6761
ندوات اذاعية - اذاعة القدس - فاسألوا أهل الذكر - الحلقة 09 : أنواع الزكاة ومصارفها.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2002-11-10
بسم الله الرحمن الرحيم

 المذيع: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أيها الأخوة السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أهلاً بكم إلى هذه الحلقة الجديدة من برنامج: إسألوا أهل الذكر.
 أيها الأخوة الكرام: يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾

(سورة التوبة)

 ويقول أيضاً:

﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾

(سورة النور)

 ويقول سبحانه وتعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾

(سورة البقرة)

 وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

((باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها))

(ورد في الأثر)

 مازلنا وإياكم في هذه الرحاب المباركة، وموضوع اللقاء اليوم بعنوان، الزكاة أنواعها ومصارفها.
 أيها الأخوة: باسمكم جميعاً نرحب بفضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي الأستاذ المحاضر في كلية التربية جامعة دمشق، والخطيب في جامع النابلسي، والمدَّرس الديني في مساجد دمشق، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهلاً بكم أستاذ الكريم.
 الأستاذ: وعليكم السلام ورحة الله وبركاته.
 المذيع: أستاذي الكريم تحدثنا يوم أمس عن أهمية الزكاة في التشريع الإسلامي، وكانت لنا وقفة طويلة مع قوله عز وجل:

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾

 اليوم ننتقل إلى جانب آخر من جوانب الزكاة عن أنواع الزكاة ومصارفها، ويوم أمس أود أن أشير إلى الأخت المستمعة التي سألت عن أنواع الزكاة وقالت زكاة العقل وزكاة الفكر وما إلى ذلك، جزاها الله عنها كل خير.
 الأستاذ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 الحقيقة أستاذ زهير جزاك الله عنا خيراً مفهوم الزكاة يتسع ويضيق، إن ذكرنا الزكاة إنصرفنا إلى دفع ما على المؤمن من نسب في ماله لوجه الله تعالى، ولكن إذا وسعنا مفهوم الزكاة فالمفهوم يشمل موضوعات شتى، من أبرزها زكاة الوقت، والحقيقة أن الوقت أخطر شيء في حياة الإنسان، إنه رأسماله الوحيد، أو إنه أثمن ما يملك، أو بشكل آخر، إن الإنسان هو وقت، هو زمن، هو بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، والله سبحانه وتعالى في سورة قصير قال عنها الإمام الشافعي: لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم، إنها سورة العصر، فقد أقسم جل جلاله بالعصر، وهو مطلق الزمن، لهذا المخلوق الأول الذي هو في حقيقته زمن، أقسم بالعصر، وجاء جواب القسم:

﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)﴾

(سورة العصر)

 جواب القسم أنه خاسر، خالق الأكوان، مربي الإنسان يقول: أن الإنسان خاسر، أية خسارة هذه ؟ إن مضي الزمن فقط، إن مضي الزمن وحده يستهلك الإنسان، فهو في خسارة

﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)﴾

 أي أن هذا الإنسان له من العمر فرضاً عند الله ستون عاماً، كلما انقضى يوم، كلما انقضت ساعة، كلما انقضت دقيقة، كلما انقضت ثانية، تستهلكه، ويقترب من أجله الحتمي، إذاً مضي السنوات والشهور والأسابيع والساعات والدقائق والثواني تستهلك الإنسان، هو خاسر لا محالة، ولكن كيف يتلافى هذه الخسارة ؟ يتلافاها بما جاء في السورة الكريمة:

﴿إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) ﴾

 نفهم من هذا أن الإنسان حينما يستهلك الزمن، حين ينفق الزمن، إنفاقاً إستهلاكياً فهو خاسر، أما حينما ينفق الزمن إنفاقاً إستثمارياً فهو رابح، الآن كيف ينفقه إستهلاكاً ؟ وكيف ينفقه إستثماراً ؟ لمجرد أن نأكل ونشرب، ونستمتع، ونسمر مع أصدقائنا، ونعطي أنفسنا كل ما نشتهي، ولا نعبأ بشيء، نأكل ما نشتهي، نلتقي مع من نشتهي، نملأ أعيننا ممن نشتهي، هذا السلوك إستهلاك للزمن، فهذا الإنسان خاسر لا محالة، أما حينما أستهلك الوقت في معرفة الله

﴿إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

 وفي معرفة منهجه وطاعته،

﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾

 وفي الدعوة إليه، أحمل هم المسلمين، أحمل هم الدعوة.

﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾

 وحينما أصبر، عن المعاصي وعلى الطاعات، وعلى قضاء الله وقدره، حينما أحقق أربعة أشياء، هذه سماها العلماء أركان النجاة.
 المذيع: عذراً أستاذي لدينا اتصال.
 متصل: السلام عليكم، الأخ عاطف، بالنسبة لقضية الخمس، ما المقصود بالخمس ؟ وكيف تُدفع ؟ سورة الإسراء:

﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾

 ما المقصود بباركنا حوله ؟ وشكراً لكم.
 المذيع: توقفنا أستاذي عند أركان النجاة
 الأستاذ:

﴿إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) ﴾

 فمالم أمضي الوقت في معرفة الله، من خلال خلقه، من خلال كلامه، ومن خلال أفعاله، ومالم أتعرف إلى منهجه، فأحمل نفسي على طاعته، ومالم أدعو إليه بطريقة أو بأخرى، والدعوة إلى الله في حدود ما أعلم ومع من أعرف فرض عين على كل مسلم، هذه أركان النجاة، إن فعلت هذا نجوت من الخسارة المحققة، أي أنا فعلت شيئاً في الوقت المحدود ينفعني بعد مضي الوقت، إذاً لا ينجو الإنسان من خسارة محققة إلا إذا عرف الله، وعرف منهجه، وأطاعه، ودعا إليه، وصبر على قضائه وقدره، وعن معاصيه، وعلى طاعته.
 المذيع: متصل آخر.
 المتصل: السلام عليكم، الأخت إيمان، والدي يملك خمسين ألفاً، ولكنه خاطب لأخي ويريد أن يزوجه في الصيف القادم، هل تجب عليه الزكاة ؟
 أحياناً أُسأل عن شيء وأكون أعرف فأقول لا أعرف، هل يسمى هذا بالكذب ؟ والسلام عليكم.
 الأستاذ: الآن دخلنا إلى ما تفضلت به الأخت البارحة، من زكاة الوقت، كيف أن الإنسان إذا دفع زكاة ماله حفظ الله له بقية ماله، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأثر:

((حصنوا أموالكم بالزكاة ))

 وما تلف مال في بر أو بحر إلا بحبس الزكاة، تماماً كما أن الله يحفظ للمزكي ماله من التلف كذلك من اقتطع من وقته وقتاً لمعرفة الله، ولحضور مجالس العلم، ولطلب العلم، وللعبادات، وللأعمال الصالحة، يحفظ الله له بقية وقته من التلف، بمعنى أنه يبارك له في وقته، بمعنى أنه في الوقت المحدود يفعل الشيء الكثير، هناك وقت لا بركة فيه، تمضي الساعات الطوال في أمور تافهة، في أعطال لا نجد لها حلاً، أما حينما نقتطع من وقتنا وقتاً لهذه العبادات، وهذه الطاعات، وهذه الأعمال الصالحة، يمن الله علينا فيحفظ لنا بقية أوقاتنا، لذلك السلف الصالح كانت هناك بركة كبيرة مطروحة في أوقاتهم، ففعلوا في عمر قصير من دون وسائل المساعدة المتاحة الآن، كإنسان يترك مئتي مؤلف، ولا يوجد كومبيوتر، ولا يوجد طابعات، ولا يوجد مراجع، ولا يوجد أقراص مدمجة، الوسائل التي تسرع العمل لم تكن موجودة، والكتابة كانت بسيطة، ولم تكن المطابع موجودة، ومع ذلك فعلوا أشياء في عمر قليل لا يعلمه إلا الله، فمثلاً الإمام الشافعي مات دون الخمسين، وترك مؤلفات ماتزال خيراتها إلى الآن، الإمام النووي ترك مؤلفات رائعة جداً، منها شرح صحيح مسلم، رياض الصالحين، الأذكار
المذيع: ما يتعلق بقضية الوقت يوجد نقطة مهمة جداً هي قضية الوقت في رمضان، نتلقى إتصال.
 المتصل: السلام عليكم، الأخت أم محمد، سمعت قبل قليل سؤال عن الكذب، فالمرأة يكون لديها أشياء لا تحب أن تُعيرها، والكثير من الجيران يستعيرونها ولا يعيدونها، حلفت يميناً أنني لاأعير أحداً، فهل إن قلت أن هذا الشيء غير موجود عندي يعتبر هذا كذباً ؟
 الأستاذ: إذاً فالإنسان حينما يصلي الصلوات الخمس فهو يقتطع من وقته وقتاً لقضاء العبادات، حينما يحضر مجلس علم، حينما يطلب العلم، حينما يصل رحمه، حينما يقوم مع إنسان لخدمته، يقول عليه الصلاة والسلام مما ورد في الأثر

(( والله لأن أمشي مع أخ في حاجته خير لي من صيام شهرٍ واعتكاف في مسجدي هذا ))

 هذا كله وقت يقتطع من وقت الإنسان، إن من قال: إن في الصلاة معنى الزكاة، أليس الوقت أصلاً في كسب المال ؟ أنا حينما أقتطع من وقتي وقتاً لأصلي كأنني دفعت زكاة هذا الوقت، كان من الممكن أن أكسب فيه المال، فمعنى زكاة الوقت هو أن أقوم بما أمرني الله به، عندئذٍ أشعر أن في الوقت فسحة، وأن الله ييسر أعمالي، قال تعالى:

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7)﴾

(سورة الليل)

 الإنسان ضعيف، وليس مع الله ذكي، أبداً، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، فالإنسان إن ضن بوقته عن أن يفعل ما أمر الله به، وبوقته عن أن يعمل صالحاً، لأصابته مشكلات لاتنتهي، عندئذٍ أموره معسرة، يستهلك وقتاً مديداً لسبب تافه
 المذيع: معنا إتصال.
 المتصل: السلام عليكم، الأخ أبو محمد، محل تجاري يعمل برأسمال مئتي ألف، وعليه ديون متبادلة للتجار خمسة وسبعون ألفاً، هل الزكاة تدفع على كامل المبلغ الموجود بالمحل ؟ هل يدفع الزكاة كاملة ؟ أم على المبلغ الذي يملكه ؟ أي المئة والخمسة والعشرون ألفاً، الباقية ملك له ؟
 هل زكاة الفطر تجوز للأخت المتزوجة ؟ وأرجو من فضيلة الشيخ أن نعمل بجدية أكبر لتوصيل المساعدات والزكاة للداخل، ولكم الشكر.
 المذيع: كنا نتكلم عن زكاة الوقت، فماذا عن الزكاوات الأخرى ؟
 الأستاذ: بسم الله الرحمن الرحيم، الله عز وجل إمتن على هذا المخلوق الأول بنعمة العقل، هذا العقل أصل من أصول التكليف، وهو مناط التكليف، والإنسان حينما يستخدم عقله لغير ما خلق له يخسر خسارة أبدية، وحينما يستخدم عقله لما خلق له يربح ربحاً أبدياً، فالإنسان في هذا العصر أنجز إنجازات علمية هائلة، حينما غفل عن الله عز وجل، غفل عن منهاجه، فيموت، وبعد الموت سوف يشقى، لكن لو أنه بذل من عقله جزءاً يسيراً جداً لمعرفة الله، فعرفه واتبع منهجه لسعد في الدنيا والآخرة، بل إنني يمكن أن أقسم البشر جميعاً على إختلاف مللهم ونحلهم وانتماءاتهم، وأعراقهم، وأجناسهم، وأبيانهم، ومذاهبهم، إلى نموذجين لا ثالث لهما، رجل عرف الله وعرف منهجه، فانضبط بمنهجه، وأحسن إلى خلقه، سعد في الدنيا والآخرة، ورجل غفل عن الله وغفل عن منهجه فتفلت من هذا المنهج، لغفلته عنه، وأساء إلى خلقه، فشقي في الدنيا والآخرة، إذاً هذا العقل إما أن أستخدمه فيما يسعدني وإما أن أستخدمه لما يشقيني، تماماً كآلة ناسخة ملونة، يمكن أن أستخدمها لتحصيل مال وفير، حينما أستخدمها في التصميمات الهندسية أما حينما أزور بها العملة أودع في السجن ! إن أحسنت استخدامها نفعتني في دنياي، إن أسأت استخدامها كانت سبب شقائي.

﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19)﴾

(سورة المدثر)

 كيف قال: ليس هناك إله ؟ وأن الإسلام لا يتماشى مع العصر الحديث ؟ إنه دين الله.

﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30)﴾

 معنى ذلك أن هذا العقل الذي هو مناط التكليف، والذي حينما أستخدمه وفق ما خلق يسعدني في الدنيا والآخرة، عندما أستخدم عقلي للإيقاع بين الناس ولكسب المال الحرام ولانتزاع إعجاب الناس، وأنا لست كذلك، أستخدم عقلي استخداماً لغير ما خلق له، يكون حسرة علي، هذا ينقلنا لفكرة مهمة جداً أن الحظوظ الذي أعطانا الله إياها، فالذكاء حظ والمال حظ والوسامة حظ والقوة والغنى حظ، فهذه الحظوظ إما تكون درجات نرقى بها أو دركات نهوي بها.
 المذيع: عذراً هناك نتلقى اتصال.
 المتصل: السلام عليكم، الأستاذ محمد، لكل شيء زكاة، فإذا كان المال يطهر بالزكاة، والنفس تطهر بزكاتها، أما آن لنفوسنا أن تطهر ؟ أما آن لهذا المليار أن تطهر نفوسه ؟ وهناك من يقدمون زكاة عن هذا المليار ونيّف من أمة الإسلام هناك إخوة لنا في كل يوم يدفعون زاكة من النفوس، فهم يزكون عن أمة بكاملها تجاه الله عز وجل، أم أنه يجب أن تمتد هذه الزكاة فتشمل باقي الأقطار كما نراه الآن، وبأيدي كفار لا يؤمنون بالله ولا يعرفونه، أما آن لنفوسنا أن تطهر فتتوحد وتبقى كلمة الله هي العليا فوق رؤوسنا، نتفق على لا إله إلا الله محمد رسول الله، أليست هذه زكاة مدفوعة تطهر بها نفوسنا ؟ أسأل فضيلة الدكتور والله أعلم بالإجابة، وشكراً
 المذيع: مداخلة الأستاذ محمد نبيل أرجو أن نتوقف عندها بالإذن من المستمعين الذين اتصلوا قبل المداخلة، مداخلته في صلب الموضوع، بما أن يقال أن لكل شيء زكاة، والحمد لله، أما آن لنفوس المسلمين بشكل عام أن تطهر ؟ أما آن لهذه الأمة أن تنتصر ؟ وتستفيق من غفلتها وتحقق وحدتها ؟
 الأستاذ: الحقيقة أن الذي أصاب المسلمين في هذه الأيام ينطوي على حكمة بالغة بالغة، قد لا نكشفها الآن، ذلك أن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾

(سورة آل عمران)

 أقول دائماً هذا القطب الواحد الذي خطف أبصار العالم بغناه وبما يطرحه من شعارات رائقة وبراقة كالسلام العالمي والديموقراطية والحرية والغنى وحقوق الإنسان والرفق بالحيون، حينما أجرى الله له امتحاناً فصار في الوحل، يقول الله عز وجل:

﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾

(سورة البقرة)

 لما لم يقل: من يؤمن بالله فقد استمسك بالعروة ؟ لا يمكن أن نؤمن بالله قبل أن نكفر بالطاغوت، لقد أعانونا على أن نكفر بهم، إن كل قيم الغرب أصبحت في الوحل، ازدواج المعايير والقهر والظلم تجاهل ثقافات الشعوب، أن يعيش الإنسان وحده مرفهاً، يبني مجده على أنقاض الآخرين، يبني حياته على قتلهم ويبني أمنهم على إخافتهم، يبني غناه على فقرهم هذا ديدن العر، لذلك الآن العصر الحديث يشهد هبوط في مستوى الإنسان نية ما سبق له أن هبط لهذا المستوى.
 النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((تمتلئ الأرض ظلماً وجوراً في آخر الزمان " ويقول من علامات قيام الساعة:موت معقاس الغنم لايدري القاتل لما يقتل ولا المقتول فيما قتل يقول: يوم يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى ولا يستطيع أن يغير، إن تكلم قتلوه وإن سكت استباحوه))

 هذه الشدة التي يسوقها الله لنا أسأل الله جل جلاله أن تكون مندرجة بشكل أو بآخر تحت قوله تعالى:

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)﴾

(سورة القصص)

 والله إيماني أن نجاح الخطط هذا القطب الواحد لأمد طويل يتناقض لا مع عدالة الله بل مع وجوده، لابد لهذا الظلم أن ينزاح، هذا هو اليقين، الثقة بنصر الله وبوعد الله وبفرج الله من الإيمان، وحينما تضعف ثقتنا بنصر الله عز وجل هناك مشكلة في إيماننا، لكن عندنا مشكلة في حياتنا نحن أمة شرفنا الله في الإسلام لكننا ليس في المستوى المطلوب، فالله يؤدبنا.
 المذيع: معنا اتصال.
 المتصل: السلام عليكم، الأخت زهرة، عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى العصر والشمس في حجتها، لم يظهر الفيء من حجتها، أتكلم كما مكتوب أمامي، وقال مالك ويحيى بن سعيد وشعيب بن أبي حفصى والشمس قبل أن تظهر رواه البخاري، أتمنى أن يكون هناك تفسير دقيق لموضوع الحديث، سؤال آخر: بالنسبة لزكاة العقل كيف يمكن للإنسان أن يستطيع بتحكم بعيد عن الشر والخير لأن هذا أمر محتوم منتهي ولكن ما هي الطريقة التي يمكن للإنسان أن يتحكم فيها بتفكيره الذي يجب أن يبقى ضمن ما يريد الله تعالى ؟
 المذيع: نبدأ أستاذي بالإجابة هناك مصارف أخرى، موضوع الزكاة بحث طويل، إن شاء الله نرجئه لندوة رمضان المقبل إن شاء الله، نبدأ بسؤال الأخ العاطف: سأل عن المسجد الأقصى ما معنى الذي باركنا حوله ؟
 الأستاذ: هذه المنطقة عند الله مباركة، فهي مهبط رسالات الأنبياء، الله عز وجل يقول:

﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾

 والنبي عليه الصلاة والسلام قال

(( رأيت عمود الإسلام قد سل من تحت وسادتي فأتبعته بصري فإذا هو بالشام، فعليكم بالشام في آخر الزمان ))

(ورد في الأثر)

 والمقصود بالشام حول المسجد الأقصى، الآن تشهد هذه المنطقة صعوبات بالغة وصراعات حادة، ولكن إن شاء الله سيأتي النصر عاجلاً أم آجلاً وسوف تتضح بشارة النبي عليه الصلاة والسلام لهذه المنطقة، على كل يمكن أن ألخص أن ما نعانيه من مشكلات في هذه المنطقة هو أننا نعرفه ونعصيه، وإذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من يعرفه، وأن أمر الله إذا هان على الناس، هانوا على الله.
 المذيع: معنا آخر اتصال في هذه الحلقة.
 المتصل: السلام عليكم، الأخ أبو محمد، رجل متزوج طلق زوجته طلقة رجعية ربما طلقة ثانية أو ثالثة هو غير متأكد، بعد أن طلقها تزوجت وهي في فترة عدتها، وبعد شهرين من زواجها طلقت من الرجل الثاني، هل يجب عليها قضاء عدة أخرى لترجع لزوجها الأول ؟ مع أن زواجها الثاني كان فاسداً وإذا رجعت لزوجها الأول هل تنتهي الطلقات السابقة ؟
 المذيع: أدركنا الوقت، سنحاول الإجابة على كل الأسئلة، الأخت إيمان تقول هل تجب الزكاة في مال مخصص للزواج ؟
 الأستاذ: تجب الزكاة على هذا المال إلا إذا كان عليه دين يستغرق الخمسين ألف، ليس إلا هذه الحالة، إنسان يملك خمسين ألف وعليه دين خمسين ألف، الدين استغرق المال الذي بين يديه، أما أنا معي مبلغ أنوي أن أشتري به بيتاً، المبلغ الذي معي عليه زكاة، وإلا انتهت الزكاة !
 المذيع: تقول أخت أنها تُسأل وتكون تعرف الإجابة وتتظاهر بعدم المعرفة هل هذا كذب ؟
 الأستاذ: الكذب كذب إلا في الاصلاح بين الزوجين أو بين الناس وفي الحرب، وحينما تسأل المرأة زوجها أتحبني ؟ فقال لها: إني أحبك وقد يكون ليس كذلك، جبر خاطرها.
 المذيع: الأخت أم محمد سؤالها نفس الإطار، قد يطلب منها الجيران شيء فتقول أنها حلفت يمين ألا تعير أحداً شيء.
 الأستاذ: إن في المعاريض للمدوحة عن الكذب، لما كان النبي مهاجراً مع سيدنا الصديق فجاء من يتعقبهما، فسأل الصديق من هذا الذي معك ؟ قال إنه رجل يهديني السبيل، ففهم الملاحق أنه يدله على الطريق، الإنسان حينما يسأل وهو في حرج شديد، بإمكانه أن يستخدم المعاريض دون أن يكون صريحاً في قوله، أما الحاجة موجودة وتقول والله ليس عندي، هذا كذب ! يوجد أساليب أخرى ليس تحت يدي ! ممكن.
 المذيع: الأخ أبو محمد عنده محل تجاري رأس ماله مئتان ألف ليرة الديون على المحل خمسة وسبعون ألف للتجار، الزكاة الآن على رأس المال مع الديون، أم بعد حسم الديون.
 الأستاذ: الحقيقة الزكاة بأبسط أساليب حساباتها الإنسان الذي عنده محل تجاري أولاً يقيم البضاعة بسعر السوق أو كلفتهما أيهما أقل، ثم يجمع ما في صندوقه من المال، ثم يضيف ماله من ديون ثابتة ويحذف ما عليه من ديون، المحصلة هذا الرقم، هذا الميزانية، مجموع ثمن البضائع والأموال السائبة التي بين يديه، ثم يضيف إلى الديون الثابتة التي للمحل على الزئابن ثم يطرح الديون التي على المحل للموردين، هذا الرقم النهائي هو الميزانية، فعلى هذا الرقم اثنان ونصف بالمائة.
 المذيع: زكاة الفطر هل تجوز للأخت المتزوجة ؟
 الأستاذ: مادامت فقيرة، لا داعي لنقول متزوجة أو غير متزوجة، الزكاة ليست جائزة على الأصول الأب والجد مهما علو والأم والجدة مهما علت، ولا على الفروع الابن وابن الابن، لأن دافع الزكاة ملزم بالإنفاق عليهم، ولا تجوز على الزوجة أما الأخت تجوز لها، وقلت البارحة أن إعطاء الزكاة للأقارب الفقراء أفضل من غير الأقارب.
 المذيع: الأخ أبو محمد طلب توجيه كلمة للإخوة بشكل عام بتوجيه مصارف الزكاة للانتفاضة.
 الأستاذ: ذكرت البارحة أن الأصل في الزكاة في الأوضاع العادية لا في مشكلة بفلسطين ولا في انتفاضة، الأصل في الزكاة أن هذا المال الذي جمع من هذه البلدة بسبب شرائهم لهذه الحاجات من عند التاجر، زكاة هذا التاجر الأولى أن تدفع لفقراء هذه البلدة، الذين كانوا هم سبب نيله هذا المال، أما في ظروف كثيرة جداً الأقربون أولى بالمعروف، الأقربون للفقر في أشد الحاجة للمال، أتمنى والله أن تنفق أموال الزكاة في معظمها لإخوتنا في الأراض يالمحتلة، لأن بيوتهم هدمت وبساتينهم جرفت وآبارهم طمرت، وحاجاتهم أتلفت، هم أولى الناس، المشاركة المالية الحد الأدنى الأدنى لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا ))

(صحيح البخاري)

 نوع من أنواع الغزو والجهاد أن أجهز غازياً أو أخلف غازياً في أهله، إذا كان شاب في جامعة هو من الأرض المحتلة وانقطعت عنه الإمدادات من أهله أنت إذا أفدته وتابع دراسته كأنك غزيت في سبيل الله.
 المذيع: الأخت زهرة تريد شرح الحديث.
 الأستاذ: العصر حينما تصفر الشمس وتميل للغياب فالصلاة مكروهة، من علامات المؤمن أن يصلي الصلاة في أوقاتها، فحينما تميل الشمس للإصفرار صار هناك تقصير في أداء الصلوات فكان عليه الصلاة والسلام يصلي الصلوات في أوقاتها، وهذا مما عرف عنه، أما لسبب قاهر قد يكون في غزو هذه حالات استثنائية هذه لها حكم خاص.
 المذيع: سألت عن زكاة العقل، كيف يتحكم الإنسان بتفكيره ضمن ما يرضي الله ؟
 الأستاذ: ألم يقل الله عز وجل:

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(191)﴾

(سورة آل عمران)

 حينما أتفكر في خلق السماوات والأرض أديت زكاة عقلي، وحينما أتدبر القرآن أديت زكاة عقلي، وحينما أدعو إلى الله أو أصغي لدعوة الحق، طلب العلم وتعليم العلم، والتفكر في خلق السماوات والأرض، وحينما أستخدم ذكائي في حل مشكلات المسلمين، وحينما أحمل همومهم وأسهم في حل بعض مشكلاتهم أكون قد أديت زكاة عقلي، لكن حينما أستخدم العقل في الإيقاع بين الناس والاحتيال وفي أعمال إجرامية، استخدمت عقلي لغير ما خلق له.
 المذيع: السؤال الأخير حول موضوع الطلاق، بعودتها لزوجها الأول هل تنتهي المشكلة ؟
 الأستاذ: هذه الموضوعات مغطاة بقول ابن عباس رضي الله عنه: أيرتكب أحدكم أحموقته ويقول يا ابن عباس يا ابن عباس هذا الذي فعل هذا على جهل كبير جداً بأمور الدين، فمثل هذه المشكلة تحتاج للقاء شخصي، لن كل فتوى دون أن تكون هناك معطيات دقيقة تكون فتوى غير صحيحة، فمثل هذا الموضوع لا يحل بالإذاعة بل باللقاء مع شيخ جليل متمرس بأمور الطلاق، وتكون الزوجة معه، أما يا ترى ماذا حصل؟ ماذا قال ؟ ماذا ينوي ؟
 المذيع: انتهى الوقت وأدركنا، جزاكم الله عنا كل خير،باسمكم جميعاً أيها الأخوة نشكر فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي الأستاذ المحاضر في كلية التربية جامعة دمشق، والخطيب في جامع النابلسي، والمدَّرس الديني في مساجد دمشق، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS