الله عز وجل يأنس منه أنه صادق بطلبه ، وأن الدنيا ليست همه ولا تعنيه ولا يأسف عليها عندئذ يعطيه الدين والدنيا ، من أحبنا أحببناه ومن طلب منا أعطيناه ، ومن اكتفى بنا عما لنا كنا له وما لنا .
 هكذا صار مع سيدنا أبي هريرة ، ولم يمضِ الوقت الكثير حتى فاضت الخيرات على المسلمين وتدفقت عليهم غنائم الفتح ، فصار لأبي هريرة مال ومتاع وزوج وولد ، غير أن ذلك كله لم يغير من نفسه الكريمة شيئاً ، ولم ينسه أيامه الخالية ، فكثيراً ما كان يقول : نشأت يتيماً ، وهاجرت مسكيناً ، وكنت أجيراً لبصرة بنت غزوان - أجيراً بطعام بطني - سمعت بحياتك أرخص من هذا ؟ وجبة طعام ، أنا سمعت في مصر قديماً كان عامل الزراعة يعمل بطعامه ، وما هو طعامه ؟ أن يسمحوا له أن يمص قصب السكر ، ثماني ساعات مقابل أن يسمح له أن يمص قصبة ، فسيدنا أبو هريرة كان يعمل ببطنه فزوجنيها الله فالحمد لله الذي جعل الدين قواماً وصير أبا هريرة إماماً .
 مرة سيدنا عمر وهو خليفة قال : كنت عميراً فأصبحت عمراً فأصبحت أمير المؤمنين ، فإذا إنسان دخل إلى بيته كان طفلاً والآن صار له بيت ، غرفة ضيوف ، غرفة نوم، الحمد لله ، كان يأتي يضع بمفرده العشاء ويأكل ، أما الآن فعندك امرأة جاهزة لتلبية الطلبات ، هذه نعمة ، شاهد ابنه قال له : اذهب وأحضر لنا خبزاً ، الولد نعمة ، والزوجة نعمة ، والبيت نعمة ، ولك عمل ، تذهب إلى العمل يقولون لك : تفضل أستاذ ويمسح لك الطاولة ، لا تنظر إلى نفسك أنك موظف ولكن انظر إلى فضل الله عليك .

سماحة نفسه و خفة طبعه :

 وقد ولي أبو هريرة المدينة من قبل معاوية بن أبي سفيان فلم تبدل الولاية من سماحة طبعه وخفة ظله ، وقد جمع أبو هريرة إلى وفرة علمه وسماحة نفسه التقى والورع فكان يصوم النهار ويقوم ثلث الليل ، ثم يوقظ زوجته فتقوم ثلثه الثاني ، ثم توقظ هذه ابنتها فتقوم ثلثه الأخير، هذا البيت دائماً فيه قيام الليل ، هو ثلث وزوجته ثلث وابنته ثلث فكانت العبادة لا تنقطع في بيته طوال الليل .
 ابنته كانت تقول له : يا أبت إن البنات يعيرنني فيقلن : لم لا يحليك أبيكِ بالذهب؟ فيقول: يا بنيتي قولي لهن : إن أبي يخشى عليّ حر اللهب ، ولم يكن امتناع أبي هريرة عن تحلية ابنته ظناً ، أخياناً الأب يظن أنه إذا بالغ في إغراق ابنته بالحلي والذهب والحواضر كلها من السوق ماذا تفعل البنت ؟ تجلس بين صديقاتها هذا الثوب بألف وثمانمئة ، بابا اشتراه لي ، وتكون إلى جانبها صديقتها يحترق قلبها ، هذه أسوارة والدي اشتراها لي ، ثلاثة أرباع همها أن تفتخر أمام صديقاتها ألا يوجد بينهم واحدة فقيرة يصيبها عقدة ؟ وتصبح البنت تريد مالاً وزوجاً غنياً ، فاسق أو دين مثل بعضها ، أما المؤمنة فتريد زوجاً مؤمناً ولا ترضى بشاب لا يصلي ، أما الآن إذا كان لا يصلي حتى إن كان غير مسلم إذا حالته المادية جيدة فيقبلون به .
 أنا سمعت عن إنسان ذهب إلى أمريكا ابنته زوجها لرجل من هناك ، هذا خلاف الشرع ، إنسان مقيم هناك أمريكي يأخذ امرأة مسلمة هذا لا يجوز ، يظهر أن أمواله طائلة وصار إغراء .
 بعث إليه مروان بن الحكم مئة دينار ذهباً فلما كان الغد أرسل إليه يقول : إن خادمي غلط فأعطاك الدنانير وأنا لم أردك بها وإنما أردت غيرك فسقط في يدي أبي هريرة ليس لها حل هذه المشكلة ، قال : أخرجتها في سبيل الله ولم يزد عندي منها ديناراً واحداً فإذا خرج عطائي فخذها مني ، وإنما فعل ذلك مروان ليتأكد من مقامه العظيم .

برّه بوالدته :

 ظل أبو هريرة ما امتدت به الحياة براً بأمه فكان كلما أراد الخروج من البيت وقف على باب حجرتها وقال : السلام عليك يا أمة الله وبركاته ، فتقول : وعليك السلام يا بني ، فيقول : رحمك الله كما ربيتني صغيراً ، فتقول : ورحمك الله كما بررتني صغيراً ، ثم إذا عاد إلى بيته فعل مثل ذلك ، وكان أبو هريرة يحرص أشد الحرص على دعوة الناس إلى بر آبائهم وصلة أرحامهم ، فقد رأى ذات يوم رجلين أحدهما أسن من الآخر يمشيان معاً فقال لأصغرهما: ما يكون هذا الرجل منك ؟ قال : أبي ، قال : إذاً لا تسمه باسمه ، ولا تمشي أمامه ، ولا تجلس قبله ، ولا تستسب له ، إذا الابن عمل مشكلة في الطريق يسبون والده أي استسب لأبيه ، بالمناسبة إذا إنسان معتوه استفزه الناس فسب الدين هل أقول لكم من الذي سبّ الدين ؟ هو الذي استفزه ، هذا ليس مؤاخذاً ، إذا أخذ ما أوهب أسقط ما أوجب ، وبالمناسبة إذا إنسان سب الدين يخرج من الإسلام تطلق منه زوجته يحتاج إلى تجديد إسلامه وتجديد عقد مع زوجته .

وفاته :

 ولما مرض أبو هريرة مرض الموت بكى فقيل له ما يبكيك يا أبا هريرة ؟ فقال : أما إني لا أبكي على دنياكم هذه ولكنني أبكي لبعد السفر وقلة الزاد ، إذا كان سيدنا أبو هريرة يبكي لبعد السفر وقلة الزاد ونحن لا نبكي فهذه طمأنينة بلهاء ، لقد وقفت في نهاية طريق يفضي إما إلى جنة أو إلى النار ، ولا أدري في أيهما أكون ، وقد عاده رضوان بن الحكم فقال له : شفاك الله يا أبا هريرة ، فقال : اللهم إني أحب لقاءك فأحب لقائي وعجل لي فيه ، فما كان يغادر مروان داره حتى فارق الحياة .
 رحم الله أبا هريرة رحمةً واسعة فقد حفظ للمسلمين ما يزيد على ألف وستمئة وتسعة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS