67008
خطبه الجمعة - الخطبة 0032 : أهداف الناس في الحياة .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1975-04-25
بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى :

 الحمد اللَّهِ الذي سبحت الكائنات بحمده ، وعنت الوجوه لعظمته ومجده ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه واعترته الطيبين الطاهرين .

المعنى الزائف خلف مفهوم الحياة :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ إذا استثنينا كبار المتقين وصفوة المؤمنين , الذي لا تلهيهم تجارتهم ولا أموالهم ولا أولادهم عن ذكر الله , وإقامة الصلاة ، والذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه والذين اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم بان لهم الجنة , والذين يصبحون وأكبر همهم الآخرة .
 إذا استثنينا هؤلاء ، وسألنا عامة الناس ، إلى أي شيء تسعون , وفيمَ تنشغلون ، وممَ تفرحون وعلامَ تحزنون ، وإلامَ تنصرفون ، وما الذي يهمكم ، وما الذي يطربكم ، وما الذي يطمئنكم ، وما الذي يرضيكم , وما الذي يغضبكم ، إذا سألناهم هذه الأسئلة ، أو تفحصنا أعمالهم أو أصغينا إلى صوت أنفسهم لا نجد سوى جواب واحد , إنها الدنيا أكبر همنا ومبلغ علمنا ، وينتهي قصدنا ، ومعقد آمالنا ، فهذا يرى سعادته وخيره في المال فيعكف على جمع الدرهم والدينار ، ويضحي من أجله براحته وصحته ودينه ، ثم يكتشف في نهاية المطاف أن المال شيء ولكنه ليس كل شيء وإذا وفر له حاجاته المادية فإنه لا يستطيع أن يوفر له سعادته الروحية والنفسية .
 وهذا يرى سعادته وراحته في امرأة تسرُّه إذا نظر إليها ، فيسعى إليها ويضحي من أجلها بشيء كثير من دينه ، فيقدم لها تنازلات من سلوكه , وسمعته , واستقامته , ورجولته ، وبعد عمر مشحون بالمتاعب والهموم يكتشف في نهاية المطاف أن المرأة شيء ، ولكنها ليست كل شيء وإذا وفرت له بعض ما يظنه سعادة ، فقد سلبته السعادة الحقيقية التي ينعم بها المؤمن المستقيم إذا اقترب من مولاه الكريم ، وعمر قلبه تجلياته ونفحاته .
 وهذا يسعى إلى مركز مرموق ، ويرى فيه قمة المجد ، والسعادة فيضحي من أجله باستقامته ، وقيمه ودينه ، وبعد نهاية المطاف ، يرى أن عزة الطاعة ، ومجد الاستقامة هي كل شيء ، ولا يعدلها شيء .
 والآن يا أخي ؛ أجبني بربك .
 هل تحس بالسعادة الحقيقية ؟
 أو بشيء منها ؟
 في كل الأوقات أو في بعضها ؟
 هل حللت الأسباب واهتديت إلى المقومات ؟
 وهل انتقلت من القناعة إلى التنفيذ ؟
 هل ملأ المال نفسك ، أم أن نفسك أكبر منه ؟
 هل شغلت المرأة كل حياتك ، أم أن حياتك أكبر من أن تشغلها امرأة ؟
 هل استحوذ مكانك المرموق على كل مشاعرك ، أم أن مشاعرك أكبر؟
 هل أيقنت بأن السعادة الحقة التي تنشدها هي عند ربك ؟! ينابيعها وفي الاستقامة سبيلها ومساربها ؟
 والآن إلى القرآن الكريم :

﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾

[ سورة الشعراء ]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 38 ]

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾

[ سورة لقمان ]

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾

[ سورة فاطر ]

﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾

[ سورة البقرة ]

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾

[ سورة آل عمران الآية : 185]

﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آَيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة يونس ]

 ويقول الإمام علي كرم الله وجهه :

(( إنما مثلُ الدنيا مثلُ الحية لين مسُّها ، قاتل سُمها ، فأعرض عما يعجبك فيها لقلة ما يصحبك منها ، وضع عنك همومها لما أيقنت من فراقها ))

 وقال عليه الصلاة والسلام :

(( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ومنزل ترح لا منزل فرح فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء ، قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عقبى ، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً ، وعطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً ، فيأخذ ليعطي ، ويبتلي ليجزي ))

 وإن أسعد الناس بها أرغبهم عنها ، وأشقاهم بها أرغبهم فيها .

البعد عن الله هو أخطر الأمراض :

 ثم سؤال آخر يا أخي .
 هل تحس بالقلق ؟
 هل تحس بالانقباض ؟
 هل تشعر ببعض اليأس ؟
 هل تنتابك مشاعر القهر ؟
 هل تعيش حالة اللامبالاة ؟
 هل تحس بالضياع والتشتت ؟
 هل تنتابك مشاعر التشاؤم ؟
 هل تخاف من المستقبل ؟
 هل تشعر أن الحياة لا معنى لها ؟
 هل ترى أن القوي يأكل الضعيف ، وأن الحق للقوة ؟
 هل ترى أن الحياة لا معنى لها ؟
 وهل تعتقد أن الدين لا يصلح لهذه الأزمان ؟
 هل تقول إني لا أستطيع أن أستقيم على أمر الله ، ولا يستطيع أحد غيري أن يستقيم ؟
 هل تقول إننا أمة تمكر بها قوى البغي والعدوان ، لتحول دون تحررها وتقدمها ؟
 أخي إن كنت تحس بهذه المشاعر ، وتنتابك هذه الحالات ، وترى هذه التصورات , فاعلم أنها كلها أعراض لمرض واحد ، يعانيه معظم الناس ألا وهو البعد عن رب العالمين نفسياً وسلوكياً ، لقد أغلقت على نفسك منافذ الرحمن ، وفتحت عليها منافذ الشيطان ، على مصارعها .
 قال لك أقطاب الكفر إن العالم سيواجه مجاعة كبرى ، فصدقت وأما قول ربك :

﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾

[ سورة الذاريات]

 فلم تقبله ، أو لم تقرأه ، في قرآنه المجيد .
 قالوا لك إن الحياة الحقة تحتاج إلى دخل مرتفع ، فصدقت وحزنت لأنه ليس في متناول يديك ، وأما قول ربك :

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة النحل]

﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْماً وَلَا هَضْماً ﴾

[ سورة طه الآية : 112]

 وقوله :

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

[ سورة الجاثية]

 فلم تقبله ، أو لم تقرأه في قرآنه المجيد .
 قالوا لك إن الإنسان معرض لأمراض فتاكة ، ليس أخطرها الورم الخبيث وهذا صحيح ، وأن عليك أن تفحص جسمك من حين لآخر وفي فترات متقاربة , فأوقعوك في مرض الوهم الخبيث ، الذي هو أشد فتكاً من الورم الخبيث ، وربك يقول :

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾

[سورة النساء]

 فلم تقبله ، أو لم تقرأه ، في قرآنه المجيد .
 قالوا لك : عليك أن تؤمِّن ضد الوفاة ، والعجز والشيخوخة المبكرة والعاهات الدائمة ، وضد حوادث السيارات ، والطائرات ، وضد الحريق , وضد جميع الأخطار ، وفاتك أن التأمين لا يحول دون وقوع هذه المصائب , ولكنه يوفر لك مالاً لا يخفف منها ، فصدقت .
 وأما قوله ربك :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾

[ سورة فصلت]

 وقوله :

﴿ وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾

[ سورة النمل ]

 وقوله :

﴿ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ ﴾

[ سورة الأنعام ]

 والآن ؛ هل عرفت يا أخي لماذا أنت منقبض ، متشائم تحس بالقلق والضياع .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وصلوا ما بينكم وبين ربكم تسعدوا ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء .
 اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت ، واصرف عنا شر الأعمال لا يصرفها عنا إلا أنت .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS