9947
الفقه الإسلامي - موضوعات متفرقة - الدرس 17 : آفات العلم .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1985-03-03
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم ، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا ، وانْفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علمًا ، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجْتِنابه ، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين .

آفات العلم :

 أيها الأخوة الكرام ، الموضوع اليوم في إحياء علوم الدِّين الباب السادس في آفات العلم .
 طبعًا فيما مضى تحدَّثنا عن فضائل العلم ، وخصائص العلماء العاملين ، وآداب المعلِّم ، وآداب المتعلّم ، وفضْل نشْر العلم ، هذه هي الموضوعات التي مرَّت من قبل .
 واليوم إلى آفات العلم ، وقد لا يتصوَّر أحدكم أنَّ للعلم آفات ، في طريق العلم منزلقات وللعلم آفات فلْيَحذر كلٌّ منَّا أنْ تنطبقَ عليه بعض هذه الآفات .

(( لَا تَعَلَّمْ الْعِلْمَ لِتُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ ، أَوْ تُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ ، وَتُرَائِيَ بِهِ فِي الْمَجَالِسِ ، وَلَا تَتْرُكْ الْعِلْمَ زَهَادَةً فِيهِ ، وَرَغْبَةً فِي الْجَهَالَةِ ، وَإِذَا رَأَيْتَ قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فَاجْلِسْ مَعَهُمْ إِنْ تَكُنْ عَالِمًا يَنْفَعْكَ عِلْمُكَ ، وَإِنْ تَكُنْ جَاهِلًا عَلَّمُوكَ ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَتِهِ فَيُصِيبَكَ بِهَا مَعَهُمْ ، وَإِذَا رَأَيْتَ قَوْمًا لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فَلَا تَجْلِسْ مَعَهُمْ إِنْ تَكُنْ عَالِمًا لَمْ يَنْفَعْكَ عِلْمُكَ ، وَإِنْ تَكُنْ جَاهِلًا زَادُوكَ غَيًّا أَوْ عِيًّا ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ بِسَخَطٍ فَيُصِيبَكَ بِهِ مَعَهُمْ ))

[ الدرامي عن داود بن شابور]

 ليس هذا العالم الذي لم ينفعْه الله بعلْمه مُعَذَّبٌ يوم القيامة بل هو أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة ، هذا كلامٌ دقيق ، وكلام خطير ، وكلام يقصم الظُّهور ، عالمٌ تعلَّم العِلْم ؛ يُصلِّي ، يصوم ، يزكِّي ، يدعو إلى الله ، إن لمْ يكن على سنَّة النبي عليه الصلاة والسلام ، إن كان محبًّا للدنيا ، إن اتَّخَذَ العلم وسيلة للدنيا ، إن طلب الدنيا بالآخرة ، فهذا ليس معذَّبًا فحَسْب بل هو من أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة .
 ويقول عليه الصلاة والسلام:

((مَا آتَى اللَّهُ عَبْدًا عِلْمًا فَعَمِلَ بِهِ عَلَى سَبِيلِ الْهُدَى فَيَسْلُبَهُ عَقْلَهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ))

[الدرامي عن سعد ]

 أن تقول : فلان عالم لأنَّه حفظ الكتاب الفلاني حفظًا وفهمًا وشرْحًا ، أن تقول : فلان عالم لأنَّه أتْقَنَ العلم الفلاني ، هو آيةٌ في هذا العلم ، وحيد عصرهِ في هذا العلم ، متفوِّقٌ في هذا العلم ، هذا كلّه لا يغني عند الله شيئًا ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

((مَا آتَى اللَّهُ عَبْدًا عِلْمًا فَعَمِلَ بِهِ عَلَى سَبِيلِ الْهُدَى فَيَسْلُبَهُ عَقْلَهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ))

[الدرامي عن سعد ]

 أي لا يُسمَّى عالمًا ، إذاً ماذا نسمِّيه ؟ حافظ ، ناقد ، مثقَّف ثقافة إسلاميَّة ، حصَّل العلم الفلاني ، أما كلمة عالم فلا تُطلق إلا إذا كان بعلمه عاملاً ، فالواحد لا يرى ماذا تعلَّم لِيَنظر ماذا عمل ممَّا تعلَّم ؟ وهذا الكلام يجب أن يكون واضحًا لديكم لأنّ العمر ثمين ، والمسؤوليّة خطيرة ، لا يكون المرء عالمًا حتى يكون بعلمه عاملاً ، إن عملَ بما علم سمِّيَ عند الله عالمًا ، فإذا لم يعمل بما علم لا يسمَّى عالماً .
 أدقّ كلمة نقول: ناقل ؛ نقل هذا العلم إليه ؛ قرأه ، ودرسهُ ، وحفظه ، درَّ‍سهُ على مستوى الحقائق لا على مستوى التطبيق ، إذًا ليس بِعَالِم ، ويقول عليه الصلاة والسلام :

((النَّاسِكُ إِذَا نَسَكَ لَمْ يُعْرَفْ مِنْ قِبَلِ مَنْطِقِهِ وَلَكِنْ يُعْرَفُ مِنْ قِبَلِ عَمَلِهِ فَذَلِكَ الْعِلْمُ النَّافِعُ))

[الدرامي عن سعد ]

 هذا الذي تتعلَّمه بِلِسانك هو حجَّة عليك .

أصل العلم معرفة الرب :

 إذاً هناك علْمٌ يعَدُّ حجَّة على ابن آدم ، وهناك علم يكمن في القلب ، وهذا الذي يكمن في القلب هو العلم النافع لأنّ الله سبحانه وتعالى يقول في الحديث القدسي: " ما وسعني أرضي ولا سمائي ، ولكن وسعني قلب عبديَ المؤمن " أي أثْمن ما في الوجود قلب المؤمن ، لأنّ هذا القلب يعقل عن الله عز وجل حكمته ، ورحمته ، وعظمته ، وهو الكائن المؤهَّل في الأرض لِيَعرف الله عز وجل ، وقلب الإنسان هو مكان عقل الحقائق ، لذلك قلب المؤمن كبير ، كبير كبير يصْغر أمامه كلّ شيء .
 و هناك علمٌ على اللِّسان يُسمّونه حذْلقة ، قال أحد الأعراب للنبي عليه الصلاة والسلام : " يا رسول الله جئتُكَ لِتعلِّمَني من غرائب العلم ؟ فقال له: وما صنعْت في أصل العلم؟ قال: وما أصل العلم ؟ فقال: هل عرفت الربّ ؟ فقال: ما شاء الله ، قال : اذْهَب فأحْكِم ما هنالك ، ثمّ تعال كيّ أعلِّمَك من غرائب العلم ‍؟ " غرائب العلم لا قيمة لها إن لم يكن للعلم أصلٌ، أصل العلْم معرفة الربّ ، طبعًا الإمام الغزالي من طبيعته في الكتاب أنَّه يحشد في الموضوع الآيات أوَّلاً ، ثمّ الأحاديث ثانيًا ، وأقوال الصحابة ثالثًا ، وأقوال التابعين رابعًا ، وما حصل عليه من أقوال العلماء المعاصرين له .

* * *

علامات العبّاد في آخر الزمان :

 لازلنا الآن في الأحاديث الشريفة ، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( يخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان ، سفهاء الأحلام ، يقرؤون القرآن ، لا يجاوز تراقيهم ، يقولون من خير قول البرية ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية))

[ ابن ماجه عن ابن مسعود ]

 أحدهم ذهب إلى العمرة لزيارة النبي عليه الصلاة والسلام ، نزل بالفندق وفيه جهاز لهو ، وفيه مسلسلات يتابعها صباحًا في الحرم النبوي ، ومساءً مسلسلات ، فهؤلاء عبَّاد جهَّال، يُصلي الصلاة في وقتها ، ويُصافح النساء ، هؤلاء عبَّاد جهّال ، يصوم رمضان ، ويتابع السَّهر إلى السحور على أجهزة اللّهو ، فإذا تسحَّر نام قبل أن يصلّي ، ثمّ يقول لك : هذا ترتيب رمضان !! ما هذا الصِّيام ؟ عبّاد جهَّال ، يضعُ أمواله لِيَسْتثمرها بالفائدة ، ويدفعُ الفائدة صدقة ، عبّاد جهَّال فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال :

(( يخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان ، سفهاء الأحلام ، يقرؤون القرآن ، لا يجاوز تراقيهم ، يقولون من خير قول البرية ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية))

[ ابن ماجه عن ابن مسعود ]

 إذا دُعِيَ عالمٌ إلى حفل ، وكان فيها ما لا يرضي الله ، اسْترق النَّظَر إلى هذه الأشياء ، وإذا سافرَ إلى بلاد معيَّنة لا يوجد أحد يراقبهُ تُغريه نفسهُ بالدُّخول إلى أماكن لا ترضي الله عز وجل ، هؤلاء العلماء فسّاق .

على الإنسان ألا يبتغي الرفعة عند الناس بل عند الله :

 من علامات آخر الزَّمان أن يكون هناك علماء جهَّال ، وعلماء فسَّاق ، وهذا العالم الفاسق سقطَ من عَيْن الله تعالى ، قال تعالى:

﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً ﴾

[ سورة الكهف : 105]

 لهم صَغارٌ عند الله تعالى ، الإنسان يسعى ألا يكون صغيرًا بِعَين الله ، فقد يكون كبيرًا بِعَين الناس ، قد يغشّ الناس كلّهم لبعض الوقت ، ولكنّ الله سبحانه وتعالى لا تنطوي عليه حيلة ، ولا تجوز عليه خُدعة ، ويعرف الأمور بِبَواطنها ، ويعرف حقيقة كلّ إنسان ، فلذلك الإنسان لا يبتغي الرِّفعة عند الناس ، أضربُ دائمًا مثلاً شهيرًا ؛ لو عندك كيلو معدن ، وأوْهمْتَ الناس أنَّه ذهب ، وصدَّقوا ذلك ، وقالوا : هنيئًا لك ويا ليْت لنا مثل ما لك ، وهو تنك ! أنت الخاسر الأكبر ما ينفعك أنَّهم صدَّقوا ذلك ؟ ما ينفعك أنَّهم اعتقدوا أنَّ هذا المعدن هو ذهب ، وأنّ أسعاره بارتفاع مزْهد ، هل ينفعُكَ شيئًا ؟ اعتقادهم هذا هل يُتَرجم لك مالاً ؟ اعتقادهم هذا هل ينجيك من أزمةٍ مالِيَّة ؟ لا ، اعتقادهم هذا هل يُتَرجم إلى بيتٍ تسكنهُ ؟ لا ، هذا المعدن زهيد ، وخسيس ، ولكنَّك بِذَكاءٍ بارع أوْهَمْتَ الناس أنَّه ذهب ، وصدَّقوا ذلك ، وأثْنوا على هذه الثَّرْوَة ، وقالوا : هنيئًا لك ! من الخاسر ؛ هم أم أنت ؟! أنت وحدك ، فإذا ظنَّ الناس أنّ فلاناً عنده كيلو من المعدن ، وهذا المعدن خسيس لا قيمة له ، وكان هو ذهبًا في الحقيقة ، هل يؤذيكَ ظنّهم هذا ؟ هل يقلِّل من قيمة هذا المعدن الثَّمين اعتقاد الناس أنَّه خسيس ؟ لا ، من الرابح الأكبر ؟ هو أنت علاقتك مع الله عز وجل ، فأنت إذا كنت عند الله عز وجل مكرَّمًا ، ولو ذمَّكَ الناس ، فمن عرف نفسهُ ما ضرَّتْهُ مقالة الناس به ، هناك علماء كبار ، منهم الشيخ محيي الدِّين رحمه الله ، الصُّوفيُّون قالوا عنه : سلطان العارفين ، وبعض الفرَق الإسلاميَّة قالوا عنه : كافر ، فهل قَوْل الصوفيُّون يرفع مقامهُ عند الله ؟ لا ، وهل قوْل هؤلاء الآخرين يخفض مقامهُ عند الله ؟ لا ، إنّ لهذا الرّجل مقاماً عند الله لا يرفعُه قول المادحين ، ولا يخفضهُ قول المشكِّكين، علاقتك مع من ؟ مع الله ، هذا هو التوحيد ، ابتغوا الرِّفعة عند الله ، هكذا يقول عليه الصلاة والسلام ، إيّاك أن تكون في عيْن الله صغيرًا ، كلّ شيءٍ ليس له قيمة ، سأل أحدهم فقيهًا : كيف أمشي في الجنازة ؟ لا يعرف الأصول ؟ قدَّامها أم وراءها أم عن اليمين أم اليسار، فقال : اِمْش أينما أردْت ، فقط لا تكن في النَّعش ! سرْ حيثما تشاء قياسًا على هذه الطُّرْفة ، لا تعْص الله ، ولْيَقُل عنك الناس ما يقولون، إيَّاك أن تعْصِيَه ، وإيّاك أن تكون صغيرًا في عين الله، قالوا عنك : منحرف ، أو متشَدِّد ، أو دينه صعب ، أو فهمه قاصر ، ليقل الناس ما يشاؤون ، فما دُمْت عند الله تعالى كبيرًا فأنت كبير ، وما دام بعض الناس عند الله تعالى صُغَراء فهُم صغراء ، ولو عظَّمَهم الناس ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال : " اللَّهم أرِني بِعَين نفسي صغيرًا " تواضعًا .

عدم تعلم العلم لمباهاة العلماء أو مماراة السفهاء :

 وقال عليه الصلاة والسلام:

((لَا تَعَلَّمْ الْعِلْمَ لِتُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ تُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ وَتُرَائِيَ بِهِ فِي الْمَجَالِسِ وَلَا تَتْرُكْ الْعِلْمَ زَهَادَةً فِيهِ وَرَغْبَةً فِي الْجَهَالَةِ وَإِذَا رَأَيْتَ قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فَاجْلِسْ مَعَهُمْ إِنْ تَكُنْ عَالِمًا يَنْفَعْكَ عِلْمُكَ وَإِنْ تَكُنْ جَاهِلًا عَلَّمُوكَ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَتِهِ فَيُصِيبَكَ بِهَا مَعَهُمْ وَإِذَا رَأَيْتَ قَوْمًا لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فَلَا تَجْلِسْ مَعَهُمْ إِنْ تَكُنْ عَالِمًا لَمْ يَنْفَعْكَ عِلْمُكَ وَإِنْ تَكُنْ جَاهِلًا زَادُوكَ غَيًّا أَوْ عِيًّا وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ بِسَخَطٍ فَيُصِيبَكَ بِهِ مَعَهُمْ ))

[ الدرامي عن داود بن شابور ]

 تجد شخصًا بِمَجلس علْم ، أو بِسَهرة ، أو ببيت ، يريد أن يتكلم ، لو شُقَّ على صدره لكان هذا الدافع من الكلام المُباهاة ‍، يريد أن يثْبت لك أنَّه أفْهم منك ، أنَّه متعلِّم ، وكلّ إنسان يحسّ بِعُقْدة نقْص تراه يتكلَّم لِيُلْفتَ النَّظَر إليه ، هذا الإحساس مرضي ، لأنَّ الإنسان المعافى نفْسيًّا هذه نعمة كُبرى ، أحدُ الأمراض النَّفسيَّة إثبات الذات بِطَريقٍ غير صحيح ، يريد أن يثبت أنَّه متعلّم ، لو نظرت للذي لا يقرأ ولا يكتب ، تجده يضع على جيْبه الخارجي ما يعادل ستَّة أقلام متجمِّعة ! أو أربعة ، الذي لا علاقة له بالعلم تراه يعتني كثيرًا بالمكتبة ، وبتَجليد الكتب ، وتهذيبها ، ويقول لك : عندي مكتبة ضخمة ، لكن لو سألتهُ لوجدْته ما قرأ كتابًا ، وعُقَد النَّقص دائمًا تتبدَّى بِشَكْل مُبالغ به ، إذا الواحد غير متعلّم يحبّ أنْ يتكلَّم كثيرًا ، تجدهُ بالمجلس العلماء ساكتون ، وهو المتكلّم الوحيد !! يُقاطعهم ليَذْكر لهم قصَّة سخيفة ، أو فكرة ساذجة ، أو ما شاكلَ ذلك ، فلذلك الإنسان عليه أن يكون عالمًا خقًّا حتى يكون متأدِّبًا بآداب العلم ، وتراهُ يُصغى للحديث بِسَمعِهِ ، وبِقَلبِهِ ، ولعلَّه أدْرى به ، فمن آداب العلم أن تستمع ، والاستماع أدب، وقد يكون المستمعُ واعيًا ، وأوْعى من المتكلِّم ، وقد قال عليه الصلاة والسلام :

(( فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ وَالنَّصِيحَةُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ وَلُزُومُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ دُعَاءَهُمْ يُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ))

[ الدرامي عن جابر ]

 أحدهم جلس مع النبي الكريم صلى الله عليه وسلّم ، واستمعَ من فمه الشريف ، ونقل هذا الكلام لتابعيٍّ لمْ ير النبي عليه الصلاة والسلام ، قال :

(( فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ وَالنَّصِيحَةُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ وَلُزُومُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ دُعَاءَهُمْ يُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ))

[ الدرامي عن جابر ]

 لا تتعلَّموا العلم لِتُباهوا به العلماء ، وتُماروا به السُّفهاء ، ولِتَصرفوا به وجوه الناس إليكم ، ليس كلّ المُيُول خسيسة ، هناك شهوات بالإنسان وبعض هذه الشَّهوات أن تُصْرفَ وُجوه الناس إليك ، هذه شهوة لا ترْضي الله عز وجل ، لذلك أكبر دعاء لله عز وجل : " اللَّهمّ إنِّي أعوذ بك من الشِّرْك الخفيّ " قال تعالى:

﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً (23)﴾

[ سورة الفرقان : 23]

 له عملٌ كبير ولكنَّ عدم الإخلاص في هذا العمل جعلهُ صفْرًا كامِلاً ، هباء منثورًا، فالإنسان لا يغترّ بالعمل ، ولكن عليه أن يغترّ بالإخلاص بالعمل ، فمن فعل ذلك فهو في النار تعلَّم العِلم ليُباهي به العلماء ، ويُماري به السفهاء ، ولِيَصْرف وُجوه الناس إليه ، فمن فعل ذلك فهو في النار .

كتم العلم يوقع الإنسان في غضب الله :

 وقال صلى الله عليه وسلّم :

(( مَنْ كَتَمَ عِلْمًا عِنْدَهُ ألجمه الله بلجام من نار ))

[ المعجم الأوسط عن أبي هريرة]

 لو فرضْنَا أنّ أحدًا كان مع شخصٍ أعْلمَ منه ، وله شأنه ، وصافح امرأةً أمامه ، قال له : هل في هذا شيء ؟‍ فقال له : لا شيء في هذا ‍‍!! وهو يعلم أنّ النبي عليه الصلاة والسلام قال :

(( عَنْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نِسْوَةٍ بَايَعْنَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ ، فَقُلْنَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ نُبَايِعُكَ عَلَى ألَا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا ، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِيَ ، وَلَا نَقْتُلَ أَوْلَادَنَا ، وَلَا نَأْتِيَ بِبُهْتَانٍ نَفْتَرِيهِ بَيْنَ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا ، وَلَا نَعْصِيَكَ فِي مَعْرُوفٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ وَأَطَقْتُنَّ ، قَالَتْ : فَقُلْنَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَرْحَمُ بِنَا مِنْ أَنْفُسِنَا هَلُمَّ نُبَايِعْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ ، إِنَّمَا قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ كَقَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ مِثْلِ قَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ))

[مالك عن أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ]

 فمِن أجل ألا يغضبهُ لعلّه يحرجَهُ ، قال له : لا شيء في هذا ! هذا كتَمَ علْمًا ، والنبي الكريم قال : " كلمة الحقّ لا تقطع رزقًا ، ولا تقرّب أجلاً "
 إذا علمْت أنَّ هذا الشيء حرام قلْهُ ، يقول لك : أنا جلسْتُ بمجلسٍ يشربون فيه الخمر، ولكنَّني لمْ أشرب ، فهل في هذا شيء ؟!! لا ، لا عليك !!! لماذا لمْ تقل له : لا يجوز ، لا يجوز أن تقعد على هذه المائدة ، كلّ ذلك من أجل ألا يغضبهُ !! هذا كتْم علم ، من كتَمَ علمًا ألجمه الله ، إذا الواحد له مزحة دينيَّة ، وله أصدقاء غير ديِّنين ، دائمًا يستفتونه ، فإذا كان ضعيف الشَّخصِيَة ، وله مصلحة معهم ، ومكاسب دنيوِيَّة من طريقهم ، يفتيهم على هواهم فيقَعُ في غضب الله عز وجل ، لذلك من هو الداعيَة الصحيح كما قال تعالى ؟ قال تعالى :

﴿يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ﴾

[ سورة الأحزاب : 39]

 فإذا خشِيَ غير الله سكت عن الحق إرضاءً لهذا الذي خشيَهُ من دون الله ، وإذا خشيَهُم نطق بالباطل إرضاءً لهم ، فإذا نطق بالباطل وسكت عن الحق ماذا بقيَ من تبليغ رسالات الله ؟ فلمَّا ربّنا عز وجل اقتصرَ في وصْف هؤلاء على هذه الصِّفة ، فهذه هي الصفة الوحيدة الأساسيَّة .

خطر الأئمَّة المضلِّين أكبر على الناس من خطر الملْحِدين :

 و قال صلى الله عليه و سلم :

(( لأنا من غير الدَّجال أخْوَفُ عليكم من الدَّجال ، فقيل : وما ذلك ؟ فقال : من الأئمَّة المضلِّين . . ))

[ أحمد عن أبي ذر]

 لو فرضنا أنَّ لك جارًا ملحدًا ، ينكر وُجود الله عز وجل ، أنا أعتقد أنَّ خطر الأئمَّة المضلِّين أكبر على الناس من خطر هذا الملْحِد ، والسَّبب أنَّ الملْحِد معروف أنَّه ملْحِد ، الناس يبتعدون عنه ، لا يأخذون بأقواله ، لا يستشيرونه ، ينفرون منه ، أما هذا الذي يصلِّي أمامهم ، يقول : هذا مباح ، وهذا فيه فتوى ، وهذا لا ضَيْر عليه منكم ، والإنسان إذا أراد أن يمشي في طريق الإيمان يقلّل من الذُّنوب ما أمكن ، هناك من يقول ذلك ، هذا الكلام خلاف ما جاء به النبي الكريم ، افْعل المعروف ما أمكن ، صحيح ، قدْر الإمكان ليس كلّ واحد معه أن يبني جامعًا ، يمكن لا تستطيع أن تدفع إلا خمس ليرات ، وهل كلّ واحد يستطيع أن يتصدَّق بألف ليرة ؟ لا ، قلّة ، ممكن أحدهم أن يدفع مئة أو خمسين أو خمسة وعشرين وحتّى ليرة ، فالمعروف بقدْر الإمكان ، قال تعالى:

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً ﴾

[ سورة الطلاق : 7]

 أما المنكر فلا توجد نسبة نسبيَّة فيه ، أحدهم سألني مرَّةً : إذا الواحد عملَ صالحًا وما كان مستقيمًا ألا يُتَقَبَّل منه ؟ خطر في بالي مثل ، العمل الصالح يشبه صنبور ماء مفتوح بكامله والاستقامة قعْر هذا المستودع ، فالعمل الصالح من دون استقامة كَصُنبور الماء المفتوح على مستودع من دون قعر ، متى يمتلئ ؟ لا يمتلئ أبدًا ، إذا كان له مخالفة واحدة هذا القعر له ثقب واحد ، وكذلك لا يمتلئ ، وكلّما صغرت المخالفة صغر هذا الثقب ، على كلّ حال كلّما امتلأ هذا المستودع أفرغه هذا الثقب ، هذا قوله تعالى :

﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا ﴾

[ سورة الفرقان: 23 ]

 بالاستقامة لا توجد نسبيَّة ، بموضوع الاستقامة نسبيّاً لا يوجد ، أما بالعمل الصالح فيوجد عمل صالح نسبي ، لذلك قال تعالى :

﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾

[ سورة الأنعام: 153 ]

 لماذا الصراط مفرد والسبل جمع ؟ لأنّه من نقطتين لا يمرّ سوى مستقيم واحد ، ولكن من هاتين النقطتين تمرّ مئات الخطوط المنحنيَّة والمنحرفة والمنكسرة ، وهذه حقيقة هندسيّة أحدهم تزوَّج امرأةً متفلسفة ، قالت له : أنت مستقيم وأنا مستقيمة والمستقيمان المتوازيان لا يلتقيان! قلتُ له : قلْ لها : أنا مستقيم وأنت مستقيمة وفي نقطتين ينطبق المستقيمان على بعضهما ، طبعًا إذا الخطان مستقيمان البداية واحدة والنهاية واحدة فلا بدّ من انطباقهما على بعضهما ، الإنسان في مثل هذه الموضوعات عليه أن يتحرَّى أن يكون صادقًا مع الله عز وجل، لذا :

(( لأنا من غير الدَّجال أخْوَفُ عليكم من الدَّجال ، فقيل : وما ذلك ؟ فقال : من الأئمَّة المضلِّين . . ))

[ أحمد عن أبي ذر]

 تارك الصلاة لا تصاحبه ، خوفًا منه لا تستشيره ، ولا تصدّقه وتعبأُ بأقواله ، ولا تراه أهلا للاستشارة ، ولكن إذا الواحد يصلّي تجده موطن ثقة ، ومظنَّة صلاح ، تعتقد أنَّه على حق فإذا أشار عليك بِمَعصيَة وفعلتها كان هذا هو الضلال المبين ، ضّالّ مُضِلّ ، لذلك قال تعالى :

﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً ﴾

[ سورة الأحزاب : 32 ]

 والقرآن له خاصّ وعام ، فخاصّ هذه الآية هو يا نساء النبي ، وعامّها كلّ مَن كانت له مكانة في المجتمع ترفعه عن الناس ، معلّم الصفّ معنيّ بهذه الآية ، فإذا هو أهْملَ هندامهُ ، لا يستطيع حينها أن يقول للطلاب : اهتمُّوا بِهِنْدامكم ! لأنّه قدوَة ، هذا مثل بسيط ، الأب في البيت إذا ترك بعض الصَّلوات ضعف مركزهُ ، وما استطاع أن يأمر أهله بالصلاة قال تعالى:

﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً ﴾

[ سورة الأحزاب : 30]

  لماذا ضعفين ؟ الضّعف الأوّل جزاء المخالفة ، والضّعف الثاني جزاء التي اقْتدَت بها ، فالأب يدخل في هذا ، والمعلّم يدخل في هذا ، رئيس الدائرة يدخل في هذا ، كلّ إنسان مرفوع الدرجة يدخل في هذا ، لأنّه صار قدْوَة فَيُقْتَدى بخطئه ، أخي فلان فعل هكذا ، هل أنا أحسن منه ؟! وبالعلم كذلك إذا كان الواحد له مظهر ديني وارتكبَ مخالفة صار قدوَة ، أخي أنت أفْهَم من فلان ؟ لقد جلس مع زوجة أخيه وأخيه معًا ، هل أنت أوْرع منه ، لمَّا قبِلَ هذا الإنسان الذي له زيّ ديني أن يجلس على مائدة برمضان رجال ونساء ، لا يحلّ للرجال أن ينظروا للنساء، وجلس هذا العالم بهذا المكان فكأنَّه أقرّ ذلك ، فإذا أراد شابّ أن يتَّقي هذه المخالفة يُقال له : من أنت ؟ فلان جلس ، أنت أحسن منه ؟ والآن أكثر شيءٍ يقوله الناس ؛ كلّما دعوتهم إلى الاستقامة يحتجُّون ببعْض الأسماء ، يقولون لك : هل أنت أوْرَع من فلان ؟ فلان سمح بهذا ، وفعل هذا ، فهذا شيءٌ خطير جدًّا ، لذا كما قال عليه الصلاة والسلام :

(( لأنا من غير الدَّجال أخْوَفُ عليكم من الدَّجال ، فقيل : وما ذلك ؟ فقال : من الأئمَّة المضلِّين . . ))

[ أحمد عن أبي ذر]

 قال لي أحدهم : هذه فيها فتوى ! فقلتُ له : الحمد لله ، بما أنّ هذه فيها فتوى ، ولكن أسأل الله تعالى أن تجد هذا المفتي الذي أفتاك يوم القيامة ، أفتى له بالربا ، قرأ فتوى من رجل متوفّى ، في مخطوطة ، واعتمَد عليها أنّه بإمكاني أن أضع أموالي بالمصرف ، هذه مشكلة ، لا بدّ أن تجد هذا العالم ، وترى ما أصلها ؟ وبأيّ كتاب موجودة ؟ وما هي ملابساتها؟

تعريف العلم و الهدى :

 ويقول عليه الصلاة والسلام:

(( من ازداد علمًا ولم يزدد هُدًى لمْ يزْدد من الله إلا بعْدًا . . .))

[أمالي أبي سعد البصروي عن أنس ]

 هنا النقطة الدقيقة ؛ ما هو العلم وما الهدى ؟ ممكن أن تقرأ كتابًا وتحفظهُ ، ممكن أن تدخل كليَّة الشريعة ، عندك مقرَّرات معيَّنة ؛ كتب تفسير ، وكتب حديث ، ومصطلح حديث، أصول تفسير ، فقه مقارن ، أصول فقه ، علم تجويد ، حفظ أربعة أجزاء كلّ عام ، منهاج ضَخم وثمين جدًّا ، فيمكن للواحد أن يدخل ويحصَّل على إجازة ، وهذا اسمه العلم الظاهري ، أما الهدى فهو أن يعملَ بهذا العلم فَتُقبلُ نفسهُ على الله عز وجل ، فيُقْذفُ في هذه النَّفس نور الله عز وجل ، وحينها يصبح كوكبًا دريًّا ، وحينها يصبح الموضوع ليس حذلقة ؛ معلومات يحفظها فقط ، يمكن أن تجلس مع إنسان له محفوظات كبيرة ، ويغرق الحاضرين بأحاديث ، وآيات، وقصص ، وطُرف ، وحكم ، ونكتات بلاغيَّة ، وهو خاوٍ من الإيمان ، وهو خاوٍ من الهُدَى ، فالهُدى أن تعمل بما علمْت ، فإذا عملْت بما علمْت أقبلْت على الله عز وجل ، وبهذا الإقبال قذف الله في قلبك نورًا ، فرأيت الحق من الباطل ، وتعلّق الناس بك ، وما أقبل عبدٌ بنفسه على الله عز وجل إلا جعل قلوب المؤمنين تنساق عليه بالمودَّة والرَّحمة ، إذا حصل الإقبال على الله تعالى القلوب تهفو إليه ، إذا حصل تحصيل علم ثمين ، ومعلومات غزيرة جدًّا ، ومن دون إقبال النفوس تنفر عنه ، فالحقيقة الله عز وجل إذا أحبَّ عبْدًا جعل قلوب الناس تهفو إليه ، لأنَّه أقبل على قلبه ، وصار في قلبه شيء ، فأنت إن جلسْت معه تشعر بِسَعادة ، وبأُنسٍ ، وبِقُرْب ، فالواحد ماذا يحصل له لو وقف أمام النبي عليه الصلاة والسلام ؟ بعد موتهِ بألف وخمسمئة عام لماذا يبكي ؟ عندك مليون قبر بالشام ، من هو الميّت ؟ هل تنزل دمعة منك ؟ ولكن لماذا إذا وقف الإنسان أمام مقام النبي عليه الصلاة والسلام تغلب عليه الدموع ويضرب قلبه ؟ لأنَّ النبي الكريم مهبط تجليّات الله عز وجل ، آخذ شيئاً من الله عز وجل ، وأنت لامسْت هذا النور النبوي، لماذا كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام يحبون النبي أكثر من أهليلهم ؟ أتُحِبّ أن تكون في أهلك مُعافًى ويُصاب رسول الله بِشَوكة ؟! خبيب بن عدي أحد الصحابة الكرام ، على وشك أن يقتل ، أُلقي عليه القبض بمكَّة ، وقع أسيرًا ، وأراد المشركون قتلهُ ، وقبل أن يموت سئِلَ هذا السؤال : فقال : والله ما أحبّ أن أكون في اهلي وولدي ، وعندي عافية الدنيا ونعيمها ويُصاب محمّد بِشَوكة !! فقال أبو سفيان : ما رأيْتُ أحدًا يحبّ أحدًا كَحُب أصحاب محمَّدٍ محمَّدًا، ما هو هذا السرّ ؟ السرّ أنّ هذا النبي مهبط تَجَلِّيات الله تعالى ، لذلك تهفو قلوب الناس إليه .
 فالشيء الأُخْرَوي يثير مشاعر الإيمان :

(( من ازداد علمًا ولم يزدد هُدًى لمْ يزْدد من الله إلا بعْدًا . . .))

[أمالي أبي سعد البصروي عن أنس ]

 الهدى التطبيق ، والهدى الإقبال ، والهدى هو السموّ النفسي ، وهناك خطَّان متوازيان ، يجب أن يسير الهدى جنبًا إلى جنبٍ مع العلم ، فإذا زاد العلم على الهدى وقعنا في خلل ، إذا رأيتَ أحدًا أخلاقه عالِيَة ، ونفسهُ ساميَة ، وسموح ، وعفوّ ، إلا أنّ معلوماته ضعيفة تميل نحوهُ ، ولكن لا تعظِّمهُ ، ولو التقيْت بإنسان معلوماته قويّة جدًّا ولكنَّه خبيث النَّفس ، فأنت هنا تُعظِّمهُ ، ولكن لا تحبّه ، إلا أنّ البطولة أن يسير خطّ العلم مع خطّ الهدى جَنبًا إلى جنبٍ ، خطّ العلم مع خطّ الهدى ، أي عالم وعامل ، عالم مستنير بِنُور الله عز وجل ، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( من ازداد علمًا ، ولم يزدد هُدًى ، لمْ يزْدد من الله إلا بعْدًا . . .))

[أمالي أبي سعد البصروي عن أنس ]

أقوال الصحابة التي تحثّ المسلم على التميز والحرص على العمل والعلم :

 ويقول عمر رضي الله عنه : " إنّ أخْوَفَ ما أخاف على هذه الأمّة المنافق العليم ، قالوا : وكيف يكون منافقًا عليمًا ؟ قال: عليم اللِّسان جاهل القلب والعمل " ففي الكلام شاطر ، يقطع على الناس حديثهم ، لا يسمح لأحد بالكلام ، من قصّة إلى طرفة إلى تعليق ذكي إلى أقصوصة قرأها إلى حكمة حفظها إلى موقف حرج ذكره فأضحك الناس ، متكلّم ويسمُّونه بعلم النفس متحدّث لبق ، وهذه ملكات ، أحيانًا تجد شخصًا غير متعلّم له حديث مقنع، بالعشرة أشخاص تجد اثنين لهما حديث لطيف فهو لا يهمّه الهدى ، ولكن يهمّه أن يضحّك الناس ، إذا دخل على موظّف يقنعُه بمُزاح أو بآخر ، فهذا منافق عليم ، قيل : وكيف يكون المنافق عليماً ؟ قال: عليم اللّسان جاهل القلب والعمل .
وقال الحسن رحمه الله تعالى: " لا تكن ممَّن يجمع علم العلماء ، وطرائف الحكماء ويجري في العمل مجْرى السفهاء " شيء جميل .
 وقال رجل لأبي هريرة رضي الله عنه : " أريد أن أتعلّم وأخاف أن أضيِّعَ العلم ، فقال : كفى بِتَرْك العلم إضاعةً له " الترْك هو تطبيقه .
 سيّدنا عليّ رضي الله عنه قال : " قوام الدّين والدنيا أربعة رجال : عالم مستعمل علمه ، وجاهل لا يستنكف أن يعلم ، وغنيّ لا يبخل بِماله ، وفقير لا يبيع آخرته بِدُنياه " أركان الدنيا هؤلاء ؛ عالم وجاهل وغني وفقير وبالحياة توجد قوّتان ؛ قوَّة العلم وقوّة المال ، عالم وجاهل وغني وفقير ، فالعالم مستعمل علمه ، وجاهل لا يستنكف أن يعلم ، وغنيّ لا يبخل بِماله ، وفقير لا يبيع آخرته بِدُنياه ، ما الذي حصل الآن ؟ قال : " فإذا ضيَّع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلّم - تقول له : تعال إلى الجامع ؟ يقول لك: كي أكون مثل فلان ؟ يغيّر لون وجهه ، ما به فلان ؟ يصلّي ويكذب !! - وإذا بخل الغني بماله ، باع الفقير آخرته بِدُنياه " الفقير يسكن ببيْت ، وحينها يبيع بيته للشيطان ، إذا الأغنياء المؤمنون ما ساعدوه باع نفسهُ للشيطان حتى أمَّن حاجته ، إذا ضيَّع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلّم ، وإذا بخل الغني بماله باع الفقير آخرته بِدُنياه ، لذا : " لا تكن ممَّن يجمع علم العلماء ، وطرائف الحكماء ، ويجري في العمل مجْرى السفهاء "
 وقيل لإبراهيم بن عييْنة رحمه الله : " أيّ الناس أطْوَل ندمًا ؟ فقال : أمَّا في عاجل الدنيا فصانع المعروف إلى من لا يشكره ، وأما عند الموت فعالمٌ مُفرِّط " لذلك الورع حسن ولكن في العلماء أحسن ، والعدل حسن ولكن في الأمراء أحسن ، والتوبة حسن ولكن في الشباب أحسن ، والحياء حسن ولكن في النساء أحسن ، والسخاء حسن ولكن في الأغنياء أحسن ، والصبر حسن ولكن في الفقراء أحسن .
 أيّ الناس أطْوَل ندمًا ؟ قال : أمَّا في عاجل الدنيا فصانع المعروف إلى من لا يشكره ، وأما عند الموت فعالمٌ مُفرِّط .
 وقال الخليل بن أحمد : " الرّجال أربعة ؛ رجلٌ يدري ويدري أنَّه يدري فذلك عالمٌ فاتَّبعوه ، ورجل يدري ولا يدري بأنَّه يدري فهذا غافل فنبِّهوه ، ورجل لا يدري ويدري بأنَّه لا يدري فهذا جاهل فعلِّموه ، ورجل لا يدري ولا يدري بأنَّه لا يدري فذلك شيطان فاحْذروه".
 أنا أقول كلمة : العلم مفيد ، والجهل مفيد ، كيف الجهل مفيد ؟ لأنّ الجاهل يتعلّم ومتواضع ، يقول لك : علِّمني ، ويقبل التَّعَلّم ، والعالم أفاد من علمه ، أما نصف العالم فهو الخطر ، لا هو عالم فيُفيدُ من علمه ، ولا هو جاهل فيتعلَّم ، قال :

فقل لم يدعي في العلم فلسف  حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء
***

 أخذ قطعة شهادة ، ثمّ يقول لك : نظريَّة دارون صحيحة!! الإنسان أصلهُ قِرْد ، هو يوجد نظريّة معدّلة لها : القرد أصلُه إنسان !! أي الناس انقلبوا إلى قرود.
 أخذ قطعة من الشهادة فإذا به يقول لك : هذه الأرض كانت قطعة من الشمس ، كانت غازات وسديماً ، ثمّ تجمَّدت ، ثمّ دارت بالقوّة النابذة ثم انفلتَت وأصبحَت أرضاً !! يُحاوِل أن يفسِّر هذا الكون المعجِز تفسيراً مادِّياً من دون إله ، كلّ هذا بعدما تعلَّم ، بئس هذا العلم الذي تعلَّمَهُ ، لذلك نصف العالم خطير ، فالجهل مفيد والعلم مفيد ، أما نصف العلم فأن تؤمن بِنَظريَّة مثلاً تنسف الأدْيان كلّها ، أن تؤمن بِنَظَرِيَّة تُصادم القرآن الكريم ، إذا الإنسان آمن أنّ الإنسان أصلهُ قرْد فهو لم يؤمن أنّ أصله من بني آدم ، معناه ما جاء في كتاب الله باطل .
 المشكلة أنّ هؤلاء الذين يقولون بهذا لو أنَّهم قرؤوا ، ولو أنَّهم درسوا ، هذه النَّظريّة ألْغيَت في أوروبا ، قالوا : كفر ، هذه النَّظريّة لا صحَّة لها ، علماء الغرب هكذا قالوا ، أما نحن فلا نزال ندعو إليها ، علمنا قديم ، إذا كنت عالمًا حقيقةً لا بدّ أن تماشي أحدث التطوّرات العلميّة .
 سفيان الثوري رحمه الله تعالى يربط العلم بالعمل ، فإن أجاده أجابه وإلا ارْتحلَ .
 وقال ابن المبارك : " لا يزال المرء عالمًا ما طلب العلم ، فإذا ظنّ أنَّه قد علم فقد جهل "
 مرَّةً كنَّا بالجامعة ، واسْتدْعَوا لنا أُستاذًا من المغرب يتقن علم النحو إتقانًا عاليًا جداً، ألقى محاضرة ، وكان بأوّل صف الدكاترة ، فأنا انْتبهْت أنّ هؤلاء الدكاترة صنفان ؛ صنْف أحضَرَ أوراقًا وقلمًا ليكتب ، وصنف جلس جلسةً فيها عنجهيّة ، واستكبارًا ! فقلتُ في نفسي: العالم هو الذي يكتب ، هذا المحاضِر جاء من دولة بعيدة ، لمْ يأتِ إلا لِعِظَم علمه ، ألقى المحاضرة ، فالذي كتب هو العالم ، وهذا الذي استنكف أن يكتب فهو جهله مركَّب ، أي رأى نفسهُ أعلى من ذلك ، ففي العلم لا يوجد أحد أحسن من الآخر ، العالم شيخٌ ولو كان حدَثًا ، والجاهل حدَث ولو كان شيخًا ، رتبة العلم أعلى الرُّتَب ، تجد الآن مهندساً صغيراً ، مظهرهُ مظهر شباب ، له موظَّفون في الشركة كلّهم أقران والده ‍! لأنَّه متعلّم ، والعلم له ثمن .
 وقال ابن المبارك : " لا يزال المرء عالمًا ما طلب العلم ، فإذا ظنّ أنَّه قد علم فقد جهل " باللحظة التي يظنّ فيها أنَّه قد ختم العلم الآن بدأ يجهل ، هذا هو الجهل بعينه ، لذلك ربّنا عز وجل أحيانًا يجعل طالبًا صغيرًا يسأل سؤالاً يُحيِّر المعلِّم ، ليس معه جواب ، وهذا السؤال من الله عز وجل ، يُسمُّونه تحجيماً ، ينظر إلى نفسه بإكبار ، وحجمه مستعل كثيرًا ، فيأتي هذا السؤال من الطّفل الصغير يرْجِعُهُ إلى حجمه الطبيعي ، لذا العالم إذا دخل إلى مجلس العلم قال : اللّهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا هكذا يقول ، والطبيب إذا كان مؤمنًا يقول : بسم الله الرحمن الرحيم ، لا علم لي إلا ما علَّمتني ، هناك طبيب تجدهُ ينجح نجاحًا كبيرًا في التوليد إلى درجة يصبح اسمه ملء الأفواه ، فإذا به يغلط غلطةً أثناء توليد امرأة ؛ قطع الأمعاء ، وكاد يودي بحياتها لو لم يأخذها إلى مشفى في اليوم الثاني كانت الشهادة قد سُحِبَت منه ، الإنسان عندما يكبر كثيرًا ربّنا عز وجل يصغِّرهُ ، فالإنسان إذا ما تكبَّر يأكل ضربة ، بكلّ شيءٍ لا تقل أنا ، هذه قالها إبليس فأهلكه الله عز وجل :

﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾

[سورة الأعراف: 12]

 فأهلكه الله تعالى ، ولو كان طبيباً ، أو مهندساً ، باستعلاء يطلع البناء فيميل بعدها، يستدعونه لمُحاكمة وأين الخرائط ؟ تجد المهندس يقول لك : دخلْتُ بلاءً ما ظننْتهُ كذا ، وهذه تحدث كثيرًا ، طالب يدخل الصفّ وهو يمتلئ غرورًا فإذا به يُسأل سؤالاً سهلاً فلا يستطيع الجواب ، يحْمرّ وجهه ويتلعْثم ، يسكت بعدها ، لذلك الإنسان عليه ألا يتكبّر ، ومن اتَّكَل على نفسه أوْكلهُ الله إيَّاها .

من لم يخف من الله أخافه الله من كل شيء :

 يروي أحد الأئمّة أنَّه ذهب ليَحجّ فجلس عند حجَّامٍ ، فقال له : اذكر الله فذكر الله ، فقال له : اتَّجه نحو القبلة فاتّجه نحوها ، فقال : كم تريد ؟ فقال : لا مساومة على الحجّ يا رجل! فقال : ارتكبْت خمسة أغلاط علَّمنيها حجَّام ، هذا ممكن ، فالواحد إذا توهَّم أنَّه عالم ، الله عز وجل يحجِّمهُ ، وأسرعُ باب إلى الله تعالى التواضع ، فالباب المفتوح على مِصراعَيه هو التواضع ، تواضع لله ، الدعاء الذي يُثير مشاعر الناس : " اللهمّ إنِّي أعوذ بك من الذلّ إلا إليك، ومن الخوف إلا منك ، ومن الفخر إلا إليك " إن لمْ تفتقر إلى الله أفقرك الله إلى الناس ، يجعل حاجتك عندهم ، إن لم تخَف من الله أخافك الله من الناس ، إن لم تتذلَّل على أعتاب الله تذلَّلْت على أعتاب اللِّئام .
 والله والله مرَّتين لحفر بئرين بإبرتين ، وكنسُ أرض الحجاز بريشتين ، ونقل بحرين بمنخلين ، وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضَين ، أهْون عليّ من طلب حاجة من لئيم لوفاء دَين ، إذا لم تخف من الله خفْت من عباده .
 قال بعضهم : إما أن تكون عبدًا لله ، وإما أن تكون عبدًا لعبد الله ، لذا كُن عبْدَ الله استنكفْت أن تكون عبدًا لله حينها يجعلك الله تحت رحمة عبد لئيم ، إن رأى خيرًا كتمه ، وإن رأى شرًّا أذاعه ، إن أحسنت لم يقبل ، وإن أسأْتَ لم يغفر ، تحتار كيف ترضيه ، ويحار كيف يُزْعجُكَ ، أما إن أردْت أن تكون عبدًا لله فحماك من كلّ عباده السيِّئين .
أَطِعْ امرنا نرفع لأجلك حجْبنا فإنا منحنا بالرضا من أحبّنا

ولُذْ بِحمــــــــــــانا واحتم بجنابنا  لِنَحْميك ممَّا فيه أشرار خلقنا
***

 إن أردْت أن تكون عبدًا لله فأهلاً وسهلاً ، ومعنى ذلك أنّك في ظلّ الله ، وفي رعاية الله ، وفي حفظ الله ، وفي كنف الله ، وفي توفيق الله ، وفي نصر الله ، وفي إكرام الله ، وفي مودّة الله ، تستنكف وتقول : هذا الدِّين ليس لهذا الزَّمن ، حينها تكون عبدًا لعبدٍ لئيم لا يرحمك ، ولا يغفر لك ، ولا ينصفكَ ، ولا يعطيك ، بل يحرمك ، ومهما فعلت من أجله فعل من أجلك العكس ، قيل لسيّدنا عليّ : " ما الذلّ ؟ فقال : أن يقف الكريم بِبَاب اللّئيم ثمّ يردُّه " لذلك كلّ إنسان يُشرك بالله عز وجل تجدهُ يُعاني من الناس معاناة كبيرة ، هذه المعاناة علاج من الله ، يقول : الناس ليس فيهم مبدأ كيفما خدمْتهم يغشُّوك ، كلامك صحيح ، وهذه معالجة إلهيّة لك ، لأنَّك اعْتمدتَ عليهم ، ومحضْتهم ثقتك ، والْتفتّ إليهم ، وعصيْت الله عز وجل ، فأراك منهم الأمرَّيْن ، وهذه حقائق مئة بالمئة لا تخيب أبدًا ، " ما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيَّته إلا جعلتُ الأرض هويًّا تحت قدمَيْه ، وقطَّعْتُ أسباب السماء بين يديه ، وما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيَّته ، فتكيدهُ أهل السموات والأرض إلا جعلتُ له من بين ذلك مخرجًا ".

عظمة الله عز وجل :

 قال النبي صلى الله عليه و سلم لأبي بكر : " لا تحزن إنّ الله معنا . ." الإسلام حينها بقي له خمس دقائق ، قال له : " يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موطن قدمه لرآنا " انتهيْنا ، أي الإسلام انتهى ، إذا قتلَ النبي في أوّل الدعوة انتهى الإسلام ولوحِقَ أصحابه ، قال له : " يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موطن قدمه لرآنا ، فقال له: لا تحزن إنّ الله معنا " ما هذه الثِّقة بالله عز وجل ؟ كأنّ الذّعْر دبَّ في قلب الصّديق رضي الله عنه هذا ما قاله القرآن ، وما ترويه كتب السيرة ، قال له : " يا أبا بكر ما ظنّك باثنين الله ثالثهما ؟!" وكلّ واحد مؤمن إيمانًا صحيحًا ، ومستقيم استقامة تامَّة ، مهما كاد له الناس ، ما ظنّك بإنسان الله معه ؟ إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان الله عليك فمن معك ؟ وبعد فتْرة وقعَت عَينُ سيّدنا الصِّديق على عين الملاحقين ففزِعَ أشدّ الفزع ، فقال: لقد رأوْني ؟ فقال : يا أبا بكر ألم تقرأ قول الله تعالى :

﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾

[سورة الأعراف:198]

 بالفعْل ما أبصروا ، الله بعث حمامة ، النَّصر كلّه على يد حمامة ، فالله تعالى من عظمته يجعل أعظم نصْر على أتفه سبب .
 سيّدنا نُعَيم بن مسعود ، معركة الخندق كانت هذه المعركة حاسمة ، بِبَدر وأحد كان الهدف النَّصر والهزيمة ، أما في معركة الخندق فحشد الكفار عشرة آلاف مقاتل لمْ يحشد مثلها في هذه الجزيرة ، وجاؤوا لا لِيُقاتلوا محمَّدًا بل ليسْتأصِلوا شأفته هو وأصحابه ، القضيَّة انتَهَت وتجمَّع الكفار حول المدينة ، وحفر النبي خندقًا ، كُشف ظهره لأن اليهود نقضوا العهد كعادتهم ، حتى أنّ أحدهم قال : أيَعِدُنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر وكِسرى وأحدنا لا يأمنُ أن يقضِيَ حاجته ؟!! نحن سنموت الآن ، سيّدنا نعيم بن مسعود أسْلمَ في هذا الوقت ، قال له يا رسول الله مُرني ماذا أصْنع ؟ قال له : إنك رجل واحد ولكن خذِّل عنَّا ما استطعْت ؟ فذهب إلى كفار قريش وقال : إنّ اليهود نقضوا عهدهم مع النبي وندموا ، وهم مزمعون أن يأخذوا منكم رهائن ويقتلوهم كي يُعيدوا ثقة النبي بهم ، ولم يعلم الكفار أنَّه أسلم ، وذهب إلى الكفار وقال لهم: إنَّ هؤلاء القرشيّين إذا ذهبوا إلى بلدتهم انفرد محمد بكم وقتَّلكم عن آخركم ، فلا تقاتلوا معهم حتَّى تأخذ منهم رهائن ، أقْنعهم ، فهو أقْنعَ هؤلاء بأخذ رهائن ، وأقْنعَ هؤلاء بما فعله اليهود ، فلمَّا ذهب اليهود لأخذ الرهائن جاء قوله صحيحًا ، فوقَع الخِلاف بينهم ، وبعث الله برياحٍ عاتيَة أطفأتْ نارهم ، وقلبَتْ خيامهم وقدورهم ، وبعث النبي واحدًا من الصحابة ليتبَّع أخبارهم ، وينْدسَّ فيهم ، شعر أبو سفيان أنّ هناك عُيوناً لمحمَّد بين أصحابه ، فقال : تفقَّدوا من حولكم ؟ هذا الصحابي الجليل آتاه الله من الفطنة والذكاء فما إن انتهى أبو سفيان من هذه الكلمة حتى أمْسكَ بِصاحِبه ، وقال له : من أنت ؟ فقال له : أنا فلان ! لو لم يتبع هذه الطريقة لانكشَف أمره ، وقتل ، الله تعالى ألهمه هذه الخاطر ، معركة طويلة عريضة انتَهَت بِكلمات قالها نُعَيم بن مسعود للكفار مرَّة ، ولليهود مرَّة .
 بغار ثَور ، حمامة ، وعنكبوت ، قال : إنّ هذا العنكبوت نُسج قبل أن يولدَ محمَّد ، وهم كانوا بالداخِل ، لذا مِن بالغ الموعظة أن يكون النَّصْر الكبير لسبَبٍ صغير ، وهذه هي عظمة الله عز وجل .
 قال الفضيل بن عياض : " إنِّي لأرْحم ثلاثة : عزيز قوْمٍ ذلّ ، وغنيّ قومٍ افتقَر ، وعالمٌ تلعبُ به الدنيا " أصعب شيء عزيز قوْمٍ ذلّ ، وغنيّ قومٍ افتقَر ، وعالمٌ تلعبُ به الدنيا .
 وقال الحسن : " عقوبة العلماء موت القلب ، وموت القلب يعني طلب الدنيا بعمل الآخرة ".
وقال بعضهم :

عجبت لمُبتاع الضلالة بالهدى  ومن يشتري دنياه بالدِّين أعْجبُ
وأعجب من هذين من باع دينه  بِدُنيا سواه فهو من ذَين أعجب
***

 وسوف نُتابعُ هذا الموضوع في درسٍ قادمٍ إن شاء الله تعالى .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS