17917
الفقه الإسلامي - أحكام فقهية عامة - آيات الأحكام - الدرس (15-25) : الحجر على مال السفيه ، سورة النساء : 5-8
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1997-12-01
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا، وانْفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علمًا، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجْتِنابه، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين.

من هو السفيه ؟

 أيها الأخوة الكرام، نحن مع دروس: "آيات الأحكام"، والآية اليوم هي قوله تعالى:

﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾

[ سورة النساء: 5-6 ]

 أيها الأخوة، حينما يقول الله عز وجل ولا تُأتوا السفهاء! من هو السفيه؟ أصلُ السَّفَه في اللّغة الخفَّة والحركة، رجلٌ سفيه إذا كان ناقص العقل، خفيف الحلم، أو الذي لا يُحْسن التَّصرّف، أو يبذِّر ماله في غير الطُّرق المشروعة، هذا هو السفيه.
 وفي قاموس الكشاف، السُّفهاء المبذِّرون، الذين يبذِّرون أموالهم وينفقونها فيما لا ينبغي، ولا يد لهم بإصلاحها، وتثميرها، والتَّصرّف فيها.

المال قِوام الحياة الدنيا والآخرة :

 أيها الأخوة، قال تعالى:

﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ﴾

[ سورة النساء: 5]

 أي جعَل الله بأموالهم قيامًا، فالمال أساسي في الحياة، فبالمال تتزوَّج، وبالمال تشتري بيتًا، وبالمال تنفق على نفسك، وعلى أهلك، وعلى أولادك، بالمال تنفق في سبيل الله، وبالمال ترقى، فكأنَّ المال قِوام الحياة الدنيا والآخرة لذلك جعله الله قيامًا، والقيام قالوا واحد قوَّمَهُ أو قيَّمَهُ أي ثمَّنَهُ، قوامًا وقيامًا بمعنى واحد، أي المال قوام الحياة، قوام الحياة الدنيا ووسيلةٌ إلى الدار الآخرة، قال تعالى:

﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ﴾

[ سورة النساء: 5]

 أنت يمكن أن تقوم حياتك بالمال، شابّ حقَّق خبرةً معيَّنة، ووصلَ إلى عمل، وفي هذا العمل دخْل خطَب، تزوَّج، استأجر بيتًا، أنفقَ على زوجته، وجاءهُ أولاد، وربَّاهُم، أسَّسَ أسرة، فهذا المال الذي كسبَهُ مبارك، قوامُ حياته، وقوام أسرته، لذلك أيّ إنسان يقلِّل قيمة المال بين أيدي الناس يُحاسبُه الله تعالى حِسابًا عسيرًا، أيّ إنسان يُقلِّل القوَّة الشِّرائيَّة للمال بِجَشعٍ شخصي يُحاسبهُ الله حسابًا عسيرًا، لأنَّه عطّل أخطَر قيمة للمال، وهي قِوام الحياة.

الله جلّ جلاله نهانا في الآية التالية أن نُمَكِّن السفهاء من التَّصرّف بمالنا :

 من هو السَّفيه؟ هو الذي ينفقُ مالهُ بلا حِكمةٍ، وبلا تبصُّرٍ، لذلك قال تعالى:

﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾

[ سورة النساء: 5]

 أيها الأخوة، الله جلّ جلاله نهانا في هذه الآية أن نُمَكِّن السفهاء من التَّصرّف بمالنا، والسفهاء هم الصِّغار، أو النِّساء غير العاقلات، أو الرجل الذي فقدَ عقله، أو اخْتلّ تصرّفهُ، أو بدَّد ماله، فإما أنَّه طفل صغير، وإما أنَّها امرأة خرقاء، وإما رجلٌ اخْتلّ، هذا هو السَّفيه، والسَّفيه هو الذي لا يحسنُ التَّصرّف، والسَّفيه الذي يُبدِّدُ ماله بلا طائل، وسيأتي معنا بعد قليل السَّفيه يحجَر على تصرّفاته.
 أما حينما يكبر هذا اليتيم، وهذا الصغير، وتأنَسُ منه رُشدًا، وعقلاً، وحكمةً، فيجب أن تؤدِّيَ له مالهُ،

﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ﴾

 أي الصغار

﴿ أَمْوَالَكُمُ ﴾

 التي جعلها الله لكم قيامًا،

﴿وَارْزُقُوهُمْ﴾

 فيها سيأتي بعد قليل أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام وجَّهنا أنْ نتَّجِر بأموال اليتامى، لئلا تأكلها الزكاة، يجب أن نُطعم اليتيم لا من أصل ماله بل من ريْع ماله، لم يقل تعالى وارزقوهم منها، من التبعيض، ولكن قال:

﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾

 وفرْق كبير بين أن نرزقهم منها، نقتلع من أصل المال مالاً ننفقه عليهم، وبين أن نرزقهم فيها، أيْ أن نأخذ من رَيْع المال مالاً ننفقُه عليهم، ويبقى أصل المال صحيحاً، قال تعالى:

﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ ﴾

[ سورة النساء: 6 ]

 أيْ بلغوا التكليف، بإمكانه أن يتزوّج، وقد خضع للأمر والنَّهي، صار بالغًا بالمعنى البيولوجي، وبالمعنى الشرعي.

من لمس من اليتيم عقلاً وحكمةً وحُسْن تصرّف فعليه أن يرد له ماله :

 قال تعالى:

﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا ﴾

[ سورة النساء: 6 ]

 يجب أن يُضاف إلى سنّهم سنّ البلوغ أن تأْنسَ منهم رشْدًا، وهذه أوَّل إشارة بالقرآن إلى ما يسمى بالعُمر العقلي، والعمر الزَّمني، قد يكون هذا الطّفل في الثالثة عشرة وعقلهُ في التاسعة، العلماء الآن يقولون: الإنسان له عمْر زمني، وهو أتفَهُ أعماره، وله عُمْر عقلي، وهناك رواكز لهذا العمر، قال تعالى:

﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ ﴾

[ سورة النساء: 6 ]

 هذا السن الفيزيولوجي، قال تعالى:

﴿ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا ﴾

[ سورة النساء: 6 ]

 عقلاً وحكمةً وحُسْن تصرّف، قال تعالى:

﴿ فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا ﴾

[ سورة النساء: 6 ]

النهي عن الإسراف في أموال اليتامى :

 إنسان معه مال يتيم ينفق منه ما يشاء، يقيمُ الولائم، بعض الورعين، لا يأكلون في بيتٍ فيه متوفَّى‍! لأنَّ هذا المال لم يعُدْ للمُتَوَفّى، وصار لأولاده القُصَّر، فلا معنى أن نأكل من وليمة بِمَال أيتام قُصَّر، قال تعالى:

﴿ فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا ﴾

[ سورة النساء: 6 ]

 تنفق منها بِقدْر ما تستطيع، حتى إذا كبر هذا اليتيم قلت له: انتهى مالك، أنفقْتهُ عليك. قال تعالى:

﴿ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾

[ سورة النساء: 6 ]

 وسأشرحُ بعد قليل ماذا يعني أن تأكل بالمعروف؟

على الإنسان أن يوثّق كل شيء :

 قال تعالى:

﴿ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ﴾

[ سورة النساء: 6 ]

 لعلَّه يقول: لم آخُذْ منك مالي، وهذا الحكم ينسحِب على حالات كثيرة جدًّاً وثِّقْ كلّ شيء، إنْ وثَّقْتَ كلّ شيء لن تصل إلى المحاكم، ولن تصل إلى قصر العدل، وثِّقْ كلّ شيء قال تعالى:

﴿ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا* لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾

[ سورة النساء: 6-7 ]

أسباب نزول الآية التالية :

 أيها الأخوة، أسباب نزول هذه الآية، كان أهل الجاهلية لا يُورِّثون النِّساء ولا الوِلْدان الصغار شيئًا، والآن في بعض القرى، وفي بعض الأرياف لا يُورِّثون البنت إطلاقًا وهذا مخالف للشريعة، ومن غيَّرَ منهج الله عز وجل في الميراث فله عذاب عظيم، لا يورِّثون البنات إطلاقًا، وهذا فِعْل أهل الجاهليّة، ولا الوِلدان الصغار شيئًا، ويجعلون الميراث للرجال الكبار، فأنزل الله عز وجل قوله تعالى:

﴿ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾

[ سورة النساء: 7 ]

 ورُويَ عن ابن عباس أنَّه قال: "كان أهل الجاهليّة لا يورِّثون البنات ولا الصِّغار الذكور حتى يُدْركوا، فمات رجلٌ من الأنصار يُقال له أوْسُ بن ثابت، وتركَ ابنَتَين، وابْنًا صغيرًا، فجاء ابنا عمِّه فأخذا ميراثهُ كلّه، فقالَت امرأتهُ لهما: تزوَّجا بهما، وكان بهما دمامةٌ فأبيَا، فأتتْ رسول الله صلى الله عليه وسلّم فأخبرتهُ فنزَلَت الآية:

﴿ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾

[ سورة النساء: 7 ]

 لا تُحرِّكا من الميراث شيئاً فقد أُخبرْت أنَّ للذَّكر والأنثى نصيبًا.

كلُّ إنسان عليه أن يتَّبعَ منهَجَ الله في تَوْريث أمواله :

 ثمّ نزل قول الله تعالى:

﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ﴾

[ سورة النساء: 11 ]

 نقف عند هذه النقطة قليلاً؛ أيّ رجل مسلم يفكِّر أن يُعطي الذكور، ويحرم الإناث، فقد وقعَ في إثمٍ كبير، وقد يلقى الله وهو عليه غضبان، وقد يعبدُ الله ستِّين عامًا، فإذا أضرَّ بالوَصِيَّة تجبُ له النار، والإنسان قبل أن يُغيِّر منْهج الله في الميراث لِيُفَكِّر كثيرًا، لِيَتَأمَّل مليًّاً لأنّ الله له بالمرصاد، سيَلقى الله، كيف تلقى الله وأنت ظالم؟ الله أعطى هذه البنت وتحرمها أنت؟ ما الحجَّة في ذلك؟ يقول لك: لكي لا يذهب المال إلى الصِّهْر، مَن هو الصِّهْر؟ زوْجها، وهو أقرب الناس إليها، وما شأنك به أنت؟ أنا لا أتكلّم من فراغ، إنسانٌ تركَ ثرْوَةً خياليَّة، وله سبع بنات وابن، الابن أخذ من كلّ إخوته البنات وكالة عامَّة، ولم يعْطهم من هذا المال شيئًا‍! الأخوة الذكور يُهَيْمِنون على الإرث ويأخذون معظمه، هذا ظلمٌ شديد، والإسلام منهجٌ كامل، إيَّاك أن تظنّ أنَّ الإسلام صلاة فقط، وعبادات شعائريّة فقط، إنَّه معاملات، والدِّين المعاملة فكلُّ إنسان عليه أن يتَّبعَ منهَجَ الله في تَوْريث أمواله وفْقَ ما أمر الله.

من لطائف التفسير :

1 ـ أن هذا المال مال المجموع :

 لطائف هذا التفسير، قال تعالى في آية اليوم:

﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ ﴾

[ سورة النساء: 5]

 ماذا قال؟ أموالكم، المعنى الدقيق ليس هكذا؛ ولا تؤتوا السفهاء أموالهم، عندك طفلٌ صغير ورث عن أبيه مبلغًا كبيرًا، هذا الطّفل سفيه أو امرأة حمقاء لا ينبغي أن تضعَ المال بين يديها، تنفقه على زينتها، وتحرمُ أولادها، رجلٌ اخْتلَّ عقلهُ، وبيَدِهِ مالٌ وفير، وله أولاد كثيرون، فبالأصل: ولا تؤتوا السفهاء أموالهم، لكن هذه اللَّطيفة القرآنيّة، واللَّطيفة البلاغيَّة أيْ هذا المال مال المجموع، مثلاً: هذه المدينة فيها كتلة نقديّة ينتفعُ بها المجموع، كيف؟ إذا وُظِّفَت في التِّجارة انتفَعَ بها مئات ألوف الناس، إن وُظِّفَت في الصِّناعة انتفَعَ بها مئات الألوف، إن وظِّفَت في الزراعة انتفع بها مئات الألوف، أما إذا أخذها صاحبها، أصحاب الأموال الطائلة أخذوا أموالهم، ووضعوها في بلاد الغرب، وأنفقوا رَيْعَهَا على ملاذّهم وشهواتهم، حرموا منها هذه الأمَّة، فهو في الأصل لك، ولكن ينبغي أن تنفقهُ في الطُّرق المشروعة حتى ينتفعَ منه الناس جميعًا، إنسان معه مئة مليون، أسَّس مشروعًا، ويحتاج إلى ثمانمئة موظَّف، وظَّفَ العمّال، وأصبح لهؤلاء العمَّال دخْل ثابت، بحثوا عن زوجات، وتزوَّجوا وسكنوا في بيوت، أنجبوا أولاداً، ثمانمئة أسرة أُسِّسَتْ من هذا المعمل الذي أُنفقَ المال فيه، فنحن نقول: هذا المعمل لفلان، إلا أنَّ النَّفْع كان عميمًا، فكأنَّ المسلمين جميعًا مشتركون في منفعة المال بِطَريقة غير مباشرة، يقول لك: هذا المعمل حقَّق خمسمئة وظيفة، يُسمُّونها فرْصة عمل، فإذا كانت الأموال التي يملكها الأفراد الأغنياء وُظِّفَت في مشاريع حيويَّة، وأساسيَّة، ونافعة، مع أنّ هذا الغنيّ يملك هذا المعمل، وله أرباحٌ طائلة، إلا أنّ أُناسًا كثيرين انتفعوا من هذا المال، إذًا كلّ هذا المعنى ينطوي بِكَلمة؛ ولا تؤتوا السفهاء؛ ما قال أموالهم وإنَّما أموالكم، فأنتم لا تملكون هذا المال، وهو ملْكهم، ولكنَّه نُسِبَ إلى الأوصِياء نِسْبة نفْعٍ عامّ فأنت لك نصيبٌ من هذا المال، أما هذا الغنيّ فأنشأ معمَلاً، وظَّفَ أُناسًا، طرحَ سلْعةً في السوق رخيصة، انتفعَ بها الناس، واشتراها معظم الناس، حقَّقَتْ لهم حاجات، سدَّت حاجات، كلّ هذه المعاني بكلمة ولا تؤتوا السفهاء أموالكم.

مال أخيك هو مالك من زاوية وجوب المحافظة عليه :

 هناك معنى آخر، قال تعالى:

﴿ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾

[ سورة النساء: 5]

 لِمَ لمْ يقل الله عز وجل: ولا تأكلوا أموال بعضكم؟ قال: ولا تأكلوا أموالكم، لأنّ مال أخيك هو مالك، من زاوية واحدة، من زاوية وجوب المحافظة عليه يجب أن تحافظ عليه وكأنَّه مالك، فلأَن تمْتَنِعَ عن أكله بالحرام من باب أولى، فهذه لطائف بلاغِيَّة في كتاب الله، قال تعالى:

﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾

[ سورة النساء: 29]

 إذا الإنسان المؤمن قتل أخاه فقد قتل نفسه، ضعَّفَ المجتمع، وأوْرثَ حِقْدًا، وربَّما قتل ثأْرًا، ربّما قتلَ حدًّاً، فإذا قتلْت أخاك فقد قتلْت نفسكَ، قال تعالى:

﴿ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾

[ سورة النساء: 29]

 فهذا القرآن كلام الله، وفضل كلام الله على كلام خلقه، كفَضْل الله على خلقه ويمكن أن تستنبط من كلام الله حِكَمًا لا تنتهي، ولطائف لا تنتهي وهذه أوَّل لطيفة.

المال مِلْكُ جميع المسلمين بالنَّفع غير المباشر :

 المال مِلْكُ جميع المسلمين بالنَّفع غير المباشر، النَّفعُ المباشر ملك صاحبه، أما بالنَّفع غير المباشر فمِلْك جميع المسلمين، والفِكرة واضحة، غَنِيَّان مع كلّ واحد مئة مليون، أحد الغنيَّيْن وضع أمواله في بنك في أمريكا، فقد يملكهُ يهودي، وأخذ الفوائد، وأنفقها على ملذَّاته، وعلى شهواته، ولم ينتفع أي إنسان في بلده، وإنسانٌ آخر أنشأ بها مشروعًا حَيوِيًّا في بلده، وظَّفَ ألفَ عاملٍ، وعرضَ سِلْعةً رخيصة، نافسَتْ السِّلَع المُستورَدة، فالناس اشْتَرَوا هذه السّلعة بسِعْر معتدلٍ، وغطَّت حاجاتهم، أنت انتفعْتَ انتفاعًا غير مباشر من مال أخيك، وهذا المال ربح أرباحًا طائلة، وعليه زكاة، وزّع الزكاة على فقراء المسلمين، هذا دفعٌ ثالث، فكلّ أنواع الانتفاع غير المباشرة هذه حقَّقَت لكلّ المسلمين، أصابت كلّ المسلمين، أما صاحب المال المباشر، وصاحب المال بالذات فهو الذي يربح، دفع ضريبة، والذي وضع ماله في بلاد أجنبية ما دفع ضريبة، فالضريبة جاءت للخزانة، الدولة عليها نفقات، فدفع ضريبة، ودفع زكاة، وأمَّنَ مئة ألف فرْصة عمل، وطرح سلْعةً في السوق رخيصة ومعتدلة، وانتفع الناس، فالمعنى أنّ كلّ المسلمين انتفعوا بهذا المال بِشَكل غير مباشر، بالشكل المباشر صاحبهُ، بالشكل غير المباشر المسلمون، وبهذا الشكل غير المباشر قال تعالى:

﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾

[ سورة النساء: 5]

 أنتم لكم منها نصيب غير مباشر، لذلك هناك قاعدة إذا اغتنى أخوك فكأنَّما اغْتَنَيْت أنت، إذا حولك عشرة أشخاص كلّهم تحت الخطّ الأحمر، هؤلاء عبءٌ عليك، أما إذا كانوا جميعًا فوق الخطّ الأحمر، فهؤلاء هم دَعْمٌ لك، إذا أخوك اغتنى دعمك، وإذا افتقر حمَّلك ما لا تُطيق، فإذا اغتنى أخوك فكأنَّما اغْتنيْت أنت، هذا معنى قوله تعالى:

﴿ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾

[ سورة النساء: 5]

2 ـ الله عز وجل سمَّى المال قيامًا :

 الآن، الله عز وجل سمَّى المال قيامًا، فالمال وسيلة هدفه أن تقوم حياتك عليه فقوام الحياة مسبّب، والمال سبب، سُمِّيَ الشيء بنتائجِهِ، قد تقول: رعَينا الغيث، أنت ترعى الكلأ، سُقْت غنمك فرعَت الكلأ، أنت ماذا قلت: رعيْت الغيث، سمَّيْت الشيء بِسَببه، هذا الكلأ سببه المطر، رعينا الغيث سمَّيت هذا الشيء بسببه، أما هذا المال فلا تأكلوا أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا، أي جعلها الله قيامًا لكم، سمَّينا الشيء بِنتائجه، هذا من المجاز العقلي في البلاغة، أن تُسمِّيَ الشيء بنَتيجته، أو أن تُسمِّيَ الشيء بسَببِهِ، أو أن تسمِّيَ الشيء بمكانه، أقرّ مجلس الوزراء، باللغة المجلس مكان الجلوس، خمسون كرسياً اجتمعوا أم أنّ الوزراء أقرّوا؟! هذا مجاز عقلي، إذا قلت: أقرّ مجلس الوزراء هذا المرسوم أي أنّ الذين على هذه الكراسي سمّينا الإنسان بمكان جلوسه، قال تعالى:

﴿ وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾

[ سورة يوسف: 82]

 القرية لا تسأل، واسأل أهل القرية، هذا مجاز عقلي، فإما أن تعبِّر عن الشيء بسببه، أو بِنَتيجته، أو بمكانه، أو بزمانه، لذلك الآية هنا، لمَّا كان المال سبباً بِبَقاء الإنسان، وقيام شؤون حياته، ومعاشه، سمَّاه الله تعالى بالقيام إطلاقًا لاسم المُسبَّب على السَّبب على سبيل المبالغة، وكان السَّلَف الصالح يقولون: المال سلاح المؤمن، ولأن أتركَ مالاً يُحاسبني الله عليه خيرٌ من أن أحتاج الناس، أحيانًا الإنسان يضجر من المال لكنّ المال يُحقّق لك كرامتك، فأَن تتْعبَ في تحصيله، وأن تتْعب في تنميَّته، وفي استثماره، أفضل ألف مرّة من أن تُذلّ عند حاجته.

3 ـ أن يتمتع صاحب المال بحكمة لينفق ماله :

 اللّطيفة الثالثة ؛ قال تعالى:

﴿ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا ﴾

[ سورة النساء: 6 ]

 ما قال آنستم منهم الرشد لأنّه لا يوجد من بلغ الرشد كلّه، معناها لو بلغ الثمانين لا يُعطى له ماله، قال تعالى:

﴿ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا ﴾

[ سورة النساء: 6 ]

 نكِرَة، أيْ حكمة في إنفاق المال، أما يا ترى حكيم بِملبسه ومأكله، أذواقه عالِيَة، وتصرّفاته راقيَة، مواقفه عالِيَة، مستحيل أن يصل إلى الرشد المطلق، قال تعالى:

﴿ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا ﴾

[ سورة النساء: 6 ]

 أي حكمةً في إنفاق هذا المال، قال تعالى:

﴿ فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ﴾

[ سورة النساء: 6 ]

 بين الرشد وبين رشدًا مسافة كبيرة جدًّا، هذه اللطيفة الثالثة.

4 ـ إن كان الرجل غنيًا فلْيستعفف و ليستثمر المال من دون فوائد :

 اللطيفة الرابعة، الله عزّ وجل قال:

﴿ وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾

[ سورة النساء: 6 ]

 طبعًا يسْتَعْفِف من الفعْل عفَّ، أما عفَّ شيء واستعفّ شيء آخر، فعفَّ فِعْل أما اسْتعفَّ طلبَ العفَّة، العفَّة حينما تُطلب غير حينما تقع دون طلب، إنسان صدْفةً عثرَ على هذا الشيخ، أما إذا طلبه، وجهد في الوُصول إليه فهذا أبْلغ، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾

[ سورة النساء: 6 ]

 مال اليتيم موضوع للاستثمار في يد رجل، إن كان الرجل غنيًا فلْيستعفف يجب أن يستثمره له مجَّانًا من دون فوائد، ومن دون أرباح، ومن كان غنيًّا فليستعفف، ما يكون عفيفًا صدفة، وما تكون عفَّتهُ طارئة، ومن دون قصْد، فلْيَسْتعْففْ أي فلْيَطلب العفَّة، ولْيَحْرص عليها، ولْيتثبَّتْ منها فلْتَكن أمامه، وهدفًا له، فلْيَسْتعفف.

تفسير الأكل بالمعروف :

 قال تعالى:

﴿ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾

[ سورة النساء: 6 ]

 أدقّ تفسير للأكل بالمعروف أن تأخذ أجْر المثل أو حاجتك أيّهما أقلّ، وضعَ معك اليتيم مئة ألف، الاتّفاق نصف للمال، ونصف للجهد، ربحهُ بالسنة ثلاثون ألفًا، لك أنت خمسة عشر ألفًا، خمسة عشر لا يكفونك لِمَصروف السَّنة، لكن يجب أن تأخذ خمسة عشر ألفًا للسنة، هذا هو أجر المثل، أما إن وضع عندك مليونًا، وربحه مئتا ألف، لك مئة ألف، فأنت تكفيك خمسة عشر ألفًا بالشَّهر مثلاً، يجب أن تأخذ حاجتك، الآن إذا كان الرّبح أكثر من حاجتك تأخذ حاجتك، وإذا كان أجر المثل أقلّ من حاجتك تأخذ أجر المثل، وهذا معنى فلْيأكل بالمعروف، إما أن تأخذ أجر المثل وإما أن تأخذ حاجتك أيّهما أقلّ، إن كنتَ غنيًّاً ينبغي أن تتعفَّف عن أكْل أموال اليتامى، ولو كان بالحقّ، وإن كنتَ فقيرًا يجب أن تأكل بالمعروف.
 رُويَ أنَّ رجلاً جاء النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: يا رسول الله إنّ في حجري مال يتيم أفآكل من ماله؟ فقال: بالمعروف، غير متأثّل مالاً، ولا واقٍ مالكَ بِمَالِهِ، ما هذا المعنى الدقيق؟ متأثّل أي أن تأخذ بغير حقّ، أما ولا واقٍ مالَك بِمَاله، فلو كنتَ تاجرَ أقمشةٍ هناك أنواع أرباحها ثابتة ومعروفة، ورائجة، وتُباعُ دائمًا، كأنّها مبلغٌ من المال ومطلوبة دائمًا وبالتعبير العامي بيَّاعة! إذا كان له أقمشةً من هذا النوع كأنّ له مالاً، بيعُها سهل، لا إشكال، أرباحها جيّدة، وهناك نوعٌ من القماش وهو جميلٌ جدًّاً، ولكن لم يدخل بعد إلى الأسواق، هناك احتمال الرّبح، واحتمال ألا يربح، ماذا يفعل التاجر غير المستقيم؟ معه مال أيتام، يشتري صفقة من هذا النوع الحرِج بهذا المال، فإن ربحَ أرباحًا طائلة أدْخل ماله الأساسي في مثل هذه الصّدقات، فجعل هذه الصَّفْقة حقلاً للتجربة، فإذا خسر يقول: لا يوجد نصيب، ونحن سعينا، لكنْ من يعلم أنَّك اسْتخدمتَ هذا المال للتجربة، جعلته حقل تجارب، وجعلتهُ جس نبْض للأسواق، ووسيلة للتَّعرّف على نوع البضاعة، وهذا لا يعلمهُ إلا الله، ولا تجعل مالك دون ماله، إذا أنت إيمانك قويّ، وورِع، ومعك مال يتيم تشتري بهذا المال الصَّفقة التي ترى أنّها أرْبح الصَّفقات، الصَّفْقة التي بيعها شبه محقّق، وأرباحها شبه مؤكّدة، هذا هو الورع، أما استخدام مال اليتيم في صفْقة لا يُدْرَى أترْبحُ أم تخسر، ليجسّ بها السوق، وتكون درءاً لماله، فهذا محرَّم، قال له: ولا واقٍ مالك بماله.

من كان فقيرًا فلْيَأكل بالمعروف :

 سألهُ سؤال ثان: عندي يتيم أفأضربهُ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ممَّا كنت ضاربًا منه ولدك! الذي عنده من صلبه، ارتكب مخالفة كبيرة جدًّاً فضربهُ، يحقُّ لك أن تضرب اليتيم من الذَّنب الذي تضرب منه ولدك.
 سمعتُ قصَّة، أنا لا أعتمدها، ولكن يُستأنس بها، امرأة لها أولاد، ولها أولاد من زوجها، فكانت تسقي أولاد زوجها نصف الكأس حليبًا ونصفه ماء، أما أولادها فالكأس كلّه حليب، أولادها حليب كامل الدّسَم أما أولاد زوجها فنصف الكأس حليب ممزوج مع الماء! أقرب الناس لهذه المرأة رآها في المنام مرّات عديدة وهي تحترق، وتقول له: الحليبات!! الظّلم شديد، إذًا قال تعالى:

﴿ وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾

[ سورة النساء: 6 ]

 العِفَّة مقصودة ومن كان فقيرًا فلْيَأكل بالمعروف.

الحكمة من التفصيل و الإطناب في الآية التالية :

 الآية الكريمة:

﴿ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ ﴾

[ سورة النساء: 7 ]

 لو أنّ الله تعالى قال: للرجال وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون المعنى نفسه، ولكن ماذا نستفيد من هذا التفصيل ومن هذا الإطناب؟ قال تعالى:

﴿ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ ﴾

[ سورة النساء: 7 ]

 مبالغة في العناية بالنساء، أيْ المرأة لها نصيب في الإرث كالرجل تمامًا، فجاءَت في جملة مستقرّة، للرجال نصيب وللنساء نصيب، أما لو قال: للرجال والنساء نصيب، فالمرأة ما استقلَّت بِجُملةٍ مسْتقلّة، فمن أجل العناية التامَّة ولِتَنبيه العرَب في الجاهليّ‍ة إلى أنّ عملهم غير صحيح، ذكر الله هذه اللطيفة في الآية.

من أكبر الكبائر أكْل مال اليتيم :

 شيءٌ آخر، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ﴾

[ سورة النساء: 10 ]

 الإنسان يأكل في رأسه؟ يأكل في رجله؟ يأكل في بطنه؟ أنا أرى بِعَيني هذا شيءٌ بديهي، أنا أسمع بأُذني شيء بديهي، قال: هذه مبالغة، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾

[ سورة النساء: 10 ]

 مجاز عقلي، أي أكلوا طعامًا أوْدى بهم إلى النار، سمَّينا الشيء بِنَتيجَتِهِ، رعَيْتُ الغَيْث سمَّيْتُ الشيء بِسَببه، أكلْت النار، أي أكلتُ مالاً حرامًا أوْدى بي إلى النار، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾

[ سورة النساء: 10 ]

 لذلك من أكبر الكبائر أكْل مال اليتيم لذلك ربّنا عز وجل قال:

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ﴾

[ سورة الإسراء: 32 ]

 ابتعدوا عن أسبابه.

الإنسان كلّما ضعف اشتدّ الإثم في ظلمه :

 وقال: ولا تقربوا أموال اليتامى، قال تعالى:

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ﴾

[ سورة الإسراء: 34]

 أما هذا الوعيد الشديد لهؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى، قال: لأنَّه ضعيف، والإنسان كلّما ضعف اشتدّ الإثم في ظلمه، أما طفلٌ ضعيف!! مرَّةً كنت عند قصَّابٍ أشتري لحماً، جاء طفلٌ صغير يشتري لحمًا، طلب من اللَّحام- ويبْدو لمريضة - قطعة لحم نادرة ضمن العضلات واسمها الشَّهبايَة وهي طريَّة جدًّاً، هذا اللَّحام بحث له عنها، قطعها ونظَّفها وفرمها له وأعطاها له، أنا كبِرَ بِنَظري بِشَكل كبير؛ لأنَّه طفلٌ صغير لا يستطيع التَّمييز، ولا يوجد حتى من يُحاسبه، فكلّما ضعف الإنسان أمامك أصبح وكيلهُ الله تعالى، يمكن أن يكون القويّ وكيل نفسه، يناقشك ويطالبك ويتواقحُ معك، تخافُ منه، أما امرأة جاهلة تعطيها بضاعة سيّئة جدًّاً وأكثر الباعة فِسْقًا وفُجورًا فهؤلاء الذين يسْتغلُّون جهْل الشاري، ومن هنا ورد في الحديث:

(( غبن المسترسل ربا، غبن المسترسل حرام ))

[ الجامع الصغير عن جابر وعلي]

 تستغلّ جهل الإنسان وضعفه، تعطيه بضاعة سيّئة بِسِعر عال، هذه خيانة.

كلّما ضعف الطَّرف الآخر اشْتدّ الوعيد من الله على من ظلمه :

 لذلك الله عز وجل قال:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا ﴾

[ سورة النساء: 10]

 هل يستطيع اليتيم أن يُحاسبك؟ هل يعرف أن يناقشك؟ أين الحسابات؟ وأين الصفقات؟ لا يعرف! هل يعرف أن يميِّز بين صفْقة وأخرى؟ لا يقدر أن يفعل شيئًا، فكلّما ضعف الطَّرف الآخر اشْتدّ الوعيد من الله على من ظلمه، لذلك ظُلم النِّساء كبير عند الله تعالى، والنبي عليه الصلاة والسلام أوصى أصحابهُ في حجَّة الوداع بالضَّعيفين، المرأة واليتيم.
 مثلاً تصوَّر بطلاً بالملاكمة، يصعد منصَّة مصارعة مع طفل عمره أربع سنوات أو أكثر، يضربهُ ضربًا يطرحهُ عشرة أمتار، والناس تصفِّق له!! الناس يصفِّقون لمبارزة من هو في وزنه وحجمه، فإذا كان هناك صراع بوَزن متساو كان هناك تصفيقاً، أما بطل بالمصارعة يضرب طفلاً عمره ثلاث سنوات ويسمّى بطلاً!! طبعًا مثل صارخ، وفي العلاقات الاجتماعيّة هناك كائن مثل الطفل، وهناك عملاق؛ حوت وديناصور فإذا أكل هذا الكبير هذا الصغير، هل يُعدُّ هذا شطارةً؟ لا، أبدًا، هذا ظلم، بطولتك مع الضُّعفاء أن تُنصفهم، والحقيقة الإنسان يخاف من شخصٍ لا ناصرَ له إلا الله، وكلّ إنسان يظلم الضعيف يكون ارتكبَ إثمًا كبيرًا.

كلما نما شعور الإنسان بالمسؤولية كان عند الله أعظم :

 الإيمان قَيد الفتك، ولا يفتك مؤمن، كلَّما كان الطَّرف الثاني ضعيفاً يجب أن تعدّ للمليون قبل أن تظلمه، ويجب أن تعتقد أنّ الله تعالى خصمك، قال سيّدنا عمر بن عبد العزيز دخلَت عليه زوجته فاطمة فرأتْهُ يبكي على مُصلاّه، مالكَ تبْكي؟ فقال: دعيني وشأني، مالكَ تبْكي؟ فقال: دعيني وشأني، أصرَّتْ عليه، فقال: والله نظرتُ في الفقير الجائع، وابن السبيل، والكبير الضائع، يمكن ذكر عشرة نماذج أو خمسة عشر، الأرملة، واليتيم، والفقير، والشيخ الكبير، والعاجز، والمريض، قال: فعلمتُ أنّ الله تعالى سيَسْألُني عنهم جميعًا، وأنَّ خَصْمي دونهم رسول الله فلهذا أبكي، الإنسان مسؤول، سيّدنا عمر قال: والله لو تعثّرَت بغلةٌ في العراق لحاسبني الله عنها! لمَ لمْ تُصلح لها الطريق يا عمر؟ كلّما نما شعورك بالمسؤوليّة كنتَ أعظمَ عند الله، مسؤول عن هذا الطفل الصغير الذي أهْملْت تربيَّته، عن هذه الزوجة التي ظلمتها، وعن هذا الشريك الذي تجاوَزْت عليه، وعن هذا الجار الذي استضعفْته، أنت مسؤول.

الأحكام الشرعيّة من هذه الآية :

1 ـ المراد بالسّفهاء النساء والصغار والرجال المسرفون :

 الآن الأحكام الشرعيّة من هذه الآية، قال: المراد بالسّفهاء الصِّبيان والأولاد الصّغار الذين لم يكتمل رشدهم، والمراد بالسفهاء النساء المسرفات، المرأة المسْرفة سفيهة، قد تشتري حاجات متْرفة وغاِليَة جدًّاً كي تتباهى، وتُحمِّلُ زوجها ما لا يطيق، هذه امرأة سفيهة، وبالمناسبة الذي ينفق مالهُ بلا جَدْوى يعدُّ سفيهًا، فأيّهما أثْمَن الوقت أم المال؟ الوقت، والدليل إذا الإنسان أُصيب بِمَرضٍ عُضال، وكانت هناك عمليّة تُجْرى ببَلَدٍ بعيد تكلّفُ ثمن بيته، واحتمال نجاحها ستون بالمئة، هل يتردَّد ثانيّة في بيْع بيته والسَّفر لإجراء هذه العمليّة؟ هو ماذا فعل؟ أنفقَ كلّ ما يملك قوام حياته من أجل أن يعيش سنوات معدودة، ثانية ؛ نقصه دسَّام لقلبه، زراعة كليَة، لذا مرَكَّبٌ في أعماق أعماقك أنّ الوقت أثْمن من المال بِدَليل تنفق المال كلّه من أجل أن يزداد عمرك سنوات معدودة، إذاً الذي ينفق المال بلا جدوى يُعَدُّ سفيهًا، فما حكم من ينفق الوقت بلا جدوى؟ أشدُّ سفاهةً، كلّ إنسان يضَيِّعُ الوقت...بالساعة الواحدة وراء لعبة الطاولة، ووراء المسلسلات، ووراء الشاشة، كلام فارغ، غيبة، نميمة، سهر، واختلاط، واستهلاك للوقت، واستهلاك رخيص مع المعاصي، هذا أشدّ سفاهةً، صراحةً لو أنّ أحدًا أمامك، وإن كان هذا المثل لا يعقل أن تراه أمامك، إنسان أخرج خمسين ألفًا، وجاء على الحاوِيَة وحرقها !! هل يمكن أن تحترم هذا الإنسان؟! مستحيل، تكون مجنونًا إن احترمتهُ، والله الذي ينفق وقتهُ بغير معرفة الله، وفي غير ما خلق له أشدّ انحرافًا من هذا الإنسان، الوقت أثْمَن من المال.
قال: المُراد بالسُّفهاء النّساء المسرفات، سواءً أَكُنَّ أزواجًا أو أمَّهات أو بنات.
 شيءٌ آخر ؛ السّفهاء كلّ من لمْ يكن له عقلٌ يفي بِحِفظ المال صار السفيه رجلاً، والسفيه امرأة، والسفيه طفلاً، طبعًا الطّفل معذور لأنّه صغير؛ وهذه سفاهة خَلقِيَّة، أما المرأة المسرفة فهذه سفاهة كَسْبِيَّة، والرجل المُسرِف سفاهة كَسْبِيَّة، فالسّفهاء نساء وصغار ورجال.

2 ـ وُجوب الحجْر على السفيه :

 الآن الحكم الشرعي الثاني؛ هل يُحْجر على السَّفيه؟ الفقهاء اسْتدلُّوا بهذه الآية على وُجوب الحجْر على السفيه، إذا الإنسان كان إنفاق ماله عَشْوائيًّاً يمكن أن يقدِّم أولاده أو أقرباءه شكوى إلى القاضي الشرعي فَيُصْدر أمرًا بالحَجْر على تصرُّفاته لأنَّه سفيه، ويُعَيَّن له وصِيٌّاً.

3 ـ بلوغ السنّ المعيّن مع العقل الراجح فقط في إنفاق المال :

 النقطة الدقيقة هنا، قوله تعالى:

﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا ﴾

[ سورة النساء: 6]

 هناك عمر عقلي، وعمر زمني، بلغَ سنَّ البلوغ، هذا عمر زمني، ثلاثة عشر عاماً، الآن نحتاج إلى العمر العقلي، قال تعالى:

﴿ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ﴾

[ سورة النساء: 6]

 هذه نقطة دقيقة جدًّاً، خالقنا بيَّن أنّ هناك عمر عقلي، وعمْر زمني، إنسان بلغَ ولم يكن راشدًا لا يُعطى مالهُ، عاقلٌ وغير بالغ هذا لا يُعْطى ماله، لا بدّ من أن يجتمعا؛ بلوغ السنّ المعيّن مع العقل الراجح فقط في إنفاق المال.

4 ـ الوصيّ الغني عليه أن يستعفف عن أكل أموال اليتامى والفقير ليأكل بالمعروف :

 الحكم الرابع؛ هل يُباحُ للوصيّ أن يأكل من أموال اليتامى؟ الوصيّ الغني فلْيَستعفف، والوصي الفقير فلْيأكل بالمعروف، والمعروف حاجته أو أجر المثل أيّهما أقلّ.
 هناك حكم فرعي، وهو أنَّ الوصيّ الفقير إذا أكل بالمعروف ثمَّ اغتنى فيما بعد عليه أن يعيد المال إلى اليتيم، هو ضامِنٌ لهذا المال، وكأنَّه أخذهُ قرْضًا، هذا حكم فرعي أيضًا.

5 ـ وُجوب الإحسان إلى اليتامى والخشْيَة عليهم :

 أدقّ حكم في هذا الاعتداء على أموال اليتامى من الكبائر التي توجب عذاب النار، من هذه الأحكام وُجوب الإحسان إلى اليتامى، والخشْيَة عليهم كما يخشى الإنسان على أولاده من بعده.
 تنفيذ حُكْم الميراث من ألْزَم لوازم المؤمن؛ أن تُشْهِدَ على تسليم اليتيم مالاً شهادة موثَّقة إيصال مع شُهود، أو بكاتب العدل.

6 ـ الإنفاق على اليتيم لا من أصل ماله بل من رَيْع ماله :

 الإنفاق على اليتيم لا من أصل ماله بل من رَيْع ماله، وعدم اتِّخاذ مال اليتيم دريئة لِمَالك تجسّ به نبْض السوق، والحجْر على السفهاء من الأحكام الشرعيّة، هذا هو ديننا، دينٌ دقيق، فيه دِقّة بالغة، هذه آية السّفهاء، وأكل أموال اليتامى بالباطل.

من حضر قسمة الإرث فليعط شيئاً جبراً لخاطره :

 ثمّ نختم هذا الدرس بهذه الآية الكريمة:

﴿ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾

[ سورة النساء: 8]

 هذه الوصيّة الواجبة أي هناك قسْمة، وإرْث، وهناك أناس لا يرثون ولكنَّهم حضروا هذه القسمة فأعطوهم شيئًا يجْبر خاطرهم، قال تعالى:

﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴾

[ سورة النساء: 9]

 أنت عامِلْ مال اليتيم في ماله كما تتمنَّى أن يُعامَل ابنك من بعدك إذا تيتَّم، الوعيد الخطير قوله تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾

[ سورة النساء: 10]

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS