12693
الفقه الإسلامي - موضوعات متفرقة - الدرس 11 : العلم - فضيلة العلم - فصل من فصول إحياء علوم الدين .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1984-12-09
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

العالِم الحقيقي :

 لا زلنا في فصولٍ مختارةٍ من إحياء علوم الدين ، والفصل المختار الذي بدأناه في الدرس الماضي هو العلم ، وقد ذكرت لكم بعضاً مما جاء في هذا الفصل من الأحاديث الشريفة التي تحث الناس على طلب العلم ، ولا زلنا في هذا الموضوع .
 ربُنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ ﴾

[ سورة آل عمران : 18 ]

 قال بعضهم : إذا تعلَّم الرجل ، وسار على معرفةٍ بالله عز وجل ، يكفي أنه جاء ثالث اسمٍ في هذه الآية :

﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾

[ سورة آل عمران : 18 ]

 ويُستنبط من هذه الآية أن العالم الحقيقي هو الذي يشهد لك عدالة الله عز وجل ، أما الذي ينقل لك بعض ما قرأه فهو ناقل وليس عالماً ، إن قرأ لك بعض ما نقله وما قرأه ، وأدى هذا النقل إلى إيقاعك ببعض التناقضات نقول : عدله غير عدلنا . و نقول نحن أدباً : الإنسان مخير ، لكنه في الحقيقة مجبر على كل أفعاله ، من يقول هذه الكلام ليس عالماً ولكنه ناقل ، نقل حقاً ونقل باطلاً ، نقل حقاً ونقل ما قرأه من الباطل وجاز عليه هذا الباطل ، لذلك :

﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾

[ سورة آل عمران : 18 ]

 أي أن الإنسان عندما يريد أن يأخذ دينه عن عالم فهذا أثمن شيء في الحياة . .

((إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ))

[ مسلم عن ابن سيرين]

(( يا بن عمر دينك دينك إنما هو لحمك ودمك ، فانظر عمن تأخذ ، خذ الدين عن الذين استقاموا ، ولا تأخذ عن الذين قالوا))

[ كنز العمال عن ابن عمر]

 لأن الإنسان إن سمع كلاماً غير صحيح من رجل ينقل لك العلم لا أقول عالماً ، وهذا الكلام أعانك على معصية ، أو غطَّى لك معصية ، أو برر لك المعصية ، فهذا هو الضلال بعينه ، فسيدنا يوسف فعل ما فعل ، من أنت ؟ صار هناك مبرراً لإطلاق البصر .

﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾

[ سورة آل عمران : 18 ]

التعامل مع الله عز وجل ثابت :

 شيءٌ آخر . .

﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ﴾

[ سورة العنكبوت : 43]

 العالمون وحدهم يعقلون هذه الأمثال ، البارحة في بعض الدروس في درس في مسجد العفيف أخ كريم جاء بمثل - طبعاً هو السؤال عن تشبيه في آية - قال لي :

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴾

[ سورة إبراهيم : 24]

 هذا مثل ضربه الله لنا عز وجل ، فكيف أصلها ثابت ؟ أي أن الحق مبني على قواعد ثابتة ، أسس الحق ثابتة ، عبر العصور ، والأزمان ، والأمصار ، والأصقاع ، لا يتبدل ولا يتغير ، الحق هو هو ، قديمٌ وأزليٌ وسرمديٌ وأبدي . .

﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾

[ سورة إبراهيم : 24]

 أي أن التعامل مع الله ثابت ، الله سبحانه وتعالى له قواعد ثابتة في التعامل معه .

﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾

[ سورة الأعراف : 56]

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾

[ سورة الكهف : 110]

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾

[ سورة يوسف : 22]

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾

[ سورة يوسف : 124]

 كلها قواعد ثابتة ، فالتعامل مع الله عز وجل مريح ، أما التعامل مع البشر ، البشر متقلِّب ما كنت ترضيه به اليوم لا يرضى به غداً ، فقد يأخذ موقفاً آخر ، قد يتقلب ، قد يغير ، قد يبدل ، قد ترضيه ، قد لا ترضيه ، قد ترضيه فيغضب غيره . .

﴿ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴾

[ سورة إبراهيم : 24]

السمو في النفس من آثار التدين الصحيح :

 آثار التدين الصحيح سمو في النفس . .

﴿ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴾

[ سورة إبراهيم : 24]

 آثار الدين الحقيقي مروءة ، وفاء ، عفة ، صدق ، أمانة ، لو أن مال الدنيا وضع تحت يدي رجل مسلم ما أخذ منه شيئاً إلا بحقه ، فالمؤمن أمين ، المؤمن صادق ، المؤمن عفيف ، المؤمن يؤتمن على كل شيء ، فلذلك :

﴿ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴾

[ سورة إبراهيم : 24]

 تزوج المؤمن ، أنجب أولاداً صالحين ، جاره دعاه للجامع ، عرفه بالله ، استقام جاره، صهره دعاه للجامع ، عرفه بالله ، استقام ، ابن أخيه ، أخوه ، زميله . .

﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾

[ سورة إبراهيم : 25]

﴿ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾

[ سورة إبراهيم : 24-25]

 هذا مثل ، قال تعالى :

﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ﴾

[ سورة العنكبوت : 43]

القرآن الكريم آيات بينات :

 لكن هذا القرآن الكريم كتاب الله ، قال الله عز وجل :

﴿بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾

[ سورة العنكبوت : 49]

 هذه آيةٌ أروع ، أي أن القرآن الكريم ليس هذا الذي كتب على ورق ، القرآن الكريم :

﴿ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾

[ سورة العنكبوت : 49]

 لذلك : من لم يأخذ هذا العلم عن الرجال ، فهو ينتقل من محال إلى محال ، لا يعرف ما نقول من لم يقتف أثر الرسول صلى الله عليه و سلم :

﴿بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾

[ سورة العنكبوت : 49]

 النبي صلى الله عليه وسلم يقول :

(( الحكمة تزيد الشريف شرفاً ))

[ الجامع الصغير عن أنس]

 أي إذا كان الإنسان من عائلة أو من أصل رفيع وتعلم ، تزيده رفعةً ، هذا العلم يزيده رفعةً ، إن كنت شريفاً فالعلم يزيدك شرفاً ، تعلموا العلم - كما قال بعض الخلفاء - فإن كنتم سادةً فقتم ، وإن كنتم وسطاً سُدتم ، وإن كنتم سوقةً عشتم .
 إن كنتم في الأساس سادة فقتم في هذا العلم ، وإن كنتم وسطاً- من الطبقة الوسطى - سدتم بالعلم ، وإن كنتم سوقةً - من دهماء الناس - عشتم بالعلم .

(( الحكمة تزيد الشريف شرفاً ، وترفع المملوك حتى يدرك مدارك الملوك ))

[ الجامع الصغير عن أنس]

 وقال صلى الله عليه وسلم :

((خَصْلَتَانِ لا تَجْتَمِعَانِ فِي مُنَافِقٍ حُسْنُ سَمْتٍ وَلا فِقْهٌ فِي الدِّينِ))

[ الترمذي عن أبي هريرة]

 ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلمه .

الإيمان مرتبة علمية و أخلاقية و جمالية :

 إذا أنت قلت الآن : دكتور . لو قلت هذه الكلمة أمام مليون إنسان ، المليون إنسان يفهمون أن هذا عالم ، غير أنه عالم عنده حكم موضوعي ، لأن من لوازم العالم الحكم الموضوعي ، الإنصاف في الحكم ، فإذا قلت : مؤمن . لا يمكن إلا وأن يكون على شيءٍ من العلم ، فكلمة مؤمن مرتبة علمية ، وكلمة مؤمن مرتبة أخلاقية ، وكلمة مؤمن مرتبة جمالية ، أي أن المؤمن عالم ، المؤمن أخلاقي ، المؤمن له أذواق رفيعة ، كيف رفيعة ؟ أي يطرب في كتاب الله ، يتغنى بالقرآن . لو جمع ذوَّاقو الغناء في العالم ما طربوا بواحد بالمئة ولا بالألف مما يطرب به المؤمن من كتاب الله ، المؤمن له أذواق رفيعة ، حتى في زواجه ، في طعامه ، في شرابه ، في بيته ، له ترتيبات ، له اختيارات راقية جداً ، فالنبي الكريم يقول :

((خَصْلَتَانِ لا تَجْتَمِعَانِ فِي مُنَافِقٍ حُسْنُ سَمْتٍ وَلا فِقْهٌ فِي الدِّي))

[ الترمذي عن أبي هريرة]

 فيه فقه ، فيه تعمُّق ، المنافق يخلِّط عملاً صالحاً وآخر سيئاً ، إذاً ليس فقيهاً . . جاء ببالي مثل ، أحب أن أطرق أمثلة من واقع حياتنا : إذا إنسان معه دكتوراه في ميكانيك السيارات ، درس ثماني عشرة سنة ، وتفوق ، بسيارته الخاصة عندما شعل الضوء الأحمر الخاص بالزيت لم ينتبه ولم يهتم ، وبقي يمشي ، فاحترق المحرك ، وآخر لا يقرأ ولا يكتب عندما شعل الضوء الأحمر توقف ، أنقذ عشرين ألف ليرة ، أيهما أفهم ؟ عملياً هذا الذي توقف فجأةً ، هذا استفاد من معلومات بسيطة ، أما هذا الآخر فعلى علمه الشديد حرق المحرك .
 فأحياناً الإنسان يكون مثقفاً ثقافة عالية ، لكن لأنه لا يستقيم على أمر الله ليس عالماً ، علمه جهل ، وهذا الذي يبدو لك ليس عالماً ، جهله علم ، مادام استقام ، ما دام خشي الله عز وجل ، استفاد من معلومات بسيطة ، ليس من الشرط أن يكون متبحراً في كل شيء ، لأن العمر قصير ، لكن إذا خشي الله عز وجل فهو على نوعٍ من أنواع العلم الراقي ، كفى بالمرء علماً أن يخشى الله ، ويقول عليه الصلاة والسلام :

((أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم والجهاد ))

[ من أحاديث الإحياء عن ابن عباس ]

 فأنا حينما أقول عن العلم أقصدكم أنتم والله ، أقصد من يحضر مجالس العلم ، لأن:

(( إنما العلم بالتعلم ))

[الطبراني عن أبي الدرداء ]

 وهذا الذي ترك بيته ، وجاء ليجلس في مسجد لا نقدم له شيئاً ؛ لا طعام ولا شراب ولا أي شيء ، وليس المقعد مريحاً على الأرض ، هذا الذي جاء ليتعلم العلم هو المقصود بهذه الأحاديث .

أهل العلم و الجهاد أقرب الناس من درجة النبوة :

((أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم والجهاد ، أما أهل العلم فدلوا الناس على ما جاءت به الرسل ))

[ من أحاديث الإحياء عن ابن عباس ]

 سيدنا الصديق ماذا قال ؟ قال : " إنما أنا متبع ، ولست بمبتدع " . فالعالم لا يقول لك من عنده شيئاً ؛ مما قاله النبي عليه الصلاة والسلام ، مما قاله الله عز وجل :

((أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم والجهاد ، أما أهل العلم فدلوا الناس على ما جاءت به الرسل، وأما أهل الجهاد فجاهدوا بأسيافهم على ما جاءت به الرسل))

[ من أحاديث الإحياء عن ابن عباس ]

 وقال عليه الصلاة والسلام :

(( لموت قبيلةٍ أيسر من موت عالم ))

[ الطبراني عن أبي الدرداء]

 لأن الإنسان قد يأتي يوم القيامة أمَّة ، وهذا أيضاً تحميس لكم ، أي اعرف بالضبط مكانتك عند الله بعدد الذين تمَّت هدايتهم على يديك ، وهذه صنعة الأنبياء ، وإذا قدَّر الله على يديك هداية رجل فقد سبقت من أُعطي الدنيا بأكملها ، من أعطي مال الدنيا ، هذا أوناسيس ترك أساطيل من البواخر ، ترك جزراً كلها باسمه وهي ملكه الشخصي ، ماذا أخذ معه ؟ قبيل أن يموت قال : أنا أشقى الناس . هذا يسمونه من أكبر أثرياء العالم ، الآن ببعض الدول العربية شخص يملك أربعة أو خمسة آلاف مليون دولار ، هذه أرقام واردة بالبنوك ، فالواحد منا ماذا يأكل الظهر غير أوقية ونصف من اللحم ! كم بدلة يلبس في آن واحد ؟ بدلة واحدة ، كم كُم للبدلة ؟ على كم فراش ينام ؟ على فراش واحد ، وإذا عطش كم كأس يشرب ؟ كأس واحد ، لو إنسان تعمق تجده كله فقاعات صابونة .

الهدى تمام النعمة :

 و قال عليه الصلاة و السلام :

(( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِناً فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا))

[البخاري والترمذي وابن ماجة عن عبد الله بن محصن ]

 ارض بما قسمه الله لك تكن أغنى الناس ، أنت بصحتك أغنى الناس ، فمن طرائف الحكم أن الصحة واحد ، والمال صفر ، صار عشرة ، الجاه صار صفراً واحداً صاروا مئة ، إذا عنده بيت واسع صفر ثالث صاروا ألفاً ، عنده أولاد صفر رابع ، عنده مركبة صفر خامس ، عنده بستان صفر سادس ، عنده بيت بمصيف فخم ثمنه مليونا ليرة صفر سابع ، لكن اسحب الواحد ، كله أصفار ، فإذا الإنسان عنده صحة عنده كل شيء ، إذا كانت الكلاوي سليمة ، قلبه سليم ، أمعاؤه سليمة ، أعصابه سليمة ، كامل الخلق ، عقله برأسه . لي صديق معه عدة أمراض ؛ كوليسترول وأسيد أوريك و....و.....، ونحن نمشي رأينا إنساناً فاقد العقل بالطريق ، قلت له : أغلب الظن أن هذا الإنسان لو فحصت قلبه مئة بالمئة ، نبضه قوي ، وضغطه كذلك، هل تتمنى أن تكون بصحته وبعقله ؟ قال : لا . قلت له : إذاً أنت في نعمةٍ كبرى .
 الإنسان في الصحة ، هذه ألح عليها ، لا أحد يقل : أنا معي مال فأنا بنعمة . هذا المال لا يسمى نعمةً إلا إذا أنفقته في طاعة الله ، أنا عندي زوجة . هذه ليست نعمة إلا إذا كانت مؤمنةً ، إن لم تكن كذلك تقود زوجها إلى جهنم ، أنا عندي أولاد . إن اهتممت برعايتهم طبعاً بعدما اهتممت أنت برعايتهم ، إذا استقاموا أو لم يستقيموا فهذا شيء لست مسؤولاً عنه ـ لكن أهملت توجيهم ونشؤووا على الفسق والضلال ، الأولاد لو كانوا أطباء ومهندسين ، وأحدهم معه بورد ، والآخر معه ( إف آر إس ) ، والاخر معه شهادة ( أكريجيه ) ، وكلهم قعدوا أمامك، وكلهم جاؤوا من أوروبا ، واقعون بمشكلات ، تركوا دينهم ، ووقعوا بالفاحشة ، و رأوا أن أمتهم متخلفة ، وأبوهم دقة قديمة ، إذا كان عندك أولاد هكذا بعلية المجتمع وما كانوا دينين ، فهي ليست نعمة بل نقمة ، بالدليل أن يوم القيامة يقول أحدهم : يا رب لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي لأنه هو الذي شجعني ، لما رآني بالفسق ما نهاني ، افتخر بي ولكن ما نهاني ، فالموضوع ربنا قال :

﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ ﴾

[ سورة الدخان : 25-27]

 نَعمة . . هذه لا تنسها ، مال من دون هدى نَقمة ، زوجة بلا هدى نَقمة ، صحة بلا هدى نَقمة . الآن . . . صحة وهدى نِعمة ، زوجة مع الإيمان نِعمة ، مال بالإيمان نِعمة ، هذه النِعمة لذلك :

﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾

[ سورة المائدة : 6 ]

 قال المفسرون : تمام النعمة الهدى . مهتدي إذاً أنت بنعمة ، أن كل شيء في الدنيا يبقى في الدنيا ، فالصحيح يموت والمريض يموت ، والغني يموت والفقير يموت ، وسيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه عيَّن مستشاراً من أعلى مستوى ، اسمه عمر بن مزاحم ، قال له : يا عمر الزمني ، فإن رأيتني ضللت فامسكني من تلابيبي وهزني هزاً شديداً وقل لي : اتق الله يا عمر فإنك ستموت . فهذه هي وظيفتك ، راقب أحكامي ، راقب تصرفاتي ، إذا كنت حكمت بين شخصين فراقب حكمي ، إذا كنت أصدرت أمراً راقبه ضمن الحق أو هو الحق ، إذا كنت خرجت عن الحق أمسكني من تلابيبي وهزني هزاً شديداً وقل لي : اتق الله يا عمر فإنك ستموت . فهذا موضوع النِعمة والنَقمة خليه ببالكم ، فالآن الناس تجدهم عنده مال الله كافيه ، لكن هذا المال ينفقه في المعاصي يقول لك : الله مفوضها . إذا كنت غير مهتد لا ليست هذه النعمة ، هذه ليست نعمة هذه نَعمة ، إذا كنت مهتدياً فعلاً الله مفوضها عليك .

فضل الحكمة :

 لذلك لنبحث عن الهدى لأن ربنا عز وجل قال :

﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾

[ سورة البقرة :269 ]

 لأنك بالحكمة تحسن إنفاق المال ، وتحسن كسب المال ، وبالحكمة تنتقي الزوجة الصالحة ، وبالحكمة تصلح السيئة ، وبالحكمة تحسن تربية الأولاد ، وبالحكمة تحسن استغلال وقتك .
 حدثني أخ والده معه بعض الآلام ، أخذ حب مسكِّن ، استمر عليه فأدمن عليه ، الآن قعيد الفراش ، يحتاج كل يوم ثلاثين ليرة ثمن هذا الحب ، وهذا الحب مسكِّن من النوع القوي المفعول إذا لم يأخذه يكسر كل شيء أمامه من الوقت الذي بدأ يأخذه باستمرار ، لو كان حكيماً ما وصل إلى ما وصل إليه ، عليه بعض الديون ، ويملك بيتاً ثمنه سبعمئة ألف ، باعه بمئتين وتسعين ألفاً ، في ساعة غضب أحضر دلالاً نهبه نهيباً ، سكن عند أمه بغرفة واحدة هو وخمسة أولاد ذكور وإناث و زوجته ، وباع البيت ، والبيت الآن ثمنه ثمانمئة ألف ، أي حكمة هذه ؟ أضاع البيت الذي كانت مساحته مئة وثمانين متراً ، حكى ابنه لي فقال : شيء صعب .
 فكانت الحكمة كل شيء بالحياة ، المال يحتاج إلى حراسة ، أما العلم فيحرسك ، الحكمة تجلب المال ، والحمق يبدد المال ، الحكمة ؛ تنتقي بالحكمة زوجة صالحة ، من دون حكمة تنتقي زوجة جميلة ، فتكيل لك الصاع صاعين ، فالإنسان يبحث عن العلم ، والعلم أثمن شيء بالحياة.

(( لموت قبيلةٍ أيسر من موت عالم ))

[ الطبراني عن أبي الدرداء]

من تفقه في دين الله كفاه الله ما أهمه :

(( من تفقه في دين الله عز وجل كفاه الله تعالى ما أهمه ، ورزقه من حيث لا يحتسب ))

[رواه الخطيب في التاريخ من حديث عبد الله بن جزء الزبيدي]

 هل أنتم مصدقون هذا الكلام ؟

(( من تفقه في دين الله عز وجل كفاه الله تعالى ما أهمه .......))

[رواه الخطيب في التاريخ من حديث عبد الله بن جزء الزبيدي]

 أي إذا كان شاباً انقطع لمعرفة الله ، أكبر همّ تأمين بيت ، أنا والله أضمن له ذلك ، لكن كيف ؟ لا أعرف ، لكن اعتماداً على وعد الله عز وجل ، فكيف يتيسر البيت ؟ لا أعرف ، لكن هذا الذي يهمك اطمئن من أجله .

(( من تفقه في دين الله عز وجل كفاه الله تعالى ما أهمه ........))

[رواه الخطيب في التاريخ من حديث عبد الله بن جزء الزبيدي]

 يهمه أيضاً زوجة صالحة، أيضاً اطمئن ، من أين تأتي لا أعرف ، لكن تأتيك امرأةٌ تقول ليس في نساء الأرض من هي خيرٌ منها . هكذا الله يُريكها ، وإذا أحدهم تفقه في دين الله وخائف أن يكون رزقه قليلاً ، لا تخف ، لأن الله عز وجل هو الرزاق ، لو قطع البشر بعض أسباب الرزق ، إذا قطع البشر بعض أسباب الرزق يصل الله عز وجل رزق العبد بأسباب عديدة، والعوام تقول هذا : إذا انسدت من باب تنفتح من عشرة أبواب ، وأحياناً المشكلة نفسها تسبب رزقاً وفيراً .

(( من تفقه في دين الله عز وجل كفاه الله تعالى ما أهمه ، ورزقه من حيث لا يحتسب ))

[رواه الخطيب في التاريخ من حديث عبد الله بن جزء الزبيدي]

 والله أنا كان لي طالب قال لي : أخذت شهادة عالية ، والتحقت بالخدمة الإلزامية ، ولا يوجد مجال أن أتزوج ، لعدم وجود البيت ، وبقي سنتين أو ثلاث ، قال لي : بعد أربع سنوات ضاقت نفسي جداً ، لم أجد طريقاً مفتوحاً ، كل الطرق مسدودة ، وكان مسافراً ، في مكان سفره دعا الله عز وجل من أعماق أعماقه أن يا رب يسر لي زواجاً حتى أحصن نفسي ، ولا يوجد بيت . وهو في طريقه إلى دمشق لم يجد بالكرنك ، ركب الباص ، ومن حمص أخذ الباص الثاني ، قعد فوجد بجانبه إنساناً وقوراً بعد نصف ساعة سأله : الأخ الكريم ما اسمه ؟ قال : اسمي فلان . ما عملك ؟ قال : أنا مدرس . قال له : أمتزوج ؟ قال له : لا والله . قال له: عندي بنت تناسبك . قال له : لكن أنا لا أملك بيتاً ؟ قال له : هي ومعها بيت . قال لي : والله ساعات قليلة ، وتمّ الأمر ، كيف اجتمع معه ، كيف صارت هذه المودة ؟ لا تعرف ، فأنت فقط تتعامل مع الله عز وجل ، إذاً تعرف كيف الله يعامل المؤمنين ، كيف يعامل المخلصين ، كيف يعامل عباده الصالحين ، كيف يعامل من آثر رضاء الله على الدنيا ، إذا كنت تعرف الله عز وجل تقول : حقاً هذا الشيء يقع . العالم أمين الله في الأرض ، أي أمين على هذه الدعوة ، أمين على هذا الكتاب ، أمين على الفتوى ، لأنه إذا أفتى فتوى ضالة أو منحرفة ، كان هذا الذي أفتى جسراً إلى جهنم ، لذلك إذا سألت رجلاً عن قضية وقال لك : اترك لي إياها . لا تشك بعلمه ، شيء يخوف ، فالفتوى تخوِّف كثيراً ، يجوز أن يكون لها وجه صحيح ووجه غير صحيح ، أعطه مهلة ، لأن أجرأكم على الفتوى أجرأكم على النار ، لكي الأمر يتضح ، حرام حرام ، حلال حلال .
 يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 ومن ناحية أخرى ، الإنسان يظن أن الداعي إلى الله عز وجل موضوع آلة فقط ينتهي الدرس يكون الواحد قد استنفذ كل طاقته .
 و هناك شيء آخر أصبح بجو معين ، ينطرح سؤال دقيق : أن بنت ابن عم خالتي رضعانة من خالتي فهل يجوز لها ابني ؟ سؤال معقد ، امهلني قليلاً لأكتبها ، سؤال معقد يحتاج أن يكتب على ورقة ، يحتاج إلى تريث .
 فأنا لا أرى من المناسب بعد الدرس مباشرةً أن تطرح أسئلة فقهية دقيقة جداً ، فهذه الأسئلة تحتاج إلى وقت خاص ، صباحاً من دون أن يكون هناك درس مثلاً ، لأن الإنسان له طاقة وله بؤرة اهتمام ، هذه البؤرة كلها تكون في هذا الموضوع ، فلو نقلته لموضوع آخر تحتاج لصفاء ذهني ، فالأسئلة تحتاج لوقت معين ، فإذا كان السؤال مكتوباً بورقة أهون ، والإجابة عنه تكون أسهل . .

العلماء و الأمراء إن صلحا صلح الناس :

(( صنفان من أمتي إذا صلحوا صلح الناس ، وإذا فسدوا فسد الناس : الأمراء و الفقهاء ))

[ابن عبد البر وأبو نعيم من حديث ابن عباس]

 إذا أتى عليَّ يومٌ لا أزداد فيه علماً يقربني إلى الله عز وجل فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم ، أي إن كنت على يقينٍ من صدق النبي عليه الصلاة والسلام يجب أن تراجع نفسك كل يوم ، أنا اليوم تعلمت تفسير آية ما كنت أعرفها ، تعلمت حديثاً شريفاً ما كنت أعرفه، تعلمت قضية بالفقه ، عملت عملاً صالح ، نفذت شيئاً من سنة رسول الله ، عدت مريض مثلاً، تصدقت ، نصحت ، أمرت بالمعروف ، نهيت عن المنكر ، تليت كتاب الله ، ذكرت الله عز وجل ؟

(( حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، فإنه أهون لحسابكم ، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا ))

[علقه ابن الجوزي في ' تاريخ عمر بن الخطاب ' عن ثابت بن حجاج ]

 إذا كنت وجدت الدرج ملئ بالغلة ، فتقول : السوق حامي اليوم . هذا ليس ربحاً ، هذا مال الدنيا للدنيا ، لا ترتفع عند الله شعرة إذا تضاعف البيع ، أما تعلمت آية ، تعلمت حديثاً، تعلمت حكمة ، سمعت قصة عن صحابي جليل فتأثرت تأثر بليغ ، تمنيت أن تكون على شاكلة هؤلاء الأبطال ، إذا كنت باليوم لك هذا النشاط فهنيئاً لك ، أما إذا أتى عليَّ يومٌ لا أزداد فيه علماً يقربني إلى الله عز وجل فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم ، هذا اليوم غير مبارك ، يقول لك : نهارك عربي بالصلاة على النبي . ما هذه عربي مبارك أي أنك ازدت علم لله عز وجل ، مبارك أي زدت قرب من الله ، عملت عمل صالح ، الله قدر على يديك عملاً صالحاً ، أو سمح لك أن يزداد علمك به ، وهذه نصيحةٌ صادقة :
 في اليوم الذي لا تزداد فيه من الله علماً أو لا تزداد فيه من الله قرباً فهذا يومٌ ضائع ولو اشتريت صفقة ربحت منها مليونين ، مال الدنيا للدنيا .

جبر الخواطر :

 ويقول عليه الصلاة والسلام:

(( ما عُبد الله تعالى بشيءٍ أفضل))

[ من الجامع الصغير عن ابن عمر]

 أنا أحفظ مجموعة أحاديث على هذه الصيغة ، من هذه الأحاديث :

((ما عبد الله بشيء أفضل من جبر الخواطر ))

[ كشف الخفاء ]

 بدل القلوب ، إنسان مكسور خاطره أكرمته ، لك أخت زرتها ، هي وزوجها متشاجرة مهددة بالطلاق ساعدتها على حلّ مشكلة، قال لي شخص والله أبكاني : له أخت زارها، وجدها على خصام مع زوجها شديد جداً ، زوجها دخله محدود ، تريد منه ثلاثمئة بالشهر كسوة لها ولبناتها ، وهو لا يعطيها شيئاً ، هو جالس يستمع للمشكلة ، بعدما انتهت قال لها : يا أختي المبلغ خذيه مني كل شهر فسكتت ، فهل بقيت مشكلة ؟ وزوجها سكت .
 قال لي : كل شهر - والله مضى عليّ ثمانية أشهر لم أتأخر عن أداء المبلغ ساعة - يوم واحد بالشهر أكون عندها أعطيها المبلغ ، أخاف أن أتأخر يوماً فتظن أني غيرت عهدي هذا . قال لي : بعد شهرين أو ثلاثة قالت له : أخي اعمل لنا درس دين نتعلم منك . قال لي : والله هي التي طلبت ، جمع أخواته كلهم وعمل لهم درساً أسبوعياً ، قال لي : علمتهم بعض الآيات القرآنية وبعض الأحاديث من الجامع الصغير ، قال لي : الآن أخواتي الخمس انطلقوا انطلاقة ثانية ، غيروا كل مسلكهم بالحياة .
 فهذا المبلغ الذي تدفعه يفعل السحر ، يصير مثل السحر ، إذا إنسان دفع مبلغاً اقتطعه من دخله إرضاءً لله عز وجل ، لأنه جبر خاطرها ، هي لزم عليها أن تنفق بالشهر ثلاثمئة لها ولبناتها ، وزوجها لا يوجد معه ، هذا أخ ، فما عبد الله بشيء أفضل من جبر الخواطر بدل القلوب ، أنا والله أغبط الأغنياء أقسم بالله ، لأن أمامهم أبواباً مفتحة لا يعلمها إلا الله ، مفتَّحة أبواب العمل الصالح أمامهم ، فأقول لكم : بالحياة قوتان قوة العلم وقوة المال ، يمكن بالمال أن تهدي مئة رجل بإحسانك ، هذا دينته ، هذا عاونته ، هذا اشتريت له ، وهذا أقرضته ، تجد القلوب تميل لك ، ويميلون لدينك أيضاً ، ويميلون لجامعك كذلك مكان ما تصلي، تستطيع أن تحضر الناس بمالك وبعلمك كذلك .
 إنسانان مغبوطان ؛ إنسان يعلم الناس ، ورجل أتاه الله مالاً ينفقه ابتغاء مرضاة الله، كل هذا الخير ، قال لي : أخواتي وبنات أخواتي ، صار هناك درس أسبوعي . . فإذا إنسان له أخوات بنات عمل لهم درساً أسبوعياً ببيته ، أو ببيت أحد أخواته ، وعلمهم بعض الفقه ، حقوق الزوج ، وحقوق الزوجة ، تفسير جزء عم ، حديث شريف عن رسول الله ، تجد الجو كله انتعش، الآن تجد الناس كل مجالسهم باطلة ، كلام على الناس ، وغيبة ، ونميمة ، ونقل أخبار مزعجة ، وشعور بالتفاهة .

(( مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا فَلَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً . . .))

[أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 يجوز أن تنفق مئة ليرة تسبب هداية إنسان ، لا أحد يستقل بالصدقة ، فمثلما قلت لكم : ما عبد الله بشيء أفضل من جبر الخواطر بدل القلوب .

التفقه في الدين خير عبادة :

 هذا حديث آخر على الصيغة نفسها :

(( ما عبد الله تعالى بشيءٍ أفضل من فقهٍ في الدين ))

[السخاوي عن أبي هريرة ]

 هذه أرقى عبادة ، فالصلاة عبادة ، إذا صليت بالجامع صلاة نفل فهذه عبادة ، إذا استمعت إلى مجلس علم فهذه أفضل عبادة ، إذا صمت نفلاً فهذه عبادة ، لكن إذا كان صيام النفل - إياكم أن تفهموا الفرض ، فالفرض ليس رمضان فقط بل قضاء رمضان - سيمنعك من مجلس علم ، فافطر واجلس مجلس علم ، لأن الفقه في الدين أفضل عبادة .

(( ما عبد الله تعالى بشيءٍ أفضل من فقهٍ في الدين ))

[السخاوي عن أبي هريرة ]

 إذا كنت أنت بمكان بعيد ، ومعك أجرة سفر لمجلس علم ، أنت بدرعا مثلاً ، تحتاج عشرة ليرات لتصل ، إذا دفعت العشرة صدقة بدرعا هذا العمل ليس أقل من أن تأتي إلى دمشق وتحضر مجلس العلم ، إذا دفعت هذا المبلغ أجرة طريق لحضور مجلس علم هذا أفضل عند الله من دفعها صدقة .

(( ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في الدين ، ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد ولكل شيء عماد وعماد هذا الدين الفقه ))

[السخاوي عن أبي هريرة ]

 قال لي أحدهم : حفرنا مكاناً بمحل تجاري لنضع أنبوباً ، لم نفعل شيئاً ، فروغ المحل ثلاثمئة ألف ، جاء محامِ وصوره ، وأقاموا دعوى وبعد عدة سنوات أخليت من المحل . لأن الحفر هذا يسبب الإخلاء ، فالجاهل يقول لك : احفر لا يوجد خطر ، هذا الذي تحفره يحمل اثني عشر طابقاً ، تحفر فيتصدع البناء ، فهذه عماد الدين .

(( الصلاة عماد الدين من أقامها فقد أقام الدين ومن تركها فقد هدم الدين ))

[البيهقي في شعب الإيمان عن عمر ]

 أخي أنا آدمي ، لا أؤذي أحداً ولكن لا أصلي . ما هذا الكلام ؟! هذا إما بلادة و إما ذكاء ، هناك شخص لا يؤذي أحداً يخاف من الناس ، هذه بلادة ، ولكن إذا كان قوياً ولا يؤذي أحداً فهذا ذكاء منه ، يعيش مطمئناً ، ليس هذا الدين ، الدين أن تعرف الله عز وجل .
 جاء طالب آخر السنة : لماذا لم تنجحوني ؟ لم أضرب رفاقي ، لم أتشاكس معهم ، ولم أفعل شيئاً ؟ لكن ما درست ، وإذا لم تؤذهم ، إذا لم تؤذ أحداً يجب أن أنجحك ؟ النجاح يحتاج إلى دراسة ، فكلمة أنا لا أؤذي أحداً هذا كلام مضحك ، أو يقول : أنا قلبي أبيض . يكون رمادياً أيضاً ماذا أفعل به ؟ نحن نريد إنساناً مستقيماً ، نحن نريد إنساناً يصلي .

((أفضل من فقه في الدين ، ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد ولكل شيء عماد وعماد هذا الدين الفقه ))

[السخاوي عن أبي هريرة ]

((إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ))

[ أحمد عن أبي قتادة]

 ذاهب مع بعض الناس في سفر ، أخي تعال نقصر ، تقول : لا نحن مرتاحون الآن . أنت مرتاح غيرك ليس مرتاحاً ، أنت شاب غيرك يحب أن يصلي قصراً ، يوم سفر ، الإنسان يجب أن يكون مع المجموع ، سيروا بسير أضعفكم .

(( خير دينكم أيسره وخير العبادة الفقه ))

[الجامع الصغيرعن أنس]

 خير العبادة ؛ الصوم عبادة ، الصلاة عبادة ، الحج عبادة ، الفقه خير هذه العبادات ، إنسان ذهب ليحج ورجع ، عملوا له مباركة ، نظر من فتحة الباب فرأى النساء اللواتي جئن ليباركوا لزوجته ، وهذا حج ؟ لو فقه بالدين ولم يحج لكان أفضل ، أما إذا كان فقيهاً وحج ، فهو شيء راق جداً ، أما الإنسان فيحج لكن لم يفهم شيئاً بالدين ، يجوز أن يقتل إنساناً ليصل للحجر الأسود فهل أنت فقيه بالدين ؟ أخي نريد أن نقبله ، تحتك مع أناس تدهسهم، نريد أن نقبله ، هذا الجهل بعينه ، أو يقعد بعرفات بالخيمة يسمع المسجلة يقول لك : جلسنا خمس ساعات انبسطنا تماماً والحمد لله ، ماء مثلَّج ، ونسمع مسجلة وكل شيء من أحسنه ، فما هذا الحج ؟ فقصدي :

(( خير دينكم أيسره وخير العبادة الفقه ))

[الجامع الصغير عن أنس]

أثر العلم و فضله :

 اسمعوا لهذا الحديث ، ولا زلنا في فضيلة العلم :

(( قيل : يا رسول الله - انظر لهذا السؤال - أي الأعمال أفضل ؟ فقال : العلم بالله عز وجل . فقيل : أي العلم تريد ؟ قال عليه الصلاة والسلام : العلم بالله سبحانه . فقيل يا رسول الله : نسأل عن العمل وتجيب عن العلم ؟! ـ نقول لك : أي الأعمال أفضل ؟ أنت قلت لنا العلم بالله العلم عمل ؟!- اسمعوا الجواب -. . . فقال عليه الصلاة والسلام : إن قليل العمل ينفع مع العلم بالله تعالى وإن كثير العمل لا ينفع مع الجهل بالله ))

[الجامع الصغير عن أنس]

 كثير العمل لا ينفع مع الجهل ، فإذا إنسان عمل بناء من غير مهندسين ، وأحضر مئة طن من الحديد ، ولكن لا يوجد علم ، هنا وضع لكل متر سبعة أكياس ، هناك وضع كيسين ، بعدما انتهى من صب عشرين طابقاً البناء كله مال ، كل البناء صار يحتاج لتكسير ، كل هذه النفقات أصبحت على الأرض ، هذا المال يحتاج لعلم ، تريد أن تضع ثمن حديد ، وثمن إسمنت ، كله شيء غال ، أسعاره غالية ، تريد مهندساً ليعطيك نسباً صحيحة ، فالنبي الكريم يقول :

(( إن قليل العمل ينفع مع العلم بالله تعالى ، إذاً العلم أعظم من العمل . وإن كثير العمل لا ينفع مع الجهل بالله ))

[الجامع الصغير عن أنس]

 وقال أبو الأسود : " ليس شيءٌ أعز من العلم ، الملوك حكامٌ على الناس ، والعلماء حكامٌ على الملوك ". الآن هل يستطيع أي ملك من الملوك ألا يكون عنده مستشارون ؟ إذا كان يريد أن يمنع شيئاً أو يسمح بشيء يحتاج إلى خبراء اقتصاد ، إذا منعنا ماذا يحدث ؟ يحدث هكذا وهكذا وهكذا ، كل رؤساء الدول حولهم فريق مستشارين من أعلى مستوى ، معناها العلم هو الأساس ، كل وجدت معضلة اجتماعية أو اقتصادية يجتمع الخبراء ، كيف الحل ؟ ماذا نفعل؟ إذاً من هو حجر الزاوية في بناء المجتمع ؟ العلم .
 وقال ابن عباسٍ رضي الله عنهما : خُيِّر سليمان بن داود عليهما السلام :

﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾

[ سورة النمل :16 ]

 بين العلم والمال والمُلك ، فاختار العلم فأعطي المال والمُلك معه .
 وسئلٌ ابن المبارك : من الناس ؟ فقال : العلماء . فقيل : من الملوك ؟ قال : الزهاد . فقيل : من السفلة ؟ قال : الذين يأكلون الدنيا بالدين . واستمعوا لهذا الحديث :

((من أوتي القرآن - أي أوتي فهمه- فرأى أن أحداً أوتي خيراً منه فقد حقَّر ما عظمه الله ))

[ إسحق بن راهويه عن عبد الله بن عمرو بن العاص]

 الله فهمك كتابه ، وأنت لك دخل محدود ، وساكن ببيت وسط ، غرفتان وصالون ، وتمشي على رجلين ، لا يوجد شيء يرفعك عن الأرض لكنك فاهم كتاب الله ، ولك صديق كان بالابتدائي وكنتما معاً على مقعد واحد ، والآن يحكي بالمئة مليون ، إذا رأيت أن الله أعطاه أكثر منك فقد حقرت ما عظمه الله ، أنت بأدنى مستوى معيشي ، والآخر بأعلى مستوى معيشي ، لكن الله علمك القرآن ، فإذا رأيت أن هذا الصديق أوتي خيراً مما أوتيت ، فقد حقرت ما عظمه الله .
 وقال الفتح المُصلِّي رحمه الله : " أليس المريض إذا منع الطعام والشراب يموت ؟ قالوا : بلى، قال : كذلك القلب إذا منعت عنه الحكمة والعلم ثلاثة أيامٍ يموت ".
 وقال ابن عباسٍ رضي الله عنهما : " تذاكر العلم بعض ليلةٍ أحب إلي من إحيائها" .
 إذا جلسنا ساعة من الزمان تذاكرنا العلم واستفدنا خيرٌ عند الله من إحياء هذه الليلة بكاملها للصبح و لو كنا نصلي ، تذاكر العلم بعض ليلةٍ خيرٌ من إحيائها .
 وقال بعض المفسرين وهو الحسن رضي الله عنه :

﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾

[ سورة البقرة : 201 ]

 فقال : إن الحسنة في الدنيا هي العلم والعبادة .
 بعضهم قال : الزوجة الصالحة .
 وقال الأحنف رحمه الله : كل عزٍ لم يرطب بعلمٍ فإلى ذلٍ مصيره .
 وقال سالم : اشتراني مولاي بثلاثمئة درهم وأعتقني . فقلت : بأي شيءٍ أحترف ؟ فاحترفت العلم ، فما تمت لي سنةٌ حتى أتاني أمير المدينة زائراً فلم آذن له .
 عبد أعتقه سيده ، اختار طلب العلم ، تعلم ، مضى سنة جاءه أمير المدينة زائراً قال : فلم آذن له .
 يقول سيدنا الزبير : " عليك بالعلم فإنك إن افتقرت كان لك مالاً ، وإن استغنيت كان لك جمالاً "
 أي إذا طالب معه شهادة عليا مثلاً له دخل منها ، وإذا كان ثرياً وتعلم العلم كان له جمال هذا العلم .
 وقيل : وجاء في وصايا سيدنا لقمان لابنه : " يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك " أي لو كان المجلس ضيق فتصرف ، وقال بعض الحكماء : العلم ذكرٌ ـ الشمس مؤنث ، والقمر مؤنث مجازي ـ العلم ذكرٌ ولا يحبه إلا ذُكران الرجال . معنى هذا هناك رجال نساء ؛ إذا همه شهوته ، همه زينته ، همه راحته ، هذا رجل بالنفوس رجل ، أتى تحت اسم الذكور ، ذكور وإناث ، هو مع الذكور جاء اسمه ، لكنه مع النساء ، العلم ذكرٌ ولا يحبه إلا ذكران الرجال ، أي أن الرجل يحب العلم .

الأجر الكبير للمتعلم :

 قصة اليوم ليس لها وقت ، وهي عن سيدنا معاذ بن جبل إن شاء الله نأخذها في الدرس القادم .
 أردت أن أنهي الفصل في هذا اللقاء ، الدرس القادم فضيلة التعلم ، اليوم تحدثنا عن فضيلة العلم ، الدرس القادم فضيلة المتعلم ، هذا له أجر كبير ، يقول الإمام علي رضي الله عنه :" قوام الدين والدنيا أربعة رجال ، عالمٌ مستعملٌ علمه ، وجاهلٌ لا يستنكف أن يتعلم"
 أيضاً الفضل لمن يستمع ، لو لم يكن هناك أحد يستمع لما كان هناك علم ، أنا أقول : الفضل لكم في حضور هذا المجلس ، إذا كان هناك توفيق من الله عز وجل فهو بفضل أن هناك مستمعين راغبين في هذا المجلس .
فالدرس القادم في فضيلة تعلم العلم .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS