13805
التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول - الدرس (54-70) : من لوازم الفرار إلى الله أن تقمع الفتنة، وتضيق على أهل المعصية
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2009-02-25
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

موضوع الإيمان موضوعٌ خطير يحدد مصير الإنسان :

أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوعٍ يتصل أشد الاتصال بـ: "سبل الوصول وعلامات القبول" ألا وهو "الفرار إلى الله".
ورد في الأثر:

(( أن شمروا فإن الأمر جد ))

الإيمان يحدد أي طريق سيسلكه المؤمن و يوصله إما للجنة أو للنار
هناك موضوعات توصف بأنها مصيرية أي أنها تحدد مصير الإنسان، موضوع الدين، موضوع الإيمان، موضوعٌ مصيري، هناك موضوعات لا تقدم ولا تؤخر، هناك موضوعات ليس لها أثر مستقبلي، بينما موضوع الإيمان وموضوع الدين موضوعٌ خطير، هذا الموضوع يحدد ما إذا كان مصير الإنسان في جنةٌ يدوم نعيمها أو في نارٍ لا ينفذ عذابها لذلك:

(( أن شمروا فإن الأمر جد ))

أحياناً الإنسان لا سمح الله ولا قدر يكتشف ورماً، يحلل فإذا هو ورمٌ خبيث، آلاف الموضوعات الثانوية يهملها، يبحث عن علاج، ماذا يفعل؟ يأخذ دواء كيماوياً، يجري عملية استئصال، هذا الموضوع يحدد مصيره وقد ينتهي به إلى الموت.
هناك موضوعات لا تقدم ولا تؤخر، وموضوعات مصيرية، فموضوع الإيمان موضوع مصيري.

(( أن شمروا فإن الأمر جد، وتأهبوا فإن السفر قريب ))

الإنسان يفصله عن القبر ثانية، بينما هو ملء السمع والبصر إذا هو خبر تحت أطباق الثرى، فلذلك:

(( أن شمروا فإن الأمر جد، وتأهبوا فإن السفر قريب، وتزودوا فإن السفر بعيد))

خففوا الأثقال فإن في الطريق عقبةً كؤود لا يجتازها إلا المُخِفون
كلما طال السفر فإن السفر بعيد، كلما طال السفر كبرت الحاجات التي يحتاجها لهذا السفر البعيد.

(( واخلصوا النية فإن الناقد بصير))

أي:

﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ﴾

[ سورة الحاقة ]

أنت أمام الله مكشوف، لك أن تخدع بعض الناس لكل الوقت، ولك أن تخدع كل الناس لبعض الوقت، أما أن تخدع كل الناس لكل الوقت فهذا من سابع المستحيلات، أما أن تخدع الله أو أن تخدع نفسك لثانية واحدة فهذا مستحيل!.

﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾

[ سورة القيامة ]

لذلك :

(( اخلصوا النية فإن الناقد بصير، وخففوا الأثقال فإن في الطريق عقبةً كؤود لا يجتازها إلا المُخِفون))

[ورد في الأثر]

يا أبا ذر جدد السفينة فإن البحر عميق.

الفرار إلى الله قمع الفتنة و محاصرة المعصية :

أيها الأخوة الكرام، ينبغي أن نجدد إيماننا، الفتن كثيرة، نحن في عصر ما أكثر الصوارف عن الدين، وما أكثر العقبات التي تقف بينك وبين الدين، عقباتٌ لا تعد ولا تحصى، وصوارف لا تعد ولا تحصى.

(( يأتي على الناس زمان، الصابر فيه على دِينه، كالقابض على الجمر ))

[أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ]

يأتي على الناس زمان، الصابر فيه على دِينه، كالقابض على الجمر
لذلك أيها الأخوة مرة ثانية: الفرار إلى الله أن تقمع الفتنة، أن تحاصر المعصية، أن تسد كل الطرق المؤدية إلى النار، أن تجفف ينابيع المعصية والآثام.
فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام البخاري من حديث النعمان ابن البشير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( مَثَلُ القَائِم في حُدُودِ اللَّه والْوَاقِع فيها، كَمثل قَومٍ اسْتَهَموا على سَفِينَةٍ فَأَصابَ بَعْضُهم أعْلاهَا، وبعضُهم أَسْفلَهَا، فكان الذي في أَسفلها إذا استَقَوْا من الماء مَرُّوا على مَنْ فَوقَهمْ، فقالوا: لو أنا خَرَقْنا في نَصِيبِنَا خَرقا ولَمْ نُؤذِ مَنْ فَوقَنا ))

[أخرجه البخاري والترمذي عن النعمان بن بشير ]

يقول عليه الصلاة و السلام:

(( فإن تَرَكُوهُمْ وما أَرَادوا هَلَكوا وهلكوا جَميعا، وإنْ أخذُوا على أيديِهِمْ نَجَوْا ونَجَوْا جَميعا ))

[أخرجه البخاري والترمذي عن النعمان بن بشير ]

نحن في قاربٍ واحد، فإن لم تبادر إلى إنكار المنكر فنحن هلكى جميعاً.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر علة خيرية هذه الأمة :

أيها الأخوة، لذلك يعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في موضوع الفرار إلى الله موضوعاً أساسياً في هذا الشأن، شأن الفرار إلى الله عز وجل.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر علة خيرية هذه الأمة
فلذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الفريضة السادسة إن صحّ أن في الإسلام فريضةً سادسة فهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولأن علة خيرية هذه الأمة هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾

[ سورة آل عمران الآية: 110 ]

أيها الأخوة، فإن لم نأمر بالمعروف ولم ننهَ عن المنكر فقدنا خيريتنا، وأصبحنا أمةً كأية أمةٍ شردت عن الله عز وجل، وهذا معنى قوله تعالى يخاطب الله الذين ادعوا أنهم أبناء الله وأحباؤه، ردّ الله عليهم فقال:

﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

[ سورة المائدة الآية: 18 ]

أي لا شأن لكم عند الله، لذلك اضطر العلماء إلى تقسيم أمة رسول الله إلى أمتين؛ أمة الاستجابة التي استجابت لله وللرسول من أجل أن تحيا حياة الإيمان، هذه الأمة هي المعنية بقوله تعالى:

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾

وأمة التبليغ هي الأمة التي لا وزن لها عند الله عز و جل، شأنها كشأن أية أمة

﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

أمانة العلماء أمانة التبيين وأمانة الأمراء أمانة التغيير :

لذلك أيها الأخوة، الحديث الذي يعد في أعلى مراتب الصحة:

(( من رأى منكُم منكراً فلْيُغَيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ))

[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري ]

على المؤمن أن يشغل نفسه بالعمل فالنفس إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية
إن صحّ أن هناك أُمراء وعلماء، العلماء مهمتهم إنكار المنكر بألسنتهم، هذه أمانتهم أمانة التبيين، والأمراء مهمتهم أن ينكروا المنكر بالقوة، وهذه أمانة الولاية.
ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارقٍ أو ناهب؟ سيدنا عمر سأل أحد الولاة، قال: أقطع يده، قال: إذاً فإن جاءني من رعيتك من هو جائعٌ أو عاطل فسأقطع يدك، إن الله قد استخلفنا عن خلقه لنسد جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفر لهم حرفتهم، فإن وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، فاشغلها في الطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية.
لذلك أمانة العلماء أمانة التبيين، إنكار المنكر باللسان، وأمانة الأمراء أمانة التغيير باليد، لأن الله أعطاهم قوةً، ومن أدق ما قاله الإمام الشافعي في قوله تعالى:

﴿أ َطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾

[ سورة النساء الآية: 59 ]

من هم أولو الأمر؟ قال: هم العلماء والأمراء معاً، العلماء يعلمون الأمر والأمراء ينفذون الأمر، لذلك:

(( من رأى أمراً منكراً فلْيُغَيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ))

[مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري]

من أمر بمعروف فليكن أمره بالمعروف ومن نهى عن منكر فليكن نهيه من دون منكر:

إلا أن العلماء قالوا: لا يقبل أن تغير المنكر بلسانك إن كنت قادراً أن تغيره بيدك، كما أنه لا يقبل أن تنكر المنكر بقلبك إذا كنت قادراً أن تغيره بلسانك، من هنا استنبط العلماء أنك إذا أمرت بالمعروف فليكن أمرك بالمعروف، وإذا نهيت عن المنكر فليكن نهيك من دون منكر.
أحياناً الإنسان من ضعف حكمته ينكر منكراً فينشأ من إنكار هذا المنكر منكراً أشد خطراً على المجموع من المنكر الذي أنكره، طريقة إنكار المنكر قد تسبب منكراً أشد، فلابد من أخذ الحكمة.
طريقة إنكار المنكر قد تسبب منكراً أشد، فلابد من أخذ الحكمة
لذلك في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه و سلم قال:

(( مَا مِنْ نبيٍّ بعثَهُ اللهُ في أمَّةٍ قَبْلي، إلا كانَ له من أمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ، وأصحابٌ يأخذون بسُنَّتِه، ويقتدون بأمره، ثم إنَّها تَخْلُفُ من بعدهم خُلوف ))

[أخرجه مسلم عن عبد الله بن مسعود ]

الخلوف هي جمع خلف من يأتي بعدهم.

(( ثم إنَّها تَخْلُفُ من بعدهم خُلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جَاهَدَهُم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ))

[أخرجه مسلم عن عبد الله بن مسعود ]

الآن دققوا.

(( لَيس وراءَ ذلك من الإيمان حَبَّةُ خَرْدَل ))

[أخرجه مسلم عن عبد الله بن مسعود ]

أي إن لم تنكر بقلبك، وإن لم تنكر بلسانك، وإن لم تنكر بيدك، اعلم علم اليقين أنه ليس في قلبك ذرة إيمان، الحديث خطير جداً.

(( مَا مِنْ نبيٍّ بعثَهُ اللهُ في أمَّةٍ قَبْلي، إلا كانَ له من أمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ، وأصحابٌ يأخذون بسُنَّتِه، ويقتدون بأمره، ثم إنَّها تَخْلُفُ من بعدهم خُلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جَاهَدَهُم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، لَيس وراءَ ذلك من الإيمان حَبَّةُ خَرْدَل ))

[أخرجه مسلم عن عبد الله بن مسعود ]

لذلك قالوا: من غاب عن معصيةٍ فلم ينكرها، ومن شهد معصيةٍ فلم ينكرها، فهو في ورطةٍ كبيرة، أي إذا قيل لك: في بلادٍ بعيدة هناك تبادل زوجات، مثلاً قلت: والله شيء ممتع مثلاً، هذا المنكر البعيد يبعد عنك آلاف الكيلومترات إذا أقررته كأنك شهدته، ومن شهد معصيةً فأنكرها كان كمن غاب عنها، كلام دقيق، إذا غبت عن معصيةٍ فلم تنكرها كأنك قد شهدتها، وإذا أنكرت معصيةً كنت كمن غاب عنها، فلابد من إنكار المنكر.

أضعف الإيمان أن ينكر الإنسان المنكر بقلبه :

أيها الأخوة، أضعف الإيمان أن تنكر بقلبك، لكن هناك حالة أنا أسميها السلبية المدمرة، إنه مالي ومال الناس، لهم ربٌ يحاسبهم، لذلك الله عز وجل حينما أرسل الملائكة ليهلكوا قوماً قالوا:

(( إن فيها عبدك فلان لم يعصك طرفة عين؟ قال: اقلبها عليه وعليهم فإن وجهه لم يتمعر في ساعة قط ))

[أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]

اعلم علم اليقين إن لم تنكر المنكر فأنت في ورطة كبيرة جداً ولو بقلبك.

حينما يكف المسلمون عن إنكار المنكر يعمهمُ الله تعالى بالعقاب الشديد :

أيها الأخوة، هناك من يفهم هذه الآية فهماً ما أراده الله، يقول لك أحدهم:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة المائدة ]

حينما يكف المسلمون عن إنكار المنكر يعمهمُ الله تعالى بالعقاب الشديد
سيدنا الصديق، أو سيدنا صديق هذه الأمة أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه خاف من هذه السلبية القاتلة من منطلق فهمٍ مغلوط ومقلوب لهذه الآية، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:

(( أيُّها الناس، إنكم تقرؤونَ هذه الآية وتَضَعونَها على غير موضِعِها، وإني سمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من قوم يُعْمَلُ فيهم بالمعاصي، ثُمَّ يَقْدِرُونَ على أنْ يُغَيِّرُوا ولا يغيرون، إلا يوشِكُ أن يَعُمَّهُم الله بعقاب ))

[أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي بكر الصديق ]

وهذا حال معظم المسلمين، أي لا أحد يكلف نفسه أن ينكر منكراً، تأتي ابنة أخيه شابة في ريعان الشباب متفلتة في ثيابها، كل مفاتنها ظاهرة، فالعم يرحب بها، ويثني على جمالها، وعلى شبابها، ويسألها عن دراستها، وكأنها لا تفعل شيئاً، فحينما يكف المسلمون عن إنكار المنكر يعمهمُ الله بالعقاب، أنا أقول لكم: حينما قال عليه الصلاة و السلام:

(( كيف بكم أيها الناس إذا طغى نساؤكم وفسق فتيانكم؟ قالوا : يا رسول الله إن هذا لكائن؟ قال: نعم وأشد منه كيف بكم إذا تركتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قالوا: يا رسول الله إن هذا لكائن؟ قال: نعم وأشد منه كيف بكم إذا رأيتم المنكر معروفاً والمعروف منكراً؟ ))

[أخرجه أبو يعلى والطبراني عن أبي هريرة ]

نحن في عصر تبدل القيم، الذي ينفق ماله في سبيل الله يُتهم بالجنون، والذي ينصح الأقوياء يُتهم بالحمق، المنافق اسمه لبق، والفتاة المتفلتة لها اسم حديث سبور مثلاً، والكذب لباقة، والنفاق مرونة، فكل هذه القيم تبدلت، لذلك أهجى بيتٍ قالته العرب:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
* * *

هذا البيت أصبح شعار معظم الناس:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
* * *

حينما تفقد الأمة خيريتها يتحقق الهلاك و الدمار :

في الصحيحين من حديث زينب رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه و سلم دخل يوماً عليها فزعاً، النبي الكريم دخل عليها فزعاً، وفي روايةٍ استيقظ يوماً من نومه فزعاً يقول:

(( لا إله إلا اللّه، ويَلٌ لِلْعَرَبِ من شَرّ قد اقْتَرَب، فُتِحَ اليوم من رَدْم يأجوجَ ومأجوجَ مثلُ هذه وحَلَّقَ بأصْبَعِهِ : الإبهام والتي تَليِها فقالت زينب بنتُ جَحْشٍ: فقلت: يا رسول اللّه أَنَهْلِكُ وفينا الصالحون؟ قال: نعم ، إذا كَثُرَ الْخَبَثُ ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن زينب بنت جحش أم المؤمنين ]

حينما تكف الأمة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتحقق الهلاك
حينما تكف الأمة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حينما تفقد الأمة خيريتها أو تفقد علة خيريتها يتحقق الهلاك، فهل في تاريخ هذه الأمة من ظرفٍ عصيب، من محنة قاسية، من عدوان، من احتلال، من قهر، من إذلال كهذه الحقبة؟.

(( ويَلٌ لِلْعَرَبِ من شَرٍ قد اقترب، أَنَهْلِكُ وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كَثُرَ الْخَبَثُ ))

أخواننا الكرام، الإمام مالك في موطئه أفرد باباً بعنوان باب ما جاء في عذاب العامة بعمل الخاصة، فقد روى الإمام أحمد في مسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( إن الله عز وجل لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة ))

[أخرجه الطبراني والإمام عن عدي بن عميرة الكندي ]

وهذا معنى قوله تعالى:

﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾

[ سورة الأنفال الآية: 25 ]

هناك فهم غير دقيق لهذه الآية، يقول لك: الرحمة خاصة والبلاء يعم، والحقيقة الرحمة خاصة والبلاء خاص، أما حينما عمّ البلاء بمعنى أن العامة لم تنكر على الخاصة فعدم إنكار المنكر ذنبٌ كبير.

من يتبع هدى الله عز وجل لا يضل عقله ولا تشقى نفسه :

من لا يتبع هدي الله فسوف تقوده نفسه إلى الشقاء
أيها الأخوة، العالم الغربي عاش الإباحية، عاش التفلت، عاش الانحراف، عاش تصيد اللذة من أي طريق، هذا العالم الغربي وقع في هذا الانحراف الخطير، المشكلة الخطيرة أنه يريد أن يعمم هذه الحالة المرضية على العالم الإسلامي، هنا المشكلة.
لذلك بعض المؤتمرات مؤتمرات السكان التي تلزم العالم الثالث بنمطٍ إباحي حينما عدوا الزواج أنواعاً ثلاث: زواج مثلي ذكر مع ذكر، وزواج مثلي أنثى مع أنثى، وزواج تقليدي ذكر مع أنثى، حينما جعلوا مفهوم الزواج مفهوماً انحرافياً إباحياً، هذا مما يفعله العالم الغربي في عالم المسلمين.
أيها الأخوة:

﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً ﴾

[ سورة طه الآية: 123 ]

سيدنا آدم وحواء:

﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى ﴾

[ سورة طه الآية: 123 ]

الآن دققوا:

﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

[ سورة طه الآية: 123 ]

لا يضل عقله ولا تشقى نفسه.

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[ سورة البقرة ]

اجمع الآيتين: من يتبع هدى الله عز وجل لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه، ولا يندم على ما فات، ولا يخشى مما هو آت.

ضيق القلب شأن من لا يذكر الله عز وجل :

ضيق القلب شأن من لا يذكر الله عز وجل
ماذا بقي من سعادة الدنيا والآخرة؟.

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ﴾

[ سورة طه الآية: 124 ]

بعضهم قال: ما شأن الملوك والبلاد كلها في ملكهم؟ ما شأن الأغنياء الذين يملكون المليارات الممليرة بهذه الآية؟ فأجاب بعض المفسرين: ضيق القلب، قد تجمع ثروة أهل الأرض، وقد تعتلي أعلى منصباً في الأرض إن لم تكن ذاكراً لله.

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

[ سورة طه ]

في قلب المؤمن من السعادة والطمأنينة ما لو وزع على أهل بلدٍ لكفاهم :

من أعرض عن ذكر الله فإن له معيشة ضنكا
أحد كبار العلماء العارفين بالله إبراهيم بن الأدهم المدفون بجبلة، هذا كان ملكاً فترك الملك، وقال هذه المقولة: لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف.
بقلب المؤمن من السعادة، من الطمأنينة، من الراحة النفسية، من الرضا، ما لو وزع على أهل بلدٍ لكفاهم.

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ﴾

[ سورة طه ]

أيها الأخوة الكرام، الفرار إلى الله ألصق موضوعٍ بسبل الوصول وعلامات القبول، ومن لوازم الفرار إلى الله أن تقمع الفتنة، أن يضيق على أهل المعصية، وإلا عمّ البلاء أهل الأرض، وعمّ البلاء المسلمين خاصة.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS